اللحجيه
21st May 2006, 04:59 PM
ت
معرض الكنوز المصرية في برلين
الماء يحكي تاريخ أهل الأرض
http://www.akhbarelyom.org.eg/akhersaa/issues/3734/images/mobaraq4.jpg
اتجهت أنظار العالم.. إلي العاصمة الألمانية برلين لمتابعة الاحتفالية الضخمة التي أقيمت من أجل افتتاح معرض الآثار المصرية الغارقة في واحدة من أكبر الفعاليات الثقافية والتاريخية في العالم بحضور الرئيس محمد حسني مبارك ونظيره الألماني هورست كولر وقرينتيهما.. افتتح معرض 'كنوز مصر الغارقة' بمتحف مارتن جروبيوس الذي يحتضن الآثار المصرية ويعرضها بأحدث الأساليب الحديثة والتي تتناسب مع عظمة وأهمية الحضارة المصرية القديمة.. ويعد هذا المعرض حدثا فريدا ومثيرا لأنه يضم 489 قطعة من آثار المدينة الغارقة أو 'الاسكندرية القديمة' ليحكي المعرض تاريخ هذه الفترة من الزمن وما وصلت إليه من تقدم فني وأيضا رؤية تقريبية لما كان يدور علي أرض الاسكندرية القديمة
أكد جيروين سيفرنيس رئيس معرض الآثار المصرية الغارقة أن افتتاح الرئيس مبارك للمعرض يعد تشريفا مزدوجا لألمانيا لزيارته لبرلين ولافتتاحه المعرض الذي يعد الأول من نوع ويحمل أثرا عميقا في نفوسنا ويؤكد علي متانة العلاقات الثقافية التي تربط بين البلدين وأن ال 489 قطعة أثرية المعروضة تم اكتشافها أمام سواحل الاسكندرية منذ أوائل التسعينات والمعرض يثير شغف الكثيرين لمشاهدته وهو ما يشجع أيضا الكثيرين علي زيارة مدينة الاسكندرية الحديثة نفسها للتعمق في تاريخ هذه الآثار التي لم ترها أوروبا من قبل.
واختتم سيفرنيس تصريحه مؤكدا أن المعرض يعد حدثا فريدا ومثيرا، الآثار المعروضة تعود إلي عصر البطالمة وهي فترة زمنية لا يعرف الكثير عن تطوراتها وأحداثها التاريخية.
وكان وزير الثقافة فاروق حسني قد وافق علي إقامة المعرض في العاصمة الألمانية ثم يقام بعد ذلك في باريس في سبتمبر المقبل ويستمر المعرض بمتحف 'جرويوس باو بالعاصمة الألمانية برلين خلال الفترة من 11 مايو حتي 4 سبتمبر ثم ينتقل بعد ذلك إلي متحف القصر الكبير بالعاصمة الفرنسية خلال الفترة من 20 نوفمبر 2006 حتي 22 مارس .2007
وأكد الدكتور زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار أن العالم سوف يتمكن من الاطلاع علي جزء اسطوري وتاريخي من حضارة مصر القديمة والقطع التي يضمها المعرض تم انتشالها من آثار كليوباترا في منطقة قصور ومعابد الميناء الشرقي الغارقة ومدينتي هيراكليوم ومينوتس الغارقتين في أبوقير ومنها لوحة هيراكليوم من البازلت الأسود يبلغ ارتفاعها نحو مترين وكانت تضم منشورا عن الضرائب والجمارك ومجموعة التماثيل الضخمة التي تضم تمثالين لملك وملكة بطلمية وتمثال حابي إله النيل من الحجر الوردي ويبلغ ارتفاعه 6 أمتار حيث تم العثور عليه علي عمق 10 أمتار مقسمة إلي أجزاء الرأس، الجذع، الأرجل بالإضافة إلي مجموعة من تماثيل أبي الهول ورؤوس الملوك والملكات البطالمة ومجموعة من الحلي والأواني البرونزية وجزء من تاووس لمعبد هرقل وتمثال إيزيس.
وأكد زاهي أن القطع وصلت بسلام إلي المتحف عن طريق البحر والجو أيضا بواسطة طائرة عملاقة بالإضافة إلي أن المتحف تم إعداده بشكل خاص ليكون لائقا بالآثار المصرية فتم إعادة بناء قاعاته لتتناسب مع ضخامة وأهمية القطع المصرية ال 489 ووزعت علي 18 صالة عرض وأكثر من مائة فاترينة منها 50 فاترينة في الصالة الرئيسية للمتحف والباقي وزع علي القاعات التي تم تزويدها بأحدث التقنيات السمعية والبصرية والمؤثرات الحسية في بعض صالات العرض للإيحاء بأجواء أعماق البحر المتوسط التي انتشلت من سواحله الآثار المصرية الغارقة.
وقال فرانك جوديو مدير المعهد الأوروبي للآثار الغارقة بباريس بأن القيمة التأمينية للمعرض بلغت 41 مليونا و692 ألف دولار والعائد المادي للمعرض والذي ستحقق مصر من ورائه حوالي مليون و600 ألف يورو أي حوالي 12 مليون جنيه تقريبا مقابل الجولتين في برلين وباريس بالإضافة إلي ما سبق أن قدمه المعهد الأوروبي للآثار من مساهمات للتنقيب عن الآثار المصرية الغارقة بالاسكندرية علي مدي 15 عاما بواقع نصف مليون دولار سنويا ودليلا علي الاهتمام الألماني بالحدث الفريد أصدرت مجلة 'ديرشبيجل' الألمانية واسعة الانتشار تقريرا وثائقيا عن الآثار المصرية الغارقة تحت عنوان 'ماسة البحر الأبيض' وأشارت في تقريرها إلي أن اكتشاف هذه الآثار ساعد علي اكتشاف البقية الباقية لأشهر عواصم العالم القديم أو الإسكندرية. والتي اعتبرت ماسة البحر الأبيض وزالت فجأة من الوجود وكان يعيش بها في العصر البطلمي حوالي 600 ألف نسمة وكان يوجد بالمدينة فنار الإسكندرية الذي اعتبر من أشهر عجائب الدنيا السبع وبلغ طوله 130 مترا آنذاك وقد ابتلعه البحر مع أجزاء من المدينة فجأة نتيجة لزلزال مدمر بكل محتوياتها لتصبح غارقة تحت مياهه وتستقر آلاف السنين ثم بدأت في التسعينات من القرن الماضي حملة لانتشالها حتي وصلت فاترينات العرض في معرض برلين الذي يضم أجزاء كبيرة من المدينة الغارقة.. كما سيعرض أيضا آثارا من عصر بطليموس التاسع.
وقالت المجلة إن المعرض يقص تاريخ هذه الفترة من الزمن وما حدث من دسائس ومؤامرات بين ملوك وأمراء هذا العصر ورغم ما يشاع عن رومانسية عصر كليوباترا إلا أنه لم يمر دون سفك دماء حيث انتصرت علي شقيقها وتخلصت منه.
وكل هذه الأحداث التاريخية خرجت من تحت الماء لتحكي ما كان يحدث يوما ما علي الأرض..
مدينة سفلية
وللحقيقة فإن بدايات البحث عن آثار الاسكندرية الغارقة يرجع الفضل فيها للأمير عمر طوسون حفيد محمد علي باشا والذي بدأ رحلة البحث في عام 1909 واستطاع في الثلاثينيات انتشال تمثال للإسكندر الأكبر وتوقفت المحاولات بعد ذلك حتي جاء عام 1995 وبدأ الفرنسيون رحلة بحث في خليج أبوقير لانتشال بعض قطع أسطول الحملة الفرنسية فوجدوا الكنوز البطلمية وبدأت حملة من البعثات الأوروبية للتنقيب عن الآثار الغارقة منذ عام ..1998
ودائما ما كانت الاسكندرية بسواحلها وأرضها قبلة الباحثين عن أسرارها فغير العلماء كان هناك المغامرون والهاوون وفي مقدمة المهووسين جرسون يوناني يدعي 'ستيليو' أخذ علي عاتقه مهمة العثور علي رفات جده الإسكندر الأكبر القائد المقدوني مؤسس الاسكندرية وأنفق في بحثه كل ما كان يملك حتي توقف أو لعله مات إفلاسا أو يأسا.. وبرغم خيبة أمله في العثور علي قبر الجد فإنه لم يكن يخرج خالي الوفاض فاكتشف بعض الآثار وخزانات مياه رومانية وسراديب وهناك أيضا الفرنسي جان إيف إمبرور مؤسس مركز دراسات الاسكندرية والذي ينقب منذ أكثر من عقد في عدة مواقع بوسط المدينة ويحلم بالعثور علي موقع منارة الاسكندرية القديمة.
يقول إمبرور العاشق للاسكندرية: عندما تبدأ عملية استكشاف لا نكون علي علم بما سيحدث ولكننا نكون واثقين من أن أي مكان تحفر فيه ستجد شيئا وفي بعض الأحيان نحصل علي أشياء بحالة جيدة.
إن البحث عن المنار هو التحدي الأكبر لجان إيف إمبرور ولكنه ليس الفصل الوحيد في ملحمة الآثار الغارقة في الاسكندرية.. فالامتداد الساحلي للاسكندرية الغارقة أو الجزء الغارق من المدينة القديمة يمتد من أبي قير شرقا إلي أقصي غرب المدينة.
بل إن هناك بعثة أمريكية قررت الكشف عن الآثار الغارقة في مدينة مرسي مطروح وهناك احتمالات كبيرة لوجود مدن أخري غارقة علي طول الساحل الغربي من العجمي حتي مدينة السلوم الحدودية ويعزي هذه الاحتمالات وصف المؤرخ القديم 'استرابو' لحوالي 28 مدينة ساحلية كانت قائمة علي هذا الشريط الساحلي فالبحر المتوسط والذي هو أعظم متاحف العالم وأغناها ويستقر في قاعه آلاف من السفن القديمة الغارقة وتخفي مياهه الساحلية شواهد موانيء ومعابد وقصور كانت تضج بالنشاط والحياة في عصور قديمة.
والإسكندرية في حد ذاتها قصة مثيرة قبل 23 قرنا حيث توقف قائد مقدوني أمام قرية مصرية صغيرة علي ساحل البحر المتوسط هي 'را قوده' وأطل علي جزيرة صغيرة في مواجهتها هي فاروس وسرعان ماتبلورت في ذهن الاسكندر الأكبر صورة مدينة جديدة فأمر مهندسيه بضم القرية والجزيرة معا. فربط المهندسون بينهما بطريق ضيق أطلقوا عليه اسم 'الهيبتا ستاديوم' وذلك لأن طوله كان سبعة 'ستاديات' أي ما يوازي 1200 متر.
وكان يقسم المياه أمام المدينة الجديدة الاسكندرية إلي حوضين الميناء الشرقية والميناء الغربية وكان الأول هو الميناء الرئيسي ويستقبل أهم السفن الحربية والتجارية وتحيط به القصور والحدائق والمباني الحكومية أو ما يسمي بالحي الملكي وهذه المنطقة هي التي حكمت مصر لمدة 298 سنة بداية بحكم بطليموس الأول حتي كليوباترا السابعة آخر ملوك البطالمة وأشهرهم علي الإطلاق والتي انتهي حكمها بمعركة أكتيوم الشهيرة سنة 30 قبل الميلاد، حيث هزمها القائد الروماني أوكتافيوس وأصبحت مصر مستعمرة رومانية وكان الحي الملكي يشغل مساحة المنطقة الحالية الممتدة من شارع 'النبي دانيال' حتي مقابر الشاطبي ولم يكن مسموحا لعامة الشعب بدخول هذا الحي.. فكان الناس يقفون علي ربوة عالية في منطقة كوم الدكة ليتفرجوا علي قصور حكامهم.
ويصف إبراهيم درويش رئيس إدارة الآثار الغارقة حينذاك وأول من تعلم الغوص لأجل دراسة الآثار الغارقة وجدنا في منطقة 'رأس لوخياس' آثارا لمجموعة من القصور البطلمية كما وجدنا جزيرة انتيرودس التي شيدت عليها كليوباترا قصرها وبين الرأس والجزيرة مسافة قدرها 500 متر وعرضها ثمانية أمتار وبقايا هذه القصور راقدة علي عمق 5 أمتار من الشاطيء المقابل لفندق سيسل بميدان محطة الرمل الشهير بالاسكندرية كما رصد فريق الباحثين ما يقرب من 1500 قطعة آثار متراصة علي جزيرة أنتيرودس وموقع يعتقد أنه معبد للإلهة إيزيس وبه أعمدة ضخمة.. واكتشاف 17 تمثالا غارقا ل أبي الهول ومجموعة كبيرة من أواني النقل والتخزين والفخارية.
كما رسم الأثريون المنطقة الساحلية المعروفة باسم تيموثيوم حيث شيدت كليوباترا قصر التأملات لمارك انطونيو.
الزلزال المدمر
الاسكندرية القابعة في قاع البحر الأبيض. كانت أجمل مدينة ولكن هذه المدينة تأثرت بحوالي 80 زلزالا منذ عام 251 ميلادية حتي الآن وقد تراوحت شدتها بين 4 و8 درجات ومنها زلزال عام 303 ق.م الذي هدم منار الاسكندرية الذي أنشيء عام 280 قبل الميلاد في عصر بطليموس الثاني وقد بناه المعماري الإغريقي 'سوستزاتوس' وكان أعلي بناية في عصره ويقال إن قلعة قايتباي قد أقيمت في موقع المنار وعلي أنقاضه.
وقد وصف المسعودي في عام 944 ميلادية المنار وقدر ارتفاعه بحوالي 230 ذراعا وقد حدث زلزال 1303 في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون فضرب شرق البحر المتوسط ودمر حصون الاسكندرية وأسوارها ومنارها.
وقد وصف المقريزي في خططه ما أصاب المدينة من دمار وذكر أن الأمير ركن الدين بيبرس قد عمر المنار أي رممه في عام 703 هجرية.
وبعد ذلك الزلزال المدمر بنصف قرن زار ابن بطوطة الاسكندرية في رحلته الثانية عام 1350 ميلادية وكتب يقول وقصدت المنار عند عودتي إلي بلاد المغرب فوجدته قد استولي عليه الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إليه.
وكان المنار يتألف من أربعة أقسام الأول عبارة عن قاعدة مربعة الشكل يفتح فيها العديد من النوافذ وبها حوالي 300 غرفة مجهزة لسكن الفنيين القائمين علي تشغيل المنار وأسرهم أما الطابق الثاني فكان مثمن الأضلاع والثالث دائري وأخيرا تأتي قمة المنار حيث يستقر الفانوس مصدر الإضاءة يعلوه تمثال لإله البحر والزلازل عند الإغريق بوسايدون'.
ولم يعرف أحد يقينا كيف كان يعمل المنار أو الفنار ولكن ظهرت بعض الاجتهادات لم يستقر الخبراء وعلماء التاريخ علي أي منها وثمة وصف لمرآة ضخمة كاسرة للأشعة في قمة الفنار كانت تتيح رؤية السفن القادمة قبل أن تتمكن العين المجردة من رصدها.
وقد كتب الرحالة العربي القديم 'ابن جبير' أن ضوء الفنار كان يري من علي بعد 70 ميلا في البحر.
ويقول إن الصعود إلي الفنار والنزول منه كان يتم عن طريق منحدر حلزوني.
وفي بداية القرن ال 20 قدم الأثري والمعماري الألماني هرمان ثيرش نموذجا للفنار في هيئة أقرب إلي نصب تذكاري يرتفع كبرج ضخم مكون من 30 طابقا ويحتوي علي 300 غرفة.
إن فريق الباحثين الأثريين العاملين بموقع قايتباي يسعون للحصول علي كتل حجرية تنتمي لأنقاض الفنار القديم وهم يعرفون أن واجهته كانت تحمل لوحة تذكارية منحوته بحروف يونانية ضخمة فإذا وجدوا تلك اللوحة أو جزءا منها تأكد للجميع أن الكتل الحجرية الضخمة الغارقة بالموقع هي أنقاض الفنار..
إن بعض علماء التاريخ يشكك في أن الفنار القديم هو مصدر هذه الكتل ويعتقد أنها مجرد صخور كانت تلقي إلي الماء في العصور الوسطي كإجراء دفاعي لإغلاق الميناء أمام سفن الصيلبيين الغزاة..
لم يعثر الباحثون بعد علي ضالتهم ولكنهم وجدوا قطعة حجرية تشبه جسم الأسد وبدون رأس ورجح أنها لتمثال ناقص لأبوالهول وإنها كانت تحمل رأس رجل.
كما وجد أجزاء من مسلة قديمة تم نحتها من كتلة جرانيتية واحدة.
أبو قير.. حدوتة منسية
لم يكن المصريون القدماء يعرفون اسم أبي قير ولكن كانت هناك كانوب التجارية لمصر القديمة التي كان ينتهي عندها فرع قديم اندثر الآن لنهر النيل وهو الفرع الكانوبي.
وإلي جوار كانوب كانت هناك مدينتان صغيرتان هما مينوتس وهراكليوم وكان النشاط في المنطقة ينتمي لطبيعة الموانيء في كل العصور ومع مجيء المسيحية ازدهرت المنطقة كضاحية للعاصمة الاسكندرية وحصلت علي اسمها الحالي من قديس عاش بها ودفن بإحدي كنائسها وكان اسمه أباكير.
أما ظهور أبوقير علي مسرح عمليات الآثار الغارقة فقد بدأ في عام 1930 عندما سجل طيار بريطاني هو الكابتن كول ملاحظاته عن مشاهداته أثناء طيرانه علي ارتفاع منخفض فوق خليج أبي قير وتضمنت مشاهداته رؤيته تكوينا ضخما علي هيئة حدوة حصان تحت سطح البحر ووصلت هذه الأخبار إلي الأمير عمر طوسون الشغوف بالبحث عن الآثار فكلف بعض المهندسين بتحديد مواقع هذه الآثار واستمر طوسون في اهتمامه بآثار خليج أبي قير الغارقة فانتشل رأس تمثال من الرخام الأبيض.
وفي كتاب 'حضارات غارقة' الذي صدر عام 1965 يقول الدكتور سليم أنطون إن قصة أبي قير الأثرية لم تحك كلها وإن مياه هذه المنطقة لا تزال تحتفظ بكثير من الأسرار وأن مياه أبي قير تصون أسرارا بما تحتضنه من آثار بأمانة أكثر ربما مما لو انتشلت هذه الآثار وتركت فوق سطح الأرض معرضة للصوص.
إن أبي قير منطقة محظوظة لأنها جمعت بين الآثار القديمة وما يمكن تسميته بالآثار الحديثة المتمثلة في أسطول نابليون حيث ترقد معظم سفن الأسطول الذي نقل نابليون وحملته إلي مصر فكما هو ثابت تاريخيا انتصر عليه أمير البحر الإنجليزي هورا شيونلسون وأغرقه في واحدة من أشهر المعارك البحرية هي معركة خليج أبي قير أو معركة النيل كما يسميها المؤرخون الأجانب.
المسلة السحرية
المسلة الغارقة التي انتشلت من قاع البحر علي ثلاث قطع عليها نقوش هيروغليفية ما هي حكايتها.
إن المكان الطبيعي الذي يعرفه علماء الآثار لمثل تلك المسلة هو مدخل أحد المعابد في مصر العليا فكيف ولماذا غادرت تلك المسلة مكانها الاعتيادي وجاءت إلي أقصي الشمال تنتهي بها الرحلة إلي حطام غارق تحت سطح البحر في الموقع المحتمل للفنار القديم.
لقد تم انتشال تلك الكتل المخروطية الثلاث وبعد تنظيفها وإزالة الأصداف الدقيقة العالقة بها ظهرت الكتابة الهيروغليفية المنقوشة عليها وكانت عبارة عن رقية سحرية نقشت علي المسلة في أحد العصور الذهبية لمصر القديمة قبل أن يقام الفنار بأكثر من ألف عام وكانت تبدأ بكلمات تبجيل للإله حورس الذهبي عظيم البهاء قوي الساعد القادر علي منازلة مئات الألوف.
وهكذا فإن الموقع الذي كنا ننتظر منه أن يعطينا آثارا إغريقية أعطانا أيضا آثارا فرعونية. حيث قيل إنه عند قراءة النقوش الهيروغليفية المرسومة فوق عشرات الكتل الصخرية الغارقة، اسماء بعض الآلهة المصرية القديمة مثل أتون ورع حور آختي وهما إلهان جسدهما المصريون القدماء في قرص الشمس كما أنهما من آلهة هليوبوليس ومن أهم مراكز الديانة المصرية القديمة أن بعض هذه الكتل ذات النقوش يعود تاريخها إلي ألف عام.. وذلك يجعلنا نتساءل ماذا كانت تفعل هذه المسلات المحطمة وتماثيل أبي الهول المذبوحة والكتل القادمة من هليوبوليس في الاسكندرية.
قد تكون الإجابة علي كل هذه التساؤلات موجودة في طيات التاريخ المصري القديم فقد اعتاد الفراعنة أن يهدموا الآثار التي خلفها اسلافهم ويبنوا من أنقاضها تماثيلهم وأعمدة معابدهم. فهل سلكت المدينة الإغريقية البطلمية سلوك الفراعنة؟
المؤكد أن الثقافة المصرية أثرت في الإغريق ففي فترة ازدهار الإسكندرية امتزجت الحضارة المصرية القديمة بالإغريقية والرومانية ليكونوا خليطا فذا من الحضارة تشهد عليه طبيعة التكوينات المعمارية للتماثيل وبقايا المعابد والقصور التي عثر عليها تحت مياه الاسكندرية حتي الآلهة اختلطت ملامحها وهناك تمثال لجندي روماني له رأس ابن آوي وهو رأس الإله المصري انوبيس ولا يجد علماء الآثار غرابة في ذلك فالمدينة الجديدة الاسكندرية القديمة احتضنت خليطا من السكان مكونا من الإغريق واليهود والرومان والمصريين والأفارقة والعرب.
ومازال الغوص تحت مياه الاسكندرية يفتح المزيد من بوابات الأسرار والغموض لمدينة عاشت وستعيش آلاف السنين..
معرض الكنوز المصرية في برلين
الماء يحكي تاريخ أهل الأرض
http://www.akhbarelyom.org.eg/akhersaa/issues/3734/images/mobaraq4.jpg
اتجهت أنظار العالم.. إلي العاصمة الألمانية برلين لمتابعة الاحتفالية الضخمة التي أقيمت من أجل افتتاح معرض الآثار المصرية الغارقة في واحدة من أكبر الفعاليات الثقافية والتاريخية في العالم بحضور الرئيس محمد حسني مبارك ونظيره الألماني هورست كولر وقرينتيهما.. افتتح معرض 'كنوز مصر الغارقة' بمتحف مارتن جروبيوس الذي يحتضن الآثار المصرية ويعرضها بأحدث الأساليب الحديثة والتي تتناسب مع عظمة وأهمية الحضارة المصرية القديمة.. ويعد هذا المعرض حدثا فريدا ومثيرا لأنه يضم 489 قطعة من آثار المدينة الغارقة أو 'الاسكندرية القديمة' ليحكي المعرض تاريخ هذه الفترة من الزمن وما وصلت إليه من تقدم فني وأيضا رؤية تقريبية لما كان يدور علي أرض الاسكندرية القديمة
أكد جيروين سيفرنيس رئيس معرض الآثار المصرية الغارقة أن افتتاح الرئيس مبارك للمعرض يعد تشريفا مزدوجا لألمانيا لزيارته لبرلين ولافتتاحه المعرض الذي يعد الأول من نوع ويحمل أثرا عميقا في نفوسنا ويؤكد علي متانة العلاقات الثقافية التي تربط بين البلدين وأن ال 489 قطعة أثرية المعروضة تم اكتشافها أمام سواحل الاسكندرية منذ أوائل التسعينات والمعرض يثير شغف الكثيرين لمشاهدته وهو ما يشجع أيضا الكثيرين علي زيارة مدينة الاسكندرية الحديثة نفسها للتعمق في تاريخ هذه الآثار التي لم ترها أوروبا من قبل.
واختتم سيفرنيس تصريحه مؤكدا أن المعرض يعد حدثا فريدا ومثيرا، الآثار المعروضة تعود إلي عصر البطالمة وهي فترة زمنية لا يعرف الكثير عن تطوراتها وأحداثها التاريخية.
وكان وزير الثقافة فاروق حسني قد وافق علي إقامة المعرض في العاصمة الألمانية ثم يقام بعد ذلك في باريس في سبتمبر المقبل ويستمر المعرض بمتحف 'جرويوس باو بالعاصمة الألمانية برلين خلال الفترة من 11 مايو حتي 4 سبتمبر ثم ينتقل بعد ذلك إلي متحف القصر الكبير بالعاصمة الفرنسية خلال الفترة من 20 نوفمبر 2006 حتي 22 مارس .2007
وأكد الدكتور زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار أن العالم سوف يتمكن من الاطلاع علي جزء اسطوري وتاريخي من حضارة مصر القديمة والقطع التي يضمها المعرض تم انتشالها من آثار كليوباترا في منطقة قصور ومعابد الميناء الشرقي الغارقة ومدينتي هيراكليوم ومينوتس الغارقتين في أبوقير ومنها لوحة هيراكليوم من البازلت الأسود يبلغ ارتفاعها نحو مترين وكانت تضم منشورا عن الضرائب والجمارك ومجموعة التماثيل الضخمة التي تضم تمثالين لملك وملكة بطلمية وتمثال حابي إله النيل من الحجر الوردي ويبلغ ارتفاعه 6 أمتار حيث تم العثور عليه علي عمق 10 أمتار مقسمة إلي أجزاء الرأس، الجذع، الأرجل بالإضافة إلي مجموعة من تماثيل أبي الهول ورؤوس الملوك والملكات البطالمة ومجموعة من الحلي والأواني البرونزية وجزء من تاووس لمعبد هرقل وتمثال إيزيس.
وأكد زاهي أن القطع وصلت بسلام إلي المتحف عن طريق البحر والجو أيضا بواسطة طائرة عملاقة بالإضافة إلي أن المتحف تم إعداده بشكل خاص ليكون لائقا بالآثار المصرية فتم إعادة بناء قاعاته لتتناسب مع ضخامة وأهمية القطع المصرية ال 489 ووزعت علي 18 صالة عرض وأكثر من مائة فاترينة منها 50 فاترينة في الصالة الرئيسية للمتحف والباقي وزع علي القاعات التي تم تزويدها بأحدث التقنيات السمعية والبصرية والمؤثرات الحسية في بعض صالات العرض للإيحاء بأجواء أعماق البحر المتوسط التي انتشلت من سواحله الآثار المصرية الغارقة.
وقال فرانك جوديو مدير المعهد الأوروبي للآثار الغارقة بباريس بأن القيمة التأمينية للمعرض بلغت 41 مليونا و692 ألف دولار والعائد المادي للمعرض والذي ستحقق مصر من ورائه حوالي مليون و600 ألف يورو أي حوالي 12 مليون جنيه تقريبا مقابل الجولتين في برلين وباريس بالإضافة إلي ما سبق أن قدمه المعهد الأوروبي للآثار من مساهمات للتنقيب عن الآثار المصرية الغارقة بالاسكندرية علي مدي 15 عاما بواقع نصف مليون دولار سنويا ودليلا علي الاهتمام الألماني بالحدث الفريد أصدرت مجلة 'ديرشبيجل' الألمانية واسعة الانتشار تقريرا وثائقيا عن الآثار المصرية الغارقة تحت عنوان 'ماسة البحر الأبيض' وأشارت في تقريرها إلي أن اكتشاف هذه الآثار ساعد علي اكتشاف البقية الباقية لأشهر عواصم العالم القديم أو الإسكندرية. والتي اعتبرت ماسة البحر الأبيض وزالت فجأة من الوجود وكان يعيش بها في العصر البطلمي حوالي 600 ألف نسمة وكان يوجد بالمدينة فنار الإسكندرية الذي اعتبر من أشهر عجائب الدنيا السبع وبلغ طوله 130 مترا آنذاك وقد ابتلعه البحر مع أجزاء من المدينة فجأة نتيجة لزلزال مدمر بكل محتوياتها لتصبح غارقة تحت مياهه وتستقر آلاف السنين ثم بدأت في التسعينات من القرن الماضي حملة لانتشالها حتي وصلت فاترينات العرض في معرض برلين الذي يضم أجزاء كبيرة من المدينة الغارقة.. كما سيعرض أيضا آثارا من عصر بطليموس التاسع.
وقالت المجلة إن المعرض يقص تاريخ هذه الفترة من الزمن وما حدث من دسائس ومؤامرات بين ملوك وأمراء هذا العصر ورغم ما يشاع عن رومانسية عصر كليوباترا إلا أنه لم يمر دون سفك دماء حيث انتصرت علي شقيقها وتخلصت منه.
وكل هذه الأحداث التاريخية خرجت من تحت الماء لتحكي ما كان يحدث يوما ما علي الأرض..
مدينة سفلية
وللحقيقة فإن بدايات البحث عن آثار الاسكندرية الغارقة يرجع الفضل فيها للأمير عمر طوسون حفيد محمد علي باشا والذي بدأ رحلة البحث في عام 1909 واستطاع في الثلاثينيات انتشال تمثال للإسكندر الأكبر وتوقفت المحاولات بعد ذلك حتي جاء عام 1995 وبدأ الفرنسيون رحلة بحث في خليج أبوقير لانتشال بعض قطع أسطول الحملة الفرنسية فوجدوا الكنوز البطلمية وبدأت حملة من البعثات الأوروبية للتنقيب عن الآثار الغارقة منذ عام ..1998
ودائما ما كانت الاسكندرية بسواحلها وأرضها قبلة الباحثين عن أسرارها فغير العلماء كان هناك المغامرون والهاوون وفي مقدمة المهووسين جرسون يوناني يدعي 'ستيليو' أخذ علي عاتقه مهمة العثور علي رفات جده الإسكندر الأكبر القائد المقدوني مؤسس الاسكندرية وأنفق في بحثه كل ما كان يملك حتي توقف أو لعله مات إفلاسا أو يأسا.. وبرغم خيبة أمله في العثور علي قبر الجد فإنه لم يكن يخرج خالي الوفاض فاكتشف بعض الآثار وخزانات مياه رومانية وسراديب وهناك أيضا الفرنسي جان إيف إمبرور مؤسس مركز دراسات الاسكندرية والذي ينقب منذ أكثر من عقد في عدة مواقع بوسط المدينة ويحلم بالعثور علي موقع منارة الاسكندرية القديمة.
يقول إمبرور العاشق للاسكندرية: عندما تبدأ عملية استكشاف لا نكون علي علم بما سيحدث ولكننا نكون واثقين من أن أي مكان تحفر فيه ستجد شيئا وفي بعض الأحيان نحصل علي أشياء بحالة جيدة.
إن البحث عن المنار هو التحدي الأكبر لجان إيف إمبرور ولكنه ليس الفصل الوحيد في ملحمة الآثار الغارقة في الاسكندرية.. فالامتداد الساحلي للاسكندرية الغارقة أو الجزء الغارق من المدينة القديمة يمتد من أبي قير شرقا إلي أقصي غرب المدينة.
بل إن هناك بعثة أمريكية قررت الكشف عن الآثار الغارقة في مدينة مرسي مطروح وهناك احتمالات كبيرة لوجود مدن أخري غارقة علي طول الساحل الغربي من العجمي حتي مدينة السلوم الحدودية ويعزي هذه الاحتمالات وصف المؤرخ القديم 'استرابو' لحوالي 28 مدينة ساحلية كانت قائمة علي هذا الشريط الساحلي فالبحر المتوسط والذي هو أعظم متاحف العالم وأغناها ويستقر في قاعه آلاف من السفن القديمة الغارقة وتخفي مياهه الساحلية شواهد موانيء ومعابد وقصور كانت تضج بالنشاط والحياة في عصور قديمة.
والإسكندرية في حد ذاتها قصة مثيرة قبل 23 قرنا حيث توقف قائد مقدوني أمام قرية مصرية صغيرة علي ساحل البحر المتوسط هي 'را قوده' وأطل علي جزيرة صغيرة في مواجهتها هي فاروس وسرعان ماتبلورت في ذهن الاسكندر الأكبر صورة مدينة جديدة فأمر مهندسيه بضم القرية والجزيرة معا. فربط المهندسون بينهما بطريق ضيق أطلقوا عليه اسم 'الهيبتا ستاديوم' وذلك لأن طوله كان سبعة 'ستاديات' أي ما يوازي 1200 متر.
وكان يقسم المياه أمام المدينة الجديدة الاسكندرية إلي حوضين الميناء الشرقية والميناء الغربية وكان الأول هو الميناء الرئيسي ويستقبل أهم السفن الحربية والتجارية وتحيط به القصور والحدائق والمباني الحكومية أو ما يسمي بالحي الملكي وهذه المنطقة هي التي حكمت مصر لمدة 298 سنة بداية بحكم بطليموس الأول حتي كليوباترا السابعة آخر ملوك البطالمة وأشهرهم علي الإطلاق والتي انتهي حكمها بمعركة أكتيوم الشهيرة سنة 30 قبل الميلاد، حيث هزمها القائد الروماني أوكتافيوس وأصبحت مصر مستعمرة رومانية وكان الحي الملكي يشغل مساحة المنطقة الحالية الممتدة من شارع 'النبي دانيال' حتي مقابر الشاطبي ولم يكن مسموحا لعامة الشعب بدخول هذا الحي.. فكان الناس يقفون علي ربوة عالية في منطقة كوم الدكة ليتفرجوا علي قصور حكامهم.
ويصف إبراهيم درويش رئيس إدارة الآثار الغارقة حينذاك وأول من تعلم الغوص لأجل دراسة الآثار الغارقة وجدنا في منطقة 'رأس لوخياس' آثارا لمجموعة من القصور البطلمية كما وجدنا جزيرة انتيرودس التي شيدت عليها كليوباترا قصرها وبين الرأس والجزيرة مسافة قدرها 500 متر وعرضها ثمانية أمتار وبقايا هذه القصور راقدة علي عمق 5 أمتار من الشاطيء المقابل لفندق سيسل بميدان محطة الرمل الشهير بالاسكندرية كما رصد فريق الباحثين ما يقرب من 1500 قطعة آثار متراصة علي جزيرة أنتيرودس وموقع يعتقد أنه معبد للإلهة إيزيس وبه أعمدة ضخمة.. واكتشاف 17 تمثالا غارقا ل أبي الهول ومجموعة كبيرة من أواني النقل والتخزين والفخارية.
كما رسم الأثريون المنطقة الساحلية المعروفة باسم تيموثيوم حيث شيدت كليوباترا قصر التأملات لمارك انطونيو.
الزلزال المدمر
الاسكندرية القابعة في قاع البحر الأبيض. كانت أجمل مدينة ولكن هذه المدينة تأثرت بحوالي 80 زلزالا منذ عام 251 ميلادية حتي الآن وقد تراوحت شدتها بين 4 و8 درجات ومنها زلزال عام 303 ق.م الذي هدم منار الاسكندرية الذي أنشيء عام 280 قبل الميلاد في عصر بطليموس الثاني وقد بناه المعماري الإغريقي 'سوستزاتوس' وكان أعلي بناية في عصره ويقال إن قلعة قايتباي قد أقيمت في موقع المنار وعلي أنقاضه.
وقد وصف المسعودي في عام 944 ميلادية المنار وقدر ارتفاعه بحوالي 230 ذراعا وقد حدث زلزال 1303 في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون فضرب شرق البحر المتوسط ودمر حصون الاسكندرية وأسوارها ومنارها.
وقد وصف المقريزي في خططه ما أصاب المدينة من دمار وذكر أن الأمير ركن الدين بيبرس قد عمر المنار أي رممه في عام 703 هجرية.
وبعد ذلك الزلزال المدمر بنصف قرن زار ابن بطوطة الاسكندرية في رحلته الثانية عام 1350 ميلادية وكتب يقول وقصدت المنار عند عودتي إلي بلاد المغرب فوجدته قد استولي عليه الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إليه.
وكان المنار يتألف من أربعة أقسام الأول عبارة عن قاعدة مربعة الشكل يفتح فيها العديد من النوافذ وبها حوالي 300 غرفة مجهزة لسكن الفنيين القائمين علي تشغيل المنار وأسرهم أما الطابق الثاني فكان مثمن الأضلاع والثالث دائري وأخيرا تأتي قمة المنار حيث يستقر الفانوس مصدر الإضاءة يعلوه تمثال لإله البحر والزلازل عند الإغريق بوسايدون'.
ولم يعرف أحد يقينا كيف كان يعمل المنار أو الفنار ولكن ظهرت بعض الاجتهادات لم يستقر الخبراء وعلماء التاريخ علي أي منها وثمة وصف لمرآة ضخمة كاسرة للأشعة في قمة الفنار كانت تتيح رؤية السفن القادمة قبل أن تتمكن العين المجردة من رصدها.
وقد كتب الرحالة العربي القديم 'ابن جبير' أن ضوء الفنار كان يري من علي بعد 70 ميلا في البحر.
ويقول إن الصعود إلي الفنار والنزول منه كان يتم عن طريق منحدر حلزوني.
وفي بداية القرن ال 20 قدم الأثري والمعماري الألماني هرمان ثيرش نموذجا للفنار في هيئة أقرب إلي نصب تذكاري يرتفع كبرج ضخم مكون من 30 طابقا ويحتوي علي 300 غرفة.
إن فريق الباحثين الأثريين العاملين بموقع قايتباي يسعون للحصول علي كتل حجرية تنتمي لأنقاض الفنار القديم وهم يعرفون أن واجهته كانت تحمل لوحة تذكارية منحوته بحروف يونانية ضخمة فإذا وجدوا تلك اللوحة أو جزءا منها تأكد للجميع أن الكتل الحجرية الضخمة الغارقة بالموقع هي أنقاض الفنار..
إن بعض علماء التاريخ يشكك في أن الفنار القديم هو مصدر هذه الكتل ويعتقد أنها مجرد صخور كانت تلقي إلي الماء في العصور الوسطي كإجراء دفاعي لإغلاق الميناء أمام سفن الصيلبيين الغزاة..
لم يعثر الباحثون بعد علي ضالتهم ولكنهم وجدوا قطعة حجرية تشبه جسم الأسد وبدون رأس ورجح أنها لتمثال ناقص لأبوالهول وإنها كانت تحمل رأس رجل.
كما وجد أجزاء من مسلة قديمة تم نحتها من كتلة جرانيتية واحدة.
أبو قير.. حدوتة منسية
لم يكن المصريون القدماء يعرفون اسم أبي قير ولكن كانت هناك كانوب التجارية لمصر القديمة التي كان ينتهي عندها فرع قديم اندثر الآن لنهر النيل وهو الفرع الكانوبي.
وإلي جوار كانوب كانت هناك مدينتان صغيرتان هما مينوتس وهراكليوم وكان النشاط في المنطقة ينتمي لطبيعة الموانيء في كل العصور ومع مجيء المسيحية ازدهرت المنطقة كضاحية للعاصمة الاسكندرية وحصلت علي اسمها الحالي من قديس عاش بها ودفن بإحدي كنائسها وكان اسمه أباكير.
أما ظهور أبوقير علي مسرح عمليات الآثار الغارقة فقد بدأ في عام 1930 عندما سجل طيار بريطاني هو الكابتن كول ملاحظاته عن مشاهداته أثناء طيرانه علي ارتفاع منخفض فوق خليج أبي قير وتضمنت مشاهداته رؤيته تكوينا ضخما علي هيئة حدوة حصان تحت سطح البحر ووصلت هذه الأخبار إلي الأمير عمر طوسون الشغوف بالبحث عن الآثار فكلف بعض المهندسين بتحديد مواقع هذه الآثار واستمر طوسون في اهتمامه بآثار خليج أبي قير الغارقة فانتشل رأس تمثال من الرخام الأبيض.
وفي كتاب 'حضارات غارقة' الذي صدر عام 1965 يقول الدكتور سليم أنطون إن قصة أبي قير الأثرية لم تحك كلها وإن مياه هذه المنطقة لا تزال تحتفظ بكثير من الأسرار وأن مياه أبي قير تصون أسرارا بما تحتضنه من آثار بأمانة أكثر ربما مما لو انتشلت هذه الآثار وتركت فوق سطح الأرض معرضة للصوص.
إن أبي قير منطقة محظوظة لأنها جمعت بين الآثار القديمة وما يمكن تسميته بالآثار الحديثة المتمثلة في أسطول نابليون حيث ترقد معظم سفن الأسطول الذي نقل نابليون وحملته إلي مصر فكما هو ثابت تاريخيا انتصر عليه أمير البحر الإنجليزي هورا شيونلسون وأغرقه في واحدة من أشهر المعارك البحرية هي معركة خليج أبي قير أو معركة النيل كما يسميها المؤرخون الأجانب.
المسلة السحرية
المسلة الغارقة التي انتشلت من قاع البحر علي ثلاث قطع عليها نقوش هيروغليفية ما هي حكايتها.
إن المكان الطبيعي الذي يعرفه علماء الآثار لمثل تلك المسلة هو مدخل أحد المعابد في مصر العليا فكيف ولماذا غادرت تلك المسلة مكانها الاعتيادي وجاءت إلي أقصي الشمال تنتهي بها الرحلة إلي حطام غارق تحت سطح البحر في الموقع المحتمل للفنار القديم.
لقد تم انتشال تلك الكتل المخروطية الثلاث وبعد تنظيفها وإزالة الأصداف الدقيقة العالقة بها ظهرت الكتابة الهيروغليفية المنقوشة عليها وكانت عبارة عن رقية سحرية نقشت علي المسلة في أحد العصور الذهبية لمصر القديمة قبل أن يقام الفنار بأكثر من ألف عام وكانت تبدأ بكلمات تبجيل للإله حورس الذهبي عظيم البهاء قوي الساعد القادر علي منازلة مئات الألوف.
وهكذا فإن الموقع الذي كنا ننتظر منه أن يعطينا آثارا إغريقية أعطانا أيضا آثارا فرعونية. حيث قيل إنه عند قراءة النقوش الهيروغليفية المرسومة فوق عشرات الكتل الصخرية الغارقة، اسماء بعض الآلهة المصرية القديمة مثل أتون ورع حور آختي وهما إلهان جسدهما المصريون القدماء في قرص الشمس كما أنهما من آلهة هليوبوليس ومن أهم مراكز الديانة المصرية القديمة أن بعض هذه الكتل ذات النقوش يعود تاريخها إلي ألف عام.. وذلك يجعلنا نتساءل ماذا كانت تفعل هذه المسلات المحطمة وتماثيل أبي الهول المذبوحة والكتل القادمة من هليوبوليس في الاسكندرية.
قد تكون الإجابة علي كل هذه التساؤلات موجودة في طيات التاريخ المصري القديم فقد اعتاد الفراعنة أن يهدموا الآثار التي خلفها اسلافهم ويبنوا من أنقاضها تماثيلهم وأعمدة معابدهم. فهل سلكت المدينة الإغريقية البطلمية سلوك الفراعنة؟
المؤكد أن الثقافة المصرية أثرت في الإغريق ففي فترة ازدهار الإسكندرية امتزجت الحضارة المصرية القديمة بالإغريقية والرومانية ليكونوا خليطا فذا من الحضارة تشهد عليه طبيعة التكوينات المعمارية للتماثيل وبقايا المعابد والقصور التي عثر عليها تحت مياه الاسكندرية حتي الآلهة اختلطت ملامحها وهناك تمثال لجندي روماني له رأس ابن آوي وهو رأس الإله المصري انوبيس ولا يجد علماء الآثار غرابة في ذلك فالمدينة الجديدة الاسكندرية القديمة احتضنت خليطا من السكان مكونا من الإغريق واليهود والرومان والمصريين والأفارقة والعرب.
ومازال الغوص تحت مياه الاسكندرية يفتح المزيد من بوابات الأسرار والغموض لمدينة عاشت وستعيش آلاف السنين..