الاستاذ الشاعر والصديق خشان خشان المحترم
تحية طيبة وقّبْل,
بعد الإذن من فارسات وفرسان منتدى اسماء الثقافية اسمح لي ان الحق بكرم ضيافتهم وجميل ترحيبهم فارحب بك قائلا : جمَّلت المنتدى ونورت جًعبَه , وجعلته يرتحق( استعمال خاص جديد ) من علمك كما يرتحق النحل من العسل !
وبعد ,
سرني اصرارك , وأطرتني ملاحقتك , فقلت لنفسي : يحدث يا معين ان يلحق الاستاذ تلميذا ... وخاصة بعدما كنت قد اعتبرته مائناً حين قسى بتهكم لطيف ( القصد منتدى واتا) وهمز ظريف. ها هو الآن يعود محسناً كريماً بهياً . ولذوي الحسنى والكرم والبهاء أيك في قلبي .
فقدمت أهلاً ووطئت سهلاً , ويجدر بإخوتي في منتدى اسماء الثقافية اليمني ( الدكتور سليمان القيسي و الاديبة ندى حمود الدكتورة رجاء ريان الشاعر ميلاد اليماني وغيرهم من المبدعين أن يخصصوا شهادة تقدير للاستاذ خشان على اكتشافه او تبنيه لطريقة العروض الرقمية ! يكفي أنه أخرج عقليتنا من التعلب ومنحنا امكانية التنقيب والبحث من اجل تجويد تراثنا وجعله قابلاً للنشوء والارتقاء ! امتداداً ونمواً عضوياً وليس استنساخاً !!
وما بعد بعد,
أقول أخي خشان ما قلت لأن بعض الردود التي وصلتني حول اقتراحي للأوزان الخمسة أفزعتني وكأنني ذراع كولنيالية امتدت الى ثوابتنا ! فراح البعض يجتهد وما هدفه سوى التفشيل والمداهمة الكلامية متناسيين ان لا كلام منزلاً سوى ما انزله الله في الفرآن الكريم , وكل ما قبله وما بعده قابل للجدل والنقاش والتحديث والتجويد والاضافة دون ان نشعر بالدونية وبالعداء لتراثنا , بل بالعكس , فالحقيقة تقول أن الذي يجوّد تراثه – كما فعلت اخي خشان في عروضك الرقمية – لهو العاشق الحقيقي لهذا التراث. !
ولكي لا أطيل عليك فسأدخل مباشرة الى صلب الموضوع : وهو البحور الخمسة ) ولكي أكون مقنعاً في حديثي وعرضي فلا بد لي من القول بأنني في صباي قرضت شعراً موزوناً ( صباي معناها جيل 8-12 سنوات –اليك بقصيدة كتبتها في الصف الثامن ابتدائي :
موال من مواويل الايام
ويضيع في الايام موال الشقاء *** وتضيع في الموال اعوام الصفاء
فنقول جاء ربيعها من شدوها *** وبنادق الاموات تهتف للفناء
وهلال ليلي مرة قد يختفي *** لكن ثانية يعود مع الضياء
لكنما جرح الهوى لا يكتفي*** بالصبر بالجلد اللجوج وبالدعاء
في كل حين يا شذائي يصطفي *** آهاً أكان ببسمة أو بالبكاء
***
يهوى ضباب الغيم في... في مقلتي *** ليحيل عمراً في ربيع للشتاء
يهوى فيَّ الاحزان يهوى دمعة *** قد دوزنت بيدي أشباح الشقاء
لتصير أمسية الحنين كمصيف *** يصطاف فيها ما تبقى من رجاء
لتصير امسية الحنين كمسرح *** يلهو عليها ضبابي أقدام الهباء
وأنا ملاكي ماكث متجلد **** في ضيعة الاشواق استجدي اللقاء
بحنين جرح صامت متماوت *** يخشى سكون الرمس , يخشى الانطواء
ويخاف نسيانا ولوما من هوى *** ويخاف يا فيروزتي عبء البقاء
يدعو ينادي نظرة من مقلة *** خرساء لا تصغي لآهات النداء
يدعو ينادي بسمة من مبسم ** مستسلم متكفن بفم الحياء
يدعو ينادي لمسة من مخلب ** قد يجرح الداني وان كان القضاء
يدعوك يا فيروزتي يدعوك كي *** تستقبلي فجر الهوى بدل المساء
***
لو استطيع حبيبتي ان ارتقي *** عرش العناد على متون الكبرياء
لصرخت في آذاننفسي صرخة ** لصرخت في عينيَّ : أغنيتي الدواء
يا منحنى الاشواق في سفح الهوى *** يا رنة الانات في اذن الهواء
يا مفرق الاحزان في ثغر الصبا *** يا نفحة الآهات في ناي الغناء
كفوا رحيلا في عروقي في دمي في خاطر الانات كي ينمو الولاء
تدنو ملاكي من جراحي خطوة *** لتلملم الآمال ولتبقي البلاء
آه شذائي لو أصير كدمعة ** تهمي تهمي على فجر الهوى خلف الضياء
آه ملاكي لو أصير كهمسة ** في ثغرك الوردي تشدو للحياء
لتفردست نار ولاحت غبظة *** وتبسمت مولودة عند المساء
لتنرجست أشواك حبي حلوتي ** وتدثرت في بسمة شفة المساء
لتأوهت شحرورة صداحة ** ومواسم الزيتون صارت للجناء
**
هيا ملاكي .. ادن مني خطوة ** نهدي الجراح على الذي فيه الشفاء
هيا ملاكي فالحياة كنغمة *** في جو احزان ينشدها القضاء
كما ترى منذ صغري انشدت شعراً موزوناً !! ولكن مع الايام والسنين بدأت انظم شعراً لا يتلاءم والاوزان . فبدأت اسأل نفسي : لماذا هذه النغمة غير واردة في البحور ؟؟ ولماذا هذه القصائد الكثيرة التي كتبتها والتي تتحكم بوزن ذاتها لا تحسب شعراً موزونا ً ؟ وما هي الفواصل الايقاعية وما هي التفعيلة وكيف بُنيت التفعيلة ومن قرر محدودية الذائقة العربية ! ولماذا نعتقد بأن علم العروض استوفى هدفه واكتمل علمه قبل 1200 سنة والعديد العديد من الاسئلة التي لم اجد لها اجابات لا عند الخليل ولا عند الاخفش ولا عند من اتى بعدهما من علماء علم العروض !.
وسرعان ما شرعت ادخل الى خلايا الايقاعات والنبرات الصوتية والتركيبات اللغوية من جهة , ومن جهة ثانية بدأت أشعر بحلقات مفقودة في الاوزان ... وفي بداية الامر توصلت الى نتيجة في غاية التطرف وهي أن الزحافات والعلل هي محاولة قوننة كسر الوزن في البحور , وعملياً النتيجة هي أن كل البحور مكسورة الوزن تناسباً مع تفعيلة البحر الصريحة ! أو أن اداة القياس التصنيفية للخليل بن احمد الفراهيدي البصري وسعيد بن مسعدة الاخفش غير دقيقة ويعم بها النقص والتطيين والتزيين !!!
ولكنني تراجعت عن هذا الادعاء غير العادل !! وقرأت أكثر وتعلمت أكثر وتوصلت الى المباديْ التي وجهتني في بحثي والتي قد تكون مناقضة بعض الشيء للعروض الرقمية ( وعلى هذا سنتناقش مستقبلاً كثيراً ) .
اليك بهذه المباديء :
* البحر بكامل هيأته النغمية وتفعيلاته الصريحه !
* لا يؤخذ البحر بزحافاته ولا بعلله ولا يقاس وفقها !!
* تشابه التقطيع لا يعكس بالضرورة تشابه التفعيلة ونغمتها الطبيعية
* كل النغمات مبنية من خلايا جبرية حاسوبية ثنائية ( سبب خفيف , سبب ثقيل أو تراكم هذه الثنائية لنستخرج منها وتداً مفروقاً ومقروناً وفاصلة كبرى وصغرى !
* كما أن الحرف هو الخلية التي تتركب منها الكلمة فهو في مقام الخلية التي تركب العضو والذرة التي تركب الجماد !!
* تآلف الخلايا يكون العضو ومجموعة من الاعضاء تكون الجسم !!
* تآلف الاحرف يكون الكلمة ومجموعة من الكلمات تكون الجملة !!
* تباين التآلفات في الحروف خلق تبايناً في الكلمات والتباين في الكلمات خلق تبايناً في موسيقى الصوت والنبرات وما يحكم على حدود وحدة التآلف هي الكلمة !!فالكلمة اذن الحجر الاساسي الذي يجب ان نسند اليه تفعيلة !! أو, الوحدة التي يحل عليها الحكم التفعيلي !!.
فحين نقول : جهور ٌ نفهم تواً بأنها فعول وهذا تقطيعها ب - -
وحين نقول جاهل نفهم بانها فاعلن وهذا تقطيعها - ب -
حين نقول مستنكراً نفهم بانها مستفعلن وهذا تقطيعها - - ب -!!
استناداً على هذا لا يجوز تجزأة التفعيلة الصريحة واستخراج تفعيلتين منها كأن نقول مستفعلن هي : فعلن الخببية وفعل الرجزية
لأننا بهذا سنفقد نغمة مستفعلن !!! الخارجة تطابقاً مع نغمتها !!
وهناك أمر آخر وهو ان التجزئة التقطيعية قد تتشابه , ولنأخذ مستفعلن التي نحن بصددها
مستفعلن هذا تقطيعها - - ب -
مُتْفاعلٌ هذا تقطيعها - - ب – ( اضمار مُتَفَاعلن )
مستفع لن هذا تقطيعها - - ب – الخفيف
مستفعلان هذا تقطيعها - - ب - ( مجزوء البسيط)
مُتْفاعلان هذا تقطيعها - - ب - ( ضرب مذال مجزوء الكامل )
ولننتبه فأن نغمة كل تفعيلة على حدة لا تشبه بالمرة نغمة التفعيلة التي تليها او التي قبلها رغم تشابه التقطيع !!
من هنا نستنتج بأن التقطيع أداة بعدية وليست قبلية وان تشابه التقطيع لا يستدل منه على النغمة ولو كان الامر كذلك لما اخترع الفراهيدي كل هذه الزحافات وادخل مكانها تفعيلة مستفعلن !!
ولهذا أخي خشان , يقيناً أن ما يحكم على سلامة البحر هو كامل هيأته التفعيلية الصريحة متطابقة مع النغمة ولا يؤخذ البحر بزحافاته !
خذ هذا المثل :
حين نضمر متفاعل في البحر الكامل تصبح مُتْفاعل وتقطيعها كمستفعلن في الرجز والبحران مكونان من ست تفعيلات !! وهذا ما يحدث بين المجتث والمضارع !!
لكي لا أطيل عليك الكلام , وبعد أن بنيت لنفسي صورة واضحة عن الاوزان سألت : لماذا مثلاً كلمة نسج أو عزف لا توزن صريحة بتفعيلة؟ ولماذا كلمة استشهد ( افتعل ) لا توزن بتفعيلة كاملة ؟ وكلمة مستعملة ( مستفعلتن ) و - معلمات ( متفعلاتن ) لا توزانا بتفعيلة كاملة
وعدت على مجموعة كبيرة من قصائدي التي لم تكتب وفق الاوزان ووجدت بينها مجموعة من القصائد التي تتناسب ونغمة البحور التي اقترحتها وهي خالية من التعقيد وخالية من العلل والزحافات! وان كان منها ما يشبه او يذكر بالبحور فذالك لانها من نفس المصدر ومن نفس الام : اللغة العربية والروح العربية !!
والان أخي الشاعر الفذ خشان ,
تخيل لو بدأنا بنقد البحور العربية بنفس المعايير التي انتقدت بها أوزاني !!
جرب وسترى في نهاية الامر بأن مجموعة كبيرة من البحور هي بمثابة تشويه الواحد للاخر او تحوير او خروج عن !!
وأخيراً
بدأت بدراسة الرقمي . تنقصنا معلومات كثيرة . وعندنا الكثير من الاسئلة مثلاً
1- ما هو مقام التفعيلة في العروض الرقمية !
2- هل جوهر الميزان الرقمي هو التجزئة الصوتية والحركية فقط !
3- كيف تؤطر حدود النغمة في البيت الكامل !
4- كما يبدو فان الطريقة الرقمية هي نسف للطريقة الفراهيدية وعودة الى ما قبله لرصد النغمات بالارقام !! ألا تخشى وقد -اثبتُ ذلك - بأن تشابه التقطيع الصوتي الحركي لا يتشابه بالضرورة والموسيقى الصادرة توأمة مع الكلمة ؟
5- لماذا ينحو الرقميون الى تشويه او تغيير البيت الاصلي ليثبتوا بواسطة بيتهم المشوه للاصل بان الاصل مشوه عن احد البحور !
6- لماذا وقد صادفت ذلك كثيراً تبنون النقد على فرض الزيادة او النقصان ( كأن تقول : لو زدنا هنا حركة أو سبباً خفيفاً أو ثقيلاً – لاصبح هذا البيت خبباً (مثلاً ) والخ من الاحتمالات ؟
7- أهل يحق لي مثلاً بان ادعي أن متفاعل الكامل مضمرة ولتشابه تقطيعها مع مستفعلن هي تشويه للرجز ؟؟
8- أهل هناك سبيل للرقمي ليحل هذه الاشكالات ؟؟
أنا متفائل من الطريقة الرقمية ولكنني لم أتعلمها بعد ولم اصبح مهنياً بها ! حتي حينها لك مني أجمل الامنيات ولا يضرني ويضر القراء ان تنيرنا بالاجابات وعلى فكره:
أهل انت من ابتكر هذه الطريق أم انك مروج لها فقط ؟
والى اللقاء في الحوار القادم
رعاك الله واسعدك
بمودة معين محمد حاطوم