المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إمام المفسرين الطبري


ام هاجر
31st May 2006, 05:19 PM
إمام المفسرين الطبري
اتهمه الجهلاء بالإلحاد وشككوا في علمه



رغم أن محمد بن جرير الطبري واحد من أئمة المفسرين، إلا أنه لم يسلم من الأذي، والاتهام ظلما بالإلحاد.. مع أنه فسر القرآن الكريم، وله العديد من المؤلفات.. التي نقد بعضها، وبقي البعض الآخر ليشير إليه كمفسر كبير، ومؤرخ كبير أيضا.. ترك بصمات لاتنسي، وذكرا عريضا خالدا علي الأيام. لو رجعنا إلي الوراء.. إلي القرن الثالث الهجري، لبرز لنا علي الفور شخصية الامام محمد بن جرير الطبري.
والطبري نسبة إلي (طبرستان) التي ولد بها سنة 224 ه.
ورحل من بلدة أمل طبرستان لطلب العلم وهو في الثانية عشرة من عمره.. فذهب إلي مصر والشام والعراق واستقر به المقام في آخر الأمر في بغداد حيث مات سنة 310ه.




وقد نبغ الرجل في التفسير والحديث والفقه، والأصول والقراءات والتاريخ.
قال عنه ابن خطيب البغدادي:
: كان ابن جرير أحد الأئمة الاعلام يحكم بقوله، ويرجع إلي رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من القرآن عارفا بالمعاني فقيها في أحكام القراءات.. عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، وسائل الحلال والحرام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم'.

وقد وصف بأنه:
: كان اسمر أعين، مليح الوجه، مديد القامة، فصيح اللسان، زاهدا مترفعا عن الدنيا وقد وصله ذات مرة أمير المؤمنين المقتدر لجوائز عرفانا لعلم فأبي أن يقبلها.
وكذلك اهدي إليه أحد الوزراء ألف دينار فردها، كما عرض عليه القضاء فأبي'.
ولنا أن نتخيل شخصية رجل يرفض هبات الخليفة، ويرفض عطاء الوزراء، ويرفض أن يكون قضايا.. انه انسان بلا شك قوي الشخصية، شديد الثقة بربه ونفسه، علي خلق ودين.
ولايذكر ابن جرير الطبري إلا ويذكر تفسيره للقرآن الكريم (جامع البيان) وهو أقدم كتب التفسير الذي قال عنه الامام السيوطي أنه أجل التفاسير وأعظمها..
وقد أشاد بهذا التفسير الكثير من علماء المسلمين، ومنهم شيخ الاسلام ابن تيمية الذي قال عنه:
:.. وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير ابن جرير الطبري، فإنه ذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولاينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير والكلبي'.
وفي تفسير ابن جرير بعض الاسرائيليات، ولكنه كان يشير إلي ذلك كما لاحظ البعض عليه أنه يذكر الأسانيد، ولايتعقبها بنقد اكتفاء بذكر هذه الأسانيد، وكان عليه أن ينفذ ما يرويه من روايات فيها بعض الغرابة حتي يعرف القاريء حقيقة الأمر.

***

وأهم مؤلفاته بجانب تفسيره (جامع البيان في تفسير القرآن) تاريخ الأمم والملوك، وكتاب القراءات، وله كتاب تهذيب الآثار الذي قال عنه ابن كثير في بدايته، ومن أحسن مصنفاته تهذيب الآثار ولو كمل لما احتيج معه إلي شيء، وكان فيه الكفاية ولكنه لم يتمه. وكان الرجل شافعي المذهب، إلا أنه بعد ذلك ولاجتهاده كان له مذهبه حيث جاء في الطبقات الكبري لابن السبكي:
: إن ابن جرير قال أظهرت فقه الشافعي وأفتيت به ببغداد عشر سنين، وتلقاه مني ابن بشار الأحول أستاذ أبي العباس بن سريع، وقال السيوطي في طبقات المفسرين.. وكان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل وأقاويل واختبارات، وله أتباع ومقلدون وله في الأصول والفروع كتب كثيرة'.

***

ولكن هذا العالم الكبير شأنه شأن معظم العظماء الذين كتبوا تاريخا ومجدا، أصيب بمأساة كما أصيب غيره من العظماء، عندما ابتلي بالجهلاء، فلم يعرفوا حقه، ولم يعرفوا منزلته، ولم يدركوا كم ترك من تراث خالد ينتفع به جيله والأجيال الأخري التي تجيء بعد عصره وزمانه.
ولم يكن سبب هذه المأساة التي تعرض لها، وبسببها حالوا بين الناس وبين الاستفادة من علمه أو فقهه، أنه قال عن الامام أحمد بن حنبل أنه رجل حديث لا فقه.. لقد أبدي الرجل رأيه في امام جليل وهو الامام أحمد بن حنبل، وقال عنه أنه علي علم بالحديث أكثر من الفقه، وهو رأي.. واجتهاد.. والاسلام لايقف ضد الرأي والاجتهاد، ولكن لم يستسغ بعض الحنابلة هذا القول فكيف يتجرأ ويقول عن الامام أحمد بن حنبل انه رجل حديث لا فقه.. ومن هنا فقد عادوا الرجل، وحالوا بين الناس والانتفاع بعلمه، ومنعوا الناس من الدخول عليه.
ثم زادوا في عداوة الامام فرموه بأنه من الرافضة حينا، وأنه ملحد حينا آخر!! وقد ظلموا الرجل..
فلم يكن الرجل من الرافضة الذين يطعنون في بعض الصحابة سيما أبوبكر وعمر، لأنه لم يقل في أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الا الخير، وهو الذي ابتدأ كتابه (تهذيب الآثار) بما رواه أبوبكر الصديق رضي الله عنه.

***

وكان من الطبيعي أن يحزن الرجل الذي أفني حياته في العلم، وخدمة الدين أن يتهم بهذه التهم وهو بريء منها بلا شك.
وعندما مضت الأيام، وحان له أن يرحل عن دنيانا، التي ملأها علما وثقافة وتحفزا، أبي أعداؤه أن يدفن نهارا، فدفن في داره!! يقول علي يوسف علي في كتابه حضارة وعباقرة:
ولا أعتقد بدوري أن الأمر وصل بهؤلاء الرعاع إلي هذه الدرجة الوضيعة متحدين في جحافل بغداد كلها.. وأعيانها. الذين خرجوا عن بكرة أبيهم يشيعون.. بل يصلون لا صلاة واحدة، بل صلوات عدة في أيام عديدة. ترحما وإكراما للعلامة الذي رحل للقاء ربه، ثم ما المانع أن يدفن ليلا ان أبي الرعاع دفنه نهارا كما قال فضيلة الدكتور أبوشهبة.. ثم ما موقف أتباعه الذين لايحصون عددا.. حتي في لحظات وفاته.. علما بأن مثل هذه اللحظات قد ينسي، أو يتناسي فيها العدو عدوه، ويطرح فيها الحاقد حقده، لأن صاحبه قد رحل، وليس معه اليوم حتي يصارعه.
: قال ابن كامل: توفي ابن جرير عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن في داره، برحبة يعقول ولم يغير شيبه، وكان السواد فيه كثيرا، وكان أسمر إلي الأدمة، أعين نحيف الجسم.. فصيحا.. طويلا، وشيعه من لا يحصيهم إلا الله، وصلي علي قبره عدة شهور ليلا ونهارا ورثاه خلق من أهل الأدب والدين.
ومن هنا يظهر لنا جليا أن دفنه في داره لم يكن لفتنة ظهرت في الغوغاء، وإنما حصل لأمر ما والله أعلم'.
ويورد ما قاله أبوسعيد الأعرابي في رثائه ومنها قوله:
حدث مفظع وخطب جليل
دق عن مثله اصطبار الصبور
قام ناعي العلوم أجمع لما
قام ناعي محمد بن جرير
كما قال ابن دريد في رثائه بقصيدة طويلة يقول منها:
ان المنية لم تتلف به رجلا
بل أتلفت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه
والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
إلي أن يقول:
ودت بقاع الله لو جعلت
قبرا له فحباها جسمه طيبا

***

.. وما أكثر الذين عاشوا في الحياة، وتركوها بعد أن تركوا تراثا خالدا علي الأيام.. رغم ما ظلمتهم هذه الأيام