أبيات
14th August 2007, 08:26 PM
الرواية الليبية.. أزمة هوية
بقلم: حسن أحمد الأشلم
وصفت الرواية في مرحلتها الرومانسية بأنها ملحمة البرجوازية, أما اليوم فإن المشهد الروائي -عربياً كان أم أجنبياً- يؤكد بأن الرواية قد أضحت ملحمة للإنسانية قاطبة؛ ففي إطار المشهد الأدبي العربي جسدت الرواية تحولات المجتمع العربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ما جعلها توصف بديوان العرب الجديد , الأمر الذي أدى إلى انتشارها كماً ونوعاً, وذلك على مستويي الروائيين والروايات وكذلك على مستويي القراءة والنقد, أما بالنسبة للرواية الليبية فإن الأمر يكتسي طابعاً يحمل همّاً محلياً محضاً, يجعلنا نتساءل أو نطرح سؤالاً من نمط السهل الممتنع فحواه: هل نعيش –فعلاً- عصر الرواية الليبية؟.
مبدئياً يمكن الجزم بوجود رواية ليبية وهذه حقيقة لا يستطيع أيّ كان إنكارها؛ فمنذ مطلع ستينات القرن المنصرم والساحة الأدبية الليبية لا تكف عن إظهار الروايات والروائيين ففي الستينات برزت أسماء: محمد فريد سيالة, ومرضية النعاس, وسعد عمر غفير, ويزداد هذا الزخم في مرحلة السبعينات والثمانينات حيث لمعت أسماء: الصادق النيهوم, ورجب أبو دبوس, ومحمد صالح القمودي, وصالح السنوسي, وأحمد نصر, وإبراهيم الكوني, وخليفة حسين مصطفى, كما شهدت هذه المرحلة بروز عدد من الأقلام النسوية كفوزية شلابي ونادرة العويتي , وشريفة القيادي, ولكن المنعطف الذي مرت به الرواية الليبية تتمظهر في انحسار هذا المدّ اعتباراً من منتصف التسعينات تلك الفترة التي كان من المفترض أن تشهد حركة نشطة في مستويي الإبداع والنقد, وبخاصة في ظل الزخم الكبير الذي شهدته الدراسات الأكاديمية الخاصة بالسرديات على النطاق الإقليمي, وكذلك لتزايد أعداد الأكاديميين على النطاق المحلي, ولكن ما حدث كان عكس ذلك فشهدت الساحة الأدبية فراغاً إبداعياً فلم تبرز أقلام جديدة جادة؛ بحيث تفرض نفسها من خلال كتابات تكسر السائدة, فما ظهر كان امتداداً للمرحلتين السابقتين, يضاف إلى ذلك انقطاع الروائيين السابقين عن الكتابة فلم يتبقَّ إلا القليل منهم؛ فهذا خليفة حسين مصطفى يصدر روايته (ليالي نجمة) في نهاية التسعينات, ولازلنا في انتظار مولود جديد –طال انتظاره- لأحمد إبراهيم الفقيه بعد ثلاثيته المشهورة, أما إبراهيم الكوني فظلت تجربته الرواية مطردة لظروف معينة خاصة بالنشر من جهة, وبطبيعة ما يكتبه من جهة أخرى, وما سبق طرحه يعطي مؤشراً قوياً على وجود رواية ليبية من الممكن أن تخلق هويتها الخاصة بها, لكن المؤكد هو أن الرواية الليبية تعيش أزمة, وتعترضها كثير من العراقيل, وفي زعمي المتواضع فإن ملامح الأزمة والعراقيل تشمل العملية الإبداعية بجوانبها المختلفة المتمثلة في المبدع والناقد وأخيراً القراءة والنشر.
أولاً: أزمة الإبداع:
لعل أهم معضلة تواجه الرواية الليبية على مستوى الإبداع هو ذلك الإيحاء بالإغراق في الماضوية في الطرح المضموني, ومن ثم العزوف عن معالجة القضايا التي تمس الراهن, فقد أغفلت الرواية –غالباً- مقاربة الواقع وخاصة بعد قيام الثورة الذي ششهد تحولات جذرية أثرت في بناه المتعددة اقتصادياً, وسياسياً واجتماعياً وثقافياً, ما أعطى إيحاء بوجود هوّة بين النص ودلالاته على القضايا المعاصرة, ومن ثم الساهمة في تقديم رؤية ناضجة تجاه ما يجري من تحولات داخل المجتمع, وذلك جزء من مهمة الرواية, وفي هذا السياق يقول ميشال بوتور: (الرواية تعبير عن مجتمع يتغير, ولا يلبث أن تصبح تعبيراً عن مجتمع يعي أنه يتغير).
أما المعضلة الأخرى فتتجسد في انصراف الرواية الليبية إلى إبراز الجانب الأيديولوجي بصورة مباشرة؛ من خلال تحولها إلى ممارسة الدور الإصلاحي على الصعيد الاجتماعي وتغييب الاهتمام بتطوير الشكل الروائي, وربما عاد ذلك إلى كون معظم الروائيين ممارسين لكتابة القصة القصيرة في مرحلة الخمسينات والستينات, حيث مارست دوراً إصلاحياً اجتماعياً, وإن قبل هذا الدور على صعيد القصة القصيرة لخصوصيتها المضمونية والشكلية فإن ذلك لا يمكن التسليم به في الحقل الروائي, ذلك أنه يتميز بخصوصية تجعله متطلباً أدوات لعل أهمها ضرورة توفر الرؤية الناضجة المتأنية للواقع, بالإضافة إلى النفس الطويل في الكتابة, مع أهمية الانتباه إلى طبيعة الرواية المرنة التي لا تقبل الرضوخ إلى قوانين محددة وصارمة؛ فالرواية هي النوع الأدبي الوحيد –على رأي باختين- الذي لم يكتمل فنياً بعد, ما يعني أنها فضاء للإبداع ومجال للتجديد, فهي ليست وعاء لنقل وقائع أو لتجميع آراء بصورة مجردة, وهو ما عبر عنه ميلان كونديرا بدقة متناهية عندما قال: بأن الرواية تأمل في الوجود, ومن ثم فهي بعيدة عن التأريخ للواقع, ولعل هذا المأزق هو ما وقعت فيه الرواية الليبية التي لم تضع بصمتها المميزة فنياً ومضمونياً باستثناء محاولات محدودة للصادق النيهوم, وأحمد إبراهيم الفقيه, وأحمد نصر, وخليفة حسين مصطفى, وأخرى جادة ومطردة لإبراهيم الكوني.
أما المعضلة الكبرى فتتجسد في انقطاع العديد من الروائيين الليبيين من الرواية الأولى أو الثانية, على نحو ما فعل رجب أبو دبوس والنيهوم وفوزية شلابي.., الأمر الذي يدعم حقيقة وجود مؤشر على وقوع الكاتب في حالة إفلاس إبداعي, أو تفريغ للرؤى من النص الأول, وذلك بسبب تحول الرواية إلى مجرد وعاء للفكرة المجردة من دون السعي إلى تطويرها لتصبح حاملة لملامح تجربة إبداعية متصفة بالنضج على صعيدي الرؤية والأداة.
ثانياً: أزمة النقد:
عانت الرواية الليبية ولا زالت من الاغتراب عن الحركة النقدية الجادة,التي تستطيع مواكبة مسيرتها الطويلة؛ فالمؤسسات الأكاديمية –بصفة شبه عامة- لا تعترف بشيء اسمه أدب ليبي بصفة عامة ناهيك عن هذا التقاعس فإنه يبرر من خلال ظهور أول دراسة متكاملة عن الرواية الليبية ظهرت على يد الناقد السوري (سمر روحي الفيصل) في كتابية (دراسات في الرواية الليبية, ونهوض الرواية العربية الليبية), وفي هذا السياق يؤكد الناقد السوري بأن الرواية الليبية لم تنل الاعترافين الشعبي والرسمي, ويتدعم هذا الرأي بظهور بواكير الدراسات الأكاديمية عن الرواية الليبية من خارج ليبيا ممثلة في دراسات: (خالد جهيمة, وعلي برهانة, وفاطمة الحاجي), أما أول دراسة أكاديمية في جامعتنا الموقرة فقد جاءت بعد ثمان وثلاثين سنة من ظهور أول رواية ليبية من خلال دراسة الأستاذ أحمد الشيلابي الموسوعة بـ(القضايا الاجتماعية في الرواية الليبية).
أما النقد الصحفي فلم يتجاوز -غالباً- نمط النقد الانطباعي المتصف بالميل إلى إصدار أحكام القيمة المتسرعة, ومن ثم الافتقار إلى المنهجية المحددة, وانعدام الخضوع إلى الرؤية الواضحة, وقد تدخل فيه –أحياناً- المجاملة أو الحسابات المسبقة بين الناقد والمبدع.
ما سبق طرحه عن تخلف النقد عن مواكبة الرواية لا يخفى تأثير على العجلة الإبداعية؛ فيذكر الكاتب الروائي أحمد نصر بأنه قد قرأ نقد سمر روحي الفيصل لروايته (وميض في جدار الليل) بعد مُضي عشر سنوات على نشرها, ويقول بأنه لو قرأ ما كتبه الفيصل بعد النشر مباشرة لشجعه على كتابة روايتين أو ثلاث بعدها)؛ وللخروج من هذا المأزق فلا مناص للمؤسسة الأكاديمية من كسر طوق الجمود والخروج من قوقعتها, والسماح للطاقات النقدية بإثراء المشهد الروائي الليبي, وهي وإن لم تخلق مبدعين فنياً ونقدياً فإنها –على الأقل- ستسهم في الارتقاء بالذائقة إلى مستوى القراءة الواعية المتفاعلة, ولابد للأكاديميين العاملين بالمؤسسة الجامعية من التحول إلى قوة منتجة والتخلي عن ممارسة دور المصحح المدرسي, وذلك بمواكبة ما يطرح في المشهد الأدبي من نصوص؛ ما يسهم في إثرائها, ومن ثم ضبط إيقاع العملية الإبداعية بين الكاتب والقارئ, أما النقاد الصحفيون فإن عليهم أن يقوموا بإذابة الجليد, المتمثل في سيطرة رموز معينة على منابر الكتابات النقدية في الدوريات الليبية, بحيث يتم تشبيب هذه المنابر, باقتحام الأكاديميين فيها لخلق حوارية نقدية جادة, استبشر بها محمد المهدي أبو حامد قبل خمسين عاماً, لكن يبدو أنها لم تأخذ زخمها المرجو, عندما قال: (أملنا قوي أن نكتب ونكتب ونكتب ونتحاور ونتخاصم ونختلف حول كل موضوع في ميدان العلم والأدب والفن؛ لننتج النهضة التي نرضى عنها ونستطيع أن نفاخر بها).
ثالثاً: أزمة القراءة ومعضلة النشر:
لا يمكن اتهام حركة النشر بتحمل مسؤولية انحسار المد الروائي بأكملها؛ حيث يبقى النشر مغامرة اقتصادية خاضعة لحسابات الربح والخسارة النابعة من ثنائية العرض والطلب, فالناشر يتعامل مع سوق قوام حركته القارئ؛ فما أهمية نص من دون قارئ؟!, ومن ثم يمكن الزعم بأن الأزمة هي أزمة قراءة وليست أزمة نشر؛ فنحن شعب لا يقرأ بصفة عامة, والمؤشر الإحصائي لا يحتاج إلى كثير من التمحل, فلا تزال كثير من النصوص على أرفف المكتبات لمدة جاوزت العشرين عاماً, بينما كان المطبوع منها لا يتجاوز بضعة آلاف, ومن ثم فإنه من المستحيل أن نطالب بمد روائي وطلابنا يجهلون أدباً اسمه (الرواية) من قمة الهرم التعليمي إلى قاعدته العريضة.
وأزعم بأن الروائي الليبي قادر على الإنتاج في حال توفر المناخ النقدي الملائم المدعم بحركة قراءة ونشر فاعلتين, ولعل أكبر دليل على ذلك هو الكم الكبير من النصوص الروائية المخطوطة, التي لا تزال في انتظار مغامر- أو بالأحرى مقامر يقوم بنشرها.
إن السؤال المهم -هنا- فحواه: هل من حلول؟
يمكن الزعم بإمكانية تجاوز الرواية الليبية لأزمتها عبر حركة نقدية نشطة, وكذلك بإدخالها إلى مجال الدرس الأكاديمي, وكذلك بتنشيط حضور النصوص السردية في المناهج الدراسية الأساسية والمتوسطة, مع ضرورة الاستفادة من النصوص الروائية في تنشيط المشهد الفني؛ عبر تحويلها إلى أعمال درامية مسموعة ومرئية, ويجب عدم التغاضي عن تفعيل دور المكتبات الجامعية والأهلية والمراكز الثقافية الراكدة حالياً, إلى جانب التركيز علي المسابقات الأدبية على المستوى الإبداعي, وتفعيل المشهد النقدي؛ بإقامة الحلقات النقدية المنتظمة, كما لا ينبغي إهمال أهمية الإشهار الإعلامي؛ وذلك عبر الإسهام في التعريف بالنصوص, ومن ثم دمجها في منظومة القراءة الشاملة المركبة وسيبقى العبء الأكبر على عاتق الكاتب الروائي الليبي الذي عليه أن يدرك حقيقة مهمة تتعلق بطبيعة الرواية, تتعلق بكون الرواية ليست نقلاً لحقائق تاريخية ولا فضاءً للعظات الأخلاقية, كما أن الرواية لا تضع حلولاً لقضايا أو معضلات تواجه الواقع, ف...-الرواية- عملية معقدة تلعب فيها الجوانب الجمالية دوراً مهماً, وهذا الجمالي يطال المضمون والشكل على حد سواء, وهذا الشكل الجمالي لابد أن يمر عبر بوابة الذاتي أو المحلي, فلابد لتكوين هوية للرواية الليبية من الانطلاق من خصوصيتنا المحلية, ولنصل إلى ذلك فلابد أن نرى في روايتنا (زيتوننا ونخيلنا, جبالنا وصحراءنا وقيزاننا, وأن نشم فيها روائح بحرنا وزهور جبالنا وودياننا, وأن تُلوَّن بزهور الأقحوان والقرعون, وأن نتذوق فيها طعم "الترفاس" وثمار البطُّوم), ولابد لروايتنا من أن تخلق شخصيات فيها رائحة الواقع وليست انعكاساً مباشراً له, نريد عالماً روائياً يصدم مخيلة القارئ, ويعيد التوازن إليها لكي نتفاعل مع واقعها وقضاياها المحلية والإقليمية, وليس أدباً يستقي شكله ومضمونه من أنماط روائية لا تمت إلى واقعنا بصلة, أو أدباً يلعب على المحلية المبنية على الذهنية المباشرة والخطابية الفجّة, وللمتسائلين عن (الكوني) وسرّ اطارده بتجربته, وانبهار الآخر به أقول: بأن الكوني لم يستنسخ أدبه من خارج فضائه الخاص, وإنما كتب ما يعرف وعما عاشه وخبره
بقلم: حسن أحمد الأشلم
وصفت الرواية في مرحلتها الرومانسية بأنها ملحمة البرجوازية, أما اليوم فإن المشهد الروائي -عربياً كان أم أجنبياً- يؤكد بأن الرواية قد أضحت ملحمة للإنسانية قاطبة؛ ففي إطار المشهد الأدبي العربي جسدت الرواية تحولات المجتمع العربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً ما جعلها توصف بديوان العرب الجديد , الأمر الذي أدى إلى انتشارها كماً ونوعاً, وذلك على مستويي الروائيين والروايات وكذلك على مستويي القراءة والنقد, أما بالنسبة للرواية الليبية فإن الأمر يكتسي طابعاً يحمل همّاً محلياً محضاً, يجعلنا نتساءل أو نطرح سؤالاً من نمط السهل الممتنع فحواه: هل نعيش –فعلاً- عصر الرواية الليبية؟.
مبدئياً يمكن الجزم بوجود رواية ليبية وهذه حقيقة لا يستطيع أيّ كان إنكارها؛ فمنذ مطلع ستينات القرن المنصرم والساحة الأدبية الليبية لا تكف عن إظهار الروايات والروائيين ففي الستينات برزت أسماء: محمد فريد سيالة, ومرضية النعاس, وسعد عمر غفير, ويزداد هذا الزخم في مرحلة السبعينات والثمانينات حيث لمعت أسماء: الصادق النيهوم, ورجب أبو دبوس, ومحمد صالح القمودي, وصالح السنوسي, وأحمد نصر, وإبراهيم الكوني, وخليفة حسين مصطفى, كما شهدت هذه المرحلة بروز عدد من الأقلام النسوية كفوزية شلابي ونادرة العويتي , وشريفة القيادي, ولكن المنعطف الذي مرت به الرواية الليبية تتمظهر في انحسار هذا المدّ اعتباراً من منتصف التسعينات تلك الفترة التي كان من المفترض أن تشهد حركة نشطة في مستويي الإبداع والنقد, وبخاصة في ظل الزخم الكبير الذي شهدته الدراسات الأكاديمية الخاصة بالسرديات على النطاق الإقليمي, وكذلك لتزايد أعداد الأكاديميين على النطاق المحلي, ولكن ما حدث كان عكس ذلك فشهدت الساحة الأدبية فراغاً إبداعياً فلم تبرز أقلام جديدة جادة؛ بحيث تفرض نفسها من خلال كتابات تكسر السائدة, فما ظهر كان امتداداً للمرحلتين السابقتين, يضاف إلى ذلك انقطاع الروائيين السابقين عن الكتابة فلم يتبقَّ إلا القليل منهم؛ فهذا خليفة حسين مصطفى يصدر روايته (ليالي نجمة) في نهاية التسعينات, ولازلنا في انتظار مولود جديد –طال انتظاره- لأحمد إبراهيم الفقيه بعد ثلاثيته المشهورة, أما إبراهيم الكوني فظلت تجربته الرواية مطردة لظروف معينة خاصة بالنشر من جهة, وبطبيعة ما يكتبه من جهة أخرى, وما سبق طرحه يعطي مؤشراً قوياً على وجود رواية ليبية من الممكن أن تخلق هويتها الخاصة بها, لكن المؤكد هو أن الرواية الليبية تعيش أزمة, وتعترضها كثير من العراقيل, وفي زعمي المتواضع فإن ملامح الأزمة والعراقيل تشمل العملية الإبداعية بجوانبها المختلفة المتمثلة في المبدع والناقد وأخيراً القراءة والنشر.
أولاً: أزمة الإبداع:
لعل أهم معضلة تواجه الرواية الليبية على مستوى الإبداع هو ذلك الإيحاء بالإغراق في الماضوية في الطرح المضموني, ومن ثم العزوف عن معالجة القضايا التي تمس الراهن, فقد أغفلت الرواية –غالباً- مقاربة الواقع وخاصة بعد قيام الثورة الذي ششهد تحولات جذرية أثرت في بناه المتعددة اقتصادياً, وسياسياً واجتماعياً وثقافياً, ما أعطى إيحاء بوجود هوّة بين النص ودلالاته على القضايا المعاصرة, ومن ثم الساهمة في تقديم رؤية ناضجة تجاه ما يجري من تحولات داخل المجتمع, وذلك جزء من مهمة الرواية, وفي هذا السياق يقول ميشال بوتور: (الرواية تعبير عن مجتمع يتغير, ولا يلبث أن تصبح تعبيراً عن مجتمع يعي أنه يتغير).
أما المعضلة الأخرى فتتجسد في انصراف الرواية الليبية إلى إبراز الجانب الأيديولوجي بصورة مباشرة؛ من خلال تحولها إلى ممارسة الدور الإصلاحي على الصعيد الاجتماعي وتغييب الاهتمام بتطوير الشكل الروائي, وربما عاد ذلك إلى كون معظم الروائيين ممارسين لكتابة القصة القصيرة في مرحلة الخمسينات والستينات, حيث مارست دوراً إصلاحياً اجتماعياً, وإن قبل هذا الدور على صعيد القصة القصيرة لخصوصيتها المضمونية والشكلية فإن ذلك لا يمكن التسليم به في الحقل الروائي, ذلك أنه يتميز بخصوصية تجعله متطلباً أدوات لعل أهمها ضرورة توفر الرؤية الناضجة المتأنية للواقع, بالإضافة إلى النفس الطويل في الكتابة, مع أهمية الانتباه إلى طبيعة الرواية المرنة التي لا تقبل الرضوخ إلى قوانين محددة وصارمة؛ فالرواية هي النوع الأدبي الوحيد –على رأي باختين- الذي لم يكتمل فنياً بعد, ما يعني أنها فضاء للإبداع ومجال للتجديد, فهي ليست وعاء لنقل وقائع أو لتجميع آراء بصورة مجردة, وهو ما عبر عنه ميلان كونديرا بدقة متناهية عندما قال: بأن الرواية تأمل في الوجود, ومن ثم فهي بعيدة عن التأريخ للواقع, ولعل هذا المأزق هو ما وقعت فيه الرواية الليبية التي لم تضع بصمتها المميزة فنياً ومضمونياً باستثناء محاولات محدودة للصادق النيهوم, وأحمد إبراهيم الفقيه, وأحمد نصر, وخليفة حسين مصطفى, وأخرى جادة ومطردة لإبراهيم الكوني.
أما المعضلة الكبرى فتتجسد في انقطاع العديد من الروائيين الليبيين من الرواية الأولى أو الثانية, على نحو ما فعل رجب أبو دبوس والنيهوم وفوزية شلابي.., الأمر الذي يدعم حقيقة وجود مؤشر على وقوع الكاتب في حالة إفلاس إبداعي, أو تفريغ للرؤى من النص الأول, وذلك بسبب تحول الرواية إلى مجرد وعاء للفكرة المجردة من دون السعي إلى تطويرها لتصبح حاملة لملامح تجربة إبداعية متصفة بالنضج على صعيدي الرؤية والأداة.
ثانياً: أزمة النقد:
عانت الرواية الليبية ولا زالت من الاغتراب عن الحركة النقدية الجادة,التي تستطيع مواكبة مسيرتها الطويلة؛ فالمؤسسات الأكاديمية –بصفة شبه عامة- لا تعترف بشيء اسمه أدب ليبي بصفة عامة ناهيك عن هذا التقاعس فإنه يبرر من خلال ظهور أول دراسة متكاملة عن الرواية الليبية ظهرت على يد الناقد السوري (سمر روحي الفيصل) في كتابية (دراسات في الرواية الليبية, ونهوض الرواية العربية الليبية), وفي هذا السياق يؤكد الناقد السوري بأن الرواية الليبية لم تنل الاعترافين الشعبي والرسمي, ويتدعم هذا الرأي بظهور بواكير الدراسات الأكاديمية عن الرواية الليبية من خارج ليبيا ممثلة في دراسات: (خالد جهيمة, وعلي برهانة, وفاطمة الحاجي), أما أول دراسة أكاديمية في جامعتنا الموقرة فقد جاءت بعد ثمان وثلاثين سنة من ظهور أول رواية ليبية من خلال دراسة الأستاذ أحمد الشيلابي الموسوعة بـ(القضايا الاجتماعية في الرواية الليبية).
أما النقد الصحفي فلم يتجاوز -غالباً- نمط النقد الانطباعي المتصف بالميل إلى إصدار أحكام القيمة المتسرعة, ومن ثم الافتقار إلى المنهجية المحددة, وانعدام الخضوع إلى الرؤية الواضحة, وقد تدخل فيه –أحياناً- المجاملة أو الحسابات المسبقة بين الناقد والمبدع.
ما سبق طرحه عن تخلف النقد عن مواكبة الرواية لا يخفى تأثير على العجلة الإبداعية؛ فيذكر الكاتب الروائي أحمد نصر بأنه قد قرأ نقد سمر روحي الفيصل لروايته (وميض في جدار الليل) بعد مُضي عشر سنوات على نشرها, ويقول بأنه لو قرأ ما كتبه الفيصل بعد النشر مباشرة لشجعه على كتابة روايتين أو ثلاث بعدها)؛ وللخروج من هذا المأزق فلا مناص للمؤسسة الأكاديمية من كسر طوق الجمود والخروج من قوقعتها, والسماح للطاقات النقدية بإثراء المشهد الروائي الليبي, وهي وإن لم تخلق مبدعين فنياً ونقدياً فإنها –على الأقل- ستسهم في الارتقاء بالذائقة إلى مستوى القراءة الواعية المتفاعلة, ولابد للأكاديميين العاملين بالمؤسسة الجامعية من التحول إلى قوة منتجة والتخلي عن ممارسة دور المصحح المدرسي, وذلك بمواكبة ما يطرح في المشهد الأدبي من نصوص؛ ما يسهم في إثرائها, ومن ثم ضبط إيقاع العملية الإبداعية بين الكاتب والقارئ, أما النقاد الصحفيون فإن عليهم أن يقوموا بإذابة الجليد, المتمثل في سيطرة رموز معينة على منابر الكتابات النقدية في الدوريات الليبية, بحيث يتم تشبيب هذه المنابر, باقتحام الأكاديميين فيها لخلق حوارية نقدية جادة, استبشر بها محمد المهدي أبو حامد قبل خمسين عاماً, لكن يبدو أنها لم تأخذ زخمها المرجو, عندما قال: (أملنا قوي أن نكتب ونكتب ونكتب ونتحاور ونتخاصم ونختلف حول كل موضوع في ميدان العلم والأدب والفن؛ لننتج النهضة التي نرضى عنها ونستطيع أن نفاخر بها).
ثالثاً: أزمة القراءة ومعضلة النشر:
لا يمكن اتهام حركة النشر بتحمل مسؤولية انحسار المد الروائي بأكملها؛ حيث يبقى النشر مغامرة اقتصادية خاضعة لحسابات الربح والخسارة النابعة من ثنائية العرض والطلب, فالناشر يتعامل مع سوق قوام حركته القارئ؛ فما أهمية نص من دون قارئ؟!, ومن ثم يمكن الزعم بأن الأزمة هي أزمة قراءة وليست أزمة نشر؛ فنحن شعب لا يقرأ بصفة عامة, والمؤشر الإحصائي لا يحتاج إلى كثير من التمحل, فلا تزال كثير من النصوص على أرفف المكتبات لمدة جاوزت العشرين عاماً, بينما كان المطبوع منها لا يتجاوز بضعة آلاف, ومن ثم فإنه من المستحيل أن نطالب بمد روائي وطلابنا يجهلون أدباً اسمه (الرواية) من قمة الهرم التعليمي إلى قاعدته العريضة.
وأزعم بأن الروائي الليبي قادر على الإنتاج في حال توفر المناخ النقدي الملائم المدعم بحركة قراءة ونشر فاعلتين, ولعل أكبر دليل على ذلك هو الكم الكبير من النصوص الروائية المخطوطة, التي لا تزال في انتظار مغامر- أو بالأحرى مقامر يقوم بنشرها.
إن السؤال المهم -هنا- فحواه: هل من حلول؟
يمكن الزعم بإمكانية تجاوز الرواية الليبية لأزمتها عبر حركة نقدية نشطة, وكذلك بإدخالها إلى مجال الدرس الأكاديمي, وكذلك بتنشيط حضور النصوص السردية في المناهج الدراسية الأساسية والمتوسطة, مع ضرورة الاستفادة من النصوص الروائية في تنشيط المشهد الفني؛ عبر تحويلها إلى أعمال درامية مسموعة ومرئية, ويجب عدم التغاضي عن تفعيل دور المكتبات الجامعية والأهلية والمراكز الثقافية الراكدة حالياً, إلى جانب التركيز علي المسابقات الأدبية على المستوى الإبداعي, وتفعيل المشهد النقدي؛ بإقامة الحلقات النقدية المنتظمة, كما لا ينبغي إهمال أهمية الإشهار الإعلامي؛ وذلك عبر الإسهام في التعريف بالنصوص, ومن ثم دمجها في منظومة القراءة الشاملة المركبة وسيبقى العبء الأكبر على عاتق الكاتب الروائي الليبي الذي عليه أن يدرك حقيقة مهمة تتعلق بطبيعة الرواية, تتعلق بكون الرواية ليست نقلاً لحقائق تاريخية ولا فضاءً للعظات الأخلاقية, كما أن الرواية لا تضع حلولاً لقضايا أو معضلات تواجه الواقع, ف...-الرواية- عملية معقدة تلعب فيها الجوانب الجمالية دوراً مهماً, وهذا الجمالي يطال المضمون والشكل على حد سواء, وهذا الشكل الجمالي لابد أن يمر عبر بوابة الذاتي أو المحلي, فلابد لتكوين هوية للرواية الليبية من الانطلاق من خصوصيتنا المحلية, ولنصل إلى ذلك فلابد أن نرى في روايتنا (زيتوننا ونخيلنا, جبالنا وصحراءنا وقيزاننا, وأن نشم فيها روائح بحرنا وزهور جبالنا وودياننا, وأن تُلوَّن بزهور الأقحوان والقرعون, وأن نتذوق فيها طعم "الترفاس" وثمار البطُّوم), ولابد لروايتنا من أن تخلق شخصيات فيها رائحة الواقع وليست انعكاساً مباشراً له, نريد عالماً روائياً يصدم مخيلة القارئ, ويعيد التوازن إليها لكي نتفاعل مع واقعها وقضاياها المحلية والإقليمية, وليس أدباً يستقي شكله ومضمونه من أنماط روائية لا تمت إلى واقعنا بصلة, أو أدباً يلعب على المحلية المبنية على الذهنية المباشرة والخطابية الفجّة, وللمتسائلين عن (الكوني) وسرّ اطارده بتجربته, وانبهار الآخر به أقول: بأن الكوني لم يستنسخ أدبه من خارج فضائه الخاص, وإنما كتب ما يعرف وعما عاشه وخبره