غمدان الشامي
6th November 2007, 08:56 PM
بين النثر والهذر
بقلم :محمود أبو حامد
الهروب من الشعر للنثر قد يلاقيه هروب من النثر للشعر، لكن شتان مابين شعرية الرواية أو القصة، وما نطلقه هذه الأيام من تسميات على ما نقرأه أو نسمعه من ترنيم وهذيان وهذر وتوالد وانزياح. صحيح أن هناك ما يسميه النقاد بالانزياح الشعري، أي أن المفردة حين تقع في السياق الشعري تفقد معناها القاموسي وتكتسب معنى دلاليا جديدا يفرضه السياق الذي تخضع له.
ولكن هذا لا يعني أن نقع في الغموض والإبهام، ويقودنا الهذيان نحو الضياع وغياب المنطق، ويموج بنا الترنيم لتحويل الشعر إلى سجع يغنى ولا يطرب، ويأخذنا الهذر إلى عتمة بعيدة كل البعد عن المنابت الحقيقية للمشاعر والأفكار، فتضيع الرؤيا وتغيب الرؤية.وما بالك إذا انعدمت الموسيقى والأوزان أيضاً، وراح مدعوا الشعر يترنحون بين النثر والهذر، والغموض والهذيان ماذا سيتبقى حينها؟
إذا قلنا أن ثمة حكاية، فيمكن للقصة أن تحتضنها، بل وتؤسسها وتتأسس عليها.. وإذا قلنا أن ثمة رأيا أو رسالة أو خاطرة أو.. فثمة أجناس تستوعب خلطها وتداخلاتها.. وإذا قلنا أن ثمة شعرا فالأوزان والتفعيلات والقوافي والموسيقى تتناغم مع الحدس.. وعند الشاعر محمود درويش تبدأ القصيدة من الحدس، والحدس يأخذ شكل الصورة، أي يصير الغامض والحلمي مجموعة صور..
لكن حتى هذا كي يفتتح مجرى القصيدة، يجب أن تتحول الصور إلى إيقاعات، وعندما تحمل الصور إيقاعاتها يحس درويش أن القصيدة بدأت تحفر مجرى لها داخل أجناس أدبية غير محددة، هنا تكمن صعوبة الكتابة الشعرية، وهنا تحفر القصيدة مجراها في كتابات لا تنتهي.
ولكن إذا كان ثمة دفق شعوري، وبوح مكثف وأسلوب موحي وبلاغة وجزالة ورؤية.. وصاحب كل هذا مبدع لكنه لا يملك أذنا موسيقية، ولا تتحول الصور عنده إلى إيقاعات، كما درويش، فما الجنس الذي يناسبه ؟؟ وماذا عن قصيدة النثر؟
إن قصيدة النثر فرضت ذاتها بذاتها، ليس لأن صّناعها مبدعون وخلاقون، بل لأن هناك ضرورة لوجود مثل هذا الجنس الأدبي للتعبير عن حالات ورؤى وتوليفات وتجليات ومفارقات وانزياحات.. وحتى هذيانات لم تتسعها الأجناس الأخرى، أو لم تستوعبها.
إن قصيدة النثر جنس أدبي جديد يمتلك كل مقومات الشعر ما عدا مكوناته المقيدة للشعرية أحياناً، كانغلاق البحور، ونمطية التفعيلة ومحدودية الانشطار أو التفكيك للفكرة أو حتى المفردة، وإشكاليات الانزياح نحو أجناس أدبية أخرى.. ففي قصيدة النثر مقدمة وحبكة وخاتمة، لكنها خاتمة واخزة أو مفاجئة أو مضيفة لحالات تعجز عن تكثيفها الرواية والقصة..
وفيها حكاية أو خاطرة لكنها أقرب إلى اللقطة منها إلى التداعي أو الهذيان، و«أوضح من الطلقة وأبسط من الماء»، وفيها تأخير وتقديم له دلالاته اللغوية والنحوية المبدعة، وفيها مقدمات ونتائج وتداع جدلي يأخذ القارئ إلى رؤى وأسئلة تعجز القصائد الأخرى عن تحقيقها بسطور معدودة، لأن المفردة المناسبة للدلالة والمتناغمة مع التوليفات والتجريدات وغيرها تفرض ذاتها دون تقطيع للساكن والمتحرك فيها، أو تزيلها بقافيتها.
وحكمة ومفارقات لغوية تعيد للقواميس ألقها وتجددها.. وفيها نقلات نوعية وخلخلات لبلادة السكينة، وانزياحات لنمطية الرؤية، وفيها تريث وانفجار.. لكن كل هذا بأسلوب مكثف موح وجزالة لغوية تمنح النثر تسميته الرفيعة، وبلاغة مبدعة تجعل من التراتب الحرفي للكلمات جرسا موسيقيا أخاذا، ولسياق الجملة سلاسة ورشاقة، وفيها خبرة في علم النحو والتجويد، وغناء فكري يجعل للرؤية قيمة إنسانية راقية.
بقلم :محمود أبو حامد
الهروب من الشعر للنثر قد يلاقيه هروب من النثر للشعر، لكن شتان مابين شعرية الرواية أو القصة، وما نطلقه هذه الأيام من تسميات على ما نقرأه أو نسمعه من ترنيم وهذيان وهذر وتوالد وانزياح. صحيح أن هناك ما يسميه النقاد بالانزياح الشعري، أي أن المفردة حين تقع في السياق الشعري تفقد معناها القاموسي وتكتسب معنى دلاليا جديدا يفرضه السياق الذي تخضع له.
ولكن هذا لا يعني أن نقع في الغموض والإبهام، ويقودنا الهذيان نحو الضياع وغياب المنطق، ويموج بنا الترنيم لتحويل الشعر إلى سجع يغنى ولا يطرب، ويأخذنا الهذر إلى عتمة بعيدة كل البعد عن المنابت الحقيقية للمشاعر والأفكار، فتضيع الرؤيا وتغيب الرؤية.وما بالك إذا انعدمت الموسيقى والأوزان أيضاً، وراح مدعوا الشعر يترنحون بين النثر والهذر، والغموض والهذيان ماذا سيتبقى حينها؟
إذا قلنا أن ثمة حكاية، فيمكن للقصة أن تحتضنها، بل وتؤسسها وتتأسس عليها.. وإذا قلنا أن ثمة رأيا أو رسالة أو خاطرة أو.. فثمة أجناس تستوعب خلطها وتداخلاتها.. وإذا قلنا أن ثمة شعرا فالأوزان والتفعيلات والقوافي والموسيقى تتناغم مع الحدس.. وعند الشاعر محمود درويش تبدأ القصيدة من الحدس، والحدس يأخذ شكل الصورة، أي يصير الغامض والحلمي مجموعة صور..
لكن حتى هذا كي يفتتح مجرى القصيدة، يجب أن تتحول الصور إلى إيقاعات، وعندما تحمل الصور إيقاعاتها يحس درويش أن القصيدة بدأت تحفر مجرى لها داخل أجناس أدبية غير محددة، هنا تكمن صعوبة الكتابة الشعرية، وهنا تحفر القصيدة مجراها في كتابات لا تنتهي.
ولكن إذا كان ثمة دفق شعوري، وبوح مكثف وأسلوب موحي وبلاغة وجزالة ورؤية.. وصاحب كل هذا مبدع لكنه لا يملك أذنا موسيقية، ولا تتحول الصور عنده إلى إيقاعات، كما درويش، فما الجنس الذي يناسبه ؟؟ وماذا عن قصيدة النثر؟
إن قصيدة النثر فرضت ذاتها بذاتها، ليس لأن صّناعها مبدعون وخلاقون، بل لأن هناك ضرورة لوجود مثل هذا الجنس الأدبي للتعبير عن حالات ورؤى وتوليفات وتجليات ومفارقات وانزياحات.. وحتى هذيانات لم تتسعها الأجناس الأخرى، أو لم تستوعبها.
إن قصيدة النثر جنس أدبي جديد يمتلك كل مقومات الشعر ما عدا مكوناته المقيدة للشعرية أحياناً، كانغلاق البحور، ونمطية التفعيلة ومحدودية الانشطار أو التفكيك للفكرة أو حتى المفردة، وإشكاليات الانزياح نحو أجناس أدبية أخرى.. ففي قصيدة النثر مقدمة وحبكة وخاتمة، لكنها خاتمة واخزة أو مفاجئة أو مضيفة لحالات تعجز عن تكثيفها الرواية والقصة..
وفيها حكاية أو خاطرة لكنها أقرب إلى اللقطة منها إلى التداعي أو الهذيان، و«أوضح من الطلقة وأبسط من الماء»، وفيها تأخير وتقديم له دلالاته اللغوية والنحوية المبدعة، وفيها مقدمات ونتائج وتداع جدلي يأخذ القارئ إلى رؤى وأسئلة تعجز القصائد الأخرى عن تحقيقها بسطور معدودة، لأن المفردة المناسبة للدلالة والمتناغمة مع التوليفات والتجريدات وغيرها تفرض ذاتها دون تقطيع للساكن والمتحرك فيها، أو تزيلها بقافيتها.
وحكمة ومفارقات لغوية تعيد للقواميس ألقها وتجددها.. وفيها نقلات نوعية وخلخلات لبلادة السكينة، وانزياحات لنمطية الرؤية، وفيها تريث وانفجار.. لكن كل هذا بأسلوب مكثف موح وجزالة لغوية تمنح النثر تسميته الرفيعة، وبلاغة مبدعة تجعل من التراتب الحرفي للكلمات جرسا موسيقيا أخاذا، ولسياق الجملة سلاسة ورشاقة، وفيها خبرة في علم النحو والتجويد، وغناء فكري يجعل للرؤية قيمة إنسانية راقية.