ريحانة اليمن
1st November 2006, 02:30 PM
مهور النساء وإشكالية العُنوس
قبل أن ندخل في تفاصيل أسباب العُنوس عند كلا الجنسين الذكر والأنثى لابد لنا من أن نقدم تعريفاً للمهر وللزواج من خلال التاريخ وما احتوته صفحاته عبر حقب زمنية طويلة.
بعد الحرب العالمية الثانية تصور نفرٌ من المثقفين أن الزواج قيد رهيب وذلك بعد أن رأى دمار المدن والثقافات والحضارات في فم النيران.
مما جعل هؤلاء ينصرفون عن التفكير بالزواج باتخاذ البديل الخليل والخليلة- للعيش بعبثية الفكر الذي غيبه الشك باليقين مما دعاهم إلى القول بعد هذه الحرب أما زال الإله حياً ؟
هذه الصيحة العشوائية جعلتهم يصرفون النظر عن الالتزام الاجتماعي الأسري في حياتهم خاصة أن رؤاهم قد ضلت عن جادة الصواب في أن الزواج لا يحقق الراحة الحقيقية والأمن النفسي فتفشى الفساد وانحلت الأخلاق وتدهورت بعض العلاقات الاجتماعية وبات الجيل في صراع بين اليقين والشك، بين مفهوم الحرية الاجتماعية في اختيار الشريك المناسب وبين الانفتاح على العلاقات بلا ضوابط قيمية وأخلاقية.
وفي ممارسة هؤلاء لتلك العلاقات وفشلهم في المحافظة على استقرارهم اكتشفوا أن الحياة ليست مجردة من الارتباط بالعلاقة المستقرة فهي حاجة لاغنى عنها.
وقبل أن نستعرض أسباب وجود المهر في حياة البشر عبر التاريخ الطويل لا بد لنا من مرور بسيط لمفهوم الزواج وعاداته وتقاليده وأعرافه.
- الزواج وعاداته وأعرافه:
أولاً : الزواج لغة: اقتران الزوج بالزوجة، أو الذكر بالأنثى.
والزوج للمرأة : بعلها. و- للرجل: امرأته. جمعها أزواج.
*( اسكن أنت وزوجك الجنة)* - سورة الأعراف الآية 19
فالزواج نظام اجتماعي وقانوني خضع للعادات والتقاليد والأعراف منذ أن فهم البشر معنى التزاوج وهو استمرار للحياة في الأخلاف، وقد بين الله عز وجل في قوله *( إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)* كما عبر النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم عن غاية وجود الزواج في حديث له ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة )) .
والزواج في أصوله التاريخية يعود إلى الخطف والشراء ، لأن الجماعات البدائية كانت تعيش في الغابات أو في أطرافها وكانت كل جماعة تتألف من رجل وعدة نساء اختصهن لنفسه، ولم يك يسمح لأحد أن يجرده منهن، فإذا بلغ أولاده الحُلُمً، عزلهم عنه وأبعده عن نسائه وألزمهم الحصول على نساء من الجماعات المجاورة، إما بطريق الخطف أو الشراء.
فعند اليونان والرومان كان الزوج يحضر إلى بيت الزوجة ومعه نفر من أصدقائه ويمسك فتاته وينتزعها بقوة، وكان عليها أن تستغيث، وعلى أهلها أن يتظاهروا بالدفاع عنها، ويقول (فرازر) إن هذه العادة كانت شائعة في الشعوب الآرامية والسّامية، وعادة الخطف كانت شائعة في القبائل الجرمانية والسلافية أيضاً، وعند القوقاز في روسيا الصغرى ومنهم الجركس. ص41 الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام .د.عبد السلام الترمانيني.
- فمن أين جاء المهر؟
المهر في أصله التاريخي هو ثمن المرأة، فقد كان الرجل في الجماعات البدائية يعتبر زوجته ملكاً له، اشتراها بماله، ويعتبر أولاده ملكاً له أيضاً لأنهم نتاجه، فكان يتصرف بزوجته وأولاده تصرفه بماله، تبعاً لمراحل الحياة التاريخية التي مر بها الإنسان. ففي الجماعات الصائدة كان الرجل يشتري المرأة بما يقدم لأبيها من صيد، وفي الجماعات الراعية كان يقدم لأبيها رؤوس الماشية، ثم تطور المهر بتطور الإنسان واستقراره في الأرض التي أنشأ عليها المدينة فأصبح غلالاً أو رقيقاً أو حيواناً ، وبعد ظهور النقد أصبح المهر نقداً.
وكان الزواج عند قدماء اليونان يتم بشراء المرأة بعدد من الثيران أو ما يساويها، وعند قدماء الرومان كان انتقال ملكية المرأة من أبيها إلى زوجها يتم بطريق البيع بالقبض وهو
( المانسيبامو) mancipano
واستمر حال المرأة في تقديم ثمنها كأي وسيلة يشتريها الرجل ففي الجاهلية كان المهر ما يقبضه أبوها أو وليها وهو على شكل عدد من الإبل يسوقها الخاطب إلى خيمة مخطوبته فتسمى السّياق.وكان عددها يقدر على مقدار مكانة المرأة في قومها وحظها من الحسن والجمال، وما يزال حتى وقتنا الراهن (السّياق) مألوفاً عند عرب البادية وفي بعض الأرياف.
- موقف الإسلام من المهور
الإسلام حرر المرأة من نظرة الجاهليين إليها ومنحها حقوقاً إنسانية وشرعية فقد جعل لها حق التعبير عن رأيها في خاطبها ومنع تزويجها من غير أذنها ومنحها حق التملك والتصرف فيما تملك، كما منحها حق الطلاق إذا أساء الزوج إليها أو ظلمها أو قصّر في الإنفاق عليها، وحتى إذا كرهت زوجها ولم تعد تطيق العيش معه جعل الإسلام لها حقها في افتداء نفسها مقابل حق الرجل في الطلاق.
فالمهر لم يعد ثمناً للمرأة يحق للرجل أن يمتلكها من خلال ما يقدمه لها من متاع أو مصاغ أو مال مقبوض، وفي هذا يرى الفقهاء أن المهر ثمناً للبضع وهو الثمن الحكمي الذي ينشئ للزوج حقاً قاصراً عليه معاشرة زوجته دون ممارسة أية سلطة عليها.
ولأن الإسلام حريص على تجريد المهر من عنصر الثمنية المادية فقد خفضه وجعله رمزياً، فقد قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمن أراد أن يتزوج وليس لديه مال "" التمس ولو خاتماً من حديد"" ، وكان فقراء الصحابة يتزوجون بملء الكف طعاماً من قمح أو شعير أو صاع من التمر.
وقد ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك في تحرير المرأة من الثمنية إذ جعله وسيلة لفعل الخير وعملاً من أعمال البر، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق جويرية بنت الحارث من بني المصطلق وتزوجها وكان عتقها من الرق مهراً لها، كذلك تزوجت أم سليم بنت ملحان أبا طلحة الأنصاري على أن يُسلم فأسلم فكان مهرها إسلامه، وزوج النبي الكريم امرأة لرجل لم يكن لديه مال على أن يعلمها ما يحفظ من القرآن الكريم وكان يحفظ بضع آيات منه. وفرّع الفقهاء على ذلك أن العلم يصح أن يكون مهراً، كما يصح أن يكون عملاً نافعاً يقدمه الخاطب لمخطوبته أو لوليها. ومن أجل ذلك دعا الإسلام المهر (صداقاً) ودعاه (نِحلة) وهو العطاء بغير عوض وفي ذلك قوله تعالى *( وآتوا النساء صدقاتهن نِحلة)* سورة النساء الآية 4
- المجتمع وموقفه من المهر بين العادات والتقاليد
نظراً للظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والعمرانية التي عاشها مجتمعنا العربي الإسلامي فقد حدثت تطورات جديدة في تطور العادات والتقاليد جعلت مهر المرأة يرتفع ارتفاعاً غير منطقي ويعود هذا السبب إلى عهد بني العباس حيث وصلت المهور إلى ألف دينار بين الخلفاء والأمراء، وبهذا القدر تزوج المأمون بن الرشيد بوران بنت الحسن بن سهل سنة 210 هجرية ، وتزوج الخليفة المعتضد قطر الندى بنت خمّازويه بن أحمد بن طولون أمير مصر سنة 282 هجرية، وتزوج محمد بن الخليفة المكتفي ابنة الوزير أبي الحسن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب سنة 290 هجرية.
مما جعل كبار التجار والأثرياء من ذوي الجاه والمال يغالون في مهور بناتهم فالمهر في عرفهم عديلاً للثروة ، مما جعل المال وحده هو المعيار للكفاءة.
وفي تصاعد غلاء المهور وانصراف الناس إلى عدم التفكير بالخلق الحسن وبالعلم الذي يملكه الشاب الفقير عكف هؤلاء عن الزواج مما أدى إلى ازدياد عدد العنوس عند الأنثى يقابلها في هذا الذكر، فوجه الخلاف بين طبقتين واحدة تملك الجاه والمال وأخرى تملك العلم والأخلاق كان حائلاً دون وجود استقرار اجتماعي هادئ آمن. هذا ما أدى إلى خلق مشكلة جديدة باتت تشكل أرقاً اجتماعياً وثمة أسئلة لابد من طرحها لمعالجتها:
1- هل يضمن غلاء المهور حق المرأة ويحفظ لها كرامتها وإنسانيتها؟
2- هل حقق غلاء المهور توازناً أسرياً مستقراً؟
3- ماذا قدم غلاء المهور للمرأة؟
أسئلة كثيرة تعتري ذهن الباحث عن حقيقة الفضيلة في هذه الحياة التي خصها الله عز وجل بالزواج الشرعي القائم بناؤه على حسن المعاملة والصبر على ظروف الحياة وقسوة النوائب ولم يخصه بمال أو جاه أو سبائك من ذهب أو حرير كل حسب استطاعته وما ملكت يمينه ، ويبقى الخلق الحسن والنفس الرضية هي الأساس الداعم لاستمرار الحياة بين زوجين ضمانة عيشهما الرضا والقناعة.
ولا يخفى عنا ما وصلت إليه المحاكم الشرعية، فلقد أصبحت تغص بقضايا الخلاف حول قبض المهر المقدم الذي يسجل غير مقبوض بغية تقييد الرجل، وفي حال عدم سداده للمهر نتيجة ظروفه المادية يلجأ أهل الزوجة إلى رفع دعوى بحبس الزوج أو إرغامه على تأمين المهر، فهل حقق هذا المهر الحياة السليمة والطمأنينة والأمان عند كلا الطرفين.
المهر لا يقدم ولا يؤخر في حياة الأنثى أي استقرار عاطفي وأسري تسعى من أجله، بل على العكس تماماً لقد تسبب بخلق فجوة كبيرة من فقدان الاحترام وتذليل الصعاب في حياة كان لابد لها أن تكون آمنة مستقرة، كما لايخفى علينا مايفعله بعض الرجال من الأزواج بحق زوجاتهن إن كرهن معاشرتها والإبقاء عليها في كنفه، فهو قد يلجأ إلى ضربها أو اتهامها بما لم تقترفه يديها يدفعه إلى هذا الفعل الكريه وجود المهر الذي لا يستطيع دفعه أو تأمينه، ونحن نعلم أن المهر يؤمن في كثير من الأحيان الحياة الكريمة للمرأة بعد انفصالها عن زوجها هذا في حال كان الرجل ميسوراً، وإذا كان غير ذلك فلامنفعة في مهر كتب في سجل عقد الزواج ولم يحقق الغاية منه . فقد كشفت دراسة حديثة أن 35% من الفتيات فى كل من الكويت وقطر والبحرين والإمارات بلغن مرحلة العنوس، وانخفضت هذه النسبة فى كل من السعودية وسلطنة عمان والمغرب، فى حين أنها لم تتجاوز فى كل من سورية ولبنان والأردن نسبة 5% وكانت فى أدنى مستوياتها فى فلسطين حيث مثلت الفتيات اللواتى فاتهن قطار الزواج 1%، وكانت أعلى نسبة قد تحققت فى العراق إذ وصلت إلى 85%.
وقد أوضحت الإحصائيات أن العنوس لا تقتصر على النساء فقط فهناك نسبة كبيرة من الرجال يعانون من هذه الظاهرة، ففى سورية بينت الأرقام الرسمية أن أكثر من 50% من الشبان السوريين لم يتزوجوا بعد، بينما لم تتزوج 60% من الفتيات اللواتى تتراوح أعمارهن ما بين 25 و29 عاماً، وبلغت نسبة اللواتى تخطين 34 عاماً، دون زواج 2.37%،وهو ما يعنى أن أكثر من نصف النساء غير متزوجات.
وفى لبنان، أكدت إحصائية أجرتها وزارة الشئون الاجتماعية والصحة اللبنانية أن نسبة الذكور غير المتزوجين ما بين 25 و30 سنة تبلغ 1.95% والإناث 83.2%.
أما فى مصر فقد أكدت دراسة صادرة عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أن نسبة غير المتزوجين من الشبان من الجنسين بلغت بشكل عام حوالى 30% وبالتحديد 29.7% للذكور و 28.4% للإناث.
وأشارت نتائج دراسة أردنية مماثلة إلى تأخر عمر الفتيات عند الزواج الأول إلى 29.2% ،بينما يتأخر إلى31.9 % سنة لدى الذكور.
وفى الجزائر كشفت الأرقام الرسمية، التى أعلنها الديوان الجزائرى للاحصاء أن هناك أربعة ملايين فتاة لم يتزوجن بعد، على الرغم من تجاوزهن الرابعة والثلاثين، وأن عدد العزاب تخطى 18 مليونا من عدد السكان البالغ 30 مليون نسمة.
كما أعلنت دراسة نفذها الديوان الوطنى للأسرة والعمران البشرى بتونس تزايد نسبة العزوبية.
وهذا ما دفع خبراء الاجتماع وشئون الأسرة العرب إلى دراسة الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها والتخفيف من سلبياتها على الشباب والفتيات والمجتمع كله، فقد جاءت الأزمة الاقتصادية وضيق ذات اليد فى مقدمة الأسباب وعلى هذا أصبح البحث عن علم الشاب وخلقه وعقيدته هو الأساس المتين في بناء حياة مشتركة ديدنها التفاهم والتعاضد على السراء والضراء لتستمر الحياة بلا منغصات بتكوين الأسرة الاجتماعية التي ننشدها وننشد لها كل خير
للكاتبه
سها جلال جودت
قبل أن ندخل في تفاصيل أسباب العُنوس عند كلا الجنسين الذكر والأنثى لابد لنا من أن نقدم تعريفاً للمهر وللزواج من خلال التاريخ وما احتوته صفحاته عبر حقب زمنية طويلة.
بعد الحرب العالمية الثانية تصور نفرٌ من المثقفين أن الزواج قيد رهيب وذلك بعد أن رأى دمار المدن والثقافات والحضارات في فم النيران.
مما جعل هؤلاء ينصرفون عن التفكير بالزواج باتخاذ البديل الخليل والخليلة- للعيش بعبثية الفكر الذي غيبه الشك باليقين مما دعاهم إلى القول بعد هذه الحرب أما زال الإله حياً ؟
هذه الصيحة العشوائية جعلتهم يصرفون النظر عن الالتزام الاجتماعي الأسري في حياتهم خاصة أن رؤاهم قد ضلت عن جادة الصواب في أن الزواج لا يحقق الراحة الحقيقية والأمن النفسي فتفشى الفساد وانحلت الأخلاق وتدهورت بعض العلاقات الاجتماعية وبات الجيل في صراع بين اليقين والشك، بين مفهوم الحرية الاجتماعية في اختيار الشريك المناسب وبين الانفتاح على العلاقات بلا ضوابط قيمية وأخلاقية.
وفي ممارسة هؤلاء لتلك العلاقات وفشلهم في المحافظة على استقرارهم اكتشفوا أن الحياة ليست مجردة من الارتباط بالعلاقة المستقرة فهي حاجة لاغنى عنها.
وقبل أن نستعرض أسباب وجود المهر في حياة البشر عبر التاريخ الطويل لا بد لنا من مرور بسيط لمفهوم الزواج وعاداته وتقاليده وأعرافه.
- الزواج وعاداته وأعرافه:
أولاً : الزواج لغة: اقتران الزوج بالزوجة، أو الذكر بالأنثى.
والزوج للمرأة : بعلها. و- للرجل: امرأته. جمعها أزواج.
*( اسكن أنت وزوجك الجنة)* - سورة الأعراف الآية 19
فالزواج نظام اجتماعي وقانوني خضع للعادات والتقاليد والأعراف منذ أن فهم البشر معنى التزاوج وهو استمرار للحياة في الأخلاف، وقد بين الله عز وجل في قوله *( إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)* كما عبر النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم عن غاية وجود الزواج في حديث له ((تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة )) .
والزواج في أصوله التاريخية يعود إلى الخطف والشراء ، لأن الجماعات البدائية كانت تعيش في الغابات أو في أطرافها وكانت كل جماعة تتألف من رجل وعدة نساء اختصهن لنفسه، ولم يك يسمح لأحد أن يجرده منهن، فإذا بلغ أولاده الحُلُمً، عزلهم عنه وأبعده عن نسائه وألزمهم الحصول على نساء من الجماعات المجاورة، إما بطريق الخطف أو الشراء.
فعند اليونان والرومان كان الزوج يحضر إلى بيت الزوجة ومعه نفر من أصدقائه ويمسك فتاته وينتزعها بقوة، وكان عليها أن تستغيث، وعلى أهلها أن يتظاهروا بالدفاع عنها، ويقول (فرازر) إن هذه العادة كانت شائعة في الشعوب الآرامية والسّامية، وعادة الخطف كانت شائعة في القبائل الجرمانية والسلافية أيضاً، وعند القوقاز في روسيا الصغرى ومنهم الجركس. ص41 الزواج عند العرب في الجاهلية والإسلام .د.عبد السلام الترمانيني.
- فمن أين جاء المهر؟
المهر في أصله التاريخي هو ثمن المرأة، فقد كان الرجل في الجماعات البدائية يعتبر زوجته ملكاً له، اشتراها بماله، ويعتبر أولاده ملكاً له أيضاً لأنهم نتاجه، فكان يتصرف بزوجته وأولاده تصرفه بماله، تبعاً لمراحل الحياة التاريخية التي مر بها الإنسان. ففي الجماعات الصائدة كان الرجل يشتري المرأة بما يقدم لأبيها من صيد، وفي الجماعات الراعية كان يقدم لأبيها رؤوس الماشية، ثم تطور المهر بتطور الإنسان واستقراره في الأرض التي أنشأ عليها المدينة فأصبح غلالاً أو رقيقاً أو حيواناً ، وبعد ظهور النقد أصبح المهر نقداً.
وكان الزواج عند قدماء اليونان يتم بشراء المرأة بعدد من الثيران أو ما يساويها، وعند قدماء الرومان كان انتقال ملكية المرأة من أبيها إلى زوجها يتم بطريق البيع بالقبض وهو
( المانسيبامو) mancipano
واستمر حال المرأة في تقديم ثمنها كأي وسيلة يشتريها الرجل ففي الجاهلية كان المهر ما يقبضه أبوها أو وليها وهو على شكل عدد من الإبل يسوقها الخاطب إلى خيمة مخطوبته فتسمى السّياق.وكان عددها يقدر على مقدار مكانة المرأة في قومها وحظها من الحسن والجمال، وما يزال حتى وقتنا الراهن (السّياق) مألوفاً عند عرب البادية وفي بعض الأرياف.
- موقف الإسلام من المهور
الإسلام حرر المرأة من نظرة الجاهليين إليها ومنحها حقوقاً إنسانية وشرعية فقد جعل لها حق التعبير عن رأيها في خاطبها ومنع تزويجها من غير أذنها ومنحها حق التملك والتصرف فيما تملك، كما منحها حق الطلاق إذا أساء الزوج إليها أو ظلمها أو قصّر في الإنفاق عليها، وحتى إذا كرهت زوجها ولم تعد تطيق العيش معه جعل الإسلام لها حقها في افتداء نفسها مقابل حق الرجل في الطلاق.
فالمهر لم يعد ثمناً للمرأة يحق للرجل أن يمتلكها من خلال ما يقدمه لها من متاع أو مصاغ أو مال مقبوض، وفي هذا يرى الفقهاء أن المهر ثمناً للبضع وهو الثمن الحكمي الذي ينشئ للزوج حقاً قاصراً عليه معاشرة زوجته دون ممارسة أية سلطة عليها.
ولأن الإسلام حريص على تجريد المهر من عنصر الثمنية المادية فقد خفضه وجعله رمزياً، فقد قال النبي محمد عليه الصلاة والسلام لمن أراد أن يتزوج وليس لديه مال "" التمس ولو خاتماً من حديد"" ، وكان فقراء الصحابة يتزوجون بملء الكف طعاماً من قمح أو شعير أو صاع من التمر.
وقد ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك في تحرير المرأة من الثمنية إذ جعله وسيلة لفعل الخير وعملاً من أعمال البر، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق جويرية بنت الحارث من بني المصطلق وتزوجها وكان عتقها من الرق مهراً لها، كذلك تزوجت أم سليم بنت ملحان أبا طلحة الأنصاري على أن يُسلم فأسلم فكان مهرها إسلامه، وزوج النبي الكريم امرأة لرجل لم يكن لديه مال على أن يعلمها ما يحفظ من القرآن الكريم وكان يحفظ بضع آيات منه. وفرّع الفقهاء على ذلك أن العلم يصح أن يكون مهراً، كما يصح أن يكون عملاً نافعاً يقدمه الخاطب لمخطوبته أو لوليها. ومن أجل ذلك دعا الإسلام المهر (صداقاً) ودعاه (نِحلة) وهو العطاء بغير عوض وفي ذلك قوله تعالى *( وآتوا النساء صدقاتهن نِحلة)* سورة النساء الآية 4
- المجتمع وموقفه من المهر بين العادات والتقاليد
نظراً للظروف التاريخية والسياسية والاقتصادية والعمرانية التي عاشها مجتمعنا العربي الإسلامي فقد حدثت تطورات جديدة في تطور العادات والتقاليد جعلت مهر المرأة يرتفع ارتفاعاً غير منطقي ويعود هذا السبب إلى عهد بني العباس حيث وصلت المهور إلى ألف دينار بين الخلفاء والأمراء، وبهذا القدر تزوج المأمون بن الرشيد بوران بنت الحسن بن سهل سنة 210 هجرية ، وتزوج الخليفة المعتضد قطر الندى بنت خمّازويه بن أحمد بن طولون أمير مصر سنة 282 هجرية، وتزوج محمد بن الخليفة المكتفي ابنة الوزير أبي الحسن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب سنة 290 هجرية.
مما جعل كبار التجار والأثرياء من ذوي الجاه والمال يغالون في مهور بناتهم فالمهر في عرفهم عديلاً للثروة ، مما جعل المال وحده هو المعيار للكفاءة.
وفي تصاعد غلاء المهور وانصراف الناس إلى عدم التفكير بالخلق الحسن وبالعلم الذي يملكه الشاب الفقير عكف هؤلاء عن الزواج مما أدى إلى ازدياد عدد العنوس عند الأنثى يقابلها في هذا الذكر، فوجه الخلاف بين طبقتين واحدة تملك الجاه والمال وأخرى تملك العلم والأخلاق كان حائلاً دون وجود استقرار اجتماعي هادئ آمن. هذا ما أدى إلى خلق مشكلة جديدة باتت تشكل أرقاً اجتماعياً وثمة أسئلة لابد من طرحها لمعالجتها:
1- هل يضمن غلاء المهور حق المرأة ويحفظ لها كرامتها وإنسانيتها؟
2- هل حقق غلاء المهور توازناً أسرياً مستقراً؟
3- ماذا قدم غلاء المهور للمرأة؟
أسئلة كثيرة تعتري ذهن الباحث عن حقيقة الفضيلة في هذه الحياة التي خصها الله عز وجل بالزواج الشرعي القائم بناؤه على حسن المعاملة والصبر على ظروف الحياة وقسوة النوائب ولم يخصه بمال أو جاه أو سبائك من ذهب أو حرير كل حسب استطاعته وما ملكت يمينه ، ويبقى الخلق الحسن والنفس الرضية هي الأساس الداعم لاستمرار الحياة بين زوجين ضمانة عيشهما الرضا والقناعة.
ولا يخفى عنا ما وصلت إليه المحاكم الشرعية، فلقد أصبحت تغص بقضايا الخلاف حول قبض المهر المقدم الذي يسجل غير مقبوض بغية تقييد الرجل، وفي حال عدم سداده للمهر نتيجة ظروفه المادية يلجأ أهل الزوجة إلى رفع دعوى بحبس الزوج أو إرغامه على تأمين المهر، فهل حقق هذا المهر الحياة السليمة والطمأنينة والأمان عند كلا الطرفين.
المهر لا يقدم ولا يؤخر في حياة الأنثى أي استقرار عاطفي وأسري تسعى من أجله، بل على العكس تماماً لقد تسبب بخلق فجوة كبيرة من فقدان الاحترام وتذليل الصعاب في حياة كان لابد لها أن تكون آمنة مستقرة، كما لايخفى علينا مايفعله بعض الرجال من الأزواج بحق زوجاتهن إن كرهن معاشرتها والإبقاء عليها في كنفه، فهو قد يلجأ إلى ضربها أو اتهامها بما لم تقترفه يديها يدفعه إلى هذا الفعل الكريه وجود المهر الذي لا يستطيع دفعه أو تأمينه، ونحن نعلم أن المهر يؤمن في كثير من الأحيان الحياة الكريمة للمرأة بعد انفصالها عن زوجها هذا في حال كان الرجل ميسوراً، وإذا كان غير ذلك فلامنفعة في مهر كتب في سجل عقد الزواج ولم يحقق الغاية منه . فقد كشفت دراسة حديثة أن 35% من الفتيات فى كل من الكويت وقطر والبحرين والإمارات بلغن مرحلة العنوس، وانخفضت هذه النسبة فى كل من السعودية وسلطنة عمان والمغرب، فى حين أنها لم تتجاوز فى كل من سورية ولبنان والأردن نسبة 5% وكانت فى أدنى مستوياتها فى فلسطين حيث مثلت الفتيات اللواتى فاتهن قطار الزواج 1%، وكانت أعلى نسبة قد تحققت فى العراق إذ وصلت إلى 85%.
وقد أوضحت الإحصائيات أن العنوس لا تقتصر على النساء فقط فهناك نسبة كبيرة من الرجال يعانون من هذه الظاهرة، ففى سورية بينت الأرقام الرسمية أن أكثر من 50% من الشبان السوريين لم يتزوجوا بعد، بينما لم تتزوج 60% من الفتيات اللواتى تتراوح أعمارهن ما بين 25 و29 عاماً، وبلغت نسبة اللواتى تخطين 34 عاماً، دون زواج 2.37%،وهو ما يعنى أن أكثر من نصف النساء غير متزوجات.
وفى لبنان، أكدت إحصائية أجرتها وزارة الشئون الاجتماعية والصحة اللبنانية أن نسبة الذكور غير المتزوجين ما بين 25 و30 سنة تبلغ 1.95% والإناث 83.2%.
أما فى مصر فقد أكدت دراسة صادرة عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية أن نسبة غير المتزوجين من الشبان من الجنسين بلغت بشكل عام حوالى 30% وبالتحديد 29.7% للذكور و 28.4% للإناث.
وأشارت نتائج دراسة أردنية مماثلة إلى تأخر عمر الفتيات عند الزواج الأول إلى 29.2% ،بينما يتأخر إلى31.9 % سنة لدى الذكور.
وفى الجزائر كشفت الأرقام الرسمية، التى أعلنها الديوان الجزائرى للاحصاء أن هناك أربعة ملايين فتاة لم يتزوجن بعد، على الرغم من تجاوزهن الرابعة والثلاثين، وأن عدد العزاب تخطى 18 مليونا من عدد السكان البالغ 30 مليون نسمة.
كما أعلنت دراسة نفذها الديوان الوطنى للأسرة والعمران البشرى بتونس تزايد نسبة العزوبية.
وهذا ما دفع خبراء الاجتماع وشئون الأسرة العرب إلى دراسة الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها والتخفيف من سلبياتها على الشباب والفتيات والمجتمع كله، فقد جاءت الأزمة الاقتصادية وضيق ذات اليد فى مقدمة الأسباب وعلى هذا أصبح البحث عن علم الشاب وخلقه وعقيدته هو الأساس المتين في بناء حياة مشتركة ديدنها التفاهم والتعاضد على السراء والضراء لتستمر الحياة بلا منغصات بتكوين الأسرة الاجتماعية التي ننشدها وننشد لها كل خير
للكاتبه
سها جلال جودت