شبل شبوه
31st January 2007, 01:59 PM
الموسيقي الأندلسية.. اتجاه نحو العصرنة والتجديد
حافظ مهرجان فاس الثاني عشر للموسيقى الأندلسية المنظم بين 18 و20 يناير 2007، على تميزه بالبحث والتنقيب والكشف عن الصنائع النادرة وتقديم الميازين غير المتداولة. فاختصرت الأجواق المشاركة جهودها على تدقيق التعبير الموسيقي وتحسين التوزيع الأوركسترالي، في سهرات أتحفت هواة هذا الفن التليد بالجديد الموحي بانطلاق هذه الموسيقى التراثية نحو العصرنة والتحديث.
وكان موضوع "حوار المحافظة والإبداع في الموسيقى الأندلسية" مناسبة لتجاذب أطراف الحديث واكتشاف نقط التلاقي والاختلاف بين الداعين إلى المحافظة على القوالب والبنيات الأساسية المميزة لطرب الآلة والطامحين إلى الإبداع والتجديد في هذه الفن.
اتجاه محافظ
أجمع المتدخلون في ندوة المهرجان، على أن "الإفراط في المحافظة يؤدي إلى الابتعاد عن أذواق الناس، والمبالغة في التجديد يمكن أن تؤدي إلى الابتعاد عن طرب الآلة نفسه". ورأوا أن غرض المهرجان يجب أن يصب في اتجاه كشف التجارب المتألقة إن في الإحياء أو الابتكار، وفتح هوامش المناقشة للجمهور العارف لإبداء رأيه المعارض أو المثمن لما يتلقاه.
ويبرر قطب المحافظة على القوالب والبنيات الأساسية التي تميز طرب الآلة وتمنحه هويته الخاصة بالمقارنة مع غيره من الفنون الموسيقية المغربية والأجنبية، اختياره بغنى الموسيقى الأندلسية وقابليتها للبقاء، وأصالة بنياتها وإمكانية التميز بها بين فنون العالم، وتعبيرها عن منظومة حضارية مغربية بامتياز.
ولا يرفض هؤلاء الذين يطلق عليهم الباحثون اسم "المدرسة المحافظة"، ممن تشبثوا برواية شيوخهم وآثروا السير في ركبهم وتجنب الابتعاد عنهم، أي محاولة للاجتهاد تصب في اتجاه "تصحيح الأشعار وتنقيحها، وتدقيق طرق أداء الصنائع والميازين والنوبات والإنشادات، وترسيخ الرواية الشفوية عن طريق إشاعة الحفظ، والتوثيق والتسجيل والكتابة الموسيقية، وإحياء الصنائع الضائعة وفتح باب التلحين فيها".
ويفرق عبد المالك الشامي باحث في طرب الآلة، في مداخلته حول "الموسيقى الأندلسية بين التأصيل والتجديد"، بين ثلاث تيارات تفتقت عقب النقاشات الدائرة حول الموضوع منذ منتصف عام 1969. وأشار إلى أن من أسماهم بـ"المعتدلين" يقفون بين دعاة "المحافظة" و"التجديد"، منوها ب"الحوار الفعال والمتميز الرامي إلى التجديد والتأصيل معا".
ويرى أن "اللون الموسيقي الأندلسي لا يتذوق طعمه إلا من استمع إليه في شكله التقليدي بلباسه وأكله وفسيفسائه" فيما يشبه "ترحيل المشاهد إلى الموسيقى لا العكس".
وأكد أن "المنظومة العامة لهذا الفن ترتبط بوجود أساليب في الأداء ينصهر فيها الموسيقي العازف والباحث والمستمع المتذوق". ودعا إلى ضرورة المحافظة على الغناء الجماعي الذي يميز هذا التراث المفروض تسجيل رواياته.
دعوة التجديد
إن كان الداعون إلى الإبداع والتجديد في هذا الفن ما يزالون يحافظون على عدد من ثوابته، فهم يسايرون التطور بإدخال الآلات الحديثة، وإخضاع وتطبيق علوم الموسيقى الغربية، ونقل هذا الفن من نمط الرواية الشفوية لترسيخه بواسطة التدوين والتوزيع الموسيقي، والحد فيه من هوامش الارتجال والإبداع العفوي والانسجام والتفاعل الجماعي مع الجمهور.
ويدعون إلى جعل الموسيقى الأندلسية متماشية مع فنون الفرجة في العالم عن طريق العناية بالمظهر البصري، والتلحين بالأنغام العربية غير المستعملة في هذا الفن، والتوسع في استعمال الآلات العصرية. ويبررون اختيارهم للإبداع فيها بتطور المجتمع والثقافة المغربيين، وتطور علوم وتقنيات أداء الموسيقى في العالم، والمنافسة الشديدة إن من موسيقى الشرق أو الغرب.
ويرون أن طرب الآلة كلون موسيقي "غير عاد يحوي نصوصا مغناة وروايات بالقرآن والحديث"" و"إرث ثقافي وقومي"، لا يمنع من تجديده شعرا وأداء بالنظر إلى انفتاحه الأوسع على عدة بلدان أوروبية واتساع دائرة البحث العلمي والفني في جوانب تميزه.
ويدعو "عزيز بن عبد الجليل" باحث في الموسيقى الأندلسية، إلى ضرورة "خلق صورة موسيقية أندلسية خالية من الرتابة ومحافظة على التراث المغربي الأصيل والأسلوب التقليدي والطابع الأصيل لهذا الفن".
ويتساءل عن جدوى استمرار النقاش حول استخدام آلات النفخ أو عدم استعمالها في هذا الفن، مشيرا إلى ضرورة عدم استصغار محاولات الإبداع التي جاء بها بعض الفنانين.
ويعترف "عبد الجليل" بكون "دولاب التجديد والإبداع في الموسيقى الأندلسية، لن يتوقف رغم صيحات أصوات دعاة المحافظة"، مؤكدا أن لجوء بعض الأجواق لاستخدام آلات غربية "يأتي لاعتقادهم أن تلك الآلات كفيلة بتوسيع آفاق العزف الآلي الذي يمكن أن يمنح لطرب الآلة أسلوبا آخرا، انطلاقا من فكرة عولمة الموسيقى".
واعتبر عمر المتيوي، فنان موسيقي في مداخلته بالندوة، تعاونه مع الفنان الإسباني كارلوس بانياكوار في محاولة لتجديد اللون التقليدي لطرب الآلة، من خلال إدخال آلات موسيقية حديثة وتقنيات غناء خاصة".
وأضاف: "ليست الموسيقى هي المهمة بل الأسلوب، حافظنا على نوعية النص وطريقة الأداء نفسها، لكن بأسلوب مختلف".
ميازين وتجارب نادرة
جمهور المهرجان كانت له فرصة اكتشاف والاستمتاع بثمان صنائع غربية ونادرة وميازين غير متداولة بعضها قدم لأول مرة في الحفلات العمومية كما حال ميزان "درج رصد الذيل" الذي قدمه جوق الطرب الأصيل لمدينة الرباط برئاسة الفنان "محمد الزكي".
وفي الوقت الذي قدم جوق شباب الأندلس من المدينة نفسها "باكر إلى شاذن" و"جفاني يا قومي الفراق" وهما صنعتان نادرتان في ميزان "بسيط الماية"، آثر جوق المعهد الموسيقي بطنجة تقديم "تا الله لا حلت عن عهدي لكم" وهي من الصنائع الغربية ضمن ميزان "قدام عراق العجم".
وأتحف جوق البعث برئاسة الفنان عبد الفتاح بنموسى، جمهور المهرجان بصنعة "وهويته يسقي المدام" إحدى الصنائع النادرة في ميزان البطايحي من نوبة "درج الحجاز المشرقي"، فيما قدم جوق المرحوم البريهي في "قائم ونصف الحجاز الكبير" إنشاد طبع الحجاز الكبير لأول مرة.
وبمناسبة السهرة الختامية للمهرجان، قدم جوق عبد الكريم الرايس برئاسة محمد بريول "قدام غريبة الحسين" بصيغته الكاملة مع إنشاد طبعه من بحر الطويل وهو إنشاد نادر.
واختار جوق محمد العربي التمسماني، بروالتين من إبداعات فناني تطوان الجميلة ضمن ميزان "قدام الرصد"، فيما قدم جوق معهد تطوان "مستعملات من المدينة في ميزان "ابطايحي الاستهلال".
ولم يقف تميز المهرجان عند حدود عرض ميازين وصنائع نادرة التداول، بل كان مناسبة لتقديم تجربتين جديدتين لعبد الفتاح بنموسى وأحمد شيكي تهمان "اقتحام ميدان التلحين في المقامات الأصيلة لطرب الآلة، وإبراز بعض الآراء في تركيب النوبات الأندلسية من خلال نماذج معينة".
وحرص بنموسى على تقديم تلحين جديد لـ"توشية ابطايحي الحجاز الكبير" المعتمد على أسلوب المقامات الأصيلة، مبرزا خصوصيات الطبوع الأصيلة لهذا الفن من خلال تركيب لحن جديد لطبع الذيل وتقديم "عقد الذيل" الذي هو عبارة عن تواشي الاستهلال والعشاق والتوشية السادسة للحجاز المشرقي وتوشيتي الحجاز الكبير، المكونة للنوبات المتفرعة عن هذا الطبع.
وبرهن أحمد شيكي من خلال عزفه ضمن مجموعته على عود الرمل، "ما تتميز به هذه الآلة الجميلة من إمكانيات على مستوى جمالية أداء الأنغام". وهو الفنان الذي قام بعدة أبحاث حول إعادة هذه الآلة إلى حظيرة الآلات الموسيقية المستعملة.
وقدم بالمناسبة دراسة في طبع المزموم كطبع أصلي، انطلاقا من سبعة نماذج عبارة عن صنائع من خمس نوبات (الغربية المحررة والرصد وحمدان والحجاز المشرقي وغريبة الحسين) التي تختلف من حيث مقاماتها وتتحد من حيث كونها فروعا لأصل واحد هو طبع المزموم على عكس ما يعتقد من أن المزموم موجود فقط في نوبة الرصد.
الإشباع الثقافي
وضع المهرجان على عاتقه مهمة التنقيب في جوهر الهوية الثقافية للمغرب وتربية المواطن على خصوصيات الثقافة المغربية بدون "انجرار نحو التسطيح أو الفلكلورية". كل ذلك من أجل "إشباع المواطن ثقافيا وضمان إقبال الجمهور الأجنبي الراغب في اكتشاف الثقافات الإنسانية الجديدة" الهدف الأسمى الذي يضعه المنظمون نصب أعينهم.
بقي أن نقول: إن الموسيقى الأندلسية تشكل إحدى أهم خصائص الحضارة والثقافة ليس في فاس فحسب بل في كل المدن المغربية كلها. فالهجرات المتتالية للأندلسيين إلى فاس خاصة في القرن التاسع الهجري، حتمت امتزاج الفنون الأندلسية بالثقافة المغربية الأصيلة لينتج عن ذلك "ذوق مغربي راق كان لفاس تأثير كبير فيه".
بقي أن نقول: إن هدف المهرجان الأكبر كما يقول رشيد بناني المدير التنفيذي للمهرجان هو المحافظة على مكونات التراث الموسيقي المغربي، عكس العديد من المهرجانات التي لا تعطي اهتماما كبيرا لمفهوم الأصالة. ونحرص لذلك على التنقيب عنه وجمعه وترميمه وتصنيفه وتسجيله ودراسة سياقاته في الماضي والحاضر وخصوصياته المميزة ومشاكله العالقة.
حافظ مهرجان فاس الثاني عشر للموسيقى الأندلسية المنظم بين 18 و20 يناير 2007، على تميزه بالبحث والتنقيب والكشف عن الصنائع النادرة وتقديم الميازين غير المتداولة. فاختصرت الأجواق المشاركة جهودها على تدقيق التعبير الموسيقي وتحسين التوزيع الأوركسترالي، في سهرات أتحفت هواة هذا الفن التليد بالجديد الموحي بانطلاق هذه الموسيقى التراثية نحو العصرنة والتحديث.
وكان موضوع "حوار المحافظة والإبداع في الموسيقى الأندلسية" مناسبة لتجاذب أطراف الحديث واكتشاف نقط التلاقي والاختلاف بين الداعين إلى المحافظة على القوالب والبنيات الأساسية المميزة لطرب الآلة والطامحين إلى الإبداع والتجديد في هذه الفن.
اتجاه محافظ
أجمع المتدخلون في ندوة المهرجان، على أن "الإفراط في المحافظة يؤدي إلى الابتعاد عن أذواق الناس، والمبالغة في التجديد يمكن أن تؤدي إلى الابتعاد عن طرب الآلة نفسه". ورأوا أن غرض المهرجان يجب أن يصب في اتجاه كشف التجارب المتألقة إن في الإحياء أو الابتكار، وفتح هوامش المناقشة للجمهور العارف لإبداء رأيه المعارض أو المثمن لما يتلقاه.
ويبرر قطب المحافظة على القوالب والبنيات الأساسية التي تميز طرب الآلة وتمنحه هويته الخاصة بالمقارنة مع غيره من الفنون الموسيقية المغربية والأجنبية، اختياره بغنى الموسيقى الأندلسية وقابليتها للبقاء، وأصالة بنياتها وإمكانية التميز بها بين فنون العالم، وتعبيرها عن منظومة حضارية مغربية بامتياز.
ولا يرفض هؤلاء الذين يطلق عليهم الباحثون اسم "المدرسة المحافظة"، ممن تشبثوا برواية شيوخهم وآثروا السير في ركبهم وتجنب الابتعاد عنهم، أي محاولة للاجتهاد تصب في اتجاه "تصحيح الأشعار وتنقيحها، وتدقيق طرق أداء الصنائع والميازين والنوبات والإنشادات، وترسيخ الرواية الشفوية عن طريق إشاعة الحفظ، والتوثيق والتسجيل والكتابة الموسيقية، وإحياء الصنائع الضائعة وفتح باب التلحين فيها".
ويفرق عبد المالك الشامي باحث في طرب الآلة، في مداخلته حول "الموسيقى الأندلسية بين التأصيل والتجديد"، بين ثلاث تيارات تفتقت عقب النقاشات الدائرة حول الموضوع منذ منتصف عام 1969. وأشار إلى أن من أسماهم بـ"المعتدلين" يقفون بين دعاة "المحافظة" و"التجديد"، منوها ب"الحوار الفعال والمتميز الرامي إلى التجديد والتأصيل معا".
ويرى أن "اللون الموسيقي الأندلسي لا يتذوق طعمه إلا من استمع إليه في شكله التقليدي بلباسه وأكله وفسيفسائه" فيما يشبه "ترحيل المشاهد إلى الموسيقى لا العكس".
وأكد أن "المنظومة العامة لهذا الفن ترتبط بوجود أساليب في الأداء ينصهر فيها الموسيقي العازف والباحث والمستمع المتذوق". ودعا إلى ضرورة المحافظة على الغناء الجماعي الذي يميز هذا التراث المفروض تسجيل رواياته.
دعوة التجديد
إن كان الداعون إلى الإبداع والتجديد في هذا الفن ما يزالون يحافظون على عدد من ثوابته، فهم يسايرون التطور بإدخال الآلات الحديثة، وإخضاع وتطبيق علوم الموسيقى الغربية، ونقل هذا الفن من نمط الرواية الشفوية لترسيخه بواسطة التدوين والتوزيع الموسيقي، والحد فيه من هوامش الارتجال والإبداع العفوي والانسجام والتفاعل الجماعي مع الجمهور.
ويدعون إلى جعل الموسيقى الأندلسية متماشية مع فنون الفرجة في العالم عن طريق العناية بالمظهر البصري، والتلحين بالأنغام العربية غير المستعملة في هذا الفن، والتوسع في استعمال الآلات العصرية. ويبررون اختيارهم للإبداع فيها بتطور المجتمع والثقافة المغربيين، وتطور علوم وتقنيات أداء الموسيقى في العالم، والمنافسة الشديدة إن من موسيقى الشرق أو الغرب.
ويرون أن طرب الآلة كلون موسيقي "غير عاد يحوي نصوصا مغناة وروايات بالقرآن والحديث"" و"إرث ثقافي وقومي"، لا يمنع من تجديده شعرا وأداء بالنظر إلى انفتاحه الأوسع على عدة بلدان أوروبية واتساع دائرة البحث العلمي والفني في جوانب تميزه.
ويدعو "عزيز بن عبد الجليل" باحث في الموسيقى الأندلسية، إلى ضرورة "خلق صورة موسيقية أندلسية خالية من الرتابة ومحافظة على التراث المغربي الأصيل والأسلوب التقليدي والطابع الأصيل لهذا الفن".
ويتساءل عن جدوى استمرار النقاش حول استخدام آلات النفخ أو عدم استعمالها في هذا الفن، مشيرا إلى ضرورة عدم استصغار محاولات الإبداع التي جاء بها بعض الفنانين.
ويعترف "عبد الجليل" بكون "دولاب التجديد والإبداع في الموسيقى الأندلسية، لن يتوقف رغم صيحات أصوات دعاة المحافظة"، مؤكدا أن لجوء بعض الأجواق لاستخدام آلات غربية "يأتي لاعتقادهم أن تلك الآلات كفيلة بتوسيع آفاق العزف الآلي الذي يمكن أن يمنح لطرب الآلة أسلوبا آخرا، انطلاقا من فكرة عولمة الموسيقى".
واعتبر عمر المتيوي، فنان موسيقي في مداخلته بالندوة، تعاونه مع الفنان الإسباني كارلوس بانياكوار في محاولة لتجديد اللون التقليدي لطرب الآلة، من خلال إدخال آلات موسيقية حديثة وتقنيات غناء خاصة".
وأضاف: "ليست الموسيقى هي المهمة بل الأسلوب، حافظنا على نوعية النص وطريقة الأداء نفسها، لكن بأسلوب مختلف".
ميازين وتجارب نادرة
جمهور المهرجان كانت له فرصة اكتشاف والاستمتاع بثمان صنائع غربية ونادرة وميازين غير متداولة بعضها قدم لأول مرة في الحفلات العمومية كما حال ميزان "درج رصد الذيل" الذي قدمه جوق الطرب الأصيل لمدينة الرباط برئاسة الفنان "محمد الزكي".
وفي الوقت الذي قدم جوق شباب الأندلس من المدينة نفسها "باكر إلى شاذن" و"جفاني يا قومي الفراق" وهما صنعتان نادرتان في ميزان "بسيط الماية"، آثر جوق المعهد الموسيقي بطنجة تقديم "تا الله لا حلت عن عهدي لكم" وهي من الصنائع الغربية ضمن ميزان "قدام عراق العجم".
وأتحف جوق البعث برئاسة الفنان عبد الفتاح بنموسى، جمهور المهرجان بصنعة "وهويته يسقي المدام" إحدى الصنائع النادرة في ميزان البطايحي من نوبة "درج الحجاز المشرقي"، فيما قدم جوق المرحوم البريهي في "قائم ونصف الحجاز الكبير" إنشاد طبع الحجاز الكبير لأول مرة.
وبمناسبة السهرة الختامية للمهرجان، قدم جوق عبد الكريم الرايس برئاسة محمد بريول "قدام غريبة الحسين" بصيغته الكاملة مع إنشاد طبعه من بحر الطويل وهو إنشاد نادر.
واختار جوق محمد العربي التمسماني، بروالتين من إبداعات فناني تطوان الجميلة ضمن ميزان "قدام الرصد"، فيما قدم جوق معهد تطوان "مستعملات من المدينة في ميزان "ابطايحي الاستهلال".
ولم يقف تميز المهرجان عند حدود عرض ميازين وصنائع نادرة التداول، بل كان مناسبة لتقديم تجربتين جديدتين لعبد الفتاح بنموسى وأحمد شيكي تهمان "اقتحام ميدان التلحين في المقامات الأصيلة لطرب الآلة، وإبراز بعض الآراء في تركيب النوبات الأندلسية من خلال نماذج معينة".
وحرص بنموسى على تقديم تلحين جديد لـ"توشية ابطايحي الحجاز الكبير" المعتمد على أسلوب المقامات الأصيلة، مبرزا خصوصيات الطبوع الأصيلة لهذا الفن من خلال تركيب لحن جديد لطبع الذيل وتقديم "عقد الذيل" الذي هو عبارة عن تواشي الاستهلال والعشاق والتوشية السادسة للحجاز المشرقي وتوشيتي الحجاز الكبير، المكونة للنوبات المتفرعة عن هذا الطبع.
وبرهن أحمد شيكي من خلال عزفه ضمن مجموعته على عود الرمل، "ما تتميز به هذه الآلة الجميلة من إمكانيات على مستوى جمالية أداء الأنغام". وهو الفنان الذي قام بعدة أبحاث حول إعادة هذه الآلة إلى حظيرة الآلات الموسيقية المستعملة.
وقدم بالمناسبة دراسة في طبع المزموم كطبع أصلي، انطلاقا من سبعة نماذج عبارة عن صنائع من خمس نوبات (الغربية المحررة والرصد وحمدان والحجاز المشرقي وغريبة الحسين) التي تختلف من حيث مقاماتها وتتحد من حيث كونها فروعا لأصل واحد هو طبع المزموم على عكس ما يعتقد من أن المزموم موجود فقط في نوبة الرصد.
الإشباع الثقافي
وضع المهرجان على عاتقه مهمة التنقيب في جوهر الهوية الثقافية للمغرب وتربية المواطن على خصوصيات الثقافة المغربية بدون "انجرار نحو التسطيح أو الفلكلورية". كل ذلك من أجل "إشباع المواطن ثقافيا وضمان إقبال الجمهور الأجنبي الراغب في اكتشاف الثقافات الإنسانية الجديدة" الهدف الأسمى الذي يضعه المنظمون نصب أعينهم.
بقي أن نقول: إن الموسيقى الأندلسية تشكل إحدى أهم خصائص الحضارة والثقافة ليس في فاس فحسب بل في كل المدن المغربية كلها. فالهجرات المتتالية للأندلسيين إلى فاس خاصة في القرن التاسع الهجري، حتمت امتزاج الفنون الأندلسية بالثقافة المغربية الأصيلة لينتج عن ذلك "ذوق مغربي راق كان لفاس تأثير كبير فيه".
بقي أن نقول: إن هدف المهرجان الأكبر كما يقول رشيد بناني المدير التنفيذي للمهرجان هو المحافظة على مكونات التراث الموسيقي المغربي، عكس العديد من المهرجانات التي لا تعطي اهتماما كبيرا لمفهوم الأصالة. ونحرص لذلك على التنقيب عنه وجمعه وترميمه وتصنيفه وتسجيله ودراسة سياقاته في الماضي والحاضر وخصوصياته المميزة ومشاكله العالقة.