المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار الحضارات


ميلاد اليماني
14th December 2005, 06:18 PM
حوار الحضارات كتاب للدكتور
د. وليد عبد الناصر

--------------------------------------------------------------------------------

مـقـدمــة
الفصل الاول : طبيعة الحضارات وخصائصها
الفصـــــــل الثاني :الحضارات وحوارها : المبادرات المطروحة
الفصــــــل الثالت :حوار الحضارات والثقافات والأديان : نحو رؤية مصرية




**********







الفصل الأول

طـــبـيـعـــة الحضـــارات
وخصــــائصـــهـا



--------------------------------------------------------------------------------

يرى الكثير من المحللين والمؤرخين أن التاريخ الإنسانى ما هو إلا تاريخ الحضارات، وينفون إمكانية فهم أو تفسير تطور البشرية دون الإقرار بهذه الفرضية. وتصدق هذه الفرضية من وجهة نظر أصحابها على أجيال متعاقبة من الحضارات منذ الحضارات الفرعونية والسومرية والصينية، ومروراً بحضارات بلاد الرافدين والحضارتين الإغريقية والرومانية ثم الحضارة الإسلامية والهندية وصولا إلى الحضارة الغربية الحديثة. ويرى أصحاب هذه الرؤية أنه عبر التاريخ مثلت الحضارات مرجعيات الهوية التى يعرف بها البشر أنفسهم، أى انهم رأوا فى الانتماء الحضارى مستوى يفوق الانتماء الوطنى أو القومى أو اللغوى أو العرقى أو غير ذلك. ونتيجة لذلك، فإن أسباب نشأة وصعود وإنجازات وتفاعلات الحضارات ثم انحدارها وسقوطها لم تكن محل دراسة المعنيين بها من تخصصات مختلفة تراوحت بين المؤرخين كما هو متوقع فحسب، ولكنها شملت أيضاً علماء اجتماع وآخرين متخصصين فى علم أصول الإنسان وعلوم الأجناس وفلاسفة ومنظرين سياسيين. وضمت هذه القائمة الكبيرة أسماء لها وزنها فى تاريخ البشرية وعلومها، مثل أوزوالد سبنجلر، أرنولد توينبى، ماكس فيبر، ايميل دوركايم، امانويل الدشتاين، فيليب فرنانديز، وغيرهم كثيرين، مما أوجد ثروة هائلة كما وكيفا من الأدبيات الرفيعة المستوى التى كرست لدراسة خصائص الحضارات وطبيعتها وإجراء المقارنات التحليلية فيما بينها. ولاشك أن هذه الأدبيات اتسمت بالتنوع والتعدد من جهة منهج المعالجة، ونطاق الاهتمام، ولغة الخطاب، والمفاهيم المستخدمة والتعريفات الميدانية لها وغير ذلك. وبالرغم من هذا الاختلاف، فلاشك أنه يتوافر قدر من الاتفاق العريض على بعض الأفكار المحورية التى تتصل بطبيعة الحضارات وهويتها والعوامل التى تحكم دينامية هذه الحضارات وعناصر الثبات والتغير بها.
وكان أول من استخدم تعبير حضارة هم المفكرون الفرنسيون فى القرن الثامن عشر، وذلك على سبيل المفارقة مع مفهوم آخر هو البربرية. وتعددت معايير التمييز بين المجتمعات التى تنتمى إلى كل من المفهومين: فالمجتمعات المتحضرة هى تلك التى تتصف بأنها حضرية مستقرة وتتكون من أغلبية من المتعلمين. وكانت المفارقة هى أنه ما هو متحضر هو حسن ومطلوب وجيد، وما هو غير ذلك فهو سئ ومرفوض ويجب إنجاز مهمة تحضيره CIVILIZING. وبالتالى اصبح معيار التحضر هو الذى يتم الرجوع إليه كمعيار ذاتى محمل بمجموعة من القيم للحكم على المجتمعات. وخلال القرن الميلادى التاسع عشر، كرست أوروبا الكثير من طاقتها الفكرية والسياسية والدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق على المعايير التى يمكن على أساسها تعريف المجتمعات غير الأوروبية التى يمكن أن يعتبرها الغرب متحضرة بما يكفى لقبولها كأعضاء فى النظام الدولى الذى كانت أوروبا تصوغه بشكل تدريجى منذ اتفاقية وستفاليا وكان يخضع للهيمنة الأوروبية. إلا أن نفس القرن التاسع عشر شهد تحركا فى اتجاه مختلف، فقد بدأ البعض يتحدث عن حضارات وليس مجرد حضارة. فكان هذا يعنى إدراكاً متزايداً ووعياً متفتحاً لدى هذا البعض بضرورة التخلى عن فكرة أن حضارة واحدة هى المثال والنموذج الذى يجب أن يحتذى به الجميع، وتحرك هؤلاء بعيداً عن فرضية أن هناك نسقا واحدا من المعايير ونمط حياة مجموعة من البشر فى شكل مجتمع أو أكثر تفترض فى نفسها التميز الأفضل وتعتبر نفسها نخبة البشرية، وهو مفهوم لا يختلف كثيرا عن مفهوم شعب الله المختار فى التراث التوراتى فى العهد القديم. وعند التخلى عن هذه النظرية المتمركزة حول الذات ETHNO CENTRIC يتم قبول تعدد وتنوع الحضارات وكل منها تعرف وتطرح ما هو حضارى طبقا لطريقتها الخاصة ونظرتها للحياة والإنسان والمجتمع والطبيعة.
وبالرغم من التطور المشار إليه فى الفقرة السابقة، فقد بقى عبر الزمن وفى صفوف اتباع كل حضارة من استمر يعتقد بأن حضارته التى ينتمى إليها تمثل الحضارة العالمية التى يجب على كافة البشر فى كل زمان ومكان أن يتبعوها.
ويمنحنا التاريخ نموذجا لتعريف القدامى للحضارة وما تتضمنه من عناصر ثقافية أساسية وهو ما جاء على لسان أهل أثينا عندما تعهدوا لأهل إسبرطة بعدم الوشاية بهم أو خيانتهم لدى الفرس، بسبب عناصر مشتركة من صور الآلهة ومعابدهم وآثار الجهود السابقة المشتركة، وكذلك العرق اليونانى المشترك دماً ولغةً والتقاليد المشتركة وطريقة الحياة. وربما دفع هذا التعريف العريض البعض حتى زماننا هذا إلى القول بأن الدين هو أهم العناصر الموضوعية للحضارة، وكان دليلهم على ذلك أن أهم حضارات العالم ارتبطت بأديان بعينها وادعى هؤلاء أن أصحاب اللغة أو العرق المشترك حاربوا بعضهم البعض وهو ما لم يحدث فى حالة أصحاب الأديان المشتركة. وهنا بالطبع مغالطة واضحة تتجاهل رصيداً ضخماً ومتراكماً من الحروب بين أبناء الديانة الواحدة منذ الحروب بين المسيحيين القائلين بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح وأولئك القائلين بطبيعته الثنائية فى مطلع التاريخ المسيحى والحروب فيما بين الإمبراطوريات والفرق الإسلامية المختلفة منذ الفتنة الكبرى فى عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان وصولا إلى الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت فى ايرلندا الشمالية وبين العراق وإيران فى القرن العشرين. ومما يؤكد أن الحضارات لا ترتبط بالضرورة بالأديان هو أن الديانة البوذية مثلاً - وبخلاف الديانات الإسلامية والمسيحية والهندوكية والكونفوشية- لم تنجب حضارة خاصة بها، وإن ظلت تشكل أحد المكونات الرئيسية لعدد من الحضارات، خاصة الحضارتين الصينية والهندية، وأثرت فى ثقافات عدد غير قليل من الشعوب فى آسيا. ويصدق نفس الأمر على الديانة اليهودية التى لم تنجب أبداً حضارة خاصة بها - بالرغم من ادعاءات بعض مؤرخى اليهود بعكس ذلك- بل شارك أبناء الديانة اليهودية فى مراحل تاريخية مختلفة فى إثراء حضارات قائمة عاش اليهود فى كنفها مثل الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية وغيرهما. كذلك، وفى نفس السياق، فمن المهم إبراز أن كل ديانة قد انقسمت إلى مذاهب وفرق عقائدية متعددة، فالمسيحية انقسمت ما بين أرثوذكسية وكاثوليكية وبروتستانتية مع تفرع كل منها إلى فرق فرعية. والإسلام بدوره انقسم إلى سنة وشيعة وخوارج وفى مرحلة لاحقة تضاعفت التقسيمات، وانقسمت اليهودية إلى فرق عديدة، وكان لهذا الانقسام داخل كل ديانة دائماً دلالاته الثقافية من جهة التأثير على عادات وتقاليد وممارسات الشعوب. وينطبق نفس المنطق على حالات دخول نفس الدين إلى عدة دول أو إمبراطوريات، فهو بنفس القدر الذى يؤثر به على ثقافة شعب هذه الدولة أو الإمبراطورية يتأثر بما كان موجوداً قبله ويتفاعل معه. ونستطيع القول أن كل دين عند دخوله أى دولة تعرض لنوع من المواءمة والتكيف، ونذكر على سبيل المثال العديد من العادات التى مارسها المسلمون فى مصر بالرغم من انتمائها تاريخياً إلى المرحلتين الفرعونية أو القبطية السابقتين على الفتح الإسلامى لمصر، بل إنه فى سياق تطور الفقه الإسلامى نجد أن الإمام الشافعى طور مذهبه فى العراق، ثم عندما ارتحل إلى مصر واستقر بها راجع العديد من مقولات هذا المذهب وكانت له أفكار ثانية مما دفعه إلى تعديل بعض أطروحاته وكان تفسير ذلك اختلاف البيئة الثقافية والشعبية فى مصر عن مثيلتها فى العراق رغم تماثل الدين ووحدته وتقارب مصادره.
ويوجد تباين حول تعريف الحضارة فى علاقتها بالثقافة، فهناك من العلماء والمفكرين من اعتبر كل حضارة تحتوى على مكون ثقافى أو حتى عدد من الثقافات الفرعية، إلا أن هناك آخرين فرقوا بين الحضارة والثقافة. وبصفة خاصة نذكر هنا المدرسة الألمانية فى تاريخ الحضارات فى القرن التاسع عشر، حيث صنفوا الإنجازات المادية فى داخل حدود مفهوم الحضارة بما تشمله تلك الإنجازات من التكنولوجيا والعلوم الطبيعية والتطبيقية والرياضية، بينما صنفوا تحت عنوان الثقافة كل ما هو أدبى ومعنوى من قيم ومثل عليا وإنجازات فنية وفكرية وثقافية وأخلاقية وغير ذلك، بل إن بعض المحللين أوجدوا تفرقة مختلفة بين مفهومى الثقافة و الحضارة، فأطلقوا مفهوم ثقافة على ما يسود المجتمعات البدائية من سمات غير حضرية وحالة ستياتيكية راكدة، بينما أطلقوا تعبير حضارية على ما يسود المجتمعات المتقدمة من تعقد فى العلاقات وأنماطها وتطور وديناميكية وسمات حضرية. إلا أن هذه التفرقة بين الحضارة والثقافة بقيت تحظى بقبول أقلية فى صفوف المؤرخين والعلماء والباحثين المعنيين بالحضارات، وبالتالى فإن أغلب هؤلاء يعرفون الحضارة باعتبارها تشمل القيم والمؤسسـات وأنماط الحياة والتفكير والسلوكيات التى يلتزم بها الأفراد عبر الأجيـال المتعاقبة فى مجتمع ما أو يحرصون على الالتزام بها أو - على اقـل تقديـر- يتخذونها مرجعية لهم. فالحضارة إذاً هى مجموعة متناسقة من الخصائص والظواهر الثقافية. وقد عرف ايمانويل الدشتاين الحضارة بأنها تجميع لرؤية للعالم وعدد من التقاليد والبنى والهياكل والثقافة (بما يشمل هنا المادية وتلك الروحية). وتشكل كل هذه العناصر درجة ما من التواصل التاريخى الذى يتعايش أيضاً مع ظواهر أخرى مختلفة. ومن جهـة أخرى رأى اميل دوركايم فى الحضارة نوعاً من البيئة المعنوية التى تحتوى على عدد معين من الأمم بحيث تعتبر الثقافة الوطنية لكل منها هى بمثابة ثقافة فرعية منبثقة عن الحضارة الأم. وبينما يرى البعض فى الحضارة نتاجا لعملية أصيلة من الإبداع الثقافى التى تمثل عمل شعب بعينه، فإن آخرين يرون فى الحضارة الهدف النهائى للثقافة بحيث أنه بدرجة تقدم البشر يستطيعون الاقتراب بالثقافة إلى مرتبة الحضارة، وبعد كل مرحلة من الإنجاز تتطلع الإنسانية إلى مرحلة اكثر تقدما. وتعتبر الثقافة فى كل الأحوال عاملا مشتركا فى أى تعريف للحضارة ، إذا ما استثنينا المدرسة الألمانية فى القرن التاسع عشر التى أشرنا إليها آنفا.
ونشير هنا إلى مفهوم الثقافات الفرعية ونعيد التأكيد عليه حتى لا يثور خلط بين الثقافة بمعناها الفرعى أو الجزئى والحضارة بمعناها الكلى والشامل. ونود هنا أن نلفت النظر إلى حقيقة واقعة نعايشها ونراها فى حياتنا اليومية ألا وهى وجود اختلافات ثقافية، بل وأحيانا تباينات وربما تناقضات فى الثقافات بين أبناء قرية أو مدينة ما وأبناء قرية أو مدينة أخرى سواء فى نفس الدولة أو فى دولتين جارتين تنتميان لنفس الحضارة، إلا أن هذا لا ينفى وجود خصائص ثقافية مشتركة تجمع بين هاتين القريتين أو المدينتين والتى تميز ابناءهما بالتالى عن أبناء قرى أو مدن أخرى تنتمى إلى حضارة وثقافة عامة مختلفة. إذن هنا يتضح الاختلاف بين الثقافة العامة والحضارة من جانب وبين الثقافة الفرعية من جانب آخر. وبالتالى نستنتج أن الحضارة هى أعلى مراتب الثقافة الجامعة لمجموعة من البشر - أيا كان حجمها - وأعرض مستوى من الهوية الثقافية التى يمكن للبشر تعريف أنفسهم من خلالها وتمييز أنفسهم عن غيرهم. إلا أن هذا بدوره لا ينفى وجود هويات أخرى ومرجعيات مختلفة يعرف البشر أنفسهم من خلالها مثل الجنسية (القطر الذى ينتمون إليه)، العرق، القومية، اللغة، الدين وغيرها. ويعرف البعض الحضارة فى هذا السياق بأنها تجمع بين عدد من الهويات الأخرى فى طياتها، سواء كان هذا الجمع يتم بشكل منسجم أو قد يوحى أحيانا بالتناقض، والتى تتضمن عناصر موضوعية عامة ومتفقاً عليها مثل اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد والبنى الاجتماعية، وعناصر ذاتية يأتى فى مقدمتها تفضيل الأفراد إعلان الانتماء لحضارة بعينها وشعورهم الخاص بهذا الانتماء. ومن هنا جاء حديث البعض عن مستويات ومراتب متتالية من الهوايات، فالمقيم فى مدينة القاهرة يمكن أن ينظر إلى نفسه - وفى ذات الوقت - باعتباره قاهرياً ومصرياً وعربياً ومسلماً وافريقيا ومتوسطياً ومنتميا إلى العالم الثالث وإلى الحضارة العربية الإسلامية. فالحضارة التى ينتمى إليها هذا المرء هى بالتالى المستوى الأعرض والأوسع من الانتماء، فهى أعلى مرحلة من الـ نحن فى مواجهة الـ هم. وقد يكون هذا التمايز بمعنى إيجابى، أى إقرار بالاختلاف مع رغبة فى التعايش واستعداد للتعاون وقدرة على التفاهم مع الإحساس بالراحة لدى ثقافة المرء وحضارته، أو قد يكون عنصرا سلبيا يتراوح بين رفض الآخر والانعزال عنه، أو التخوف منه والنظر إليه باعتباره الخطر والتهديد والعدو، أو التربص به وأخذ زمام المبادرة بالمواجهة معه والهجوم عليه أو النظر إليه باستعلاء ومن منطلق الإحساس بالتفوق واعتبار هذا الآخر دونياً.
ومن جهة أخرى، يوجد تداخل واضح بين تقسيم البشر على أساس الخصائص الثقافية إلى حضارات مختلفة وتقسيمهم على أساس الخصائص الطبيعية والشكلية إلى أعراق متباينة. ولكن هنا أيضاً نقول أن الحضارة والعرق ليسا متماثلين، فقد رأينا عبر التاريخ حالات عديدة لأبناء عرق واحد فرَّقهم الانتماء إلى حضارات مختلفة، كذلك رأينا حالات أكثر لأبناء أعراق مختلفة جمعتهم حضارة واحدة. ويكفى هنا الإشارة إلى الحضارة الإسلامية التى جمعت العرب مع الفرس مع الباكستانيين مع التتار فى آسيا الوسطى، بل والأوروبيين من وسط القارة البيضاء وغربها، بل وشمالها، بالإضافة إلى غير ذلك من الأعراق. وفى هذه الحالات نجد أن المعايير الأهم وربما الأكثر حسما فى تحديد التماثل والتباين ونقاط التماس هى تلك المرتبطة بالمنظومة القيمية والعادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية والمؤسسات والبنى القائمة فى المجتمع وحياته الثقافية، وربما القناعات العقيدية والفكرية، بحيث تتفوق هذه المعايير على لون الجلد أو ملامح الشكل أو تدويرة الرأس أو غير ذلك من الخصائص الطبيعية. ويصدق نفس الأمر على أبناء اللغة الواحدة أيضاً حيث نجد شعوبا تتكلم نفس اللغة ولكنها تنتمى إلى حضارات أو ثقافات متنوعة، وبالمقابل نجد أيضاً شعوبا تنتمى إلى نفس الحضارة ولكنها تتحدث لغات متعددة مثل الحالة بالنسبة للسلاف والروس والصرب واليونانيين الذين ينتمون للحضارة السلافية الارثوذكسية الأوروبية ولكنهم يتحدثون لغات متنوعة.
ونود أن نذكر هنا أن الحضارات عادة ما تتسم بالشمول، بمعنى أن أيا من مكونات كل حضارة لا يمكن فهمه دون الرجوع إلى مجمل الإطار المرجعى للحضارة ككل والركائز الأساسية التى يبنى عليها هيكلها وبنيتها. فالحضارة إذاً كل لا يتجزأ فى عرف الكثيرين تحمل بداخلها عناصر التكامل فيما بين مكوناتها المختلفة، فالدول التى تنتمى إلى نفس الحضارة عادة ما يربط فيما بينها علاقات مختلفة فى طبيعتها وأكثر عمقا وكثافة ودفئا فى حميميتها من الدول التى تنتمى إلى حضارات مختلفة. ولا ينفى هذا أن حروباً يمكن أن تنشأ بين الدول المنتمية إلى نفس الحضارة كما ذكرنا آنفا، كما لا ينفى وجود صراعات اقتصادية أو تجارية أو غير ذلك، ولكن تبقى اعتبارات ثقافية ومعنوية وروحية تمثل صلات وروابط لا تنقطع بين هذه الدول، حتى ولو كانت خفية أو غير مرئية فى بعض الأحيان. وربما فى حالة العالم الإسلامى نجد إشارة معبرة، وإن لم تكن بالضرورة الأوضح، عن هذه الصلات فى كتاب فلسفة الثورة للرئيس المصرى الراحل جمال عبد الناصر حين تحدث عما أسماه بالدائرة الإسلامية وراح يشير إلى عناصر روحية أقر هو نفسه بأنه أحيانا لا يفهم طبيعتها ولكنها تجمع أبناء هذه الأمة معا وتمنح حركتهم زخما معنوياً وقوة وطاقة تفوق حجم ما يتمتعون به من عناصر القوة المادية، ودعا أبناء هذه الحضارة إلى توظيف هذه القوة والطاقة باتجاه تضامنهم ونهضتهم وإحياء مجدهم التليد.
وننبه هنا من جديد إلى التفرقة بين الحضارة والدولة، فالحضارة كائن يتجمع معنويا حول مجموعة من الأفكار والبنى والهياكل الأساسية. كأى كائن ثقافى، بينما الدولة كائن سياسى. فالحضارة إذاً ليست مسئولة عن الحفاظ على النظام العام أو تطبيق العدالة أو جمع الضرائب أو الدخول فى حروب أو التفاوض حول معاهدات واتفاقيات، فهذه الأمور من اختصاص الدول وحكوماتها. كما ان المكون السياسى يتراوح ما بين الحضارات وربما داخل كل حضارة من فترة إلى أخرى. والحضارة قد تشمل أشكالا مختلفة من التنظيم السياسى للمكونات الداخلة فى إطارها ما بين مدن ودول وإمبراطوريات واتحادات وكيانات كونفيدرالية، ودول قومية، ودول متعددة القوميات، ولكل منها شكل الحكومة الخاص بها، ويرتبط تطور الحضارات بتغير فى طبيعة الوحدات السياسية المكونة لتلك الحضارة. ولا ينفى ما تقدم ان الحضارة والدولة يمكن فى مرحلة ما ان تتماثلا من حيث حدود النطاق، وهذا هو ما حدث فى الحالة الصينية فى أكثر من فترة، وكذلك الأمر فى الحالة اليابانية. وبالمقابل، فإن التاريخ يعلمنا إن معظم الحضارات شملت اكثر من دولة واحدة.
كما أن أى حضارة قد تشمل عدداً ضخماً من البشر مثل الحضارتين الإسلامية والصينية، أو قد تتضمن عدداً محدوداً مثل الحضارة الهندية القديمة أو حضارة السكان الأصليين فى أمريكا. فالحجم والعدد لا يحدان من القدرة على امتلاك ثقافة متميزة ومنفصلة أو انتماء حضارى مختلف عن الآخرين، دون أن ينفى ذلك وجود تباين فيما بين الحضارات يتصل بأهمية ووزن وتأثير كل حضارة على مسيرة الإنسانية سواء من منظور تاريخى أو فى المرحلة الآنية. كما أنه ليس للحضارات بدايات ونهايات واضحة المعالم، ويصدق الأمر نفسه على عدم وجود حدود قاطعة للحضارات لأنها مختلفة عن الدول بمعناها الحديث. وبما أن البشر من الذين يتولون تعريف - وإعادة تعريف - هوياتهم عبر الزمن الممتد، فإن مكونات ومحددات الحضارة قد تتغير عبر هذا الزمن دون تغير ثوابتها الأساسية وجوهرها الاصيل. وكما ذكرنا آنفا فالحضارات تتفاعل وتتداخل فى أحيان كثيرة، وبالتالى فإن المدى الذى تنشأ فيه الحضارات أو تختلف عن بعضها البعض يتغير بشكل مستمر، إلا أنه رغم ذلك فإن كل حضارة هى كيان قائم بذاته، والخطوط القائمة فيما بين الحضارات حقيقية بالرغم من أنها ليست دائما قاطعة.
وكما ان الحضارات تتصف بالديناميكية، تنمو وتسقط، فإنها أيضاً تتوحد وتتقسم. وهنا يصنف كويجلى سبع مراحل تمر بها كل حضارة: الاختلاط، الهضم، التوسع، الصراع، العالمية، التآكل، والتعرض للغزو، بينما تحدث ميلكو عن خمس مراحل هى شبه الاقطاعية ثم الاقطاعية ثم شبه نظام الدولة ثم نظام الدولة ثم الطور الامبراطورى. ومن جانبه تحدث توينبى عن نمط مختلف يعتبر نشأة الحضارة رد فعل لتحديات ثم المرور بفترة نمو تتضمن تعزيز السيطرة على البيئة المحيطة وهو ما ينتج عن فعل أقلية نشيطة وفعالة ومؤثرة، ثم يعقب ذلك زمن اضطرابات وقلاقل، يتلوه صعود دولة ذات صفة عالمية، ثم الوصول إلى حالة التفكك. وتقترب فكرة الأقلية النشيطة عند توينبى من فكرة الطليعة الثورية لدى لينين ومفهوم النخبة المؤمنة لدى سيد قطب مع الأخذ فى الاعتبار بالطبع الفارق بين الحضارى والسياسى والأيديولوجى.
ونقطة أخرى يتعين الإشارة إليها هنا هى أن الحضارات تولد وتنمو وتشيب وتشيخ وتموت، مثلها فى دورتها مثل حياة البشر، إلا أن الفارق هو أن الحضارة عادة ما تكون طويلة العمر مقارنة بالبشر، كما أنها قد تكون أكثر قدرة على التأقلم والتكيف مع الظروف المحيطة. ولهذا اكتسبت صفة التنظيم الإنسانى الأكثر استمرارية منذ فجر التاريخ البشرى، وهى تتجاوز النظم السياسية وأشكال الدولة المختلفة والتحولات الأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتعاقب الأجيال. ونتعلم من التاريخ أيضاً وجود حضارات جاءت كنبت من حضارات أخرى، والمثال الأبرز هنا هو ما يسميه البعض حضارة أمريكا اللاتينية والتى يرونها نتاجا من واستمرارا للحضارة اللاتينية الغربية، وكذلك ما يسمونه بحضارة أمريكا الشمالية التى يرونها فرعاً لحضارة انجلوساكسونية، علما بأن ما يسمى بحضارتى أمريكا الشمالية واللاتينية هما حضارتان قصيرتان جدا من جهة العمر مقارنة بحضارات العالم الأخرى.
كذلك فإن الحضارات تعانى من فترات توهج وإشعاع وفترات تراجع وانكسار، وأبرز مثال على ذلك الحضارة العربية الإسلامية. وهى حضارة بدأت طور نموها وتطورها بالنقل المكثف عن حضارات قائمة سابقة عليها أو معاصرة لها مثل الحضارات الفارسية والاغريقية والبيزنطية أو الرومانية الشرقية ثم الرومانية والهندية والصينية، ولكنه نقل واع وانتقائى ويخضع للمراجعة والإضافة والإثراء والتطوير الكمى والنوعى، ثم أسهمت لقرون طويلة فى مسيرة تقدم الحضارة الإنسانية واستقت من ينابيعها حضارات أخرى لاحقة لها فى مقدمتها الحضارة الغربية، ثم أصيبت بحالة ركود استمر عدة قرون قبل أن تحاول منذ القرن الثامن عشر جهودا متصلة للإحياء والانتعاش والتجديد.
ويكاد يوجد شبه اتفاق بين الأكاديميين من التخصصات ذات الصلة بالموضوع حول ما يمكن تسميته بالحضارات الكبرى فى التاريخ وتلك الموجودة فى عالمنا المعاصر، بالرغم من خلافهم حول إجمالى الحضارات التى وجدت عبر التاريخ الإنسانى. فقد تحدث توينبى على سبيل المثال بداية عن 21 حضارة ثم رفع العدد فى مراجعة تالية و أفكار ثانية له إلى 23 حضارة، بينما عدد سبنجلر ثمانى حضارات كبرى، بالإضافة إلى إسهامات أخرى تراوحت بين سبع و24 حضارة بحسب كل تصنيف والتعريف الذى تبناه. ويتوقف فارق العدد على الحديث عن أصول واحدة لحضارات مختلفة وبالتالى ردها إلى اصل حضارى واحد، مثلما هو الحال بالنسبة للحضارتين الصينية واليابانية، وينطبق الشئ نفسه على الحضارتين الغربية والأرثوذكسية. ونخلص من قراءات كثيرة إلى ان هناك 13 حضارة منها خمس مندثرة هى حضارات مصر القديمة، وبلاد ما بين النهرين، والاغريق، وبيزنطة، والهندية القديمة فى أمريكا، بجانب حضارات مازالت قائمة وهى الصينية واليابانية والهندية والاسلامية والغربية والأرثوذكسية والأفريقية وأمريكا اللاتينية، وسنعرض هنا بايجاز لكل من الحضارت الكبرى التالية الموجودة على الساحة العالمية حتى الان، وذلك بحسب التدرج التاريخى لنشأة هذه الحضارات:
أولاً: الحضارة الصينية، بالرغم من ادعاء عدد من المؤرخين والمحللين الغربيين المتحيزين بأن للحضارة الصينية رافدين أحدهما كونفوشى والآخر مسيحى، فإن الثابت تاريخياً أن الحضارة الصينية هى نتاج اساسى للاسهام الكونفوشى، وبالتالى نميل إلى القول بوجود حضارة صينية متميزة واحدة ترجع إما إلى 1500 سنة أو 2500 سنة قبل الميلاد بدلا من القول بوجود حضارتين احداهما كونفوشية التأثير وأخرى مسيحية التأثير تلت كل منهما الاخرى. وتجدر الاشارة إلى ان الحضارة الصينية تتجاوز حدود الصين بحدودها الحالية، حتى لو ضممنا إليها جزيرة تايوان، فهى تشمل دولاً تضم غالبية صينية مثل سنغافورة، وكذلك اقليات ومجتمعات صينية هامة فى بقية دول جنوب شرق آسيا وكذلك فى مناطق أخرى من العالم، كذلك استخدم بعض المؤرخين تعبير الحضارة الصينية لوصف الثقافات ذات الصلة، خاصة فى فيتنام وكمبوديا ولاوس، بل وذهب البعض إلى ربطها بالثقافة الكورية.
ثانياً:الحضارة اليابانية، يجمع بعض المؤرخين الحضارتين الصينية واليابانية فى إطار حضارة واحدة، بينما يميل اغلبهم إلى القول بأن الحضارة اليابانية تمثل حضارة منفصلة ومتميزة وقائمة بذاتها وإن نسبوها إلى الحضارة الصينية باعتبارها أحد فروعها. وبينما يرجع اليابانيون وعلماؤهم حضارتهم تلك إلى ما قبل الميلاد، فإن المؤرخين الغربيين تراوحت تقديراتهم فى ارجاع تلك الحضارة إلى ما بين عام 100 وعام 400 بعد ميلاد السيد المسيح.
ثالثا:الحضارة الهندية، وكما هو الحال بالنسبة للحضارة الصينية فتوجد هنا نظريتان، الأولى تقول بوجود حضارة هندية واحدة، والأخرى تقول بوجود حضارات متتالية وتأثيرات متعددة. وفى كل الأحوال تعود نشأة حضارة فى شبه الجزيرة الهندية إلى حوالى عام 1500 قبل الميلاد. وتتجاوز الحضارة الهندية كونها ديانة أو نظاماً اجتماعياً، ولذا نميل هنا إلى القول بوجود موجات حضارية متتالية فى شبه الجزيرة الهندية ذات تأثيرات مختلفة، ويدعم هذا الرأى التأثير المهم الذى لعبته الحضارة الإسلامية خلال قرون طويلة على الحضارة الهندية وتفاعلهما معا والاختلاط الذى قام بينهما ووجود وبقاء نسبة مرتفعة من المسلمين ضمن سكان شبه الجزيرة الهندية إلى يومنا هذا. وكما هو الحال مع الحضارة الصينية، فإن إتباع الحضارة الهندية وعلماءها يرفضون قصرها على دولة بعينها هى الهند ويرون امتدادها لتشمل المجتمعات الهندية المقيمة بالخارج خاصة على طول الساحل الشرقى لأفريقيا وفى منطقة الخليج.
رابعاً:الحضارة الإسلامية، وهى تلك الحضارة التى نشأت فى شبه الجزيرة العربية فى القرن السابع الميلادى وامتدت فى كل الاتجاهات بامتداد الدين الاسلامى واللغة العربية فى شمال افريقيا وشبه جزيرة ايبيريا غربا، وغطت اليمن وعمان وحتى اواسط افريقيا جنوبا، وضمت بلاد الشام وما بين النهرين وتركيا والبلقان وآسيا الوسطى شمالا، ووصلت إلى حدود الصين والهند وشملت جزءاً مهماً من جنوب شرق آسيا شرقا. وقد اختلف المؤرخون فى وصفها حيث وصفها البعض بالحضارة العربية أو الحضارة العربية الإسلامية بالنظر إلى نشأتها العربية وفضل العرب فى نشرها وقيادتهم لها لزمن طويل ولكون منجزات تلك الحضارة كانت لقرون باللغة العربية اساسا. إلا أن الاغلبية من المحللين والعلماء اجتمعت على وصفها بالحضارة الإسلامية نظراً لأنها ارتكزت على رابطة دينية وليس عرقية أو لغوية أو قومية، كما فعلوا ذلك أيضاً فى ضوء اسهام غير العرب الضخم والمتراكم عبر الأزمنة والمتزايد فى منجزات هذه الحضارة، خاصة الفرس والبربر وغيرهما، وكذلك الاستخدام اللاحق للغات غير العربية فى التعبير عن منجزات هذه الحضارة مثل الفارسية والأوردية والحسنية والسواحيلية وغيرها. ومن المهم أيضاً ان نشير إلى أن الحديث عن الحضارة الإسلامية يشمل عادة اسهامات غير المسلمين ممن عاشوا فى كنف هذه الحضارة وتشبعوا بثقافتها وشعروا بالانتماء اليها سواء كانوا من أهل الكتاب بمعناه التقليدى وهم اليهود والمسيحيين أم شمل ذلك الهندوس والزرادشت وغيرهم من أتباع ديانات شملهم تعريف أهل الكتاب فى المراحل التاريخية التى ساد فيها التسامح الإمبراطوريات الإسلامية وهى القاعدة فى التاريخ الطويل لهذه الحضارة دون إنكار وجود استثناءات زمانية أو مكانية، كما ان العديد من المتخصصين فى الحضارات يشيرون إلى وجود حضارات فرعية أو حتى يذهب بعضهم إلى القول بوجود ثقافات منفصلة فى داخل حدود الحضارة الإسلامية، سواء كانت معايير التقسيم مذهبية ما بين سنية وشيعية وأباضية وغير ذلك، أو كانت المعايير قومية أو عرقية أو لغوية مثل ما بين عرب وفرس وأتراك وسند ومالاى وبربر وما إلى ذلك.
خامساً:الحضارة الأرثوذكسية، والمقصود هنا الأرثوذكسية الأوروبية، وخاصة الروسية، وليس الأرثوذكسية الشرقية، سواء المصرية أو الإثيوبية أو غيرهما. ويفصل البعض بين تلك الحضارة الأرثوذكسية وبين مجمل الحضارة الغربية بالرغم من عامل الإرث اليهودى/ المسيحى المشترك فى ضوء ليس فقط التباين المذهبى، وإنما أيضاً النسب البيزنطى المختلف ثقافياً وقيمياً، بالاضافة إلى خصوصية الخضوع للحكم التترى لأكثر من قرنين من الزمان، وطول فترة حكم سياسى جمعت صيغته بين الاستبداد والبيروقراطية، وأخيرا لمحدودية تعرض وتأثر الأرثوذكسية الأوروبية للنهضة والاصلاح الدينى والتنوير وغيرها من التجارب المركزية فى تاريخ تطور الحضارة الغربية، وأيضا تأخر هذا التعرض والتأثر فى بعض الأحوال. ويجب ان نأخذ فى الاعتبار ان الحضارة الأرثوذكسية المقصودة هنا تشمل أيضاً الشعوب السلافية فى شرق ووسط أوروبا والبلقان وجنوب أوروبا، وقد تشمل أيضاً ارمينيا وانطاكية وغيرهما.
سادساً: الحضارة الغربية، ويختلف النظر إلى موعد بدئها، فقد ادعى صمويل هنتنجتون مثلا فى كتابه صدام الحضارات وصياغة نظام عالمى جديد أنها ترجع إلى القرنين السابع والثامن الميلادى، ولكن فى هذا التاريخ مبالغة كبيرة. فبالنظر إلى هذا التاريخ كان العالم الغربى مازال يعيش فى ظلمات العصور المسيحية الوسطى، والدليل على ذلك ان أول بوادر النهضة وتباشير البعث فى الحضارة الغربية كانت على يد الراهب توما الاكوينى بعد التاريخ الذى يذكره هنتنجتون بقرون، حيث استفاد الاكوينى بشكل مكثف من اسهامات ومدخلات فلاسفة مسلمين مثل ابن رشد والفارابى وابن سينا. كذلك فإن دليلنا الثانى هو ان مقدم الصليبيين إلى المشرق العربى فى حملاتهم الأولى جاء فى القرن العاشر الميلادى، فى وقت كان الغرب فيه يحاول جاهدا - وبنجاح محدود- الإمساك بأسباب التقدم فى التنظيم والتدريب والتسليح العسكرى وكانت النهضة بعيدة المنال وأبعد منها الإصلاح الدينى والتحول العلمانى اللاحقين حيث كان رجال الكنيسة يلعبون فى ذلك الوقت دوراً مهماً فى مجال التوجيه والتحريض وسبغ الشرعية على الحكام.
والثابت تاريخياً كذلك أن الحضارة الغربية قد استعارت - وبكثافة- من الحضارة الإسلامية سواء عبر الاندلس بعد سبعة قرون من الوجود الإسلامى هناك، أو بما حملته الحملات الصليبية العائدة من المشرق العربى من انجازات الحضارة الإسلامية. ويصدق هذا على الانجازات المادية والعلمية بنفس القدر الذى يصدق به على الاجتهادات الفكرية والأدبية والفلسفية والفنية وغيرها.
ويوجد اتفاق على أن الحضارة الغربية تشمل ثلاثة مكونات هى أوروبا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وإن كان عدد من الباحثين والمؤرخين والأكاديميين يفرقون - كما ذكرنا آنفاً- بين الحضارة الغربية فى أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا ونيوزيلاندا من جهة وبين الحضارة فى أمريكا الجنوبية من جهة أخرى لأسباب سنتناولها لاحقاً عند التعرض للحضارة الموجودة فى أمريكا الجنوبية.
ومن المهم أن نذكر أن العلاقة فيما بين المكونين الرئيسيين للحضارة الغربية - وأعنى هنا أوروبا وأمريكا الشمالية- قد مرت بأكثر من طور وتغيرت من مرحلة إلى أخرى إلى حد أن بعض المفكرين يقولون بأنه لعقود طويلة عرف الأمريكيون مجتمعهم ونموذجهم الثقافى والحضارى عبر وضعه فى موقع النقيض للمجتمع والنموذج الأوروبى، حيث صوروا أمريكا بأنها تمثل قيم الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص: أى باختصار تمثل أرض المستقبل ونموذجه. وبالمقابل، صور هؤلاء أوروبا بأنها تمثل أرض التسلسل الهرمى الجامد، والجمود الاجتماعى، والتفاوت - بل والصراع- الطبقى، والقمع، بل والتخلف. ومن هنا ذهب البعض إلى القول بأن أمريكا الشمالية تمثل حضارة مختلفة ومتميزة عن أوروبا. وقد فسر البعض هذه العلاقة العدائية بين أمريكا الشمالية وأوروبا فى جزء منها بأنها كانت نتيجة لحقيقة أنه حتى نهايات القرن التاسع عشر كان لأمريكا الشمالية اتصالات محدودة مع حضارات أخرى غير الحضارة الغربية. إلا أنه بالدخول المتزايد للولايات المتحدة الأمريكية فى المشهد السياسى العالمى للعلاقات الدولية، وهو ما تبلور بقوة فى الحرب العالمية الأولى، زاد بشكل تدريجى الإحساس بالانتماء إلى هوية عريضة مشتركة بين أمريكا الشمالية وأوروبا. وبالتالى، تحول الأمر سريعاً من تعريف الولايات المتحدة نفسها على أساس الاختلاف والتناقض مع أوروبا فى القرن التاسع عشر، إلى تعريفها لذاتها باعتبارها جزءاً - بل قائداً- لكيان أكبر، هو الغرب الذى يشمل الولايات المتحدة الأمريكية مع أوروبا. ويمكن القول بأنه من الناحية التاريخية فإن الحضارة الغربية هى حضارة أوروبية، أما من الناحية الحديثة والمعاصرة فهى حضارة أوروبية/أمريكية شمالية، أو حضارة شمال أطلسية.
وتُعد الحضارة الغربية من الحضارات التى تعرف على أساس اتجاه جغرافى، دون إنكار بُعدها الدينى المسيحى طبقاً لبعض التقديرات والوريث للإرث اليهودى/المسيحى طبقاً لتقديرات أخرى. إلا أنها فى كل الأحوال لا تعرف طبقاً لعرق بعينه أو جماعة قومية أو عرقية. وللحضارة الغربية مكوناتها المتعلقة بتراكم التجربة التاريخية وتطويرها وتأثير ذلك على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات الغربية. ويتصل بتعبير الحضارة الغربية تعبير آخر له مغزاه وهو تعبير التغريب، وهذا التعبير الأخير مثار جدل واسع، خاصة فى المرحلة الحالية وفى ضوء ظاهرة العولمة وتداعياتها على كافة المستويات وفى كل الأصعدة، حيث توالى توجيه أبناء الحضارات الأخرى -خاصة ما يسمى بالحضارات القديمة مثل الإسلامية والصينية والهندية واليابانية- الاتهامات إلى الحضارة الغربية بأنها تقود حملة تغريب ثقافية تستهدف الغزو الثقافى لبقية أنحاء العالم وصبغ العالم بأسره للصبغة الحضارية الغربية وتوحيد نظمه القيمية ومعاييره الأخلاقية ومرجعيته العقائدية بما يشكل نسخة - قد تكون ممسوخة- من النموذج الغربى. ويثير تعبير التغريب أيضاً إشكاليات والتباسات نظرية ومنهجية تتصل بالعلاقة بينه وبين مفهوم التحديث، نتيجة الخلط فيما بينهما سواء من جهة اعتبار بعض المفكرين الغربيين نموذجاً للتطور التاريخى للحضارة الغربية هو النموذج الذى يجب أن تتبعه كافة شعوب العالم - بغض النظر عن ثقافاتها أو حضاراتها الأخرى التى تنتمى إليها- كطريق وحيد للحداثة، أو من جهة تخوف بعض شعوب ومثقفى العالم غير الغربى من أن الحداثة طبقاً لمفهوم وتصور النخب السياسية والثقافية فى دولهم ستعنى التغريب وبالتالى العصف بالثوابت الثقافية المستقرة لديهم بكل ما يمثله ذلك من تهديد الاستقرار الاجتماعى وتماسك النسيج الثقافى لهذه الشعوب.
كما ينبغى التنبيه إلى الخلط الذى يثيره وصف تلك الحضارة بالغربية من جهة تعريف الغرب. فتقليدياً أطلق تعبير الغرب على غرب أوروبا وأجزاء من وسطها، بينما كان يطلق تعبير الشرق على الأجزاء الشرقية من أوراسيا. كما أن تعبير الوسط كان يتم فهمه من جانب الصينيين بمعنى الإشارة إلى الهند، بينما كان يفهمه اليابانيون على أنه إشارة إلى الصين، ونظر إليه الأمريكيون باعتباره يعنى الشرق الآسيوى كما نعرفه نحن. ومن المنظور الأيديولوجى، فخلال حقبة الحرب الباردة الممتدة من 1945 إلى 1991، كان الغرب يشير إلى تحالف استراتيجى عسكرى أيديولوجى سياسى اقتصادى يضم الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية أكثر منه بمعنى كيان حضارى أو ثقافى متجانس، وذلك فى وقت كان يقصد فيه بـ الشرق المعسكر الاشتراكى فى شرق ووسط أوروبا والدول الحليفة معه والتى تطبق نظامه السياسى والاقتصادى والاجتماعى. وفى ذلك الوقت، كان الذين يطلقون تعبير الغرب على مجمل أوروبا وأمريكا الشمالية هم فقط المفكرون ذوو التوجهات الإسلامية فى العالم العربى والإسلامى من الذين اعتبروا أن الشرق الشيوعى هو فى نهاية المطاف نبت حضارى للغرب بمعناه الثقافى والحضارى الواسع بقيمه ومبادئه ومثله العليا وبنمط تطوره التاريخى، باعتبار أن الماركسية هى فى نهاية الأمر نتاج للحضارة الغربية، وإن كانت رد فعل على بعض تجاوزات هذه الحضارة فإنها تبقى أسيرة إطارها المرجعى وفلسفتها المادية وتفسيرها الصراعى للأحداث. وقد استدل هؤلاء على صحة وجهة نظرهم تلك بالنظرة الدونية من جانب كارل ماركس إلى الحضارات غير الغربية -حسب ادعائهم- خاصة الحضارتين الهندية والإسلامية. وأدى هذا الاقتناع إلى اتهام الغرب من جانب هؤلاء بالعنصرية والتمحور حول الذات الثقافية والحضارية.
سابعاً: حضارة أمريكا اللاتينية، كما أشرنا فى السابق فإن لأمريكا اللاتينية هوية متميزة فى بعض وجوهها تفصل بينها وبين مجمل الحضارة الغربية، بالرغم من أنها فرع للحضارة الغربية وتجد جذورها التاريخية فى أوروبا، كما أنها ترتبط بالحالة الثقافية فى أمريكا الشمالية. ويتأتى هذا التميز من أكثر من سبب: فهناك أولاً الخلفية التاريخية والحضارية للشعوب الأصلية فى أمريكا اللاتينية والتى، وبخلاف حالة أمريكا الشمالية، لم تتعرض للاندثار بل هى باقية بنسب مختلفة وأحجام متباينة فى مختلف دول القارة بل إنها تشكل فى بعض الحالات غالبية السكان، مع ما يمثله ذلك من تعبير عن استمرارية، أو على الأقل تأثير، ثقافات وحضارات تلك الشعوب الأصلية على هويتها الثقافية الراهنة وانتمائها الحضارى الحالى. أما السبب الثانى فيتصل بنمط التطور التاريخى لأمريكا اللاتينية فى القرنين الماضيين، وهو يتسم بأنه نمط أكثر استبدادية من نمط التطور فى أوروبا وأمريكا الشمالية، كما أنه أكثر تعبيراً عن الطبيعة الجماعية والفئوية فى مجتمعات أمريكا اللاتينية، وذلك أيضاً بخلاف سيادة الطبيعة الفردية فى حالتى أوروبا وأمريكا الشمالية. ويتصل بذلك التباين أن كلاً من أوروبا وأمريكا الشمالية قد عاشتا آثار عملية الإصلاح الدينى ومرتا بطوره وجمعتا بين التأثيرات الثقافية لكل من الكاثوليكية والبروتستانتية، بينما بقيت أمريكا اللاتينية كاثوليكية حتى اليوم، دون أن ننفى التحول الثورى الذى أدخله تيار لاهوت التحرير الذى مثل يسار الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فى أمريكا اللاتينية والوسطى باجتهاداته المختلفة منذ عقد الستينيات فى القرن العشرين فى إثراء وتجديد وإحياء ونهضة التراث الثقافى الكاثوليكى فى أمريكا اللاتينية. كذلك يشير إلى اختلاف مسار تطور النظام السياسى ونهج التنمية الاقتصادية بشكل كبير فى أمريكا اللاتينية عن جارتها الشمالية. والأهم مما سبق كله أن هناك غياباً للتوافق داخل أمريكا اللاتينية حول مدى الانتماء للحضارة الغربية، فمنهم من يرى نفسه جزءاً لا يتجزأ من تلك الحضارة ومنهم من يعتز بما يعتبره ثقافتهم المتفردة، وهو أمر يعكس التراث الطويل من الأدبيات التاريخانية والسياسية والفكرية والأدبية والفنية لدى مثقفى أمريكا اللاتينية. ومن هنا يكون المعيار هو إما اعتبار حضارة أمريكا اللاتينية حضارة متفرعة من الحضارة الغربية وبها بعض جوانب الاستقلالية والتمايز عن الأخيرة، أو أنها حضارة منفصلة ولكنها على علاقة وثيقة وخلفية انتماء متشابك مع الحضارة الغربية، والخيار الثانى هو الأقرب تحليلاً لنمط التطور الذى شهدته أمريكا اللاتينية فى سياقها الدولى، خاصة فى سياق علاقاتها مع كل من أوروبا وأمريكا الشمالية.
ثامناً: الحضارة الأفريقية، تتعرض الحضارة الأفريقية للكثير من الجدل بشأن جدية وجودها من عدد لا بأس به من المؤرخين والعلماء الغربيين باعتبارها حضارة منفصلة وقائمة بذاتها، وذلك فى ضوء العديد من الاعتبارات. فهناك أولاً واقع أن شمال القارة الأفريقية وجزءاً مهماً من وسطها وشرقها هى أجزاء تنتمى تاريخياً ومازالت للحضارة الإسلامية، كما أن دولاً وكيانات جغرافية داخل القارة تمثل كل منها ادعاءً تاريخياً له ما يبرره لهوية حضارية قائمة بذاتها. وتبرز هنا الحالة الإثيوبية. كما أن عقوداً - بل فى بعض الأحيان قروناً- من الاستعمار الغربى قد أدت إلى التأثير ثقافياً ودينياً - ولو أحياناً على السطح - على شعوب بعض مناطق أفريقيا، خاصة فى سياق تنصير قطاعات من هذه الشعوب فى غرب ووسط وجنوب القارة، بل وفى شرقها أيضاً. وقد لعب المستوطنون الأوروبيون من هولنديين وبرتغاليين وفرنسيين وبريطانيين دورهم فى إيجاد تأثيرات ثقافية فى الأماكن التى استقروا بها فى القارة، كما كان للمستوطنين الهنود فى شرق وجنوب شرق وجنوب القارة دور مماثل، وإن كان أقل تأثيراً، وكذلك كان للمستوطنين اللبنانيين فى غرب القارة. إلا أنه بالرغم من كل هذه التأثيرات والاعتبارات، فقد بقيت حقيقة أن الغلبة فى أفريقيا -خاصة غير العربية- هى لانتماءات متداخلة من العرق والقبيلة واللغة، مع وجود شعوب أفريقية لديها قناعة بوجود تراث حضارى لها فى أزمنة بعيدة. بل أن عدداً من المفكرين الأفارقة روجوا لنظريات حضارية عامة تشمل الأفارقة عموماً أو قطاعات عديدة منهم، ونذكر هنا المفكر والفيلسوف الأفريقى الراحل رئيس جمهورية السنغال الأسبق ليوبولد سنجور ونظريته حول الحضارة الزنجية ودورها المحورى فى بناء الحضارة الفرعونية المصرية القديمة باعتبار الحضارة الزنجية أصل تلك الحضارة المصرية، وكذلك تأكيد مفكرين أفارقة آخرين على حجم وتميز مساهمة الشعوب الأفريقية فى إثراء وتطور الحضارات الأخرى، خاصة الحضارة الإسلامية، كما رأى رئيس غينيا الراحل أحمد سيكوتورى وشقيقه إسماعيل، أو فيما يتعلق بالتراث المسيحى. وفى الأزمنة الحديثة نجد من يبشر بهوية أفريقية ثقافية متميزة تستلهم ما هو مشترك من تقاليد قبلية إيجابية وإن كانت بدائية، بما فى ذلك ربطها بأيديولوجيات حديثة أو العقيدتين الإسلامية والمسيحية، وتحضرنا هنا أمثلة رئيس كينيا الراحل جومو كينياتا ورئيس تنزانيا الراحل جوليوس نيريرى. ويتعرض الغرب للاتهام باستمرار من جانب شمال أفريقيا العربى والمسلم بأنه يتآمر لتحريض أفريقيا جنوب الصحراء وتجميعها وتعبئتها فى إطار هوية وإن كانت مصطنعة تحت قيادة دولة غير إسلامية - مثل جنوب أفريقيا مثلاً- لفصل أفريقيا عن شمالها وإقامة حواجز مصطنعة بينهما خدمة لمصلحة الاستفراد الغربى بأفريقيا وثرواتها.
وفيما يتعلق بالعلاقة والتلاقى بين مختلف الحضارات، فإن ذلك يمثل واقعاً تاريخياً ثابتاً على الأقل منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. وكانت هذه العلاقات أحياناً تتصف بالمحدودية أو بالكثافة أو بالحدة، وفى بعض الأحيان كانت غير موجودة. ويميل البعض إلى القول بأن العلاقات فيما بين الحضارات كانت فى مرحلتها الأولى أى الفترة من عام 2000 إلى عام 1500 قبل الميلاد هى أقرب إلى تلاقيات منها إلى علاقات باعتبار أن عاملى الزمن والمكان كانا يحدان من قدرة واستمرارية التفاعل فيما بين هذه الحضارات. فعلى سبيل المثال ندرت التفاعلات والعلاقات بين حضارات الفراعنة وبلاد ما بين النهرين والهند، والحضارة الهندية بالرغم من التواصل الجغرافى فيما بين الأقاليم الثلاثة. كما ساهمت محدودية وسائل المواصلات حينذاك فى الإقلال من هذه التفاعلات، إلا أن نتائج أبحاث أثرية وحفريات حديثة الاكتشاف تدل على ما يناقض هذه المقولة، سواء كان هذا التناقض يسرى على المقولة كقاعدة أو يرد عليها كاستثناء. فعلى سبيل المثال كانت العلاقة بين الفراعنة فى مصر وبلاد بونت فى الصومال تتصف بالانتظام والتواصل والاستمرارية وتستند إلى مصالح مشتركة، خاصة فى المجال التجارى. ويندرج تحت نفس العنوان العلاقة بين الفينيقيين على ساحل الشام مع مصر القديمة أو مع قرطاج فى تونس، وذلك دون الإشارة إلى بعض التقديرات غير المؤسسة بعد على أدلة علمية قاطعة بوجود علاقة وطيدة وتبادل خبرات بين الحضارة الفرعونية القديمة وحضارات شعوب أمريكا اللاتينية والوسطى والمكسيك فى نفس المرحلة الزمنية المشار إليها، كما سبقت الإشارة إلى مقولات بشان العلاقة بين الحضارة الفرعونية فى مصر وحضارة زنجية أفريقية المفترض أنها سابقة عليها ساهمت فى إثرائها.
ولا شك أن الحضارات قد عايشت تجربة تعاقب أجيالها ووراثة إحداها الأخرى كما أنها نقلت عن غيرها أفكارها وعلومها وآدابها وفنونها وتكنولوجيتها. وكان المثال الأول لانطلاق حضارة من موقعها إلى موقع آخر هو تأثير الحضارة الهندية فى الصين بعد ستة قرون من ظهور أصول البوذية فى شمال الهند، كما جاء التفاعل الحميم والمكثف بين الحضارتين الإسلامية والهندية فى شبه الجزيرة الهندية لاحقا،ً وتلى موجات متعاقبة من العلاقات والتفاعل الذى راوح بين المد والجذر بين الحضارة الإسلامية وحضارات غربية متعددة سواء البيزنطية أو الرومانية أو اللاتينية. ومن جانبهم، لعب التجار وشيوخ الطرق الصوفية من مختلف الديانات دوراً بارزاً فى الاتصال السلمى غير المقيد بالاعتبارات السياسية وغير المحصور فى العمليات العسكرية بين أتباع الحضارات المختلفة. ومما يدل على استمرار التأثير السلبى لبطء الحركة وصعوبة وسائل المواصلات فى القرون السابقة على العلاقة والتأثير المتبادل بين الحضارات هو أن المطبعة التى تم اختراعها فى الصين فى القرن الثامن الميلادى قد استغرق الأمر سبعة قرون كاملة لتصل إلى أوروبا فى بداية نهضتها الحديثة، بل الأدهى من ذلك أن الورق الذى تمت صناعته فى الصين للمرة الأولى فى القرن الثانى الميلادى وصل إلى اليابان المجاورة بعد ذلك بخمسة قرون، ثم إلى آسيا الوسطى فى القرن الثامن وإلى شمال إفريقيا فى القرن العاشر، وإلى بلاد الأندلس فى القرن الثانى عشر، وأخيراً إلى شمال أوروبا فى القرن الثالث عشر.
وغنى عن البيان أن العلاقة العدائية فيما بين الحضارات شكلت عنصراً لا يجب التقليل من أهميته فى العديد من الحالات فى القرون السابقة، وكانت تتصف بالقصر الزمنى نسبياً، مع حدوثها من فترة إلى أخرى، إلا أنها كانت تتسم أيضاً بدرجة من العنف والحدة وسعى أبناء حضارة إلى غزو أتباع حضارة أخرى إما للسيطرة عليهم أو لنهب ثرواتهم أو لفرض عقيدتهم عليهم، أو للقضاء عليهم كلية. وتحضرنا هنا حالات المواجهة العسكرية بين الحضارات الإسلامية والغربية وبين الحضارتين الإسلامية والهندية. إلا أن ذلك لا ينكر وجود مثل هذه العلاقات العدائية، حتى بمكونها العسكرى، داخل كل حضارة وفيما بين أتباعها، وهو ما شهدته كافة الحضارات دون استثناء، ويذكر لنا التاريخ أمثلة على ذلك من الحضارتين الإغريقية والفارسية القديمتين وصولاً إلى الحضارة الإسلامية ومروراً بالحضارات الصينية والهندية والغربية.
كذلك فإن موقع كل حضارة على الصعيد العالمى يتغير من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ففى حين كانت الحضارة الصينية الأبرز والأكثر تقدماً فى فجر تاريخ الحضارة البشرية كما هى معروفة لدينا اليوم، فقد انتقلت الصدارة للحضارة الفرعونية القديمة، ثم لحضارات بلاد ما بين النهرين، ثم للحضارة الرومانية، ثم الحضارة الإسلامية، وتزامن ذلك مع بزوغ حضارات الهند واليابان، ثم بدأ منحنى الصعود للحضارة الغربية الحديثة، مع اكتساب كل حضارة للعناصر التى تجدها ملائمة لها من حضارات أخرى أكثر تقدماً منها فى زمن ما وتكييف ميراثها مع الظروف والاحتياجات والمصالح الخاصة بتلك الحضارة، ويصدق ذلك على درجة التنظيم الاجتماعى وتطوره، وطبيعة الأنشطة الاقتصادية، واتجاه الانجازات العلمية والتكنولوجية التى توفر الأساس لتقدم كل حضارة.
وإذا كانت كل حضارة لها طابع توسعى من حيث السعى لبسط سيطرتها ونشر نفوذها على أكبر قدر ممكن من الأراضى والشعوب، فإن الخاصية المميزة للحضارة الغربية الحديثة هى حالة التزاوج بين نزعتها الاستكشافية من جهة ومسعاها الاستعمارى من جهة ثانية وارتباطها بالبحث عن مصادر مواد خام وعمالة رخيصة وأسواق واسعة لتصريف منتجاتها من جهة ثالثة، وهو ما دفع بالدول المنتمية لهذه الحضارة منذ مرحلة تاريخية مبكرة، أى منذ نهايات القرن الخامس عشر الميلادى، إلى بسط الهيمنة والاحتلال العسكرى المباشر على معظم أرجاء المعمورة سواء فى العالم الإسلامى أو بقية أفريقيا أو العالم الجديد (الأمريكتين واستراليا) أو آسيا بحضاراتها المختلفة أو أوراسيا بحضارتها الأرثوذكسية الشرقية. ولهذا لم يكن من المستغرب أن تظهر المقولات المتنبئة بصراع الحضارات، والتى ركزت على أن الغرب وحضارته طرف رئيسى فى هذا الصراع، من داخل الغرب ذاته ومن جانب بعض مفكريه وعلمائه - دون أن يعنى ذلك توجيه الاتهام إلى كافة أو حتى غالبية هؤلاء المفكرين والعلماء بالترويج لمقولة صدام الحضارات- وتأثير هذه المقولة أو ربما تأثرها بمصالح دوائر سياسية واقتصادية فى الغرب تتصل بظاهرة العولمة ونتائجها وتداعياتها، وذلك نظراً لأن الطرف الذى يشعر بزهو الانتصار والقوة هو الحضارة الغربية وبالتالى تسعى - سواء أسميناها حضارة أو نموذجياً فكرياً وسياسياً واقتصادياً- إلى إعادة تشكيل النظام العالمى والوحدات المكونة له على نمط يخدم مصالح الفئات المسيطرة لهذه الحضارة ومراكزها الأساسية المؤثرة على عملية صنع القرار بها





**********************





الفصل الثانى

الحضــــارات وحـــوارها :

المـــبـادرات المطــروحـــة



--------------------------------------------------------------------------------

منذ تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 22 فى دورتها رقم 53 فــى 4 نوفمبر 1998 بإعلان عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات، اعتبرت القوى المحبة للسلام والتعايش عبر العالم أن هذا الإعلان بمثابة الرد العملى من جانب المجتمع الدولى على كل دعاة الصراع والصدام بين الحضارات والادعاء بتفوق حضارة على أخرى أو القول بنهاية التاريخ وبانتصار حضارة على الأخريات وما إلى ذلك. وكان اللافت للنظر هو أن الدول الإسلامية -خاصة إيران ومصر- كان لها السبق فى الدفع بفكرة حوار الحضارات، كما يبرز دور دول غير غربية بالمعنى الحضارى مثل اليابان وكوريا، بالإضافة إلى دول غربية ذات إسهامات حضارية عريقة مثل اليونان وإيطاليا.

أولاً : الأمم المتحدة:
منذ إصدار القرار 22 عام 1998 بواسطة الجمعية العامة، عمد السكرتير العام للأمم المتحدة إلى تقديم تقارير سنوية للجمعية كان آخرها تقريره للدورة الـ 56، كما عمدت الجمعية العامة سنوياً لتبنى مشروع قرار بشأن عام حوار الحضارات والإعداد له والأنشطة المتصلة به، كما طالبت بإسهامات الدول والمنظمات الإقليمية وغير الحكومية فى هذا الشأن، ومن ناحية ثالثة، شكل السكرتير العام للأمم المتحدة فريق خبراء يضم 19 خبيراً من مختلف الخلفيات الحضارية والثقافية - من بينهم الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد من مصر - لإعداد تقرير السكرتير العام للجلسة الخاصة للجمعية العامة بشأن حوار الحضارات والتى عقدت يومى 9 و 10 نوفمبر 2001 لمناقشة ما حدث فى إطار فعاليات هذا العام عاماً للحوار بين الحضارات طبقاً لما قررته الجمعية العامة عام 1998.
وإذا استعرضنا تقارير السكرتير العام للأمم المتحدة للجمعية العامة سنوياً منذ عام 1998 نجد أنه يربط بين مفاهيم التعددية والتنوع بشكل عضوى مع حوار الحضارات، ويعتبر أى رفض لتلك المفاهيم سبباً للعديد من الصراعات والحروب فى عالمنا، بما فى ذلك ما سببته الأحقاد العنصرية والعرقية والتعصب الدينى. كما سعت هذه التقارير إلى عدم عزل مفهوم حوار الحضارات فى أدراج المثقفين وأروقتهم بل ربطه بما يدور من نقاش حول العولمة والبحث عن أنساق جديدة للعلاقات الدولية، وذلك من خلال أفكار ضرورة وجود عدو فى العلاقات الدولية ممثلاً فى الآخر واعتبار العدو المشترك للجميع هو التعصب وعدم التسامح.
وعلى مستوى آخر، فإذا استعرضنا قرارات الجمعية العامة السنوية منذ عام 1998 حول حوار الحضارات نجد تزايداً مطرداً فى عدد الدول التى تبنت مشروعات القرارات، بما فيها دخول دول حرصت فى البداية على الابتعاد عن هذه القرارات ربما توجساً من أجندة خفية كامنة ورائه، مثل الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تم إدماج موضوعات مثل حقوق الإنسان، بما فى ذلك حق تقرير المصير، فى تلك القرارات، وكذلك اعتبار حوار الحضارات مدخلاً لتعزيز العلاقات الودية والتعاون بين الدول وإنهاء التهديدات للسلم والأمن الدوليين.
وبينما أقرت هذه القرارات بالتباين الحضارى وبوجوب تعددية داخل كل حضارة وثقافة، فإنها اعتبرت إنجازات الحضارات ارثاً مشتركاً للإنسانية مع الأخذ فى الاعتبار خصوصية كل حضارة وثقافة، وربطت بين حوار الحضارات وثقافة السلام ودعت لاحترام التباين الثقافى والعقائدى واللغوى. ورأت قرارات الجمعية العامة أن العولمة ليست مجرد ظاهرة اقتصادية ومالية وتكنولوجية بل تحدياً يدعو لتبنى الاعتماد المتبادل بين البشر. وقد ركزت القرارات بالذات على دعوة الحكومات لتدرج فى المناهج الدراسية ببلادها ما من شأنه احترام التعدد الحضارى والثقافى واللغوى وتدريس إنجازات الحضارات الأخرى بما يدعم جهود الفهم والاعتراف المتبادل فيما بين الحضارات والثقافات.
وقد اتسق التكليف الصادر لفريق الخبراء الذى أعد تقرير السكرتير العام للجلسة الخاصة للجمعية العامة فى ديسمبر 2001 بشأن حوار الحضارات مع ما ذكرناه عن مضمون التقارير السنوية للسكرتير العام للجمعية العامة ومع مضمون القرارات السنوية للجمعية العامة منذ عام 1998 مع التركيز على اعتبار التنوع سمة أصيلة لعالمية الفلسفة التى أنشأت الأمم المتحدة عام 1945 وكونه مجسداً فى قيم حواها ميثاق الأمم المتحدة ومواثيق أخرى للمنظمة الدولية. كما حمل هذا التكليف مفاهيم يمكن وصفها بالغموض مثل المسئولية الفردية فى إطار الأنساق الجديدة للعلاقات الدولية ومدى إمكانية محاسبة الأفراد فى العلاقات الدولية، وهو الأمر الذى أثار بعض المخاوف بشأن محاولة الربط بين حوار الحضارات من جهة ومفاهيم جديدة يحاول البعض تمريرها وتقنينها والترويج لها داخل الأمم المتحدة مثل الدبلوماسية الوقائية وحق التدخل وتقييد مفهوم السيادة وغير ذلك من جهة أخرى، مما دفع دولاً من العالم الثالث إلى السعى لإجلاء هذا الغموض واستجلاء الأمور تحسباً لأى مفاجآت غير سارة.
إلا أن الثابت هو أن دعوة الجمعية العامة للقيام بأنشطة عبر العالم فى مجال تشجيع الحوار بين الحضارات لاقت صدى إيجابياً سواء من الحكومات أو المنظمات الإقليمية أو غير الحكومية أو المؤسسات الأكاديمية، دون إنكار الدور الهام لمنظمات دولية خاصة منظمة المؤتمر الإسلامى ووكالات دولية متخصصة مثل اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة)، سواء فى شكل موائد مستديرة أو ندوات أو مناظرات أو ورش عمل أو فرق بحثية. كذلك تلقى الصندوق الاستثمارى، الذى أنشأه السكرتير العام للأمم المتحدة عام 1999 للحصول على موارد خارج الميزانية العادية للأمم المتحدة لتمويل أنشطة الحوار بين الحضارات، مساهمات مالية وعينية من حكومات ومؤسسات أكاديمية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية.
وتبقى مسألة إيجاد آلية لمتابعة تشجيع الحوار بين الحضارات وهى مازالت محل خلاف. وهناك دعوة من عدد من الدول والمنظمات لضمان وجود لجنة دائمة سواء داخل الأمم المتحدة أو اليونسكو لتعميق حوار الحضارات مفهوماً وممارسة عبر الترويج له فكرياً وفنياً وأدبياً، خاصة أن إنشاء مثل هذه الآلية سيضمن عدم تحول عام 2001 إلى مجرد ذكرى لحوار الحضارات اقتصرت على إلقاء كلمات وتسجيل مواقف وعرض لأنشطة تمت وانتهت دون استمرارية فى النتائج ومتابعتها.
ويبقى أخيراً فى هذا الجزء ضرورة ذكر المائدة المستديرة التى نظمها اليونسكو على هامش القمة الألفية للأمم المتحدة فى 5 سبتمبر 2000 وضمت عدداً مختاراً من رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية والمفكرين وما شكلته من إسهام فى حوار الحضارات على الأقل من جهة التعريف به والدعاية له.
كما نشير إلى ما ذكره السكرتير العام للأمم المتحدة فى كلمة له فى 5 فبراير 2001 من أن هدف حوار الحضارات يجب أن يكون البحث عن المعايير والقيم المشتركة وتعزيزها، وليس السعى لمضاعفة أوجه الخلاف والصراع. وضرب كوفى عنان مثلاً بمنطقة الشرق الأوسط موضحاً أن حوار الحضارات يمكن أن يساعد أطراف الصراع على التوصل للسلام، بدون أن يذكر تفاصيل ما يعنيه وكيفية تنفيذه.
وإذا انتقلنا من مستوى الاتجاهات العامة التى جسدتها قرارات الجمعية العامة وتقارير السكرتير العام إلى مستوى التعرف على التباينات فيما بين الدول من قراءة بياناتها العلنية والرسمية عند مناقشة بند حوار الحضارات فى الجمعية العامة يمكن لنا رصد ما يلى من تباينات: فإيران تسعى إلى إبراز أن رئيسها كان وراء إطلاق مبادرة إقامة عام لحوار الحضارات عام 1997 وتوظيف ذلك فى إطار سياستها الخارجية للانفتاح على العالم وكسر محاولات عزلها أو فرض المقاطعة عليها وإعادة الاندماج فى النظام الدولى من موقع الند والشريك المساوى ودون تقديم تنازلات.
ومن جانبها، تبرز دول الاتحاد الأوروبى أهمية احترام التعددية الثقافية داخل المجتمعات وليس فقط بينها، وربطها بحقوق الإنسان وكرامته وبالمساواة بين الرجل والمرأة وتؤكد على إيجابية ما تتيحه ثورة المعلومات والاتصالات من فرص للتفاعل الحضارى، مع الإقرار بالمساواة بين أطراف الحوار. كما يتضح موقف دول ذات حضارات عريقة ترفض مساواة حول الحضارات بحوار الأديان، خاصة فى حالة معاناة بعض هذه الدول من حساسيات أو صراعات دينية داخلها. وأجمعت عدة دول على التحذير من مخاطر التطرف القومى والدينى والعرقى على حوار الحضارات. وتحاول بعض الدول الغربية استثمار فرصة حوار الحضارات كمدخل لتمرير قبول عالمى لعالمية قيم التعددية والديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان. كما أن بعض الدول تستغل الموضوع كعملية للهجوم على الإسلام كدين وحضارة وممارسات بما لا يعكس الحساسية اللازمة تجاه مشاعر المسلمين خاصة أن الموضوع الأصلى هو السعى للحوار وليس للصدام، كما يعكس مثل هذا الهجوم أحياناً كثيرة جهلاً بحقيقة الإسلام وجوهر العالمية.
وخلال مناقشة بند حوار الحضارات بالجمعية العامة للأمم المتحدة تظهر أيضاً آراء تتحدث عن العولمة الثقافية ووجود حضارة إنسانية عالمية واحدة، سواء تحدثت عن هذه المسألة باعتبارها واقعاً يجب التعامل معه أو باعتبارها أمراً مرغوباً فيه لكونه يضمن التفاهم بديلاً عن الاختلاف والمواجهة. والمقصود بالحضارة الواحدة نظام حياة شامل ونمط تفكير وسلوك. إلا أن البعض وعى لخطورة الترويج لهذا المفهوم كأمر مسلم به نظراً لما يعنيه هذا من فرض تلك الحضارة الواحدة على المتلقين فهماً للثقافات والحضارات الأخرى قد يتصف بالسلبية وعدم الدقة أو حتى عدم الصحة على الإطلاق مثل نقل صورة المسلمين كإرهابيين وإنكار الإسهام التاريخى الذى قدمته الحضارة الإسلامية لتطور الحضارة الإنسانية فى العصور الوسطى وحفظها وتطويرها لإنجازات الحضارات الرومانية واليونانية وما طرحته من أفكار جديدة تدعو للتسامح واحترام مقدسات الآخرين، ويوجد شبه إجماع - مع استثناءات قليلة- على ضرورة أنسنة العولمة حتى تتحقق الاستفادة المتبادلة فيما بين مختلف الحضارات. وكذلك إجماع تام على أن فشل مسعى الحوار بين الحضارات سيؤدى بالبشرية إلى العودة إلى زمن البربرية وحكم الغاب ولو فى ثوب عصرى.
هذا، وقد اتسم النقاش العام حول موضوع الحوار بين الحضارات فى الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل عام خلال الفترة من 1998 إلى 2001 بالإجماع على إيجابية التنوع الثقافى كعامل إثراء لتقدم البشرية، وضرورة تفعيل الحوار بين الحضارات، خاصة فى ضوء الهجمات ضد الولايات المتحدة الأمريكية فى 11 سبتمبر 2001، والتأكيد على إدانة الإرهاب ومواجهته عبر تدعيم الحوار ونبذ الصراع أو إلصاق تهمة الإرهاب بحضارة بعينها مثل الحضارة الإسلامية، وإبراز أهمية الدور المحورى للأمم المتحدة فى حوار الحضارات وربط الحوار بمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان، والأخذ فى الاعتبار التعددية الحضارية والثقافية وتجنب ادعاء حضارة واحدة بالتفوق أو الرغبة فى الهيمنة على بقية الحضارات، والإعراب عن التقدير لدور اليونسكو فى حوار الحضارات وربطه بصياغة منظومة جديدة للعلاقات الدولية.

ثانياً: جامعة الدول العربية:
كان للمجموعة العربية مداخلة جماعية فى أول دورة للجمعية العامة للأمم المتحدة تناقش موضوع حوار الحضارات، وهى الدورة 54 للجمعية العامة، وتحديداً فى 10 ديسمبر 1999 حيث ألقى وفد قطر بياناً باسم المجموعة العربية عرض فيه الموقف العربى من الحوار بين الحضارات الذى يستند على إيمان الدول العربية بحوار الحضارات ونبذها للصراع بين الحضارات، والدور الرائد للحضارة العربية الإسلامية فى إثراء الحضارة الإنسانية، حيث شكلت إنجازاتها فى مجالات العلوم والفنون جسراً من الإبداع ربط الحضارة القديمة بالعصر الحديث، والذى أوصل إلى الإنجازات الحالية التى هى تراث مشترك للإنسانية، والتحديات التى تطرحها ظاهرة العولمة فى ضوء طغيان القوة وعدم الاعتراف بالآخر ومحاولة الهيمنة عليه، وبالتالى تهديد الهوية القومية والخصوصية الثقافية للشعوب والأمم الأخرى. وأكد البيان ضرورة تفادى تلك التحديات وما تحمله من مخاطر عبر حوار للحضارات يقوم على المساواة والعدل والتنوع والسلام وعلى أساس ثقافة السلام القائم على العدل والتسامح. وأوضح البيان أن تحقيق الحوار يجب أن يستند إلى إزالة أشكال الاحتلال الأجنبى والهيمنة واحترام سيادة الدول ووحدتها الإقليمية واستقلالها السياسى وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، فلا تسامح مع بقاء الاحتلال والعدوان. كما يجب أن يستند إلى إزالة العقبات التى تعيق إعمال حق الشعوب فى تقرير المصير، وعدم جواز استخدام القوة أو التهديد بها وعدم جواز اكتساب أراضى الغير بواسطة الحرب. وهكذا ربط البيان بين حوار الحضارات وثقافة السلام من جهة ونضال الدول العربية من أجل التوصل إلى تسوية سلمية شاملة وعادلة ودائمة للأوضاع فى الشرق الأوسط، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، وكذلك التأكيد على محورية دور الأمم المتحدة فى حوار الحضارات.
إلا أن جامعة الدول العربية دخلت متأخرة نسبياً فى مجال حوار الحضارات، ولم يحدث ذلك إلا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وتخوف بعض الدول العربية من تعرضها لضربات من قبل الولايات المتحدة وحلفائها عقب الانتهاء من ضرب أفغانستان. كما أن مجمل الدول العربية بدأت تدرك مخاطر الربط بين العروبة والإسلام من جهة والإرهاب من جهة أخرى وما صاحب ذلك من محاولات سياسية وإعلامية وثقافية فى الغرب للتعريض بالحضارة العربية الإسلامية. وأخيراً وعت الدول العربية ضرورة القيام بجهد داخل الدول الغربية ذاتها لمواجهة مروجى التفسيرات المتطرفة أو المتشددة أو الجامدة للإسلام والترويج بالمقابل للفكر الإسلامى المستنير والمنفتح تجاه الآخر وثقافاته وأفكاره.
وقد جاء التحرك العربى ممثلاً فى اجتماع عقده وزراء الخارجية العرب على هامش الاجتماع الاستثنائى لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامى بالدوحة يومى 8 و 9 أكتوبر 2001، ناقشوا خلاله هذه المسائل، وأقروا مبادرة طرحها أمين عام الجامعة للدعوة لتجمع فكرى عربى فى إطار الجامعة يشارك فيه المثقفون والأكاديميون والمفكرون العرب من مختلف الدول والمراكز البحثية العربية داخل وخارج الوطن العربى لبلورة صيغة عملية ومحددة تشمل سبل مواجهة الحملة ضد العرب والمسلمين وتصحيح مصادر الخلل الفكرى والثقافى داخل العالم العربى وصورة العرب والمسلمين فى الخارج.
وبالفعل أعدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ورقة عمل تحضيراً للتجمع الفكرى الذى أقره اجتماع الدوحة والذى عقد فى نهاية نوفمبر2001 فى مقر الجامعة بالقاهرة وتناولت مقدمة هذه الورقة النظرة السلبية ومحاولات التشويه فى الغرب للهوية العربية والثقافية الإسلامية، واعتبرت هذه النظرة مستمرة منذ قرون عديدة، وإن فترت هذه النظرة -أو ربما التعبير عنها- خلال المواجهة بين الكتلتين الشرقية والغربية إبان الحرب الباردة، ثم عادت للبروز فى العقد الأخير حيث تم الترويج للصراع والصدام بين الإسلام والغرب. وساعد على ذلك آراء متشددة صدرت من أفراد وجماعات داخل العالم الإسلامى وممارسات اتسمت بالعنف والإرهاب قامت بها جماعات محسوبة على الإسلام وكذلك ممارسات متخلفة تتم داخل مجتمعات المسلمين أو أحياناً بواسطة بعض حكوماتهم. وأدى كل هذا إلى إلقاء تبعة وقوع أعمال إرهابية فى أى مكان فى العالم على عاتق العرب والمسلمين فى مجملهم. وتأكدت هذه النظرة للعروبة والإسلام بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 فى نيويورك وواشنطن، وانعكس ذلك على العرب والمسلمين المقيمين فى أوروبا وأمريكا وصار له تأثيره على المفكرين والكتاب ووسائل الإعلام ودوائر صنع القرار فى الغرب.
وقد اقترحت ورقة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية صياغة برنامج (عملى) براجماتى النزعة يقبل التنفيذ العاجل مع إجراءات أخرى قابلة للتحقيق على المدى البعيد بهدف شرح تاريخ وإسهام الحضارة الإسلامية ودورها فى إثراء الحضارة الإنسانية وتقدم مسيرة البشرية وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن العروبة والإسلام ديناً وثقافة وحضارة فى خارج العالم الإسلامى، خاصة فى الغرب، وكذلك بلورة إجراءات تصحيحية داخل الساحة العربية وعلى الصعيد الثقافى بما يماثل ثورة ثقافية فى تقديم بديل لما يتم الترويج له أحياناً باسم الإسلام وهو من قبيل التشدد والتزيد.
وتضمن برنامج العمل المقترح خطوطاً إرشادية تؤخذ فى الاعتبار عند صياغة الخطاب العربى والإسلامى على أساس نظرة الإسلام للبشر جميعاً باعتبارهم متساويين دون تمييز أو عنصرية، ونظرة للآخر على أساس الاحترام المتبادل، والإطار الأخلاقى الذى يحكم المعاملات الدولية من منظور الإسلام أى معاملات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول سواء فى زمن الحرب أو السلام، كذلك إبراز دعوة الإسلام للتعاون بما يتجاوز مجرد التعايش أو ما يجرى الترويج له فى الغرب حالياً من قيمة التسامح باعتبارها أقصى ما يمكن الوصول إليه، وأخيراً يقترح برنامج العمل توعية الغرب عبر مخاطبته باللغة الفكرية والسياسية والثقافية والإعلامية التى يفهمها وتعريف الغرب بحقائق ودوافع ومشكلات العالمين العربى والإسلامى.
ويتضمن برنامج العمل الذى تحدثت عنه ورقة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بعداً مؤسسياً، حيث تحدث عن ترتيب مؤسسى للقيام بخطة للتحرك والعمل عبر التنسيق فيما بين كل من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامى والأمم المتحدة، أو بشكل أكثر تحديداً بين القطاعات المعنية بالثقافة داخل المنظمات الثلاث، أى اليونسكو والاسيسكو والاليسكو. وعلى صعيد آخر، دعت الورقة لتجميع مثقفى العرب والمسلمين معاً بغرض صياغة مشروع شامل للحوار بين الحضارات وإدماج المراكز الأكاديمية والبحثية العربية والإسلامية والمغتربين العرب خارج أوطانهم فى هذا الجهد، مما يمهد فى مرحلة لاحقة لعقد لقاءات مع مثقفين وإعلاميين ورجال سياسة ورجال أعمال ومنظمات غير حكومية ومؤسسات مجتمع مدنى من الغرب، وتوجيه رسالة إعلامية حضارية تتصف بالاستمرارية إلى الغرب بلغاته، وتمويل إقامة كراسى لدراسة الحضارة العربية الإسلامية فى جامعات مختارة وهامة فى مختلف أنحاء العالم، وأخيراً تكليف شركات ومؤسسات إعلامية ومعنية بالعلاقات العامة للقيام بحملة لصالح العرب فى الغرب. ويتضح هنا تركيز الورقة على الغرب بشكل خاص كهدف بين مختلف الدول غير الإسلامية. ولم تغفل ورقة العمل التى أعدتها أمانة جامعة الدول العربية إبراز الحاجة لشن حملات توعية وتنوير على الساحة الثقافية داخل الدول العربية مطالبة بتطوير مناهج التعليم وأساليب العمل الثقافى فى هذه الدول بما يرسخ قيم حوار الحضارات وتفاعلها ونبذ الجمود والعنف والتعصب.

ثالثاً: منظمة المؤتمر الإسلامى:
شكلت منظمة المؤتمر الإسلامى فريق خبراء حكوميين، بدأ عمله منذ فبراير 2000 -حيث صدر فى مايو 1999 إعلان طهران للحوار بين الحضارات الخاص بمنظمة المؤتمر الإسلامى - وأنهى عمله فى سبتمبر 2000 بتقرير تضمن برنامج عمل تنفيذى.
وقد أكد هذا البرنامج الذى أقره الخبراء الحكوميون وحدة البشر ومسئوليتهم المشتركة عن إعمار الأرض وإشاعة العدل والسلام بها، ودور كافة الشعوب والحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية فى نشر روح التفاعل والتواصل والترويج لثقافة الحوار والتسامح باعتبار ذلك البديل الوحيد للمواجهة والصراع وثقافة الانفراد واستعباد الآخرين. كما أن من شأن الحوار تسهيل تبادل المعارف والخبرات فيما بين الحضارات فى التعامل مع مختلف المشكلات وتجنب تكرار الأخطاء. وعكس البرنامج وعياً بالتحولات الناتجة عن ثورة المعلومات والاتصالات وظاهرة العولمة وتأثيرها على العلاقات الدولية وما أدت إليه من سقوط للحواجز فى ميادين التجارة والاقتصاد وتبادل السلع والخدمات وحركتها على النطاق العالمى، بالإضافة إلى تأثيرها على الثقافات والقيم الإنسانية، وإدراك أن هذه الآثار تنقسم إلى ما هو إيجابى يخدم قضايا العدل والسلام والمساواة، وما هو سلبى يحتاج إلى علاج جماعى.
ودعا برنامج العمل التنفيذى للخبراء الحكوميين لعقد لقاءات بين المتخصصين فى الحكومات ومنظمات المجتمعات المدنى من مختلف الثقافات وتشكيل لجان مشتركة فيما بينهم لإشاعة الإيمان الحقيقى بالتعددية بديلاً عن الهيمنة فى المجال الدولى بما يترجم التنوع الإنسانى والمساواة فى الحقوق بين جميع الشعوب والأمم، وضرورة أن ينعكس ذلك فى شكل المشاركة فى صنع القرارات داخل الدول وعلى المستوى الدولى لتحقيق المصالح الجماعية والأمن المشترك، وتثبيت مبدأ العدل محلياً ودولياً كضمان للاستقرار، بما فى ذلك إعادة النظر فى الإطار القانونى والسياسى الدولى القائم فى إطار الأمم المتحدة ليكون أصدق تمثيلاً وفاعلية وأسرع استجابة لمواجهة الأزمات الإنسانية وإقرار معايير متفق عليها لهذه الاستجابة، وتبادل المعلومات والخبرات حول سبل دعم وحماية حقوق الإنسان على المستوى العالمى وحول إرساء مبادئ الشفافية والعلانية والمسئولية والخضوع للقانون فى الحكم وأجهزته المختلفة. ولم يغفل برنامج العمل التنفيذى أهمية وضع تصور لنظام أمنى عالمى جديد يضمن إزالة أسلحة الدمار الشامل وبناء مؤسسات تزرع الثقة فى مجالات الأمن والتسلح.
وعلى الصعيد الثقافى، دعا برنامج العمل التنفيذى إلى تشجيع السياحة الثقافية للتعرف المباشر على ثقافة الآخرين وتعريفهم بالثقافة الإسلامية، واكتشاف ما هو مشترك بين الثقافات المختلفة دون المساس بالخصوصية الثقافية لكل شعب، وإدماج ثقافة الحوار فى المناهج الدراسية وتخليصها من مظاهر التعريض أو التحريض على الثقافات الأخرى وتشويهها، وترويج المؤسسات الثقافية الحكومية والخاصة لثقافة الحوار والتسامح والاعتراف بالتعددية الثقافية، مع تبادل الزيارات بين الفرق الفنية وتنظيم مهرجانات ثقافية دورية، وعقد دورات رياضية ومنافسات علمية واستثمار ظاهرة الهجرة الجماعية لأبناء الثقافة الواحدة إلى دول أخرى لإيجاد جسور تواصل ثقافى مع ما يستتبعه ذلك من التعريف بحقوق الأقليات الثقافية وحمايتها بما يضمن لأفرادها الاحتفاظ بهويتهم الثقافية ويحقق التوازن بين اندماجهم بالمجتمعات التى استقروا فيها ومواجهة ذوبانهم فى ثقافة تلك المجتمعات. وشجع البرنامج تبادل الخبرات فى مجال محو الأمية لتحقيق امتداد الثقافة من النخبة إلى الجماهير بما يضمن مشاركتها فى الحياة العامة، مع تيسير تعلم اللغات المختلفة، خاصة تلك التى جرى تهميشها وما يتصل بذلك من تنشيط حركة الترجمة لأهم المؤلفات عن الثقافات المختلفة والحث على التوأمة بين الجامعات فى مختلف البلدان لتوثيق الصلات الإنسانية والعلمية بين العلماء والباحثين.
وتبدى الموقف الإيجابى لمنظمة المؤتمر الإسلامى من جهة الانخراط فى موضوع حوار الحضارات بشكل فعال مرة أخرى عبر تناول الاجتماع الوزارى لوزراء خارجية الدول أعضاء المنظمة فى دورته الـ 28 التى انعقدت فى باماكو من 25 إلى 27 يونيو 2001، حيث أصدر الاجتماع قراراً يؤكد على أن الحضارة الإسلامية تقوم على مبادئ التعايش السلمى والتعاون والتفاهم المتبادل والتحاور البناء مع الحضارات والأديان الأخرى على أسس التسامح والعدل والسلام. واعتبر القرار أن الحضارة ليست حكراً على الدول القوية أو إحداها وأن المعجزات الحضارية تمثل إرثاً جماعياً للبشر وأن العولمة تشكل تحدياً يستدعى التكافل البشرى والتنوع الثقافى، ورأى فى الحوار وسيلة لتعميق الوعى بالقيم المشتركة بين الشعوب. وعبر القرار عن التقدير لدور إيران فى مجال طرح مبادرة حوار الحضارات. وأبدى وزراء الخارجية لمنظمة المؤتمر الإسلامى حرصهم على مشاركة لجنة خاصة من الدول أعضاء المنظمة (لجنة العشرة) فى التفاوض مع المجموعات الجغرافية الأخرى بالأمم المتحدة. وطالب الوزراء المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الاسيسكو) بإصدار كتاب أبيض وثائقى باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية يضم كافة وثائق حوار الحضارات بالتعاون مع مركز الحوار بين الحضارات بطهران.
وجاء الاجتماع الوزارى الاستثنائى لمنظمة المؤتمر الإسلامى بالدوحة فى 8 و 9 أكتوبر 2001 تأكيداً لذلك. وبالرغم من أن جدول أعمال الاجتماع شمل أحداث 11 سبتمبر فى الولايات المتحدة وتداعياتها وتأثيراتها على العالم الإسلامى، وأيضاً الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، فإن حيزاً هاماً من البيان الختامى للاجتماع تصدى لقضايا ذات صلة بحوار الحضارات. وتضمن ذلك التذكير بدور الحضارة الإسلامية فى إثراء مسيرة البشرية وبالقيم الأساسية لتلك الحضارة من قبول بالآخر وانفتاح عليه واستعداد للتعاون معه والإدانة الصريحة للهجمات التى تعرضت الولايات المتحدة لها فى 11 سبتمبر 2001 باعتبارها منافية لقيم الإسلام السامية والمتسامحة، والتحذير فى ذات الوقت بقوة مما ظهر من حالات اعتداء وتمييز أو تقييد لحريات وحقوق الجاليات الإسلامية المقيمة فى العالم غير الإسلامى، وربط موضوع حوار الحضارات أيضاً بضرورة تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم بين إسرائيل والأطراف العربية على أساس قرارى مجلس الأمن 242 و 338 ومبدأ الأرض مقابل السلام والانسحاب من الأراضى المحتلة فى يونيو 1967 وفى لبنان (فى إشارة إلى مزارع شبعا) وتمكين الشعب الفلسطينى من ممارسة حقه فى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وإنهاء ازدواجية المعايير فى العلاقات الدولية، والتى تمارس بشكل خاص ضد الدول الإسلامية، ورفض التعرض للمدنيين فى الحرب التى كانت الولايات المتحدة قد بدأتها قبل المؤتمر بيومين ضد تنظيم القاعدة وحركة الطالبان فى أفغانستان، وأيضاً رفض امتداد الحرب لبلدان إسلامية أخرى. وتزامن ذلك مع حث على الحوار مع الغرب على المستويات السياسية والأكاديمية والإعلامية، خاصة مع القوى المتعاطفة مع الحضارة الإسلامية والمتفهمة لها على أساس احترام الآخر وضرورة ألا تتحول العولمة إلى حضارة واحدة تفرض هيمنتها على بقية الحضارات، مع ضرورة أن يتم الحوار فى إطار الأمم المتحدة كأساس وضرورة التزام وسائل الإعلام فى الغرب الموضوعية عند تناول الإسلام والمسلمين وحضارتهم.
أما المرحلة الأخيرة والأكثر تقدماً فى مواقف منظمة المؤتمر الإسلامى فكانت تقديم المجموعة الإسلامية لدى الأمم المتحدة فى نيويورك لمشروع قرار خاص بالحوار بين الحضارات للعرض على الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الخاصة المكرسة لهذا الشأن والتى كان مقرراُ لها 3 و 4 ديسمبر 2001، وتم تبكيرها فى ضوء أحداث 11 سبتمبر لتصبح يومىّ 8 و 9 نوفمبر 2001. وسنتوقف بقدر من التفصيل أمام مشروع القرار هذا نظراً لشمولية تناوله ودخوله فى تفصيلات الأمور. وتضمن مشروع القرار هذا ثلاثة أجزاء: الديباجة، الأهداف والمبادئ المشتركة، وبرنامج العمل.
وشملت فقرات الديباجة إعادة تأكيد مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة لتطوير علاقات صداقة فيما بين الأمم تقوم على احترام الحقوق المتساوية للشعوب وحقها فى تقرير المصير، وأهداف تعزيز السلم والتعاون الدوليين لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدولية، ولتشجيع احترام حقوق الإنسان بدون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين، وأشارت الديباجة إلى ضرورة التزام كافة دول العالم بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها فى العلاقات الدولية ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسى لأى دولة بما لا يتفق مع أهداف الأمم المتحدة، والتزام الدول أيضاً بتنفيذ الإعلان العالمى لحقوق الإنسان باعتباره معياراً مشتركاً لكافة الشعوب والأمم وكمصدر للمزيد من تعزيز وحماية حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمدنية والثقافية، بما فيها الحق فى التنمية. وأوضحت فقرات الديباجة أن كافة الحضارات تؤكد وحدة وتنوع البشرية فى آن واحد وأن إثراء هذه الحضارات جاء عبر الحوار مع الحضارات الأخرى، وأنه بالرغم من عوائق التعصب والعدوان فإن التفاعل الإيجابى عبر التاريخ كان السمة المميزة للعلاقة فيما بين الحضارات، مع تأكيد أن الإنسانية الواحدة تجمع كل الحضارات، وبالتالى فإن إنجازات هذه الحضارات هى إرث مشترك للبشرية.
وقد استعانت فقرات الديباجة بمشروع القرار بالإشارة الواردة فى إعلان الدورة الألفية للجمعية العامة والصادر فى 8 سبتمبر 2000 بأن التسامح هو أحد القيم الأساسية فى العلاقات الدولية فى القرن الحادى والعشرين، بما فى ذلك الاحترام المتبادل لتعدد الثقافات والعقائد واللغات دون قمع للخلافات سواء داخل المجتمعات أو فيما بينها بل اعتبار هذه الخلافات مصدر ثراء، وكذلك ربطت بين حوار الحضارات وثقافة السلام التى كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تبنت إعلان وبرنامج عمل بشأنها عام 1999 فى دورتها الـ 54.
وقد لاحظت المجموعة الإسلامية فى ديباجة مشروع القرار المشار إليه - وبشكل إيجابى- أن العولمة تعزز التفاعل بين الحضارات ولا تقتصر على كونها عملية اقتصادية ومالية وتكنولوجية، بل إنها تمثل تحدياً للحفاظ على التنوع الثقافى والفكرى للإنسانية، واعتبرت الحوار بين الحضارات قادراً على تحسين الوعى بالقيم المشتركة فيما بين البشر، وأقرت بأن حقوق الإنسان تنبع من الكرامة المتأصلة بالضرورة فى كل إنسان، وبالتالى فهى عالمية ومترابطة وغير قابلة للتجزئة، علماً بأن الإنسان يبقى محور موضوع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وبالتالى يجب أن يكون المستفيد الرئيسى منها والمشارك الفعال فى تحقيقها. وأعادت الديباجة التأكيد على أن لكافة الشعوب الحق فى تقرير المصير عبر تحديد وضعهم السياسى ومتابعة مسار التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالشكل الذى تقرره هذه الشعوب، واعتبار حماية حرية الرأى والتعبير واحترام الإرث الثقافى للآخرين والالتزام بالاستماع لهم والتعلم منهم كلها شروط أساسية للحوار من أجل التقدم الإنسانى، وأبرزت أن التسامح واحترام التنوع وحماية حقوق الإنسان هى أهداف مترابطة، كما أن من شأن تعزيز حقوق المرأة ودورها دعم هذه الأهداف. ودعت فقرات الديباجة كافة الدول لضمان حماية واحترام أماكن العبادة الدينية -وهو مطلب تاريخى وتقليدى للمسلمين عبر الأزمنة والعصور- وفى نفس الوقت دعت للبحث عن أرضية مشتركة بين الحضارات المختلفة لمواجهة التحديات المشتركة التى تواجه الإنسانية، ورحبت بجهود الحكومات والمنظمات الدولية وغير الحكومية وحتى الأفراد لتعزيز التفاهم عبر الحوار البناء بين الحضارات.
أما الجزء الثانى من مشروع القرار الذى قدمته منظمة المؤتمر الإسلامى ممثلة فى المجموعة الإسلامية فى الجمعية العامة للأمم المتحدة فتتعلق بالأهداف والمبادئ والمشاركين، وهو جزء اعتبر فى مقدمته أن حوار الحضارات هو عملية تدور داخل كل حضارة وفيما بين الحضارات على أساس وجود رغبة جماعية للتعلم والمشاركة فى القيم الأساسية وإثراء المفاهيم. ويهدف الحوار لتحقيق أهداف كثيرة من بينها تعزيز العدالة والمساواة والتسامح، وزيادة الفهم والاحترام المتبادل بين الحضارات، وتحديد أرضية مشتركة بين الحضارات لمواجهة التحديات المشتركة التى تواجه القيم الإنسانية وحقوق الإنسان وإنجازات المجتمعات البشرية، وحماية حقوق الإنسان وإثراء الفهم المشترك لها، وتنمية فهم أفضل للمعايير الأخلاقية المشتركة والقيم الإنسانية العالمية، وتعزيز احترام التنوع الثقافى. كما أن إنجاز تلك الأهداف يتطلب الالتزام الجماعى بمبادئ كثيرة من بينها الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية، خاصة الحق فى الكرامة والحقوق المتساوية للرجال والنساء والأمم، وتنفيذ الالتزامات فى ظل ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمى لحقوق الإنسان، واحترام مبادئ العدالة والقانون الدولى، والإقرار بالتنوع الثقافى كخاصية أساسية للمجتمع البشرى ومصدر إثراء للتقدم المادى والروحى للبشرية، والإقرار بحق كافة الحضارات فى الحفاظ على وتطوير إرثها الثقافى، والالتزام بالتعاون والتفاهم على آليات لتعزيز القيم المشتركة، وتعزيز مشاركة الأفراد والشعوب والأمم فى عملية صنع القرار على الأصعدة المحلية والوطنية والإقليمية والدولية. واعتبر مشروع القرار أن الحوار بين الحضارات يمثل إسهاماً هاماً لتحقيق تقدم فى مجالات تعزيز بناء الثقة على الأصعدة المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، وتعزيز المعرفة والفهم المتبادلين فيما بين مختلف المجموعات الاجتماعية والثقافية والحضارات، بما فى ذلك مجالات الدين والتعليم والمعلومات والعلوم، ومواجهة تحديات السلم والأمن الدوليين، وحماية حقوق الإنسان وبلورة معايير أخلاقية مشتركة، ويجب أن تكون المشاركة فى حوار الحضارات مفتوحة لكافة الشعوب، وللعلماء والمفكرين والفنانين والإعلاميين والشباب ومؤسسات المجتمع المدنى وكل المنظمات غير الحكومية، ودعا مشروع القرار الحكومات والأمم المتحدة وكافة المنظمات الدولية والإقليمية تعزيز وتشجيع وتسهيل الحوار بين الحضارات وثقافة هذا الحوار، ودعا أجهزة الإعلام إلى تعزيز فهم أكبر بين الحضارات والثقافات المختلفة.
أما الجزء الثالث والأخير من مشروع قرار المجموعة الإسلامية فتناول برنامجاً للعمل اشتمل بدوره على دعوة الدول والأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية ومؤسسات المجتمع المدنى الأخذ فى الاعتبار عناصر عديدة كوسائل لتعزيز حوار الحضارات فى إطار الموارد المتاحة والمساهمات الطوعية، وهذه العناصر هى تشجيع التفاعل بين الأفراد والمثقفين والفنانين من مجتمعات وحضارات مختلفة، وتعزيز الزيارات المتبادلة والاجتماعات بين الخبراء والفنانين المنتمين إلى حضارات متباينة فى مجالات عديدة بحثاً عن أرضية مشتركة بين هذه الحضارات وللتعرف على ثقافات الآخرين، وتنظيم مؤتمرات لتعزيز الفهم المتبادل والتسامح والحوار بين الحضارات، وتنظيم مسابقات علمية ورياضية لزيادة التفاعل بين الشباب المنتمين لحضارات مختلفة، وتشجيع ترجمة ونشر الأدبيات الأساسية التى تمثل الحضارات، وتعزيز السياحة الثقافية، وإدخال برامج دراسة الحضارات فى المناهج الدراسية، بما فى ذلك تدريس اللغات والتاريخ والفكر السياسى والاجتماعى للحضارات المختلفة وتبادل المنح فيما بين الأساتذة، وتعزيز البحث لتحقيق فهم موضوعى لخصائص كل ثقافة وحضارة والخلافات فيما بين الحضارات والسعى لبناء فهم إيجابى فيما بينها، وتوظيف تكنولوجيا الاتصالات لنشر الحوار والتفاهم والتعريف بالأحداث التاريخية التى تعكس الحوار البناء بين الحضارات، وتوفير فرص متساوية للمشاركة فى نشر المعلومات لتحقيق فهم موضوعى لكافة الحضارات وتعزيز التعاون فيما بينها، وتنفيذ برامج لتعزيز روح الحوار والتفاهم ورفض التعصب والعنف والعنصرية فيما بين الشعوب، خاصة الشباب، وتوظيف ظاهرة الهجرة فيما بين المجتمعات لتجاوز الفجوة بين الثقافات، والتشاور لإيجاد آليات حماية حقوق كافة الشعوب للحفاظ على هوياتهم الثقافية وتسهيل دمجهم فى البيئة الاجتماعية المحيطة. وحرص مشروع القرار على الدعوة لإيجاد آلية لمتابعة نتائج أنشطة عام الحوار بين الحضارات عام 2001 وحث الحكومات والمؤسسات التمويلية ومؤسسات المجتمع المدنى والقطاع الخاص على تعبئة الموارد اللازمة لتعزيز حوار الحضارات عبر المساهمة فى الصندوق الاستئمانى Trust Fund الذى أنشأه أمين عام الأمم المتحدة لهذا الغرض عام 1999، مع إبراز دور الممثل الشخصى للأمين العام للأمم المتحدة لحوار الحضارات واليونسكو وكافة الأطراف لتطوير الآليات المناسبة على الأصعدة المحلية والوطنية والإقليمية والدولية لتعزيز الحوار والفهم المتبادل بين الحضارات وترجمة ذلك فى أنشطة الأمم المتحدة.

رابعاً: المنظمة الفرانكوفونية الدولية:
فى إطار إعدادها للقمة الفرانكوفونية التى كان من المفترض عقدها فى بيروت فى نهاية أكتوبر 2001، ثم تأجلت نتيجة أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى أكتوبر 2002 بشكل مبدئى، صاغت الدول أعضاء المنظمة الفرانكوفونية الدولية مشروع إعلان وبرنامج عمل ركز بشكل كامل على حوار الحضارات والثقافات، وجاء الطرح الأصلى للمشروعين من وفد لبنان الدولة المستضيفة للقمة بعد التشاور مع الدول المعنية الأخرى.
وقد أكد مشروع الإعلان وبرنامج العمل على قيم التسامح والمساواة، برغم الخلافات فيما بين الثقافات، والاتفاق على قيم مشتركة، والتعاون عبر عملية إثراء متبادل فيما بين الثقافات، وإبراز أن الحوار بين الثقافات يجب أن يكون يومياً ومنتظماً ويشمل النخبة والشعوب على حد سواء، وكشف عن الأهمية التى توليها الفرانكوفونية للتعددية الثقافية عالمياً وفى إطار الفرانكوفونية، وارتباط ذلك بعملية العولمة، مع عدم قبول مفهوم الاستثناء الثقافى كمعيار للانعزال عن العالمية وإنما للقبول بالتنوع الثقافى، وحذر مشروع البيان من استغلال العولمة لفرض الهيمنة على قواعد الشرعية الدولية أو السعى لتوحيد النظام القيمى العالمى، ودعا لبديل حوار الثقافات لبناء توافق دولى حول المعايير الحاكمة للعلاقات الدولية ولتجنب المنهج الانتقائى فى الحديث عن الحقوق والواجبات، مع إشارة خاصة إلى ما يحدث فى الشرق الأوسط، ولابد أن يهدف حوار الثقافات إلى دمقرطة العولمة (أى جعلها ديمقراطية) بدلاً من السماح للعولمة بالانحراف بالديمقراطية.
وأشار مشروع البيان وبرنامج العمل إلى ظاهرة الهجرة الدولية وأثرها على التوتر فيما بين الهويات المختلفة، ودعا لبناء مجتمعات ذات هوية متعددة لا تستبعد إحداها الأخرى، كما أشار إلى تضاعف الصراعات فيما بين وداخل الدول بعد انتهاء الحرب الباردة، وارتباط ذلك بحروب الهوايات والثقافات، وأوضح مشروع البيان التحديات العالمية التى تواجهها البشرية مثل التوازن البيئى والأوبئة والجريمة المنظمة مما يحتاج لتعاون كافة الدول مما يحد من مفهوم السيادة، وهى فكرة غير واضحة بمشروع الإعلان وتتميز بمخاطر فى ضوء ما يتم الترويج له من حق التدخل وتحجيم مفهوم السيادة وغير ذلك على الصعيد العالمى وبما يتعارض مع ما هو ثابت ومستقر من مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولى فى هذا الشأن.
وقد تضمن مشروع البيان وبرنامج العمل مقترحات متعددة لتفعيل حوار الثقافات فى إطار الفرانكوفونية - مثل إدماج قطاعات المجتمع المدنى والأكاديميين والمرأة والشباب، وإنشاء شبكة للأساتذة الجامعيين والقانونيين لدول الفرانكوفونية، وإدماج حوار الثقافات فى برامج التعليم، وترجمة الأعمال الأدبية فيما بين مختلف لغات الدول المنتمية للفرانكفونية، كذلك تبادل الأفلام والمسرحيات واللوحات الفنية والموسيقى والأدبيات التى تحارب العنصرية وتدعو للحرية والديمقراطية، وتشكيل مرصد للحوار الثقافى يتضمن مركز أبحاث وتمويل أنشطة ثقافية فى الدول الفقيرة فى الفرانكوفونية لإنتاج سينمائى وتليفزيونى وعلى الإنترنت، وتوحيد مواقف الدول الأعضاء فى مسائل حماية حقوق الملكية الفكرية، وأخيراً التشاور المستمر بين الدبلوماسيين والملحقين الثقافيين للدول الأعضاء فى الفرانكوفونية فى المنظمات الدولية المختلفة.

خامساً: مبادرات من الفاتيكان:
فى 9 نوفمبر 2001 وجه البابا يوحنا بولس الثانى بابا الفاتيكان رسالة للمجمع البابوى للحوار بين الأديان أكد فيها أن القول بأن أحداث 11 سبتمبر 2001 فى الولايات المتحدة الأمريكية وما تلاها تعكس صدام الأديان يناقض جوهر الأديان التى تدعو جميعها للعمل الصالح وإنهاء معاناة البشر وبناء عالم تسوده العدالة. وذكر البابا فى رسالته أن الحوار بين الأديان يزداد أهمية فى ظل تعاظم ظاهرة التعددية الثقافية والدينية فى الألفية الثالثة، وذلك لبناء السلام العالمى باسم الإله الواحد، وهذا السلام يستوجب بدوره تغليب روح المصالحة لحل الصراعات والنزاعات القائمة. وقد اختار المجمع البابوى للحوار بين الأديان موضوع البعد الروحى لحوار الأديان عنواناً لمؤتمره لعام 2001، وفى ضوء ذلك أوضح البابا أنه يعتبر الثالوث المقدس فى المسيحية نموذجاً يحتذى به للحوار بين البشر من مختلف الانتماءات الثقافية والدينية، حيث كان الرب يتحدث إلى البشر عبر المسيح، بينما كان المسيح يتعامل مع البشر بكل تواضع. وأقر البابا يوحنا بولس الثانى بأن مهمة الحوار التى يدعو إليها ليست بالسهلة، نظراً لوجود تحيزات سابقة وسوء فهم يحتاج للكثير من الصبر والمثابرة، وأوضح من جهة أخرى أن الحوار بين الأديان يساعد على التعرف على الإله كما ينعكس فى قلوب وعادات وطقوس أتباع الديانات الأخرى وصولاً إلى غايات الطهر والكمال.
وقد سبق ذلك دورة جديدة من دورات الحوار المسيحى/ الإسلامى والذى تنظمه سنوياً جماعة سانت إيجيديو، وهى جمعية أهلية إيطالية ذات صبغة كاثوليكية قريبة من الفاتيكان، وتنظم دورات هذا الحوار سنوياً منذ عام 1985. وقد شاركت فى الدورة الأخيرة شخصيات بارزة عن الجانبين المسيحى والإسلامى.
وأجمع المشاركون فى هذه الدورة على إدانة الإرهاب بشكل عام، وأحداث 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة على وجه الخصوص، كما استنكر المشاركون من العالم الإسلامى ازدواجية المعايير فى العلاقات الدولية مما يوجد شعوراً بالظلم يشجع بدوره على نمو التطرف والإرهاب وأكدوا أن عدم التوصل إلى حل عادل للصراع العربى/ الإسرائيلى سيصعب من فرص إزالة أسباب العنف. وقد اتفق معظم المتحدثين فى المؤتمر على أن استخدام القوة لن يقضى على الإرهاب لأن الأمر يتطلب استئصال دوافع ارتكابه، وركزوا على نقاط التلاقى بين الإسلام والمسيحية داعين إلى تلافى نقاط التعارض مبرزين عدم وجود صدام بين الحضارتين الغربية والإسلامية، وداعين أيضاً الى حوار بين رجال الدين والمثقفين من الجانبين.
إلا أن المؤتمر لم يتمكن من التوصل إلى بيان ختامى لأعماله بسبب عدم ترحيب المشاركين عن الجانب المسيحى باقتراح المشاركين عن الجانب الإسلامى تضمين البيان أهمية التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، ومراعاة عدم مساواة الإرهاب مع مقاومة الاحتلال، وبالمقابل، تم الاتفاق على تشكيل مجموعة اتصال لمحاولة صياغة بيان يناسب الطرفين. وكبديل عن البيان الختامى، وجه رئيس جماعة سانت إيجيديو نداءً فى الحفل الختامى للمؤتمر أعرب فيه عن إدانة المشاركين للاعتداءات على الولايات المتحدة وفى أى مكان آخر، ودعا الشعوب لتجاوز مشاعر الخوف والكراهية، ولإجراء مزيد من الاتصالات لدعم العلاقات بين الإسلام والمسيحية ونفى دعاوى الصدام بين الثقافات والأديان بشكل عام، ودعا إلى السلام والتعايش بين أتباع الديانات السماوية التوحيدية الثلاث، وزيادة مساحات التلاقى فيما بينها، وكرر نفس الأفكار أحد المشاركين عن الجانب الإسلامى فى كلمة نيابة عن هذا الجانب.
ولا شك أن المؤتمر والنداء الذى تلاه والموجه عن بابا الفاتيكان بشأن حوار الأديان قد ركزا على مفهوم حوار الأديان بأكثر مما ركزا على حوار الثقافات والحضارات، وذلك طبيعى من منطلق الطبيعة الدينية لدولة الفاتيكان والمؤسسات التابعة له والقريبة منه. وقد رأى الفاتيكان فى أحداث 11 سبتمبر 2001 وتداعياتها مخاطر على سياسة حوار الأديان والثقافات التى ينتهجها الفاتيكان منذ فترة. كما أن الرئيس الإيطالى حرص على إقامة حفل استقبال على شرف المشاركين فى مؤتمر جماعة سانت إيجيديو حيث ألقى كلمة أبرزت أن الإسلام دين وثقافة كبرى يستحق الاحترام، كما أنه يشترك مع المسيحية فى قيم عالمية، ودعا كل طرف إلى الاعتراف بالهوية الدينية والثقافية للآخر واحترامها كقاعدة للتعاون الأوروبى المتوسطى فى سياق عملية برشلونة، وألمح ضمنياً إلى فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية، خاصة فى إيطاليا، وأقر بأن القضاء على الإرهاب يستلزم تحقيق السلام فى الشرق الأوسط.
ومن جانب آخر، فإن المؤتمر أتاح الفرصة للجانب الإسلامى لإبراز أهمية نيل الشعب الفلسطينى لحقوقه كاملة وتطبيق العدالة فى الشرق الأوسط، وقد اتفق كافة المشاركين على ضرورة متابعة الحوار وتواصله لضمان تحقيق الآثار الإيجابية على العلاقات الإسلامية/ المسيحية، وأبدوا ارتياحهم لأن يتم الحوار فى مسار مستقل عن الحكومات بما يكفل له حرية الحركة والقدرة على التعبير بعيداً عن أى حساسيات سياسية. ونلاحظ طبعا غلبة المشاركة المصرية على تمثيل الجانب الإسلامى فى المؤتمر مما أبرز ثقل مصر وتنوع روافد الفكر الإسلامى بها.

سادساً : نظرة عامة :
لم يكن ما سبق مسحاً شاملاً وكاملاً لكافة المبادرات المعنية بحوار الحضارات والثقافات والديانات على الأصعدة الإقليمية والأقاليمية والدولية، ولكنه كان عرضاً وتحليلاً لأهم عناصر عدد مختار ومؤثر وهام من تلك المبادرات فى عدد هام من المحافل أو الأطراف الدولية ذات الصلة بهذه الموضوعات وكما لاحظنا، فهناك تداخل بين مفاهيم حوار الحضارات والثقافات والأديان، وهو أمر طبيعى نظراً لأن الدين مازال يمثل -حتى فى الحضارات التى ترفع لواء العلمانية- عنصراً مهماً من عناصر ثقافتها ومكوناً بارزاً من مكونات حضارتها، وهذا ينطبق بشكل أكبر فى حالة العالمين العربى والإسلامى حيث يمثل الإسلام العمود الفقرى للثقافة العربية والحضارة الإسلامية وهوية هذه الأمة.
أما الملاحظة الأخرى فهى تلك المتعلقة بالدور الريادى للعالم الإسلامى فى طرح موضوع حوار الحضارات على الصعيد الدولى وفى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، وهو أمر غير مستغرب فى ضوء حرص الدول الإسلامية ومنظمة المؤتمر الإسلامى على إظهار الصورة الحقيقية للإسلام كدين وحضارة تسامح ودعوة تعايش وتعاون وسلام وانفتاح على الآخر وحوار معه. وكان هذا هو موقف الدول الإسلامية منذ القمة الإسلامية التى انعقدت فى طهران فى نوفمبر 1997 والتى على إثرها طرحت الرئاسة الإيرانية للمؤتمر الإسلامى مبادرة تنظيم عام للحوار بين الحضارات -كان هو عام 2001- على الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1998 وهى المبادرة التى تبنتها بالفعل الجمعية العامة عام 1998. إلا أن دولاً أخرى ساهمت فى تبنى مشروع القرار المعنى بحوار الحضارات سواء فى اليونسكو أو فى الجمعية العامة، أو غيرهما من محافل دولية سياسية أو ثقافية، وبرزت بشكل خاص الدول التى لها حضارات عريقة مثل اليابان واليونان وإيطاليا وغيرها، بينما تأخر فى بعض الحالات اهتمام دول أخرى لهذه المبادرات كل لاعتبارات وحسابات خاصة بها سواء نتيجة حساسيات سياسية أو رواسب أيديولوجية أو ذكريات تاريخية مريرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والهند وأرمينيا أحياناً .. وغيرهم.
ويجب أن نلحظ أيضاً أن مبادرات حوار الحضارات لا تقتصر على الصعيد الدولى، بل إن هناك مبادرات محدودة سواء كانت متعددة الأطراف أو تتبناها دولة بعينها أو جاءت من جانب طرف غير حكومى، وتحضرنا هنا مبادرة حوار حضارات العالم القديم والتى تضم مصر وإيران واليونان وإيطاليا، والمبادرة الألمانية التى سبق أن طرحها الرئيس الألمانى السابق رومان هيرتزوج بشأن الحوار بين الحضارتين الإسلامية والغربية وتبناها لاحقاً الرئيس الألمانى الحالى يوهانس راو وضمت فى بدايتها عدداً محدوداً من الدول الغربية والإسلامية كان من بينها مصر واتسعت لاحقاً لتشمل عدداً متزايداً من الدول، كما اتصلت هذه المبادرة منذ يناير 2000 بشكل مازال غير واضح من الناحية المؤسسية مع المنتدى الاقتصادى العالمى الذى ينظم سنوياً - منتدى دافوس - والذى قرر تنظيمه هذا العام فى نيويورك تضامناً مع رجال الأعمال الأمريكيين فى ضوء تعرضهم لهزة 11 سبتمبر وربما لتجنب حضور ضعيف من جانب رجال الأعمال الأمريكيين بسبب مخاوف استخدام الطائرات.
وأخيراً نقول أن أحداث 11 سبتمبر 2001 طرحت تحدياً حقيقياً وجاداً أمام كافة المبادرات الخاصة بحوار الحضارات لإثبات مصداقيتها وتأثيرها المتعدد الأبعاد سواء على دوائر صنع القرار أو وسائل الإعلام أو المراكز الأكاديمية والبحثية أو جمعيات رجال الأعمال أو منظمات المجتمع المدنى من طلاب وشباب ونساء ونقابات عمالية ومهنية ومنظمات غير حكومية أو حتى رجل الشارع العادى وغير المتخصص. ويصدق هذا على المبادرات الفردية من دولة أو أخرى أو من منظمة إقليمية أو دولية سياسية أو متخصصة أو من جهة غير حكومية أو من مجموعة من الدول. فهذا التأثير وتلك المصداقية هما المعيار والمحك للحكم على صلة هذه المبادرات بالواقع المعاش والقدرة على إحداث تغيير إيجابى على مناهج التفكير والسلوك والتعامل مع الآخر وتصويره بشكل بناء والتفاعل معه بديلاً عن الانعزال عنه أو التصرف من منطلق أن الآخر هو العدو أو الخطر أو التهديد، وبدون تجاهل مرجعية قيم العدل والإنصاف والمساواة والاحترام المتبادل وعدم الادعاء باحتكار الحقيقة.





**********************





الفصل الثالث

حــوار الحضارات والثقــافـــات والأديـــــان
( حول رؤية مصرية )


--------------------------------------------------------------------------------

جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها العادية الـ 53 فى سبتمبر 1998 بإعلان عام 2000 عاماً للحوار بين الحضارات بناء على اقتراح وفد إيران التى كانت حينذاك ترأس منظمة المؤتمر الإسلامى ليبرز رد فعل المجتمع الدولى تجاه كل ما تم الترويج له منذ نهاية الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية، ثم فى مطلع التسعينات عن نهاية التاريخ وانتصار النموذج الليبرالى الغربى وسيادته العالمية من جهة وعن صدام الحضارات والبحث عن عدو جديد للغرب بدلاً من الشيوعية. وجاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 فى الولايات المتحدة وبعض ردود الفعل المنفعلة عليها وتوزيع الاتهامات يميناً ويساراً لتدفع الى الواجهة من جديد خطورة الترويج لمفاهيم صراع الحضارات والثقافات والأديان، سواء شملت تلك المخاطر الطرف الأقوى حالياً فى ميزان القوى العالمى أم شمل الطرف الأضعف.
ونحاول هنا أن نعرض لما يمكن اعتباره مدخلات مختلفة لصياغة رؤية مصرية لحوار الحضارات كمفهوم واستراتيجية منهج لإدارة العلاقات الدولية دون الاقتصاد على أى من البعدين النظرى والأكاديمى أو السياسى/ الثقافى العملى فقط.
وقد شاركت الدبلوماسية المصرية بالفعل - بناء على توجيهات الرئيس حسنى مبارك- فى عدة مبادرات لحوار الحضارات كان منها مشروع حوار حضارات العالم القديم الأربع مع كل من إيران واليونان وإيطاليا، كما كانت مصر من الدول الراعية لمبادرة الرئيس الألمانى السابق رومان هرتزوج للحوار بين الثقافتين الغربية والإسلامية والتى تبناها لاحقاً الرئيس الألمانى الحالى يوهانس راو
كما عبر السيد الرئيس عن وعى متقدم فى أكثر من مناسبة بأهمية توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة لنشر نتائج عمليات حوار الحضارات والثقافات والأديان الجارية على مستوى شعوب العالم.
ونبدأ بالإشارة إلى كلمة السيد أحمد ماهر وزير الخارجية أمام حلقة النقاش الأولى (مواجهة التحديات المشتركة فى عالم اليوم) فى منتدى اسطنبول الوزارى للاتحاد الأوروبى ومنظمة المؤتمر الإسلامى حول تفاعل الحضارات: البُعد السياسى والذى عقد يومىّ 12 و13 فبراير 2002.
وفى كلمته الرئيسية أمام المنتدى ذكر الوزير أحمد ماهر أن الحديث عن موضوع الحوار بين الإسلام والغرب أصبح يتكرر كثيراً وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر التى حاول البعض إلصاقها بالعرب والمسلمين بصفة عامة نتيجة أن مرتكبى تلك الأحداث -أو المتهمين بارتكابها- من العرب المسلمين، مع أن هذا المعيار لا يُطبق عندما يرتكب غير العرب وغير المسلمين جرائم، فلا تُنسب إلى كل الطائفة أو العنصر أو الدين.
وأضاف وزير الخارجية أن الحديث عن ذلك الحوار لا يمكن أن يتجاهل أن الإسلام موجود فعلاً فى الغرب بتأثيره، وأن الغرب موجود أيضاً فى العالم الإسلامى بتأثيره، أى أن كلاً من الطرفين يؤثر فى الآخر، وهذا منذ فترة طويلة، فلا يوجد انفصال بينهما إلا إذا كان افتعالاً لأسباب سياسية. ثم أن الحديث عن الحضارات لا يجب أن يقتصر عليهما، بل إنه يستلزم الحديث عن حضارات أخرى مثل حضارات آسيا الكبرى فى الهند والصين واليابان التى يجب أن تشارك أيضاً فى الحوار لإثرائه، وحتى لا يبدو الأمر وكأن الحوار يجب أن يقتصر على الغرب والإسلام لوجود صدام بينهما.
ودعا إلى البحث عن اسباب أخرى لما حدث يوم 11 سبتمبر بعيداً عن صدام الحضارات، موضحاً أن تفسير الصراع على أنه بين الحضارات ليس صحيحاً تاريخياً، فإن العالم لم يشهد حروباً بين الحضارات المختلفة بقدر ما شهد حروباً بين أبناء الحضارة الواحدة، ولقد كانت الحرب العالمية الثانية خير مثال على ذلك حيث كانت بين دول تنتمى للحضارة الغربية، كما أننا شهدنا حروباً بين دول إسلامية.
كما ذكر وزير الخارجية المصرى أن المشكلة الحقيقية تكمن فى رفض الاعتراف بالآخر كمستقل عن الأنا، وهذا هو سبب الصدامات والحروب، أى رفض الاختلاف والتنوع، لذا، فالحل أن نتعلم جميعاً الاعتراف بالآخر، وبأن العدو ليس هو الآخر بل العدو هو التعصب والتخوف من الآخر ورفض الاعتراف به كما أن العدو هو الفقر والظلم والتطرف وكلهم أعداء يجب محاربتهم من خلال نشر ثقافة التسامح وتعليم البشر أن الاختلاف طبيعى ومفيد ويثرى البشرية.
وفى رده على مداخلة للمستشرق الأمريكى الشهير برنارد لويس، ذكر وزير الخارجية المصرى أنه ليس صحيحاً ما ذكره من أنه لا توجد غير حداثة واحدة هى الغربية، إذ أن الحداثة يمكن أن تأخذ أشكالاً مختلفة، والحديث عن معيار موحد يُفرض على الجميع هو نوع من الاستعمار الفكرى، وهو الذى يخيف العالم الثالث من العولمة مثلاً ويوجد نوعاً من التوجس والشك.
كما اعتبر أن حديث برنارد لويس عن الرق وادعائه أنه بدأ نحو الشرق بسنوات عديدة قبل أن يتجه غرباً ببضاعته، هو حديث مغلوط. فبالإضافة إلى أنه تاريخياً غير صحيح، فإننا عندما نتحدث عن الرق نقصد استجلاب ملايين الناس من أفريقيا والشرق لكى يبنوا ثروة الغرب. وبالتالى فعندما تطالب دول أفريقيا أو دول العالم الثالث بتعويضها فإنها تطلب تعويضاً عن إسهام أبنائها فى أسوأ الظروف فى بناء أسس ثروة العالم المتقدم التى بنى عليها ما حققه الآن من رخاء غير مسبوق.
ورداً على اعتراض برنارد لويس على استخدام كلمة التسامح لأنها تعيد ذكريات عهود كانت تعنى أننى أتسامح مع وجودك بشرط أن تخضع لى ذكر وزير الخارجية المصرى أن هذا خلط ومغالطة، وأن التسامح يعنى قبول الآخر وقبول الاختلاف وعدم جعله سبباً للعداء أو للصراع أو محاولة فرض الرأى والقيم أو نمط الحياة.
كما اختتم السيد أحمد ماهر تعليقه بالقول بأن ما يُسمى بصراع الحضارات يخفى فى أحيان كثيرة أهدافاً خبيثة أخرى مثل محاولات الهيمنة والسيطرة.
وفيما يتعلق بالمداخلات المتعددة لوزير خارجية مصر السابق الأمين العام الحالى لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى حول موضوع حوار الحضارات فى الفترة من مايو 1991 إلى مايو 2001، فقد تركزت تلك المداخلات حول الرد على تساؤلهم: هل العالم يتجه نحو صدام أم حوار فيما بين الحضارات والثقافات والأديان. وأتى اهتمام وزير خارجية مصر خلال عقد من الزمان بمسألة التفاعل بين الحضارات والثقافات ليطرح تساؤلاً حول سبب اهتمام السياسيين لموضوع كهذا، من المفترض أن يكون موضوع تركيز المؤرخين والمفكرين والكتاب والمثقفين وربما الفنانين.
إلا أن الرد على هذا التساؤل كان ما طرأ من تحولات نوعية شهدتها العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار التنافس الأيديولوجى بين الشيوعية والرأسمالية، حيث تحول الحديث عن التباينات- أو حتى التناقضات الثقافية إلى مسائل سياسية خلافية دفعت البعض للحديث عن صدام الحضارات، مما خرج بهذه المسائل من حيز نقاشات الغرف والقاعات المغلقة للنخب الثقافية إلى واجهة الأطروحات السياسية والإعلامية والأيديولوجية العلنية.
وبالمقابل، ابرز السيد عمرو موسى الرؤية المصرية فى أن كل حضارة أو ثقافة تعكس تمايز الهوية التاريخية لشعبها أو لشعوبها بحيث تتشكل كل حضارة عبر تراكم الإسهامات الفكرية والثقافية التى تمثل إسهام هذا الشعب أو هذه الأمة فى تحسين فهم البشرية لذاتها أو تاريخها ومستقبلها والعالم من حولها. وبنفس القدر، فإن مختلف الأديان بلور كل منها نظاماً قيمياً فى سياق تطور سياسى واجتماعى واقتصادى معين وخاص به، وهذا ينطبق على كافة الأديان.
وتركز نقد السيد/ عمرو موسى لتصوير الإسلام كتهديد للغرب على أن الإسلام مختلف عن الشيوعية نوعياً، فبينما جاءت الشيوعية كنتائج للتطور اقتصادى/ الاجتماعى فى الغرب فى القرنين التاسع عشر والعشرين، فإن الإسلام سبق كل الأيديولوجيات الحديثة، ومثله مثل الأديان السماوية، فإنه باقٍ حتى نهاية الزمان. وطالب الشعوب وصناع السياسة فى الغرب بصياغة فهم أفضل للإسلام وللمسائل المتصلة بالمسلمين والعالم الإسلامى، داعياً الغرب إلى هجرة النظر إلى الإسلام وحضارته وأحداث عالمية من منظور العنف والإرهاب فقط حيث أن العنف يجرى فى كل مكان بما فيه بلدان الغرب ذاتها.
وقدر السيد عمرو موسى عالياً فى عدة مناسبات تصريحات لقادة غربيين مثل الرئيس الأمريكى السابق كلينتون عندما كان فى السلطة نفى فيها وجود تناقض بين الحضارتين الإسلامية والغربية مؤكداً على التزام الولايات المتحدة باتباع سياسة صداقة واحترام مع العالم الإسلامى، وأشار إلى الإسهام الإيجابى والمهم للأمريكيين المسلمين فى المجتمع الأمريكى.
وللبرهنة على كذب ادعاءات صراع وصدام الحضارات أشار السيد عمرو موسى أن القرن العشرين شهد حربين عالميتين بدأتا فى أوروبا وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العام، وكانت الأطراف المتحاربة سواء فى أوروبا أو عبر الأطلنطى تنتمى إلى نفس الديانة أو الحضارات، حيث أن الدافع للحروب كان تناقض المصالح وليس تباين الانتماء الحضارى، وأبرز مثال على ذلك تحالف ألمانيا وإيطاليا مع اليابان فيما عرف تاريخياً باسم دول المحور خلال الحرب العالمية الثانية.
وفسر الدفع بالعامل الحضارى إلى الواجهة بأنه يمثل غطاء لأهداف سياسية مثل التطهير العرقى كما جرى خلال أزمة كوسوفو.
إلا أن أزمة كوسوفو نفسها أوضحت إفلاس نظرية صدام الحضارات فالحضارتان الإسلامية والمسيحية اجتمعتا معاً على أساس القيم المشتركة بينهما لرفض العنف والقمع والتطهير العرقى وللدفاع عن قيم العدالة والحرية والسلام.
وأشاد السيد عمرو موسى بكتابات مستنيرة وإيجابية وبعيدة النظر فى الغرب مثل كتابات لميجيل موراتينوس الممثل الأوروبى الخاص للشرق الأوسط التى طالبت الغرب بإعادة النظر فى رؤيته التقليدية للإسلام والتحول من التركيز على سعى لتصدير النموذج الحضارى والثقافى الغربى للعالم الإسلامى إلى القبول بـ الاستيراد الثقافى وتحسين فهمهم لعالم صار أكثر ترابطاً وتعقيداً.
وحذر وزير خارجية مصر السابق مراراً من أن كثرة ترديد مقولة صدام الحضارات قد يجعل منهما حقيقة واقعة بالرغم من مسعى أطراف عديدة منها مصر - لنفى صحة هذه المقولة التى يتم ترويجها فى عالم تتقارب ثقافاته من بعضها البعض كل يوم أكثر من الذى سبقه، ويواجه عدداً متزايداً من التحديات والمخاطر العابرة للحدود والتى لا تنظر للفوارق الثقافية والحضارية والدينية وتطلب تعاوناً وتضامناً دوليين. وتتضمن هذه التحديات والمخاطر التدهور البيئى واستنزاف الموارد الطبيعية وما يمثله الإرهاب الدولى من تهديدات ظهرت آثارها العالمية بوضوح عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، وكذلك انتشار أسلحة الدمار الشامل والجريمة المنظمة، بما فيها تهريب وتجارة المخدرات. وكل ما تقدم يستوجب التكامل العالمى فى القرن الحادى والعشرين بعيداً عن التجزئة وبث العداوة والبغضاء.
وفى هذا السياق أبدت مصر حرصاً على الإسهام فى مسألة الحوار بين الحضارات المختلفة وخطة عمل تقوم على أساس مبادئ متفق عليها وأهداف معروفة بشكل محدد. ومنحت مصر دوراً محورياً فى هذا المجال للأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة، ودعمت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات ومن شأن هذا العمل الجماعى من جانب المنظمة الدولية أن تظهر وجود توافق دولى بشأن القلق من مقولات صدام الحضارات والوعى بأهمية تعزيز التفاعل المبدع بين الثقافات على أسس التسامح والاحترام المتبادل وتوعية الرأى العام العالمى بذلك، وذلك من منطلق إدراك الارتباط بيم حوار الحضارات من جهة والسلم والأمن الدوليين من جهة أخرى.
كما أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية قد نظم على مدار السنوات الماضية عدة مؤتمرات حول موضوع حوار الحضارات، حيث لعب الأزهر الشريف دوراً مركزياً فى هذا الإطار.
واتصف الموقف الرسمى والثقافى المصرى عموماً برفض الصيحات السلبية الداعية إلى الصدام بين الحضارات والثقافات ونعتها بالتطرف والوقوف بحزم فى مواجهتها وصياغة اقتراحات وبرامج للتصدى لهذه الدعوات وتفنيدها وإظهار بطلانها وعدم اتساقها الداخلى ومخاطرها على مستقبل التعايش - ناهيك عن التعاون - الدولى، بل وعلى بقاء البشرية فى حد ذاته، وعلى أن ترتكز هذه البدائل على أساس احترام الآخر وتعزيز أسس التفاهم المشترك وقد أدت هذه الجهود المصرية إلى الإسهام فى انحسار نسبى للنظرية القائلة بصراع وصدام الحضارات وتثبت حقيقة أن تفاعل الحضارات يشكل جزءاً من حياة الأمم وتاريخ البشرية، وجزءاً من تطور نشط لا يقف عند نقطة بعينها ولا يصب لصالح حضارة واحدة.
وتواصل الدبلوماسية المصرية المضى على طريق تفاهم الحضارات بعزم مكين وخطى ثابتة من موقعنا الفريد فى هذا العالم كملتقى ونقطة انصهار لحضارات وثقافات مختلفة وصولاً إلى تفاعل على كافة الأصعدة مع الآخرين فى هذا العالم، من منطلق التبشير بقناعة لا يشوبها الشك أو تردد بأن هذا العالم الذى نعيش فيه جميعاً واحد له روافده وحضاراته التى تصب جميعها فى خانة واحدة هى المستقبل الأكثر أمناً ورفاهاً للجميع مما يستدعى التعاضد والتعاون من منطلق المساواة دور التعالى والمشاركة دون ادعاء احتكار الحقيقة.
كما كان لمصر موقفها إزاء التقارير المتتالية للأمين العام للأمم المتحدة حول حوار الحضارات طبقاً للولاية التى خولها له قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر فى عام 1998 فى هذا الشأن. فقد طالبت مصر مراراً بوضع هيكل محدد لمفهوم حوار الحضارات بما يميزه عن غيره من المفاهيم المشابهة له، وتحديد واضح لدور الأمم المتحدة فى هذا السياق، وكذلك الدعوة للعمل على تحديد معايير للحضارات التى تشترك فى هذا الحوار وأى فرع من كل حضارة سيمثلها، وشكل الحوار ومنهجه وغايته وما يفترض أن يصدر عنه من دعوة للتعايش أو التعاون بين الحضارات. كما دعت مصر إلى الالتزام بما ورد فى القرار الأصلى للجمعية العامة من تمويل الأنشطة المتعلقة بحوار الحضارات من ميزانية الأمم المتحدة العادية وليس من موارد من خارج ميزانية المنظمة كما دعا الأمين فى تقاريره. واتسم موقف مصر بالحرص - بل وبالحذر - إزاء محاولات الربط بين حوار الحضارات من جهة وكل من الدبلوماسية الوقائية و ثقافة السلام من جهة أخرى.
وفى سياق الربط بين حوار الحضارات والعولمة، تسعى مصر دائماً برموزها السياسية والدبلوماسية والثقافية إلى التأكيد على المفهوم الصحيح للعولمة طبقاً لتعريفها، أى الترابط والاعتماد المتبادل فى العلاقات الدولية وما يترتب على ذلك من القناعة بأن أى دولة مهما تعاظمت إمكانياتها، فإنها لن تتمكن من فرض سيطرتها على المقدرات الدولية دون مشاركة إيجابية من بقية الدول أعضاء المجتمع الدولى، وما يتصل بذلك على صعيد حوار الحضارات من رفض احتكار الحكمة من جانب حضارة بعينها بل الإيمان بالتعددية الحضارية والتنوع الثقافى وصولاً إلى رفض محاصرة حضارة بعينها - مثل الحضارة الإسلامية - ونعتها بعدم التسامح والتعصب والجمود وتعبئة الحصار حولها استغلالاً لحالات من التأخر الفكرى النسبى لدى بعض مفكرين وحركات فى العالم الإسلامى وما يتصل بذلك من أهمية تأكيد مبدأ المسئولية الفردية بحيث لا يتم توريط دول إسلامية فى الاتهام بالتعصب لمجرد وجود أفراد أو جماعات من أصحاب جنسية تلك الدول يتسمون بتلك الصفة مع مراعاة التوازن بحيث لا تكون المسئولية الفردية مدخلاً لتجاوز سيادة الدولة وتبرير التدخل فى الشئون الداخلية للدول خرقاً لمبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة.
وبدلاً من فكرة إيجاد عدو موحد هو عدم التسامح تعاديه كل الحضارات فإن مصر دعت لتبنى منهج اقتراب إيجابى بإسقاط فكرة العدو كلية والتركيز على قيمة التفاهم والحوار وعلى نقاط الالتقاء بما قد يؤدى فى نهاية الأمر إلى احتواء الاتجاهات الداعية للتعصب والجمود. وعلى صعيد آخر رفضت مصر دوماً اتخاذ حوار الحضارات كمدخل لإباحة أو تشجيع المعتقدات والطقوس الدينية حيث أن هذه ليست مجالاً للحوار الذى ينصب أساساً على القيم والمعايير الأخلاقية.
وعلى الصعيد السياسى والدبلوماسى فإن دور وفد مصر فى مؤتمر مكافحة التعصب وعدم التسامح الذى عقد فى العاصمة السويدية استكهولم فى يناير 2001 كان لافتاً، خاصة أن مصر والمغرب كانتا الدولتين الوحيدتين المشاركتين فى المؤتمر المذكور من العالم العربى والإسلامى. فقد عارض الوفدان بحسم تركيز البيان الختامى للمؤتمر المذكور على موضوع المحرقة (الهولوكوست) التى تعرض لها اليهود على أيدى النازى قبل وخلال الحرب العالمية الثانية دون غيره من قضايا التعصب وعدم التسامح مثل ما مارسه نظام الفصل العنصرى (الأبارتهيد) السابق فى جنوب أفريقيا حتى عام 1994 وممارسات سلطات الاحتلال الإسرائيلى بحق الشعب الفلسطينى وغيره من شعوب المناطق العربية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلى وقضايا العنصرية العداء للأجانب خاصة العرب والمسلمين فى أوروبا فيما عرف بفوبيا الإسلام. ونجح الوفدان المصرى والمغربى فى قصر ذكر المحرقة على إشارة واحدة وإدماج نقاط أخرى مثل الدعوة للعمل على مكافحة الخوف من الإسلام والعداء للأجانب فى أوروبا وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان على الصعيد العالمى. كما ركز الوفد المصرى فى بيانه أمام المؤتمر على أنه لن يكون هناك سلام فى الشرق الأوسط طالما الشعب الفلسطينى يتعرض لمجازر مستمرة من جانب الجيش الإسرائيلى، واعتبر المؤتمر فرصة سانحة لتعريف السويد حكومة وأجهزة إعلام وشعباً بحقيقة العرب والمسلمين وتصحيح المفاهيم الخاطئة فى هذا الشأن، وتوسيع هذا الجهد ليشمل كافة الوفود المشاركة من أكثر من 50 دولة من العالم غير العربى وغير الإسلامى سواء على مستوى مسئولين رسميين أو مؤسسات المجتمع المدنى، وكذلك إنكار أن تكون المحرقة هى الجريمة الوحيدة التى تم ارتكابها بحق الإنسانية والتذكير بما يتعرض له الشعب الفلسطينى.
وخلال مؤتمر آخر عن حوار الحضارات استضافته كل من لتوانيا وبولندا فى عاصمة الأولى فى إبريل 2001 كان الحضور المصرى بارزاً. ودعا وفد مصر إلى رفع الوعى بأهمية موضوع حوار الحضارات والثقافات والأديان على الصعيد العالمى كمدخل لفهم متبادل أفضل وأعمق، واعتبر أن عملية الحوار متواصلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلا أن إنجازاتها تتسم بقدر كبير من المحدودية نظراً لأنها كانت فى كثير من الأحوال أقرب إلى الحديث إلى النفس (المونولوج) منه إلى الحوار مع الآخر (الديالوج)، وربما جاء ذلك بسبب عمومية الحوار وعدم تحديد محاوره وأبعاده بدقة أو طرح قضايا محددة يجرى الحوار بشأنها.
فحوار الحضارات هو عملية متعددة المستويات تشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والفكر والفنون. كما أن النظر إلى العولمة اليوم باعتبارها تعنى اتباعاً لنسق واحد من الأفكار والقيم يجب اتباعه من قبل أبناء الحضارات المختلفة سيكون أمراً خطيراً للغاية،فحتى الاتفاق على قيم والليبرالية واقتصاد السوق وحقوق الإنسان لا يعنى إهمال الإرث الحضارى والثقافى والهوية التاريخية لكل شعب وأمة، فكل شعب يفخر بخصوصيته وتمايزه الذى يعكس ظروف تطور اجتماعى/ اقتصادى وتراكم ثقافى/ فكرى فى سياق تاريخى بعينه وكل شعب مستعد للدفاع للنهاية عن الخصوصية والتمايز، وهذا الفخر هو مدعاة لدعمه والحفاظ عليه لأنه يساهم فى تحقيق حالة استقرار مجتمعى تعتبر ضرورية لمساعدة هذه الشعوب - خاصة من يعانى منها من التخلف الاقتصادى والاجتماعى - للخروج من عنق الزجاجة والتحرك نحو التقييم بخطى ثابتة وثقة فى النفس بما يساعد على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية وتجنب ما تشهده أحياناً من اختلال للتوازنات القديمة وقلاقل اجتماعية أو حتى سياسية.
كما أن من شأن مساعدة الدول النامية ذات الحضارات العريقة فى جهودها التنموية جعل حوار الحضارات أكثر وعداُ وإثماراً ، وحذر وفد مصر خلال هذا المؤتمر مما أسماه احتكار وسائل الإعلام الغربية لنقل الأخبار فى العالم وطريقة عرضها ونشرها وتفسيرها بينما تغيب رؤية العالم غير الغربى ليس فقط عن الغرب بل عن بقية العالم ويبقى الجميع أسرى رؤية وحيدة للأحداث، وهو الأمر الذى يستدعى التوصل إلى مدونة قواعد سلوك تلتزم بها وسائل الإعلام الغربية، خاصة فيما يتصل بعرض ما يرتبط بالإسلام فى إنتاجها ومطبوعاتها بحيث لا يقتصر ذلك على صور نمطية من التعصب والدوجماطيقية ومعاداة التقدم بل والإرهاب.
فأجواء مثل هذه، والسائدة اليوم لا تشجع على الحوار بل قد لا تسمح به أحياناً، فدوائر سياسية وإعلامية وأكاديمية غربية تتناسى فضل الحضارة الإسلامية فى نهضة أوروبا وتنكر مساحات الاتفاق والاشتراك الأوسع بكثير من مساحات التناقض والاختلاف بين الحضارتين الإسلامية والغربية، فالحوار سيسعى أيضاً إلى تعزيز - وربما توسيع- دائرة الاتفاق والتوصل إلى آلية لمتابعة ما يتم الاتفاق عليه خلال الحوار من إجراءات، وكذلك فض الغبار عن التعاريف والتفسيرات الحقيقة لمفاهيم التسامح ورفض الدولة الدينية والإيمان بالأخوة الإنسانية بدلاً مما علق بها من تعاريف وتفسيرات منحرفة أو محرفة خلال قرون العداء بين العرب والمسلمين من جهة والغرب من جهة أخرى.
ويحضرنا هنا دور الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد الوزير السابق والمحامى الدولى البارز فى مجال حوار الحضارات سواء عبر عضويته فى فريق الخبراء التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامى أو عضويته فى فريق الشخصيات البارزة التى تعاون أمين عام الأمم المتحدة أو مساهماته الشخصية فى أكثر من محفل ومنتدى دولى عنى بموضوعات حوار الحضارات والثقافات والأديان من بينهم المنتدى الاقتصادى العالمى بدافوس فى دورته التى جرت فى يناير 2000.
ويمكن بلورة أهم مداخلات الدكتور كمال أبو المجد فى تلك الدورة فى ضرورة عدم اقتصار حوار الحضارات على تبادل الخطب والبيانات بل وضع برنامج للعمل، كما دعا إلى التفرقة بين النظرية والتطبيق خاصة الإشارة إلى عدم ملاءمة المقارنة بين أحكام الدين الإسلامى وما يمليه عن منظومة قيمه من جهة وما يجرى تطبيقه على أرض الواقع فى العالم الإسلامى فى الوقت الراهن. وأكد الدكتور كمال أبو المجد فى مداخلاته على حقيقة أن الحضارات ليست كيانات جامدة بل هى حركة ديناميكية متواصلة ومستمرة تتخللها عمليات تغيير وتأقلم ونقد ذاتى من الداخل بهدف التحول للأفضل. وأوضح الدكتور أبو المجد المهمة المزدوجة للحوار: فهو من جهة يلعب دور المرآة التى تساعد أبناء كل حضارة على معرفة أنفسهم وفهم حضاراتهم بشكل أفضل، ومن جهة أخرى اعتبار الحوار بمثابة نافذة للإطلال منها على الآخر سعياً إلى فهم أفضل له يتسم بالموضوعية.
وتطرق الدكتور أبو المجد للعقبات التاريخية التى أعاقت فى السابق الحوار بين الحضارات، واعتبر فى طليعتها الدور السلبى الذى لعبه الكثير من المستشرقين الغربيين، والإرث المرير لدى المسلمين من ظاهرتى الحروب الصليبية فى القرون الوسطى والاستعمار الحديث، وأخيراً الحملة التى تشنها وسائل الإعلام الغربية منذ زمن وبتصاعد فى الوتيرة لتشويه صورة الإسلام ديناً وحضارة ومجتمعا.
وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة تحديداً، استعرض الدكتور أبو المجد عدة أمثلة لسوء فهم للإسلام- عن قصد أو عن سوء نية- فى الغرب، كذلك باعتبارها نماذج للمفارقة الصارخة بين النظرية والتطبيق. ومن هذه الأمثلة موقع الديمقراطية فى الإسلام حيث أن الأساس فى الإسلام أنه دين ديمقراطى ويقوم الحكم فيه على الشورى، والمثال الثانى هو وضع غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى حيث لا يعتبرهم الإسلام مواطنين من الدرجة الثانية ولا يكرههم على اعتناق عقيدته ويساوى بينهم وبين المسلمين فى الحقوق والواجبات، أما المثال الثالث فيتصل بوضع المرأة فى مجتمعات المسلمين، حيث أن الدين الإسلامى وأحكامه لا صلة له بما تتعرض له المرأة حالياً فى الكثير من الدول الإسلامية، بل إن الظروف الاجتماعية السائدة فى تلك الدول هى التى أفرزت هذه الأوضاع، وأن أى تقدم يطرأ على حالة المرأة فى تلك الدول سيتسق مع ما ينادى به الإسلام.
وقد أبرز الدكتور أبو المجد فى مداخلاته خلال اجتماعات فريق الخبراء بمنظمة المؤتمر الإسلامى وفريق الشخصيات البارزة الذى يصوغ تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أن حوار الحضارات لم ينقطع أبداً منذ تكوّن الجماعات الإنسانية الأولى، ثم حين قامت الدولة الحديثة إلا أن ما ميزه فى النصف الثانى من القرن العشرين هو ظاهرة العولمة التى أوجدت واقعاً جديداً يتعين توجيهه لتحقيق التقارب بين الشعوب، لأن من شأن تركه لحاله جعل قوى ومصالح سياسية واقتصادية بعينها توجهه لصالحها. ويجب أن يتخلى الحوار عن هدف إقناع الآخرين بالانقطاع عن انتمائهم الحضارى أو خلعهم منه لأن ذلك ليس حواراً بل سعياً لهيمنة ستدفع الآخرين للمقاطعة أو الدفاع الأعمى عما لديهم، ويجب الاقتناع بأن التعددية الثقافية جزء من سنن الكون والسعى للقفز عليها هو بمثابة حركة ضد التاريخ، بما يتطلب الاعتراف بوجود الآخر واحترام هذا الوجود والإيمان بأن الحكمة ليست حكراً على ثقافة واحدة. ويجب أن يكون هدف الحوار حالياً البحث المشترك وليس البحث عن عناصر الخصوصية وعناصر الاختلاف تحت ضوء الأخطار المشتركة التى فرضها التطور مثل العنف والإرهاب، وتدمير الموارد الطبيعية والأمراض الجديدة وتهديد مؤسسة الأسرة وخطر استخدام أسلحة الدمار الشامل.
وهكذا، حاولنا فيما تقدم طرح صورة متكاملة الجوانب والأبعاد للرؤى والمواقف المصرية إزاء حوار الحضارات، ما هو رسمى منها بشقيه السياسى والدبلوماسى، وما هو ثقافى وفكرى، وذلك بما أثبت تناغم هذه الرؤى والمواقف وانسجامها مع طبيعة الدور المصرى الثابت فى هذا الصعيد والذى لا يعانى من تناقضات أو أزمات بسبب تمايز حالة التداخل والتنوع والثراء الحضارى الذى عاشته مصر منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا وهى مازالت تواصل رحلة الصهر والاستيعاب والعطاء الحضارى فى آن واحد بلا كلل أو ممل وبما يضفى على مسيرة البشرية جمعاء إحساساً بالأمان لوجود مهد الحضارة -‎ مصر- منسجمة مع ذاتها وتاريخها وتراثها وحاضرها وموقعها وما يتوقعه العالم منها.



***********



الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي او سياسة المنتدى






تحياتي





ميـــــــــــــــلاد

الوفاء طبعي
14th December 2005, 09:57 PM
اتمنىىى الاستفادة للجميع لا هنت تقبل التحية والاحترام اخويي

الوجيـه
18th December 2005, 07:32 PM
مشكوووووووووووور ميلاد

خبايا الذات
16th February 2008, 06:19 PM
مشكور ميلاد

الله يعطيك العافية

الهام البعداني
16th February 2008, 09:45 PM
موضوع جميل جدا اخي ميلاد اليماني

شماء العنزي
20th April 2008, 10:03 PM
شكرا اخي الكريم

ميلاد اليماني