المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأرهــــــــاب


ميلاد اليماني
14th December 2005, 06:12 PM
الأرهاب

***


كتاب خاص للأستاذ


أ. مختار شعيب



*****




يعرض هذا الكتيب لقضية الارهاب من حيث تحديد مفهومة وتناول أشكال الارهاب المختلفة وعوامل انتشارة وجهود مكافحة الارهاب في مصر والعالم العربي
ففي الفصل الاول : بعنوان مفهوم الارهاب وعوامل انتشارة
فمما لاشك فية ان هناك مشكلات عديدة تنشأ عند تعريف مفهوم الارهاب وتحديد أبعادة ، حيث يختلف نظرة كل مجتمع من المجتمعات للمفهوم ، ومن ثم لمن هو الارهابي في نظر البعض مناضل أو مطكافح أو مجاهد في نظر البعض الاخر وفي محاولة لتحديد المفهوم يعرض الكاتب :
أولا : التأصيل التاريخي لظاهرة الارهاب
ثانيا : الاتجاهات الرئيسية في تعريف الارهاب
ثالثا : التمييز بين مفهوم الارهاب والمفاهيم ألاخرى المرتبطة بة أو تلك المفاهيم التي لاعلاقة لها بالارهاب وانما توصف على انها عمل مشروع وفقا للقانون الدولي
كالارهاب والعنف ، والارهاب والتحرر الوطني ، الارهاب وحرب العصابات ، الارهاب والجريمة السياسية ، الارهاب والجريمة المنظمة
أما في الفصل الثاني : يعرض المؤلف
أولا : أشكال الارهاب
حيث تتعدد أشكال الارهاب الى
1. الاغتيالات
2. المذابح البشرية الجماعية
3. اختطاف واحتجاز الرهائن
4. التفجيرات من العبوات الناسفة الى الطائرات
5. عمليات التفجير
6. فيما يتعلق بمفهوم الارهاب
ثانيا : عوامل انتشار الارهاب
1. الاستخدام السياسي للارهاب في ادارة الصراعات الدولية
2. انتشار السلاح وسهولة الحصول على التقنيات الحديثة
3. التعاون بين التنظيمات الارهابية والاجرامية
4. بؤر التوتر بعد الحرب الباردة
5. الصراع على السلطة
6. أزمات التنمية
وفي الفصل الثالث : يعرض الكاتب للجهود المبذولة من جانب مصر والعالم العربي لمكافحة الارهاب ، فيعرض
أولا : للتجربة والرؤية المصرية
ثانيا : الاستراتيجيات العربية



**********





الفصل الأول

مــفــهـــوم الإرهــــــاب

--------------------------------------------------------------------------------

مما لاشك فيه أن هناك مشكلات عديدة تنشأ عند تعريف مفهوم الإرهاب وتحديد أبعاده، حيث تختلف نظرة كل مجتمع من المجتمعات للمفهوم، ومن ثم لمن هو الإرهابى. فالإرهابى فى نظر البعض مناضل أو مكافح أو مجاهد، وهو مجرم فى نظر البعض الآخر، وفى محاولة لتحديد المفهوم نتناول النقاط التالية:

أولا: التأصيل التاريخى لظاهرة الإرهاب
عرف العالم الإرهاب فى صوره المختلفة منذ أقدم العصور، فتحدثت البرديات المصرية القديمة عن الصراع الدموى بين الكهنة وصور القسوة التى سادت بينهم بسبب تنافسهم على المناصب الكهنوتية. وسجل التاريخ صراع الأحزاب فى المدن اليونانية القديمة، والعصابات التى شكلها بعض النبلاء فى أوروبا فى العصور الوسطى للإخلال بالأمن فى ربوع إقطاعيات خصومهم.
وكانت أول منظمة إرهابية عرفها التاريخ هى منظمة السيكارى التى شكلها بعض المتطرفين من اليهود من طائفة الزيلوت الذين وفدوا إلى فلسطين فى نهاية القرن الأول قبل الميلاد بهدف إعادة بناء الهيكل الذى عرف بالمعبد الثانى. وتميزت هذه الحركة باستخدام وسائل غير تقليدية فى عملياتها، فكانت تستخدم سيوفاً قصيرة تسمى سيكا- ومنها اشتق اسمها- كانوا يخبئونها تحت عباءاتهم ويرتكبون أعمالهم فى وضح النهار وأثناء الاحتفالات العامة كى ينشروا الرعب بين الناس. وفى نهاية القرن التاسع عشر ظهرت أول بوادر الإرهاب الحديث فى روسيا بظهور منظمة الأرض والحرية فى عام 1876، ثم منظمة الإرادة الشعبية التى تشكلت عام 1879، والتى جعلت الإرهاب جزءاً متكاملاً من العملية الاجتماعية الروسية.
وكان أول استخدام للقنبلة فى العمليات الإرهابية من جانب الثوار الايرلنديين فى العقد الثامن من القرن التاسع عشر فى عملية الفرار من سجن كلير كنوبل فى لندن. وكان الإرهاب فى مظهره الحديث من ابتداع الثورة الفرنسية التى قامت فى عهد روبسبير وجان جيست بقطع رأس 140 ألف فرنسى، وسجن 300 ألف آخرين. كما أن الاغتيال السياسى أسلوب قديم ابتداء من اغتيال يوليوس قيصر فى قلب ميدان كورى بروما، مروراً باغتيال هنرى الرابع، والملك الاسكندر ملك يوغوسلافيا .. وغيرها وصولا إلى أشهر عمليات الاغتيال السياسى فى القرن العشرين والتى من أهمها حادثة اغتيال الأمير رودلف ولى عهد النمسا على يد متطرف صربى وكانت سبباً لاشتعال الحرب العالمية الأولى، وعملية اغتيال الرئيس المصرى أنور السادات فى 6 أكتوبر عام 1981، واغتيال اسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلى فى 4 نوفمبر عام 1995 .
وكانت الحرب العالمية الثانية نقطة تحول وخطاً فاصلاً بين تاريخين للإرهاب، فقد أصبح للصراع السياسى داخل الدول وفيما بين الدول والحكومات أشكال جديدة لم تكن معروفة من قبل، وتعاظم دور الإرهاب وأصبح ظاهرة مختلفة تماماً عن تلك الظاهرة التى كانت تعرفها البشرية قبل منتصف القرن العشرين.
وعرفت أوروبا خلال مرحلة الحرب الباردة منذ بداية خمسينيات القرن العشرين ما سمى بالإرهاب الأحمر أو الإرهاب اليسارى الذى ارتبط بالتنظيمات الشيوعية التى وجهت عملياتها ضد الدول الغربية، وبصفة خاصة ضد الولايات المتحدة. كما عرفت ما سمى بالإرهاب الأسود الذى ارتبط بالتنظيمات الفاشية والنازية فى إيطاليا وألمانيا والنمسا، وكذلك الإرهاب الانفصالى الذى تقوم به إحدى الجماعات الانفصالية بهدف تحقيق انفصال أقلية معينة تقطن إقليماً معيناً عن الدولة الأم كما فى حالة الجيش الجمهورى الايرلندى فى بريطانيا، وحركة ايتا فى إقليم الباسك بأسبانيا وحزب العمال الكردستانى فى تركيا ..الخ.
ومنذ بداية الستينيات عانى المجتمع الدولى من أشد العمليات الإرهابية خطورة وقسوة وهى تلك التى تمارس ضد الطائرات المدنية التى تستخدم فى نقل الركاب عبر الدول والسيطرة عليها وإجبارها بالقوة على تغيير مسارها وحجز ركابها داخلها لتحقيق مطالب معينة لخاطفيها الذين أطلق عليهم قراصنة الجو. وكان أول حادث اختطاف طائرة مدنية فى بيرو عام 1930. ولكن الظاهرة لم تستفحل إلا فى النصف الثانى من القرن العشرين.
ولقد كانت المنظمات الإرهابية خلال السبعينيات إما يسارية أو فوضوية، وهى حركات تسعى إلى الحكم وأشهرها الألوية الحمراء فى إيطاليا، وبادرماينهوف الألمانية، ولواء الغضب البريطانية، والعمل المباشر الفرنسية، وتوباماروس فى أمريكا الجنوبية، .. واستخدمت هذه التنظيمات العنف ضد الحكومات وأهداف مختارة من المنشآت أو الأشخاص بقصد بث الذعر ونشر الرعب لتحقيق شعار ارهب عدوك وانشر قصتك أى أقل عدد من الضحايا وأكبر عدد من الناس يشاهدون. أما فى الثمانينيات فقد شهد الإرهاب تحولا ليس فى استراتيجيته فقط ، بل أيضاً فى نوعية القائمين به فأصبحت مخابرات بعض الدول الكبرى والصغرى تمارس الإرهاب أحياناً . وتحولت استراتيجية الإرهاب من مجرد بث الذعر والخوف إلى أحداث التدمير وإيقاع الخسائر الكبيرة بالخصم بقصد التأثير على القرار السياسى وإظهار الدولة الخصم بمظهر العجز عن حماية مواطنيها، أما فى عقد التسعينيات وحتى نهاية القرن العشرين، ومع أفول توترات الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتى، تراجع إلى حد كبير استخدام الإرهاب كبديل للحرب التقليدية بين الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفيتى السابق والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. وتحولت استراتيجيات الإرهاب فى عقد التسعينيات من عمليات تهدف إلى الإضرار العام مثل عملية نشر غاز السارين فى أحد أنفاق طوكيو التى ارتكبتها جماعة دينية متطرفة هى جماعة أوم شينريكيو أو الحقيقة السامية ، وعملية أوكلاهوما سيتى بالولايات المتحدة التى وقعت فى 19 أبريل عام 1995 وقتل فيها 168 شخصاً، والعمليات الإرهابية المتكررة بالجزائر.




ثانيا: الاتجاهات الرئيسية فى تعريف الإرهاب
على الرغم من أهمية تعريف الإرهاب كأساس لتحديد معالم الظاهرة إلا أنه لا يوجد تعريف محدد متفق عليه لتعريف ظاهرة الإرهاب.
والإرهاب ليس مجرد عمليات مثيرة، إنما هو نمط من أنماط استخدام القوة فى الصراع السياسى، وهو استخدام قد تمارسه الجماعات السياسية أو الحكومات من أجل التأثير على القرار السياسى لغيرها، وهناك العديد من المشاكل التى تحيط بالمفهوم وتجعل من الصعب إيجاد تعريف محدد للإرهاب. ومن أهم هذه المشاكل تشعب ظاهرة الإرهاب وتعدد أشكاله وأهدافه وتنوع الدوافع لارتكاب هذه الجريمة، فضلاً عن ممارسات القوى الكبرى وبعض الدول التى تستخدمه أو تشجع عليه واختلاف مصالح الدول ومحاولة كل مجموعة دولية فرض وجهة نظر تتفق مع مصالحها أو خلفياتها التاريخية، إضافة إلى اختلاط صور العنف السياسى بالإرهاب، كما أصبح الفرق غير واضح بين الإرهاب وبين الجرائم السياسية والجريمة المنظمة وديكتاتورية الدولة، بل تجاوز الأمر إلى اختلاط مفهوم الإرهاب مع بعض صور الحرب والأشكال الأخرى للعنف ومنها حركات التمرد والعصيان والانقلابات وغيرها ..
1 - التعريف اللفظى أو اللغوى:
هناك اتجاه لدى بعض الباحثين لتعريف مفهوم الإرهاب تعريفاً لغويا بمعنى التركيز من قبل عدد من الباحثين أو الدارسين لظاهرة الإرهاب على المعنى اللغوى للمفهوم.
ظهرت كلمة إرهاب TERREUR لأول مرة فى اللغة الفرنسية عام 1355 وجاءت من اللغة اللاتينية TERROR ولها ما يقابلها فى جميع اللغات الأوروبية وهى تعنى فى الأصل خوفا أو قلقاً متناهياً من تهديد غير مألوف وغير متوقع. ويعرفه قاموس اكسفورد بأنه مصطلح سياسى يرجع إلى جماعة اليعقوبيين التى عرفت بأعمالها الإرهابية العنيفة إبان الثورة الفرنسية ما بين 1793و 1794. والإرهابى هو كل من يحاول تعزيز أفكاره وآرائه باستخدام التهديد والإكراه بالعنف. وأصبح مفهوم الإرهاب TERRORISM حالياً مفهوماً شائعاً فى أوساط وسائل الإعلام العالمية لكنه لا يتسم بتحديد صارم لمعناه.
ويثير الفحص اللغوى للإرهاب مجموعة من المشكلات يتعلق أولها بالفرق بين التطرف والإرهاب. فالتطرف يرتبط بمعتقدات وأفكار بعيدة عما هو معتاد ومتعارف عليه سياسياً واجتماعياً ودينياً دون أن ترتبط تلك المعتقدات والأفكار بسلوكيات مادية متطرفة أو عنيفة فى مواجهة المجتمع أو الدولة. أما إذا ارتبط التطرف بالعنف المادى أو التهديد بالعنف- كما سيأتى ذكره- فإنه يتحول إلى إرهاب، إذ أن التطرف دائما فى دائرة الفكر، أما عندما يتحول الفكر المتطرف إلى أنماط عنيفة من السلوك من اعتداء على الحريات أو الممتلكات أو الأرواح أو تشكيل تنظيمات مسلحة تستخدم العنف فى مواجهة المجتمع والدولة فهو عندئذ يتحول إلى إرهاب.
وهناك أيضاً فرق بين الإرهاب والأصولية الدينية. إذ أن الأخيرة هى إحدى دوائر التطرف السابق ذكرها وهى ليست مقصورة على الأصولية الإسلامية وإنما تشمل كافة الأصوليات الدينية السماوية وغير السماوية فى العالم ومنها أصوليات مسيحية ويهودية وهندوسية، وأخرى عقائدية يسارية كالشيوعية أو يمينية متطرفة كالنازية والفاشية .. الخ. ويعد التطرف الفكرى فى حد ذاته الأساس العقيدى أو الفكرى أو الأيديولوجى لموجة الإرهاب فى العالم.

2 - مساهمات الفقه والقانون الدولى:
يبدو من المفيد الاستعانة بالقانون الدولى لمعرفة أشكال الإرهاب التى يحظرها، سواء تلك الصادرة عن الأفراد أو الجماعات، أو الدول وهو ما يعرف بالاتجاه الحصرى الوصفى فى تعريف الإرهاب بتعداد صوره وإدانتها وهو ما عولت عليه الجماعة الدولية نظراً لصعوبة تعريف المفهوم تعريفاً جامعاً مانعاً.
وفى القانون الدولى هناك أربع مجموعات من الأحكام الدولية التى تعرف الإرهاب بتعداد صوره وتدينها. ومنها قواعد العرف الدولى التى استقرت على تحديد بعض أعمال العنف الموصوفة بالإرهاب مثل القرصنة البحرية أو الجوية كخطف السفن والطائرات وإبادة الجنس البشرى كإبادة جماعة عرقية معينة كما فى الأحداث التى تعرض لها مسلمو البوسنة على يد متطرفى الصرب اليوغوسلاف. وانتهاك قواعد القانون الدولى الإنسانى فى الصراعات المسلحة والتى تم تدوينها فى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وفى البروتوكولين المكملين لها لعام 1977.
أما المصدر الثانى من هذه الأحكام فهو المعاهدات الدولية الشارعة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اتفاقية منع إبادة الجنس البشرى لعام 1948، واتفاق طوكيو 1963 لإدانة الأعمال غير القانونية على متن الطائرات، واتفاق مونتريال لعام 1971 لإدانة خطف الطائرات، واتفاق إدانة خطف الدبلوماسيين ورجال الدولة الرسميين لعام 1973، واتفاق إدانة احتجاز الرهائن لعام 1979.
والمجموعة الثالثة من الأحكام التى تدين الإرهاب، البيانات والقرارات الدولية الصادرة عن إحدى هيئات الأمم المتحدة أو عن المجتمع الدولى بشكل عام، ومنها إعلان هلسنكى لعام 1975، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 49/ 60 الصادر فى 9/12/1994، وغيرها من قرارات الجمعية العامة التى تصدر سنويا وبصفة دورية. وقد حاولت الجمعية العامة تعريف الإرهاب بطريقة واسعة، فاعتبرت أنه يشمل الأعمال والوسائل والممارسات غير المبررة التى تستثير فزع الجمهور أو مجموعة من الأشخاص لأسباب سياسية بصرف النظر عن بواعثه المختلفة.
وفى المؤتمر الثالث لتوحيد قوانين العقوبات المنعقد فى بروكسل عام 1930، وضع تعريف عام للإرهاب مؤداه أنه استخدام متعمد للوسائل القادرة على إيجاد خطر مشترك وارتكاب فعل يعرض الحياة للخطر، ويهدد سلامة وصحة الإنسان، ويدمر الممتلكات المادية، ويتضمن ذلك الحرق والتفجير والإغراق وإشعال المواد الخانقة أو الضارة وإثارة الفوضى فى وسائل النقل والمواصلات والتخريب فى الممتلكات الحكومية وخدمات المرافق العامة والتلويث والتسبب عمداً فى تسمم مياه الشرب أو الأغذية مما ينتج منه أمراض سواء للإنسان أو الحيوان أو النبات. ورصدت لجنة الإرهاب الدولى التابعة للأمم المتحدة فى عام 1980، خصائص الإرهاب فى أنه يعد عملاً من أعمال العنف الخطيرة أو التهديد بها ويصدر من فرد، سواء كان يعمل بمفرده أو بالاشتراك مع أفراد آخرين، ويوجه ضد الأشخاص أو المنظمات أو الأمكنة ويتسبب فى جرحهم أو موتهم أو فى إلحاق الخسائر أو الضرر أو الأذى بهذه الأمكنة أو الممتلكات أو بالعبث بوسائل النقل والمواصلات بهدف تقويض علاقات الصداقة بين الدول أو بين مواطنى الدول المختلفة، أو ابتزاز تنازلات من الدول، كما أن التآمر على ارتكاب أو محاولة ارتكاب أو الاشتراك فى ارتكاب أو التحريض العام على ارتكاب الجرائم يشكل جريمة الإرهاب الدولى.
ويؤكد بعض فقهاء القانون الدولى على أن أعمال الإرهاب هى من قبيل الجرائم ضد الإنسانية على غرار الجرائم السابق ذكرها والتى وردت ضمن المشروع الذى وضعته لجنة القانون الدولى التابعة للأمم المتحدة حول الجرائم ضد الإنسانية وفى غيرها من الاتفاقيات الدولية ومنها الاتفاقية التى وافقت عليها عصبة الأمم فى عام 1937.
أما المجموعة الرابعة من أحكام القانون الدولى فهى الاتفاقات الإقليمية المختلفة متعددة الأطراف التى تدين مختلف صور الإرهاب ومنها الاتفاقية الأوروبية لمكافحة الإرهاب التى تم التوقيع عليها فى 10 نوفمبر 1976، والإعلان الصادر عن منظمة الدول الأمريكية فى أبريل 1996، والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الموقعة فى 22 أبريل 1998، وغيرها.
ويتضح من ذلك أن القانون الدولى يميل الى تحديد الإرهاب من خلال تعداد الحالات التى يتم من خلالها التعرض إلى الحقوق الإنسانية الأصلية أو إلى سلامة الدول ونظامها العام أو إلى السلام والأمن الدوليين. ومن هذا المنطلق اعتبر القانون الدولى الفرد مسئولاً أمامه مباشرة وبذلك نشأ فرع جديد من فروع القانون الدولى عرف بالقانون الجنائى الدولى، الذى أبصر النور بعد الحرب العالمية الثانية مع محاكمات نورمبرج الشهيرة فى عام 1945 لمجرمى تلك الحرب وما برح يتطور مع محاكمات يوغوسلافيا السابقة والبوسنة والهرسك ومحاكمات مجرمى الحرب فى رواندا وبوروندى بأفريقيا.
وقد بذل فقهاء القانون الدولى والمتخصصون جهوداً ملموسة فى مجال تعريف الإرهاب وتحديد طبيعته وتوضيح جوانبه وذلك من خلال الاتجاه الحصرى لصوره وأشكاله. فأصبح هناك تفاهم عام عالمى حول كثير من صور الأعمال الإرهابية مثل الاغتيال بسبب دوافع سياسية، وتفجير العبوات الناسفة بشكل عشوائى، واحتجاز الرهائن، وتغيير مسار الطائرات باستخدام القوة أو التهديد بها أو تفجيرها، وقصف المناطق المدنية والسكان المدنيين أثناء الحروب وانتهاك القانون الدولى الإنسانى أو توقيع عقوبات جماعية على سكان منطقة معينة أو ممارسة أعمال الإبادة البشرية ضد طائفة أو أقلية معينة أو تهديد أرواح الأبرياء لإثارة الذعر والخوف فى المجتمع للتأثير على القرار السياسى للحكومات أو محاولة إسقاطها.
وينطوى هذا التفاهم على قواسم مشتركة أهمها أن الإرهاب فعل من أفعال العنف واستخدام القوة، وذو طابع سياسى ويثير الخوف والرعب، وذو تأثيرات نفسية، وينطوى على تهديد ما، وأنه فعل منظم ومخطط وذو هدف محدد ، ويتضمن جانباً دعائيا أو إعلانياً ويتم ارتكابه بواسطة مجموعة أو تنظيم أو حكومة دولة ويسفر عن ضحايا من المدنيين، وينطوى على تفرقة بين الضحية المباشرة له والهدف الذى يسعى لتحقيقه، وأنه فعل غير معتاد ويخرق القواعد السلوكية المقبولة ولا تحده قيود إنسانية، وأنه يتضمن الإكراه والابتزاز .. وغيرها.
ويتضمن الحد الأدنى المتفق عليه بين التعريفات المختلفة للإرهاب ثلاثة عناصر لا يخلو منها أى تعريف هى أنه استخدام غير مشروع للعنف، ويهدف إلى الترويع العام، ويهدف الى تحقيق أهداف سياسية. والإرهاب فى هذا الإطار هو فعل يتعدى العمل المخالف للقوانين الداخلية للدولة أو حتى ذلك الذى لا يخالفها إلى كونه مخالفاً لمبادئ وأحكام القانون الدولى وقواعده. وبناءً عليه يمكن تعريف الإرهاب بأنه العنف المنظم بمختلف أشكاله والموجه نحو مجتمع ما أو حتى التهديد بهذا العنف سواء أكان هذا المجتمع دولة أو مجموعة من الدول أو جماعة سياسية أو عقائدية على يد جماعات لها طابع تنظيمى بهدف محدد هو أحداث حالة من الفوضى وتهديد استقرار هذا المجتمع لتحقيق السيطرة عليه أو تقويض سيطرة أخرى مهيمنة عليه لصالح القائم بعمل العنف .



ثالثا: التمييز بين مفهوم الإرهاب ومفاهيم أخرى:

1- الإرهاب والعنف:
يمكن أن نميز فى فقه القانون الدولى بين اتجاهين أو رأيين رئيسيين بصدد المقصود بالإرهاب كصورة من صور العنف، يرى أولهما أن الإرهاب يتحقق باستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية، بينما يرى الثانى أن غرض الإرهاب يتمثل فى قصد إشاعة الرعب فى المجتمع.
الاتجاه الأول: يعول على طبيعة الهدف من عمل العنف هل هو سياسى أم غير سياسى؟ فإذا كان الهدف سياسياً صار العنف إرهاباً، أما إذا لم يكن الهدف سياسياً صار العنف عنفاً خالصاً أو عادياً وهو الذى قد تكون أهدافه اقتصادية أو اجتماعية كالسرقة أو الثأر .. الخ، كما أن التهديد باستخدام العنف لتحقيق أغراض سياسية معينة يعد عملاً إرهابياً. فالإرهاب يقوم على تفضيل العنف على سائر صور النشاط السياسى بما يعنى أن الإرهاب يرفض السياسة كوسيلة سلمية تواجه بها المجتمعات والدول ما ينشب داخلها أو فيما بينها من الصراعات أو الخلافات ويتجه بدلا من ذلك إلى تبنى أسلوب العنف، ليس كملاذ أخير أو شر لابد منه، ولكن كغاية فى حد ذاته وشكل مطلوب ومرغوب فيه من أشكال العمل السياسى غير المشروع، وفى هذا الإطار يعرفه أودريان جيولك عالم السياسة الجنوب أفريقى بأنه عمل عنيف من جانب جماعات صغيرة لغايات سياسية ضد الحكومات.
الاتجاه الثانى: يسلم بالدور الهام الذى يلعبه الباعث السياسى فى كثير من الجرائم السياسية إلا أنه لا يعتقد أن مثل هذا الدور يصلح لأن يتخذ أساساً لتعريف الجريمة الإرهابية التى تجد معيار تمييزها فى قصد إشاعة الرعب. ومن أنصار هذا الاتجاه العالم الإنجليزى ويلكنسون الذى يعرف الإرهاب بأنه استخدام السلاح أو المتفجرات أو العنف لتهديد أرواح الأبرياء وتخويف الأغلبية وبث الرعب فى قلوبها، وإن كان الإرهابى يتذرع بحجج دينية أو اجتماعية أو سياسية غير حقيقية لا مبرر لها. فالإرهاب هو استعمال العنف بأى شكل من أشكاله المادية للتأثير على الأفراد والمجموعات أو الحكومات وخلق مناخ من الاضطراب وعدم الأمن بغية تحقيق هدف معين، ومن ثم يرتبط الهدف بقصد إشاعة الرعب كركنين أساسيين لتعريف الإرهاب.
ويقترن الإرهاب عادة بالعنف، إذ أن العنف هو أهم مظاهره لكن بدرجة جسيمة تخرجه عن نطاق التجريم العام لجرائم العنف ليندرج فى نطاق التجريم الخاص بجرائم الإرهاب. فالعنف هو الإكراه المادى الواقع على شخص أو جماعة لإجباره أو إجبارها على سلوك ما أو بهدف التصفية الجسدية، أو للاستيلاء على الأموال عمداً عن طريق القوة أو بهدف الانتقام كتدمير بعض المنشآت أو حرقها .. بينما تتجاوز أهداف العمل الإرهابى أهداف أعمال العنف الإجرامية العادية كالسرقة والقتل إلى النطاق الأوسع الذى يهدد أمن المجتمع وسلامته من الناحية السياسية والأمنية وبما يثير رعب وفزع فى المجتمع، وبينما توجد علاقة مباشرة بين الفاعل والمجنى عليه فى جرائم العنف فغالباً ما تكون هذه العلاقة مفقودة بين الإرهابى وضحاياه فى الجرائم الإرهابية.
كما أن العنف العادى لا يمارس من خلال تنظيم محكم له عقيدة أو فكر، وإنما غالباً ما يمارس بشكل فردى أو من خلال عصابات منظمة لكنها محدودة النشاط كالسرقة والاتجار فى المخدرات .. الخ. بينما الإرهاب يمارس من خلال تنظيمات سياسية وحركات عقائدية فكرية أو من خلال أحد أجهزة الدولة فيما يعرف بإرهاب الدولة. ويختلف الإرهاب عن الاحتجاج السياسى كالمظاهرات وأعمال الاحتجاج والإضراب العام التى يقرها القانون والدستور فى كثير من بلدان العالم بغرض تحقيق أهداف سياسية وغير سياسية تتصل برؤية أو مصلحة عامة يقرها القانون والدستور كمظاهرات يقوم بها العمال لزيادة أو لصرف رواتبهم أو مظاهرات يقوم بها طلاب إحدى الجامعات احتجاجاً على العدوان الإسرائيلى المستمر على الفلسطينيين وغيرها، بينما يستخدم القائمون بالعمل الإرهابى وسائل غير قانونية كالمتفجرات والقنابل والأسلحة النارية كالرشاشات ضد أشخاص أبرياء بهدف قتلهم أو احتجازهم أو خطفهم للمساومة عليهم لتحقيق أهداف غير قانونية وتحمل طابعاً سياسياً كالاستيلاء على السلطة أو قلب النظام أو تخريب السياحة .. الخ.
ومما يزيد من خطورة جرائم الإرهاب أن المجنى عليه فيها هو شخص برئ لا تربطه أى علاقة سابقة أياً كان نوعها بالإرهابى، ولذا فهى تجد استنكاراً عميقاً لدى الرأى العام بجميع فئاته وطبقاته.
2- الإرهاب والتحرر الوطنى:
يعطى القانون الدولى شرعية لأعمال المقاومة الوطنية أو التحرر الوطنى أو الكفاح الوطنى وكلها تحمل نفس المعنى ويضفى عليها مشروعية وقبولاً فى حالتين اثنتين، الأولى اعتمادها وسيلة لممارسة الحق فى تقرير المصير والتحرر من الاستعمار، والثانية اللجوء إليها للتخلص من الاحتلال ومظالمه.
والتمييز القانونى بين الإرهاب وبين المقاومة الوطنية ضرورى. ولذلك حرصت أحكام القانون الدولى منذ الأربعينيات على الأقل على إقرار أن المقاومة الوطنية أداة فاعلة لممارسة الحق فى تقرير المصير ومكافحة الاستعمار بكل أصنافه ومستوياته وأساليبه.

أ- المقاومة فى سياق تقرير المصير:
أكدت المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة أن لكل الشعوب الحق فى تقرير مصيرها وأشارت فى مواد أخرى إلى أهمية هذا الحق، ثم عمدت الجمعية العامة إلى إصدار الإعلانات المتعاقبة حول هذا الموضوع، وأبرزها الإعلان الصادر فى العام 1960، والذى أكد أن لجميع الشعوب الحق فى تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسى وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادى والاجتماعى والثقافى.
ومن أجل ذلك طالبت الجمعية العامة جميع الدول بوقف فورى لكل الإجراءات القمعية والأعمال العسكرية ضد الشعوب، وأكدت أن أى محاولة تهدف إلى تعطيل هذا الحق فى تقرير المصير تعتبر مخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة.
وانسجاماً مع هذا الإعلان صدرت الاتفاقيتان الدوليتان للحقوق المدينة والسياسية وللحقوق الاجتماعية والاقتصادية فى العام 1966. وأكدت هاتان الاتفاقيتان حق الشعوب فى تقرير مصيرها وفى إنمائها، كما بررتا الكفاح الشعبى من أجل ذلك، بما قد تستدعيه الحاجة من مقاومة للمستعمر وصمود فى التصدى له.
ولعل النص الذى أرسى الأطر العامة للحق فى تقرير المصير والذى وصف الحالتين القانونيتين لممارسته وأشار إلى ضوابطهما، كان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام 1970 حول علاقات الصداقة والتعاون بين الدول. واستناداً لهذا النص، الذى يعتبر ملزما فى القانون الدولى، صدرت الأحكام التالية:
- الإقرار بحق كل الشعوب فى تقرير مصيرها من دون تدخل خارجى، بما فى ذلك تقرير وضعها السيادى والسعى إلى تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
- الإقرار بأن تأسيس أو إنشاء دولة مستقلة أو الاندماج الحر مع دولة مستقلة أخرى يشكلان أنماطاً مختارة من ممارسة حق الشعوب فى تقرير مصيرها.
- يتعين على الدول الامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها ضد الوحدة الإقليمية والاستقلال السياسى للدول الأخرى.
- يتعين على الدول الامتناع عن تجاوز خطوط الهدنة الموضوعة للحفاظ على السلام بين الدول، والامتناع عن القيام بأى أعمال انتقامية تتضمن استخدام القوة والامتناع عن ارتكاب أى عمل إرهابى.
- الإقرار بأن إقليم الدولة لن يكون هدفاً لاحتلال أى دولة أخرى.
- الإقرار بأن أى استخدام للقوة بقصد تجريد الناس من هويتهم الوطنية يشكل انتهاكاً للقانون الدولى.
- الإقرار بأن إخضاع الشعب لسلطة أجنبية أو سيطرة أو استغلال أجنبى، يشكل خرقاً لمبادئ القانون الدولى وانتهاكاً لحقوق الإنسان.
- الإقرار بأن كل دولة ملزمة قانوناً بالامتناع عن أى عمل قمعى يحرم الناس حقهم فى تقرير المصير والحرية والاستقلال. وعلى هذا الأساس فإن قيام الناس أو الشعب (المدنيين) بمقاومة هذا العمل القمعى، يجعلهم مخولين لتلقى المساعدات من الدول الأخرى بما يتلاءم مع مبادئ الأمم المتحدة.

ب - المقاومة ضد الاحتلال:
إن الاحتلال، بما أنه عمل قسرى يهدف إلى اكتساب الأرض بالقوة، يشكل انتهاكا لأحكام القانون الدولى. فالمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تحظر على كل الدول استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد الوحدة الإقليمية والاستقلال السياسى لأى دولة أخرى.
وعلى هذا الأساس كانت القرارات الدولية (بما فيها القرار 242 للعام 1967) تدين اكتساب الأرض بالقوة، وتصفها قانوناً بـ الأراضى المحتلة. وهذا يعنى أنها خاضعة فى ترتيب أوضاعها المؤقتة، للأحكام الدولية المتعلقة بحماية السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، وتحديداً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، والتى تشكل جزءاً أساسياً من القانون الإنسانى الدولى.
وتلقى الظروف والشروط التى تمارس حركات التحرر الوطنى عملياتها العسكرية والعنيفة فى إطارها قبولاً من المواثيق والأعراف الدولية ومن المجتمع الدولى، ومن أهمها وضوح هدف هذه العمليات وهو إزالة الاحتلال أو الاستعمار الذى تفرضه إحدى الدول أو الشعوب على غيرها من الدول أو الشعوب. وهذا الهدف يلقى قبولا من المجتمع الدولى والرأى العام العالمى، كما أن الأمم المتحدة خصصت أحد أجهزتها لتصفية الاستعمار وتقرير حق تقرير المصير للشعوب الخاضعة للاحتلال وأكد ميثاق الأمم المتحدة على هذا الحق. ومن ثم فهدف عمليات التحرر الوطنى العنيفة هدف مشروع، بينما الهدف من أى عملية إرهابية هو هدف غير مشروع. كما أن من يقوم بالعمل الإرهابى هو تنظيم أو حركة غير معترف بها من قبل المجتمع الدولى، وإذا قامت به دولة إرهاب الدولة سرعان ما يجد تصرفها هذا استنكاراً من المجتمع الدولى، بينما حركات التحرر الوطنى تعترف بحقها ووجودها المواثيق الدولية وتضفى الشرعية على هذا الوجود والذى عادة ما يلقى تعاطفاً ومساندة من الرأى العام العالمى والمجتمع الدولى. كما أن أنشطتها معترف بها من قبل المواثيق الدولية، خاصة ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف لعام 1949، التى تضفى الشرعية والقبول على هذه الأنشطة، وتلزم المجتمع الدولى ممثلاً فى الأمم المتحدة ومختلف دول العالم مساندة هذه الحركات سياسياً ومعنوياً ومادياً واقتصادياً للحصول على حقها فى تقرير المصير والتحرر من الاستعمار وإزالة الاحتلال.
وبالرجوع إلى مقررات الصليب الأحمر الدولى منذ عام 1904، وحتى اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، فإنه من حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو الحكم العنصرى والهيمنة الأجنبية أن تستخدم كل صور العنف ضد الاحتلال الأجنبى والهيمنة الأجنبية والحكم العنصرى وفق الشروط التالية:
(1) أن تقع أعمال العنف هذه داخل الأرض المحتلة بصفة أساسية ولا تقع خارجها إلا إذا استحال تنفيذها بالداخل.
(2) أن توجه ضد القوات العسكرية أو شبه العسكرية أو رموز السلطة أو هيئات أو أشخاص الإدارة المدنية للاحتلال.
(3) ألا توجه ضد المدنيين والأبرياء والأطراف الثالثة. والمقصود بالأطراف الثالثة ممثلو الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية لدى القوة أو الدولة القائمة بالاحتلال أو المتوسطين فى النزاع أو الساعين لتسوية وإنهاء وضع الاحتلال.
ووفقا لهذه الشروط، فإن أعمال العنف التى يمارسها الفلسطينيون فى الأرض المحتلة هى أعمال مشروعة مهما ترتب عليها من نتائج، إذ أنها تقع ضد المحتل الإسرائيلى.
وبالرجوع إلى الأحكام الواردة فى اتفاقية جنيف الرابعة، يتضح مايلى:
(1) إن الأراضى العربية التى احتلتها إسرائيل فى العام 1967، بما فى ذلك الجولان السورية والقدس الشرقية، هى أراض محتلة ، وأن على إسرائيل التى تصفها القرارات الدولية كلها بـ القوة القائمة بالاحتلال أن تلتزم جميع اتفاقيات جنيف، بما يعنى ضرورة معاملة السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلى بموجب هذه الاتفاقيات.
(2) تمنح اتفاقية جنيف الرابعة الأشخاص المدنيين الواقعين تحت الاحتلال حقاً أصيلاً فى حماية أشخاصهم وأسرهم وأملاكهم .. الخ. وتشمل هذه الحماية أيضا حرية ممارسة معتقدهم الدينى ورأيهم السياسى. وعلى هذا الأساس تحظر الاتفاقية على القوة القائمة بالاحتلال القيام بأى عمل من أعمال العنف أو القتل بجميع أنواعه بحق هؤلاء، كذلك تحظر أعمال الخطف والحجز العشوائى والإبعاد والتشريد والترحيل وتشتيت العائلات وإهانة الكرامات الشخصية، وتصبح بالتالى القوة القائمة بالاحتلال مسئولة أمام القانون الدولى لدى مخالفتها أحكام الاتفاقية المذكورة.
(3) إذا أخلت القوة القائمة بالاحتلال بهذه الواجبات أو انحرفت عنها فإن من حق السكان المدنيين أن يثوروا إلى درجة العصيان المدنى الشامل واللجوء إلى السلاح.
وإذا ثار السكان المدنيون ضد المحتل واستطاعوا أن يطردوه بالقوة من أرضهم، فإن هذا الاحتلال يعتبر منتهياً باعتراف القانون الدولى. والأمر ذاته يحصل عندما تستطيع القوى النظامية المسلحة للدولة المغلوبة على أمرها طرد المحتل.
وعلى أساس ما تقدم، فإن المقاومة الفلسطينية داخل الأراضى المحتلة تعد مشروعة فى القانون الدولى إذا لجأت أو استخدمت العصيان المسلح، فهى مقاومة شعبية تهدف إلى ممارسة الحق فى تقرير المصير للشعب الفلسطينى. وهى فى الوقت ذاته، مقاومة ضد القوة القائمة بالاحتلال التى تخالف تكراراً أحكام اتفاقية جنيف الرابعة.
وعلى هذا الأساس أيضا، فإن المقاومة الوطنية اللبنانية تستند فى شرعيتها إلى اتفاقية جنيف ذاتها بإزاء القوة القائمة بالاحتلال. وهى فى هذا الإطار، تتميز عن الإرهاب الذى يدينه القانون الدولى. يضاف إلى ذلك أن هذه المقاومة الوطنية اللبنانية حصلت على مكاسب تعاقدية إلى جانب مشروعيتها الدولية، ذلك لأن تفاهم نيسان أبريل عام 1996، تضمن إقراراً خطياً صريحاً بحق المقاومة الوطنية اللبنانية فى الدفاع المشروع عن النفس. وقد اعترف بهذا القرار الجانبان الأمريكى والإسرائيلى معاً.

3- الإرهاب وحرب العصابات :
أما فيما يتعلق بحرب العصابات فهو أسلوب للقتال المحدود يقوم به مجموعة من المقاتلين وذلك فى ظروف مختلفة عن الظروف المعتادة للحرب، وبغض النظر عن أن تكون هذه الفئة من المقاتلين من القوات الحكومية أو غير النظامية. وهناك أوجه للتمييز بين الظاهرة والإرهاب أهمها:
أ- تمارس وحدات حرب العصابات أنشطتها بقوات عسكرية تقليدية من خلال الهجمات المفاجئة، حيث يتم التركيز على المبانى الحكومية والجيش ومراكز الشرطة، بينما لا يفرق الإرهابيون بين الأهداف العسكرية والمدنية، كما أنهم لا ينتظمون فى وحدات عسكرية.
ب- تتركز عمليات حرب العصابات فى الأماكن الجبلية ومفارق الطرق والقرى والمستنقعات، بينما تتركز الأنشطة الإرهابية فى المناطق الحضرية والمقاهى والأندية ودور السينما والمسرح.
ج - عادة ما يكون أفراد القوات المسلحة الحكومية هم المستهدفون بعمليات رجال حرب العصابات، بينما المستهدفون من العمليات الإرهابية هم من غير العسكريين أساسا كرجال السياسة والإدارة الحكومية ورجال الدين والمواطنين العاديين.
د- تهدف أنشطة حرب العصابات إلى التقليص التدريجى للمساحات المحتلة وإلحاق أكبر قدر من الخسائر المادية والمعنوية فى صفوف العدو، بينما تستهدف العمليات الإرهابية، إثارة الذعر للتأثير على السلوك السياسى للدول.
هـ- من يمارس أنشطة حرب العصابات عادة هم حركات التحرير الوطنية والمقاومة الوطنية ضد الاحتلال أو الجماعات الانفصالية ضد قوات وجيش الدولة، بينما لا يستخدم الإرهابيون أساليب حرب العصابات فى عملياتهم لأن العمليات الإرهابية متباعدة زمنياً ولا تتركز فى مكان واحد وهى عمليات متفرقة.

4- الإرهاب والجريمة السياسية:
ظهرت فكرة الجريمة السياسية، باعتبارها جريمة من نوع خاص يعامل مرتكبها معاملة خاصة تختلف عن تلك المقررة لمرتكبى الجرائم الأخرى، بعد الثورة الفرنسية وما جاءت به من مبادئ وأفكار سياسية لا تعتبر المجرم السياسى بالضرورة عدواً للدولة، بل قد يكون مجرد خصم للجهاز الحكومى وأنه فى الغالب صاحب عقيدة ورأى مقتنع بآرائه بما يدفعه إلى التضحية فى سبيل مبادئه. وقد أدت هذه النظرة إلى إرساء مبدأ هام من مبادئ القانون الدولى وهو مبدأ حظر التسليم فى الجرائم السياسية ، مما أثار السؤال عن الفارق بين الجريمة السياسية والجريمة العادية .
وانقسم الفقهاء إلى ثلاث فرق:
فريق رأى أنه يجب الأخذ بالمعيار الشخصى بمعنى أن الدافع أو الباعث على اقتراف الفعل أو الغرض الذى يهدف إلى تحقيقه هو أساس التفرقة، فإذا كان الباعث أو الدافع سياسياً كانت الجريمة سياسية.
وفريق ثان يأخذ بالمعيار الموضوعى الذى يعتبر أن أساس تحديد نوع الجريمة سواء سياسية أو عادية هو نوع الحق المعتدى عليه بصرف النظر عن الباعث أو الدافع على ارتكاب الجريمة أو الهدف الذى ارتكبت من أجله.
وفريق ثالث يرى أن أساس التفرقة هى الظروف التى ارتكبت فيها الجريمة، فإذا ارتكبت فى ظروف عادية فهى جريمة عادية حتى لو كان الباعث سياسياً، وتعتبر جريمة سياسية إذا ارتكبت فى ظروف غير عادية كحرب أهلية أو ثورة.
ولم يتعرض المشرع المصرى لمفهوم الجريمة السياسية من خلال قانون العقوبات الشامل لبعض الجرائم، غير أنه جرى العمل فى قضاء محكمة النقض المصرية على الأخذ بالمعيار الشخصى للجريمة السياسية.
والتفرقة بين الإرهاب والجريمة السياسية مسألة محسومة فى المجتمع الدولى على الأقل منذ معاهدة باريس عام 1937، الخاصة بمكافحة الإرهاب والتى استبعدت بصورة قاطعة جرائم الإرهاب والجرائم الأخرى التى ترتكب بغرض دنئ من نطاق الجرائم السياسية. وتكرر النص على استبعاد جرائم الإرهاب من نطاق الجرائم السياسية فى أغلب الاتفاقيات الثنائية وكل الاتفاقيات متعددة الأطراف وجميع الاتفاقيات الدولية والإقليمية بشأن تسليم المجرمين.
أما كلمة سياسية فلا تنطبق إلا على الآراء والأفكار والمعتقدات التى تشكل منهجا فكريا معينا قد يتفق أو يتعارض مع فكر مجموعة سياسية أخرى. وقد تحظر السلطات نشاطا سياسيا معينا أو الترويج لفكر سياسى معارض عن طريق الخطابة أو المنشورات أو الملصقات أو أى وسيلة أخرى لا يستخدم فيها العنف أو التحريض عليه. وهذه النوعية من الأفعال هى فقط التى يطلق عليها لفظ جرائم سياسية أو أفعال سياسية يجوز حماية مرتكبيها بمنحهم حق اللجوء السياسى.
وقد عبر هذا الاتجاه عن نفسه منذ زمن طويل. فأحد أهم مذاهب التفريق بين الجرائم السياسية والجرائم الأخرى هو ما يعرف بمذهب جنيف وهو ما ذهب إليه المعهد الدولى للعلوم الجنائية فى دورته المنعقدة فى جنيف عام 1892 أى منذ أكثر من مائة عام ويقوم على المبادئ الآتية:
أ - عدم جواز التسليم فى الجرائم السياسية المحضة جرائم الرأى.
ب- عدم جواز التسليم فى الجرائم المركبة- الجرائم السياسية النسبية- إلا إذا تضمنت أفعالا خطيرة مثل القتل أو الخطف أو التخريب وغيرها.
ج- الأفعال المرتكبة أثناء الثورات والحروب التحريرية والمدنية لكسب المعركة يستفيد فاعلها من حق اللجوء السياسى إلا إذا كانت من أفعال النذالة والضرر والوحشية.
د - الأفعال الفردية الخطيرة من حيث الأخلاق والاعتداء على الحقوق العادية لا تستفيد من حق اللجوء السياسى والذى عرفه الفقه القانونى تحت إسم مذهب الاستثناء.
وهناك بعض المعايير التى من خلالها يمكن التمييز بين الجريمة الإرهابية والجريمة السياسية. فالضحايا فى حالة الجريمة الإرهابية غير محددين بذواتهم فى أحيان كثيرة بما يساهم فى خلق شعور عام بالخطر يؤدى إلى إشاعة حالة من الرعب فى المجتمع، بينما فى حالة الجريمة السياسية لا يقع ضرر مادى جسيم على إناس من المجتمع، وينعدم فيها الإحساس بالخطر العام، وليس لها ضحايا لأنها تتعلق غالباً بإبداء رأى مخالف.
لذا منح القانون الدولى من يرتكب مثل هذه الأفعال ويكون مطارداً من السلطات المحلية حق اللجوء السياسى بينما حرم هذا الحق على المجرم الإرهابى . لذا لا يعتبر القانون الدولى الجريمة الإرهابية جريمة سياسية بأى حال من الأحوال حتى ولو كان الدافع أو الباعث لها سياسياً ومن ثم تعتبر جريمة عادية تخضع لقواعد وشروط تسليم المجرمين أو محاكمتهم وعقابهم.

5- الإرهاب والجريمة المنظمة:
الجريمة المنظمة هى التى ترتكبها منظمات أو عصابات إجرامية بهدف تحقيق مكاسب ذاتية ومنافع مادية كالاستحواذ على المال والممتلكات، وتلجأ فى سبيل ذلك إلى العديد من الوسائل كالنصب والاحتيال والسطو والقتل، فى حين يسعى الإرهابيون إلى تحقيق غايات سياسية والدعاية لقضيتهم عن طريق العنف .
والفعل الإجرامى عادة ما يترك تأثيرا نفسيا له نطاق محدود لا يتجاوز نطاق الضحايا فى حالة الجريمة المنظمة ، بينما يترك الفعل الإرهابى تأثيراً نفسياً غير محدود يتجاوز نطاق الضحايا لممارسة الضغوط على المجتمع أو السلطة الحاكمة للتخلى عن سياسة أو قرار ما.
ويستخدم الباحثون مصطلحات متباينة فى التعبير عن الجريمة المنظمة ORGANIZED CRIME نذكر من بينها الجريمة الاحترافية PROFESSIONAL والجريمة المتقنة SOPHISTICATED والجريمة المخططة PLANNED.
والواقع أن هذه المصطلحات تعكس بدرجات متباينة جوانب من حقيقة هذه الظاهرة الإجرامية . وربما كان المصطلح المناسب للدلالة على هذه الظاهرة من بين مجموعة المصطلحات المشار إليها سلفاً هو مصطلح التنظيمات الإجرامية للاعتبارات التالية:
أ - فالجريمة المنظمة ليست جريمة واحدة بمعنى أنها لا يرتكبها شخص ولا تتكون من نشاط إجرامى واحد، بل هى مشروع إجرامى يحوى أنشطة إجرامية متعددة يقوم بها أناس متعددون.
ب- التنظيم الإجرامى متباين ومختلف الأشكال بدءاً من جماعات النواصى وتجمعات الجيرة، وعصابات الجانحين وجماعات اللصوص والنشالين والاتحادات الإجرامية العالمية والمافيات ...الخ.
ج- يقوم هذا التنظيم على علاقات بين أدوار متباينة وأوضاع مختلفة ترتب حقوقاً والتزامات متباينة وتجمع بينهم أساليب ومستويات ومواقف واتجاهات وقواعد واتفاقيات تسهل عملية التنسيق بين نشاطاتهم الإجرامية وتدعم تقسيم العمل بينهم.
ولقد شهدت التنظيمات الإجرامية نمواً ملحوظاً فى الآونة الأخيرة ، وانعكس هذا النمو على بناء التنظيمات الإجرامية وجعلها أكثر تعقيداً، وأثر كذلك على وظائف هذه التنظيمات الإجرامية وأسهم فى تنوع وتعدد هذه الأهداف. وتستغل هذه التنظيمات ظروف الحرية والانفتاح الاقتصادى وحرية تدفق السلع والخدمات والأموال ومختلف آليات السوق لتحقيق أهدافها. لذلك ظهرت تنظيمات إجرامية عابرة للقارات ومتعددة الجنسيات، وقد انعكس هذا النمو على اتساع شبكة العلاقات والصلات المتبادلة بين الجريمة المنظمة وصور الانحراف الأخرى فى المجتمع ومنها الإرهاب من ناحية، وبين الجريمة المنظمة ومجموعة النظم الاجتماعية التى يتشكل منها البناء الاجتماعى الأكبر للمجتمع من ناحية أخرى.
ومع الوقت اتسع النشاط الإجرامى لتلك التنظيمات وتضخم مما أدى إلى ظهور ما اصطلح على تسميته بالمنظمات الإجرامية عبر الوطنية وهى عصابات منظمة لها قواعدها فى دولة معينة ولكنها تعمل فى دولة أخرى أو أكثر وفقا لما تشكله الأسواق من فرص سانحة للنشاط الإجرامى ومن الأمثلة عليها:
أ-المافيا الإيطالية وتنتمى تاريخياً إلى المافيا الصقلية ونشاطها الرئيسى الاتجار فى العقاقير والمواد المخدرة.
ب- الإجرام الروسى المنظم ويعمل فى مجالات المخدرات والدعارة والاغتيالات السياسية والأسلحة والمواد النووية وتجارة الأعضاء البشرية.
جـ- الجمعيات الثالوثية الصينية: وتعمل فى أنشطة الابتزاز والاتجار فى المخدرات والدعارة والقمار ولها شبكة دولية واسعة النطاق.
د- الياكوزا اليابانية: وأهم أنشطتها الاتجار فى السلاح والمخدرات ومحلات المقامرة والاحتيال وغسيل الأموال والجنس.
هـ- الكارتلات الكولومبية: وتعمل فى أنشطة المخدرات بكل صورها.
و- المنظمات الإجرامية النيجيرية: وتقوم بأنشطة واسعة فى مجالات التهريب والمخدرات والاحتيال والابتزاز.
وهكذا وجد الإرهاب فى عصابات الجريمة المنظمة مساعداً أميناً لتزوير الوثائق والحصول على السلاح وغسيل الأموال ونقلها وتهريب الإرهابيين .. الخ.
وأثبتت الدراسات أن هناك علاقة بين عصابات الجريمة المنظمة والإرهاب، خاصة وأنها أصبحت تشكل خطراً يهدد الأمن الداخلى للدول لا يقل عن الحروب العسكرية من حيث النتائج المروعة.
ولم يغب خطر الجريمة المنظمة عن الأمم المتحدة التى تعقد مؤتمرا عالميا لمنع الجريمة والعدالة الجنائية كل خمس سنوات. وقد طرح موضوع الجريمة المنظمة فى المؤتمر العالمى السابع فى ميلانو عام 1985، والمؤتمر العالمى الثامن فى هافانا عام 1990، كما طرح على مؤتمر منع الجريمة التاسع الذى عقد فى القاهرة فى أوائل عام 1995. وشاركت الأمم المتحدة فى مؤتمرات خاصة عقدت بشأن الجريمة المنظمة مثل مؤتمر كييف عام 1992 ومؤتمر ميلانو عام 1994.
وقد ناقش مؤتمر منع الجريمة الذى عقد فى القاهرة عدداً من الموضوعات منها التعاون الدولى والمساعدة الفنية العملية من أجل تدعيم تنفيذ حكم القانون لمكافحة الجرائم الاقتصادية والجرائم المنظمة المحلية وعبر الدولية والعدالة الجنائية ونظام الشرطة، ومكافحة الفساد والقوانين الإجرائية وموضوعات الإرهاب وغيرها




********





الفصل الثانى

أشكال الإرهاب وعــوامــل انتشــــــــاره

--------------------------------------------------------------------------------

أولا : تعدد أشكال الإرهاب
تعددت أشكال العمليات الإرهابية وتأثرت بتطور وسائل تنفيذ هذه العمليات من عمليات الاغتيال والقتل بالسيوف القصيرة على يد افراد الى عمليات التفجير بالطائرات كما فى أحداث نيويورك وواشنطن فى 11 سبتمبر عام 2001.

1- الاغتيالات :
عرفت الظاهرة الإرهابية صورة الاغتيالات التى تعددت وسائل تنفيذها وتطورت عبر العصور ابتداء من اغتيال يوليوس قيصر فى قلب ميدان كورى بروما حتى اغتيال هنرى الرابع وسادى كورنو والقيصر الاسكندر الثانى فى روسيا والملك الاسكندر ملك يوغوسلافيا الى أشهر عمليات الاغتيال السياسى فى القرن العشرين ومن أهمها حادثة اغتيال الأمير رودلف ولى عهد النمسا والتى ارتكبها إرهابى صربى وكانت سببا لاشتعال الحرب العالمية الاولى، واغتيال الرئيسى الامريكى جون كيندى فى الستينيات، واغتيال الرئيس المصرى انور السادات فى 6 اكتوبر عام 1981م بأسلحة نارية اتوماتيكية، واغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلى اسحق رابين فى 4 نوفمبر عام 1995 بمسدس على يد المتطرف اليهودى ايجال عامير. كما استخدمت فى عمليات الاغتيالات العبوات الناسفة كما فى حالة اغتيال عصابة شتيرن اليهودية للكونت السويدى فولك برنادوت الوسيط الدولى فى الصراع العربى الاسرائيلى فى 17 سبتمبر عام 1948، وكما فى اغتيال راجيف غاندى على يد المتطرفين التاميل فى عام 1987.
كما طورت بعض الدول، خاصة اسرائيل وسائل تنفيذ عمليات الاغتيالات باستخدام الطائرات والصواريخ الموجهة كما فى عملية اغتيال زعيم حركة الجبهة الشعبية الفلسطينية مصطفى أبو على فى اغسطس عام 2001 وغيرها من الاغتيالات لنشطاء وقيادات الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كما استخدمت بعض الدول الأسلحة البيولوجية فى تنفيذ اغتيالاتها السياسية وهى عمليات إرهابية من منظور القانون الدولى ومنها عملية اغتيال المخابرات السوفيتية للزعيم والمعارض الأوكرانى ستيفان بانديرا بحقنه بحقنة بها مواد سامة على أيدى أحد عملائها ، والمحاولة الفاشلة التى حاول الموساد الاسرائيلى ارتكابها ضد المتحدث باسم حركة حماس بالأردن خالد مشعل فى 25 سبتمبر عام 1997. كما استخدمت فى عمليات الاغتيال الإرهابية الوسائل التقليدية ومنها المدية أو السكاكين والخناجر الصغيرة الحجم كما فى المحاولة الفاشلة لاغتيال الكاتب المصرى والأديب العالمى نجيب محفوظ .
كما استخدم الإرهابيون اسلوب القتل العشوائى بالأسلحة النارية أو بالأدوات الحادة كما حدث بالجزائر، ومنها أيضا المذبحة التى ارتكبها المستعمر اليهودى المتطرف باروخ جولد شتاين داخل الحرم الابراهيمى الشريف بمدينة الخليل التى راح ضحيتها 63 فلسطينياً وأصيب 300 آخرين.

2- المذابح البشرية الجماعية:
ويطلق عليها احيانا عمليات الابادة البشرية وهى لا توجه ضد فرد معين انما تمارس ضد مجموعات بشرية كبيرة الحجم من قبل تنظيمات إرهابية وعسكرية متطرفة أو أجهزة تابعة للدولة. واستخدمت فى تنفيذها جميع وسائل القتال التى عرفها العالم، فاستخدمت الثورة الفرنسية فى عهد روبيسبير السيوف والآلات الحادة فى قطع رأس 140 ألف فرنسى. ومارس المهاجرون الأوربيون فى امريكا الشمالية عمليات ابادة بشرية ضد الهنود الحمر بالأسلحة النارية التقليدية، بينما استخدمت المنظمات الصهيونية قبل نشأة دولة اسرائيل الأسلحة النارية والمدفعية الرشاشة والمواد شديدة الانفجار (ومنها مادة تى ان تى) فى ارتكاب المذابح ضد العرب والفلسطينيين كما فى دير ياسين وكفر قاسم وهى نفسها الوسائل التى استخدمها الصرب فى مذابح الابادة البشرية ضد مسلمى البوسنة والهرسك فى منتصف القرن العشرين وهو ما تكرر ايضا فى التسعينيات من القرن العشرين ومنها ايضا مذابح رواندا وبوروندى. اما الاتحاد السوفيتى السابق فى عهد ستالين فاستخدم مواد شديدة الانفجار لإبادة اقليات التتر والشيشان والقرقيز فى القوقاز، واستخدم أيضا اسلوب الترحيل الاجبارى إلى المناطق الباردة فى سيبيريا. كما استخدمت بعض الدول فى تنفيذ عمليات الابادة البشرية الجماعية المواد الكيماوية والبيولوجية على غرار ما اقدمت عليه بعض الدول فى الحرب العالمية الاولى والثانية كاليابان التى القت قنابل بيولوجية على مدينة ناناكينج الصينية، بينما استخدمت الولايات المتحدة القنبلة النووية لأول مرة فى التاريخ ضد مدينتى هيروشيما وناجازاكى فى اغسطس عام 1945 مما أدى الى مصرع 195 الف مدنى. وتعتبر عمليات فرض عقوبات جماعية او حصار سكان اقليم معين اثناء الصراعات المسلحة احد انماط عمليات الابادة البشرية.

3- اختطاف واحتجاز الرهائن:
وهى تعتبر إحدى أهم صور العمليات الإرهابية التى عرفها العالم. ويعرف هؤلاء الخاطفون فى القانون الدولى بإسم القراصنة ، فخاطفو الطائرات يطلق عليهم قراصنة الجو، بينما خاطفو السفن يطلق عليهم قراصنة البحر.
وكان أول حادث اختطاف لطائرة مدنية فى بيرو عام 1930. ومنذ بداية الستينيات اشتدت معاناة المجتمع الدولى من هذه الظاهرة التى اعتبرت أخطر عمليات الإرهاب. وشهدت أوربا عمليات اختطاف عديدة للطائرات بين شرقها وغربها فى هذه الفترة فى اطار الحرب الباردة، حيث قامت بتنفيذ هذه العمليات منظمات مدعومة من مخابرات تلك الدول. وقامت بعض الدول أو احد اجهزتها بارتكاب هذه الجريمة كما فعلت فرنسا فى عام 1956 عندما اقدمت على اختطاف طائرة مدنية ترفع العلم المغربى وعلى متنها خمسة من قادة الثورة الجزائرية كانوا فى طريقهم الى الرباط للاشتراك فى مؤتمر يضم ممثلين عن الحكومة الفرنسية نفسها للبحث عن حل للقضية الجزائرية، واختطاف اسرائيل لطائرة لبنانية فى اغسطس عام 1973 وأخري ليبية فى فبراير عام 1986.
كما قام مواطنون عاديون من عدة دول لهم دوافع سياسية معينة باختطاف الطائرات للتعبير عن آرائهم وقضاياهم ومن هؤلاء المواطنين المصرى الذى اختطف فى عام 1998 طائرة مصرية الى ليبيا للتعبير عن امتعاضه من سياسة الولايات المتحدة ازاء المنطقة وإزاء ليبيا، واختطاف مجموعة من الشباب السعودى لطائرة سعودية فى عام 2001 والتوجه بها الى العراق للتعبير عن تضامنهم معه. كما شملت عمليات الاختطاف السفن ايضا مثل اختطاف سفينة اكيلى لاورو فى بورسعيد بمصر على أيدى نشطاء فلسطينيين فى عام 1985. وكان هذا العمل وفقا للقانون الدولى عملا إرهابيا بالرغم من انهم لم يتعرضوا بالأذى للمحتجزين، بل كانت لهم مطالب محددة وهى اطلاق سراح بعض النشطاء الفلسطينيين من السجون الايطالية والاسرائيلية وترحيلهم الى تونس. وهذا النوع من العمليات الإرهابية (الاختطاف) يهدف الى حصول الخاطفين على مطالب معينة او الابتزاز للحصول على فدية أو خدمات معينة او اطلاق سراح سجناء، وهو ما تمارسه بعض القبائل اليمنية فيما يعرف بظاهرة الاختطاف ضد السياح الأجانب للضغط على الحكومة لاطلاق سراح بعض السجناء أو تقديم خدمات معينة لبعض المناطق النائية، وهو ما مارسته أيضا حركة توباك امارو فى بيرو عندما احتجزت اكثر من 500 شخص فى منزل السفير اليابانى فى العاصمة ليما فى 17 ديسمبر عام 1996 حتى 22 ابريل عام 1997 وطلبت من الحكومة اطلاق سراح بعض السجناء من عناصر الحركة المقبوض عليهم مقابل الافراج عن الرهائن. كما فعلت الامر نفسه فى الفلبين جماعة ابو سياف التى اختطفت فى يونيو عام 2001 مجموعة من السياح الأجانب ومسؤولين فلبينيين للمساومة عليهم لتحقيق بعض أهدافها ومن أهمها فك حصار الجيش الحكومى على معاقل الحركة. وهذا الاسلوب مارسته أيضا حركات سياسية كما فى حالة الحركة الكولومبية الثورية وحركة 19 سبتمبر وحركة الدرب المضئ فى امريكا اللاتينية .

4- التفجيرات : من العبوات الناسفة الى الطائرات:
تطورت هذه الظاهرة كإحدى اهم صور العمليات الإرهابية فى العالم بتطور اساليب تنفيذها من اسلوب زرع القنابل والوسائل الملغومة الى زرع المتفجرات الى استخدام السيارات الملغومة وصولا الى استخدام الطائرات فى إحداث تفجيرات هائلة كما فى أحداث واشنطن ونيويورك فى سبتمبر عام 2000. وكان اول استخدام للقنبلة فى العمليات الإرهابية من جانب الثوار الايرلنديين فى العقد الثامن من القرن التاسع عشر وأصبح استخدام المتفجرات او العبوات الناسفة التى يتم تفجيرها بالريموت كنترول وسيلة مفضلة للإرهابيين حاليا فى تنفيذ عملياتهم، وتستخدم على نطاق واسع لسهولة استخدام المتفجرات والحصول عليها وكفاءة استخدامها من حيث قوة الانفجار وعدد الضحايا المحتملين. ولقد عانت مصر من هذه العمليات كما حدث فى تفجير مقهى وادى النيل بميدان التحرير والمحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق د/ عاطف صدقى وعملية متحف التحرير وغيرها، ولقد مورست هذه الوسيلة ايضا ضد وسائل النقل، خاصة الطائرات كما فى تفجير طائرة بان امريكان فى ديسمبر عام 1988 وتفجير مركز التجارة العالمى فى نيويورك فى 26 عام فبراير 1993 وحادث تفجير المبنى الفيدرالى فى اوكلاهوما سيتى فى 19 ابريل عام 1995. والعبوة الناسفة التى انفجرت فى حديقة سننتينال فى اطلانطا بالولايات المتحدة فى يوليو عام 1997 وتفجير سفارتى الولايات المتحدة فى تنزانيا وكينيا فى اغسطس عام 1998 التى راح ضحيتها 257 شخصاً. ومورست هذه الوسيلة ضد منشآت ومبانٍ حكومية وضد اشخاص كما فى انفجارات مدينة الخبر فى السعودية فى يونيو 1996 وضد السفارة المصرية فى باكستان فى 19 نوفمبر عام 1995 وضد وسائل النقل البرية كمترو انفاق باريس فى 25 يونيو 1995، واستخدم هذه الوسيلة افراد وتنظيمات إرهابية متعددة. وتطورت وسائل تنفيذ هذه التفجيرات من استخدام القنابل والعبوات الناسفة والمتفجرات والسيارات الملغومة الى استخدام الطائرات فى تفجير مركز التجارة العالمى فى نيويورك وجناح من مبنى البنتاجون الامريكى فى واشنطون .

5- عمليات التخريب
تطورت هذه العمليات ايضا بتطور وسائل تنفيذها والتكنولوجيا المستخدمة فيها من اعمال الحرق وإشعال المواد الحارقة لتخريب المنشآت كما فى حريق القاهرة عام 1951، الى تفجير قطارات او اتوبيسات أو منشات حكومية. وتعد عمليات التخريب اكثر عمليات الإرهاب انتشارا فى العالم وشهدتها أوربا فى مرحلة الحرب الباردة على ايدى تنظيمات الألوية الحمراء فى ايطاليا التى وقع فيها فى الفترة 1981 - 1986 حوالى 1100 عملية تخريب، ومن اشهر تلك العمليات أحداث بيانسافونتا فى مدينة ميلانو فى 12 ديسمبر عام 1969. والعمليات التى قامت بها منظمة بادرماينهوف فى المانيا ولواء الغضب البريطانية والعمل المباشر الفرنسية، وكانت عمليات تخريب واسعة النطاق ضد المرافق العامة للدولة. وكذلك ما تمارسه حتى الآن حركة ايتا ضد المصالح الحكومية الاسبانية، وما يمارسه الجيش الجمهورى الايرلندى فى بريطانيا وعمليات التخريب التى قامت بها الجماعات اليمينية والعنصرية فى أوربا ضد الاقليات الاخرى ومنها ما مارسته التنظيمات النازية والفاشية ضد الاكراد والاتراك والمسلمين.
وقد تحولت منذ الستينيات عمليات التخريب من عمليات هدفها بث الذعر والتخويف الى عمليات تهدف الى التدمير الكامل وإيقاع الخسائر الكبيرة بقصد التأثير على القرار السياسى للحكومات مثل العمليات التى قامت بها منظمة الدرب المضيء فى بيرو فى الفترة من 1980 - 1995، وأدت الى خسائر قدرت بنحو 25 مليار دولار، ومنها ايضا التفجيرات التى شهدتها الولايات المتحدة سواء فى عام 1993 ، وصولا الى تفجيرات مركز التجارة العالمى والبنتاجون فى 11 سبتمبر عام 2001 . ولقد مارست عمليات التخريب الشاملة ايضا، الى جانب التنظيمات الإرهابية، مخابرات بعض الدول او احد اجهزتها وتصنف على اساس انها اعمال إرهابية (إرهاب دولة) ومنها تدمير الطائرات العسكرية الاسرائيلية للطائرات المدنية اللبنانية فى عام 1968 والعمليات اليومية التى تمارسها قوات الاحتلال الاسرائيلى من تدمير منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم ومزروعاتهم فى انتهاك لاتفاقيات جنيف فى شأن التعامل مع المدنيين الخاضعين للاحتلال، والتى يعد انتهاكها وفقا للقانون الدولى احد صور اعمال الإرهاب الذى تمارسه الدولة القائمة بالاحتلال.
كما تحولت استراتيجية عمليات التخريب الإرهابية فى عقد التسعينيات الى استراتيجية الانهاك المستمر للخصم والاضرار العام كسلسلة العمليات المتتالية التى نفذت فى التسعينيات ضد المصالح الامريكية سواء داخل او خارج الولايات المتحدة . وحدث تطور أيضا فى هذا النوع من العمليات باستخدام مواد كيماوية وبيولوجية مثل عملية نشر غاز السارلين فى أنفاق طوكيو التى بثت الذعر والخوف فى العالم من الإرهاب البيولوجى والكيماوى. وقد تزايد الخوف من هذا النوع من الإرهاب بعد استخدام الجمرة الخبيثة فى الولايات المتحدة عقب أحداث 11 سبتمبر، خاصة ان المواد البيولوجية والكيماوية سهلة الاستخدام من قبل العناصر الإرهابية كما انه لا يصعب الحصول عليها، وتتميز بقدرتها العالية على التدمير والانتشار.
وغالبا ما تؤدى عمليات التخريب الى خسائر فادحة قدرتها فى عام 1998 الوكالة الأمنية اليابانية بحوالى 100 مليار دولار للسنوات الثمانى الأولى من عقد التسعينيات.

ثانيا : عوامل انتشار الإرهاب
يمثل الإرهاب شكلا خاصا من أشكال العنف. فعند محاولة فهم ظاهرة الإرهاب لا يمكن أبداً تفسير انتشارها بإسنادها إلى عامل واحد أو بإرجاعها إلى سبب وحيد. لكن هناك مجموعة من العوامل والأسباب والتى تختلف أوزانها النسبية من مجتمع لآخر.
بداية نذكر أربع مقدمات موجزة حول الموضوع :
الأولى: تتداخل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأية ظاهرة ومنها ظاهرة الإرهاب. كما يصعب فى كثير من الأحيان الفصل بين الجوانب الداخلية والجوانب الخارجية للظاهرة.
الثانية: فى رصد ظاهرة الإرهاب علينا أن نميز بين العوامل التى أوجدت الظاهرة والعوامل التى أدت إلى استمرار وتصاعد هذه الظاهرة.
الثالثة: تتعدد وتتنوع وتتباين البواعث التى تكمن خلف حوادث الإرهاب ويصعب تصنيفها أو تقسيمها بشكل دقيق يستوعب كل حالات الإرهاب. فالبواعث قد تكون سياسية ومؤسسية تدور حول مشكلة الديمقراطية وعملية التحول السياسى فى المجتمع. وقد تكون الظروف الاجتماعية كمشكلة البطالة والأمية والجهل والتهميش الاجتماعى .. أو اقتصادية أو تاريخية متعلقة بالطائفية العرقية أو الدينية أو الثقافية، أو قد تكون شخصية فهناك أشخاص اختطفوا طائرات هربا من أحكام قضائية أو فراراً من بعض الملاحقات الأمنية، أو تخلصاً من التمييز العنصرى أو الظلم الاجتماعى أو تبرما من مستوى المعيشة فى بلد معين.
وساهم فى تزايد هذا النوع من النشاط الإرهابى مجموعة من العوامل المساعدة منها سرعة عناصره فى التحرك والافتقار إلى آليات دولية يمكنها أن تحد من ذلك كما أنها لم تجد صعوبة فى الحصول على السلاح.
الرابعة : تتعدد السمات التى جعلت من الجريمة الإرهابية ظاهرة عالمية بشرية تتجاوز حدود المكان والزمان والحدود الجغرافية والأبعاد الثقافية لتتداخل مع متغيرات النظام العالمى على كافة المحاور سواء من حيث التخطيط لها وتنفيذها أو آثارها وعواقبها. وأصبحت الظاهرة تتحرك بشكل متزامن وتنتقل من دولة إلى أخرى وتهدأ فى ساحة لتنفجر فى ساحة مجاورة . وهذا ما جعل خبير الإرهاب الدولى الأمريكى مارفن ستروين يطلق تحذيراته باتساع نطاق الإرهاب فى العالم بحلول الألفية الثالثة فى كتابه (الإرهاب عام 2000). وهذا التحذير لم يأت من فراغ إذ تنتشر التنظيمات الإرهابية فى مناطق مختلفة من العالم فى أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية واستراليا، إضافة إلى انتشار شبكات دعم الإرهاب على ساحات دول مختلفة وارتباطها بتجارة السلاح والمخدرات وجماعات الجريمة المنظمة. فهناك أكثر من 300 منظمة إرهابية فى 60 دولة فى العالم وهناك 40 دولة تستضيف عناصر إرهابية، وأوروبا وحدها بها 200 منظمة إرهابية وفى عام 1995 فقط وقعت عمليات إرهابية فى 91 دولة فى العالم.
كما شهدت الجريمة الإرهابية تصاعداً فى مستويات العنف المستخدم فى ارتكابها وتعدداً فى أشكاله. وأصبح من الواضح أن موجة الإرهاب التى اجتاحت العالم قد تصاعدت إلى مستويات تشهد خلالها بعض الدول عمليات كبيرة تكاد تكون شبه عسكرية. ومن هذا القبيل عمليات منظمة الدرب المضىء فى بيرو إلى أودت بحياة 130 ألف شخص وكلفت بيرو 25 مليار دولار خسائر منذ عام 1980، وحتى نهاية 1995 فقط .
وفى الوطن العربى، خاصة الجزائر حدثت عمليات إرهابية شبه عسكرية فى عقد التسعينيات أدت إلى مصرع أكثر من 100 ألف شخص وفقاً لإحصائيات مؤتمر وزراء الداخلية العرب.
وهكذا يمكن القول أن الظاهرة تطورت بشكل غير مسبوق بمختلف مستوياتها سواء إرهاب أفراد أو إرهاب جماعات أو إرهاب دولة، بحيث صارت أقرب إلى الظاهرة العالمية أو الكونية التى لا يكاد يخلو منها مجتمع حديث أو تقليدى. فقد شملت هذه الظاهرة دولاً رأسمالية متقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان.. الخ، كما انتشرت فى دول أوروبا الشرقية كما فى البلقان، وروسيا، ويوغوسلافيا السابقة، كما أصابت دول العالم الثالث مثل الهند وباكستان والفلبين وكمبوديا وسريلانكا وكثيراً من الدول الأفريقية والعربية كالصومال ورواندا وبوروندى وسيراليون، والجزائر ومصر والسعودية، .. إضافة إلى دول البحر الكاريبى وعدد كبير من دول أمريكا اللاتينية. وهكذا ضربت الظاهرة دولاً ديمقراطية وأخرى غير ديمقراطية. والأمر الخطير ليس فقط فى تصاعد مستويات الظاهرة، وإنما أيضا فى تورط بعض الدول بشكل مباشر أو غير مباشر فى التخطيط لها وفى تنفيذها بحيث أصبح الإرهاب أحيانا وسيلة للتعامل بين الدول وإدارة علاقاتها الدولية بصورة أو بأخرى.
ويمثل الإرهاب تفاعلاً بين مجموعة من المتغيرات أهمها، نمط فكرى معين يتسم بالتطرف سواء كان دينياً أو أيديولوجياً ، ووجود التنظيم المعبر عن كل من النمط الفكرى وحركة الإرهاب، ثم ظرف اجتماعى معين. والنمط الفكرى الذى يمثل وقود الإرهاب يتسم بالتطرف والتشدد والغلظة . هذا النمط الفكرى يتبلور فى تنظيمات تعبر عن طبيعته سواء كان دينيا أو أيديولوجى أو ثقافى ... الخ، مستندة على الفكر الذى تقوم عليه كعقيدة بالنسبة لها . وهذا التنظيم المغلق يقوم على الهرمية والطبقة المغلقة وعدم الانفتاح على الآخرين وسيطرة الزعيم، إذ الآخرون إما معه أو ضده . ومن ثم يقوم هذا التنظيم بقمع الرأى والفكر المغاير، فضلا عن التنكيل بمن هو آخر. ويستطيع التنظيم الحصول على الدعم السياسى من بعض الدول أو التنظيمات الأخرى لوجود مصالح مشتركة فضلا عن الدعم المالى.
أما ظرف اجتماعى فهو يعمل على إيجاد البيئة المناسبة لتبلور هذا الفكر وانتشاره، وقد يكون تحولات اقتصادية أو اجتماعية عميقة أو حتى سياسية .. وقد يكون نابعاً من البيئة الخارجية كهزيمة عسكرية مثلا.
وهناك مجموعة من العوامل تساهم فى استمرار هذه الظاهرة ومنها ما يتعلق بكيفية تعامل الدولة والمجتمع مع هذه الحركات الإرهابية أو المتطرفة الوليدة وكذلك تعامل مثل هذه التنظيمات مع المجتمع والدولة . ففى بعض الحالات نجد أن الدولة تجاهلت هذه التنظيمات أو دخلت معها فى تحالفات سياسية أو عسكرية أو قدمت لها الدعم المالى والسياسى فى بدايتها. ومن ناحيتها فهذه التنظيمات قد تتعامل مع المجتمع من خلال أسلوب النفس الطويل والتغلغل فى أعضائه ومؤسساته وقد تتبنى بعض القضايا الاجتماعية لكسب تعاطف أفراد المجتمع معها .. الخ.
ومن هذه العوامل أيضا كيفية تعامل التنظيمات الإرهابية مع البيئة الدولية وما تتيحه متغيراتها الأخرى من التكنولوجيا المتقدمة فى الاتصال والسلاح، ومن وجود تنظيمات الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية الأخرى التى تتعدد أهدافها وأفكارها، ومن وجود بعض الدول التى تعد أراضيها بيئة صالحة لدعم الأنشطة الإرهابية سواء كان دعما معنويا بالإيواء أو دعما سياسيا أو دعما فنياً كالتدريب أو ماديا كتقديم أموال وذخيرة وسلاح.. وهكذا وكما سيأتى لاحقا تتعدد العوامل المفسرة لهذه الظاهرة.
1- الاستخدام السياسى للإرهاب فى إدارة الصراعات الدولية:
تصاعد الإرهاب فى العالم منذ الستينيات، وجرى تفسيره من جانب الخبراء والأكاديميين على أنه جزء من معارك الصراع بين الغرب والشرق بأساليب أخرى، سميت الحرب بالوكالة فى بعض الأحيان . فالتنظيمات الإرهابية الماركسية والفوضوية وأنصار مذهب العدمية والتى تشترك فى رفض السلطة القائمة، كانت فى غالبيتها ذات طابع يسارى وحظى بعضها بتأييد خفى من موسكو ومن الدول الشيوعية أو الاشتراكية التى كان يهمها فى هذه الفترة انتشار الإرهاب فى دول الغرب. كما قامت الدول الغربية أيضا بمساعدة وتجنيد العديد من التنظيمات الإرهابية التى وجهت أعمالها ضد الدول الاشتراكية . وكان ذلك جزءاً من الصراع الدولى فى الحرب الباردة كما يرى إدوارد هيرمن وجيرمى أوسليجان فى كتابهما بعنوان الإرهاب أيديولوجية وصناعة ثقافية . ويفسر ذلك أن نسبة يعتد بها من العمليات الإرهابية أثناء مرحلة الحرب الباردة كانت وراءها مخابرات دول كبرى وصغرى حيث ظهر الإرهاب الذى يحارب الأيديولوجية السائدة فى مجتمع ما كالشيوعية أو الرأسمالية أو لنشر مبادئ معينة كالفوضوية والاشتراكية.
كما اتخذت بعض الدول من تلك الظاهرة وسيلة ضمن أدوات سياستها الخارجية تجاه بعض الدول التى تعانى من ظاهرة الإرهاب سواء من خلال إيواء العناصر الإرهابية فى أراضيها وتقديم الحماية لهم، أو عبر المساعدات المالية أو السلاح والتدريب لمخططى ومنفذى العمليات الإرهابية.
وتستخدم هذه الدول الجماعات الإرهابية كورقة ضغط سياسية ضد الدول التى تعانى من ظاهرة الإرهاب أو تستخدم هذه الجماعات فى القيام بعمليات إرهابية عسكرية محدودة ضد بعض الدول.
2- انتشار السلاح وسهولة الحصول على التقنيات الحديثة:
من أهم نتائج انتهاء الحرب الباردة انتشار تجارة السلاح على نطاق واسع، ومن ثم استفادت التنظيمات الإرهابية من وفرة السلاح فى السوق بما فى ذلك بعض الأسلحة عالية التقنية والتدمير. كما تقدم التقنية الحديثة تركيبات جديدة للمتفجرات والتجهيزات الإلكترونية. وتتوافر بسهولة أيضا تقنيات الاتصال ابتداء من محطات البث التليفزيونى ذات الدائرة المحددة ومحطات البث الإذاعى والكاسيت والفيديو والفاكس والتليفونات المحمولة ووسائل التنصت وأجهزة الاستشعار عن بعد وأيضا الكمبيوتر والإنترنت والتقنيات الحديثة التى تساعد الإرهابيين على ارتكاب أكثر العمليات جرأة وخطورة، إذ يتسم العصر بتقنية عالية فى نوعيات السلاح المستخدم والمتوافر لدى الأفراد من حيث إنتاجه لكمية نيران عالية فى وقت قياسى مع إمكانية أحداث أضرار كبيرة يصعب السيطرة عليها مثل الأسلحة الأتوماتيكية والمتفجرات مع ما تتيحه الأخيرة من إمكانية أحداث دمار عن بعد وفى وقت لاحق لوجود الإرهابى بالمكان المستهدف، الأمر الذى يسهل من مهمته ويمكنه من عدم الالتقاء بضحيته وهو ما يشجع الإرهابى على الهروب. كما لجأت التنظيمات الإرهابية لفنون على مستوى عال من التنظيم والتدريب، وهو الأمر الذى يصعب على أجهزة المكافحة ملاحقتها لضبطها، ولعل ما يزيد من صعوبة ذلك أن أعداداً كثيرة من الكوادر الإرهابية تلك قد تلقت تدريباتها بالكامل فى وقت سابق على أيدى رجال مخابرات دول أخرى أو تنظيمات إرهابية ذات خبرة طويلة فى هذا المجال.
ويعتمد المنفذون للعمليات الإرهابية على أسلوب علمى فى التنفيذ والإلمام بخبرات العمل بأجهزة الكمبيوتر وأجهزة التشويش على المراقبة ، وغالبا ما تكون لديهم مهارات عالية فى مجالات مختلفة من العلم. فيستخدم الإرهابيون الآن شبكة الإنترنت فى الاتصال وجمع الأموال وتحضير العمليات الإرهابية والتخطيط لها وتنفيذها عبر استخدام مواقع يصعب الاشتباه فيها كما فعل منفذو عمليات 11 سبتمبر عام 2001 فى واشنطن ونيويورك .
وتوضح دراسة نشرها مركز الأبحاث لدراسات الصراع والإرهاب فى لندن بعنوان التكنولوجيا والإرهاب: التهديد الجديد للألفية الجديدة كتبها ستيفن أرباورز وكمبرلى أركيز وصدرت فى سبتمبر عام 1998، أنه فى إمكان التنظيمات الإرهابية الحصول حالياً على ما تريد من معلومات عبر الاستخدام المقنن للكمبيوتر ومن خلال استغلال ثغرات شبكات المعلومات أو باللجوء لعمليات القرصنة المعلوماتية والدخول إلى شبكات المعلومات العسكرية والأمنية للدول لاستغلالها فى التخطيط للعمل الإرهابى وتنفيذه أو الدخول على شبكات البورصة والأسواق المالية لتدميرها، ومن ثم ضرب اقتصاد دولة ما. وكان من نتيجة تطور وسائل التخطيط للعمل الإرهابى وتنفيذه ظهور مصطلح الإرهاب التكنولوجى ، عندما تم زرع عبوة بلاستيكية ناسفة داخل جهاز راديو توشيبا ووضعت فى إحدى الحقائب التى تم فحصها بدون أن يتم اكتشاف العبوة الناسفة على متن طائرة البان أمريكان 103 التى انفجرت فوق لوكيربى فى اسكتلندا وراح ضحيتها 259 شخصاً. كما ساهم التطور التكنولوجى فى تسهيل المهمة على الإرهابيين الذين أخذوا يستخدمون وسائل جديدة أكثر خطورة ويصعب اكتشافها ومنها الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التى أصبح بإمكان الإرهابيين الحصول عليها، وتوضح حالة جماعة الحقيقة السامية اليابانية ذلك إذ امتلكت هذه الجماعة مواد كيماوية تكفى لصنع ستة أطنان من غازات الأعصاب وعناصر التسمم الغذائى وهى نفسها الغازات التى استخدمتها فى عملياتها فى مترو أنفاق طوكيو عام 1995.
3- التعاون بين التنظيمات الإرهابية والإجرامية:
يشهد مسرح العمل الإرهابى تعاوناً بين فرق المنظمات الإرهابية فى العديد من الدول بلغ حد قيام البعض منها بعمليات لحساب البعض الآخر، ناهيك عن التعاون المشترك فى التخطيط وتنفيذ العمليات. كما اتسمت ظاهرة الإرهاب بالتعاون المكثف بين بعض المنظمات الإرهابية وبعض منظمات الأنشطة الإجرامية فى العديد من المجالات منها الاستخبارات والتخطيط لعمليات إرهابية وتنفيذها والتدريب والحصول على الوثائق المزيفة وبيع وشراء السلاح وتهريبه وتبادل المعلومات والخبرات وغسيل الأموال وتبادلها.
4- بؤر التوتر بعد الحرب الباردة:
يعد وجود بؤر للتوتر فى مختلف مناطق العالم دافعاً من الدوافع الأساسية لنشاط الظاهرة الإرهابية على المستوى الدولى، حيث يساهم هذا إلى حد كبير فى قيام العديد من الأنشطة الإرهابية التى تمارسها بعض الجماعات سعياً للتخلص من تلك المشاكل أو رغبة فى وضع نهاية للمعاناة المرتبطة بها . ومثال على ذلك منطقة الشرق الأوسط التى تضم نحو 23% من حجم عمليات الإرهاب عالمياً .
ومع نهاية الحرب الباردة أيضا ازداد نفور العديد من الشعوب والمجتمعات من الهيمنة الأمريكية، وبرزت عدة جماعات إرهابية هدفها ممارسة العنف وأعمال التخريب ضد المصالح الأمريكية خارج وداخل الولايات المتحدة انتقاماً منها لسياستها العدائية المتغطرسة ضد بعض الشعوب. ومن هذه التنظيمات شبكة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن التى أعلنت الجهاد ضد الشيطان الأكبر الولايات المتحدة ، كما كان من أبرز ظواهر نهاية الحرب الباردة التى فاقمت من حدة ظاهرة الإرهاب تلك الحيوية المرعبة لتدفق الأزمات الداخلية فى بعض الدول والتى تحولت إلى شبه حروب أهلية أحياناً كما فى الجزائر وحروب أهلية حقيقية كما فى رواندا ويوغوسلافيا السابقة والصومال وكوسوفا... وذلك بفضل حدة النعرات الدينية والإثنية العرقية المتطرفة بما يساهم فى زيادة حدة الظاهرة.
فنهاية الحرب الباردة لم تؤد إلى نهاية الإرهاب، بل على العكس زاد عدد العمليات الإرهابية وتعددت دوافع وأسباب الإرهاب فى أنحاء العالم. ولم يتحقق الأمل بأن تضع نهاية الحرب الباردة والصراع بين القطبين الكبيرين حداً لظاهرة الإرهاب أو تؤدى لانخفاض حدتها لانتهاء الحاجة الى الاستخدام السياسى للظاهرة كوسيلة للحرب المحدودة أو ممارسة الحرب بالوكالة. فقد تصاعد دور العوامل الثقافية - الدينية - القيمية - العقائدية فى الإرهاب بعد الحرب الباردة وفاق دور العوامل الاقتصادية.
5- الصراع على السلطة:
فى إطار استخدام الإرهاب كأداة لإدارة التفاعلات السياسية داخل بيئة النظام السياسى، وفى دولة ما، فإن من أهم دوافع هذا العمل والذى يدفع القائمين به لممارسته مهما اختلفت اتجاهاتهم هو إسقاط الحكومات أو العمل على تغيير طبيعة النظام السياسى والانقضاض على السلطة بسلاح الإرهاب أو تغيير القوانين والسياسات التى تتبعها إحدى الحكومات أو النيل من فئة أو طبقة اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية لها مكانتها فى الدولة أو إحداث تغييرات جذرية فى بنية السلطة.
فالعنف الإرهابى فى حالة الصراع الداخلى ليس مقصوداً فى حد ذاته لأنه وسيلة وليس غاية. فأعمال القتل أو الاغتيالات مثلا تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسى وخلخلة هيبة الدولة وإيجاد مناخ من الخوف الذى يدفع إلى الاهتزاز النفسى أكثر من مجرد التخلص من بعض الأشخاص الذين قد لا تكون لهم أية علاقة بالإرهاب. فالأثر النفسى والسياسى الذى تحدثه الواقعة الإرهابية هو الهدف من الواقعة وليس ضحاياها. فالسائح مثلا ليس هدفاً فى حد ذاته ولكن الهدف هو تخريب السياحة، وهناك أهداف أخرى للعمليات الإرهابية منها الابتزاز السياسى بمعنى الضغط على بعض الحكومات لتغيير سياستها ومثال ذلك العمليات الإرهابية التى يقوم بها الجيش الجمهورى الايرلندى كى تغير الحكومة البريطانية موقفها وسياساتها من مسألة ايرلندا الشمالية، والعمليات الإرهابية إلى تقوم بها منظمة إيتا الانفصالية فى إقليم الباسك للضغط على الحكومة الأسبانية كى تغير من موقفها وسياستها تجاه إقليم الباسك، وكذلك العمليات الإرهابية التى يقوم بها حزب العمال الكردستانى ضد الحكومة التركية كى تغير موقفها إزاء قضية الأكراد ومسألة استقلال الأناضول. كما يدخل فى هذا الإطار الضغط على الحكومة لإطلاق سراح المعتقلين من أفراد المنظمات الإرهابية أو إصدار قرار بالعفو عن هؤلاء الإرهابيين كما فى واقعة احتجاز حركة توباك أمارو الإرهابية فى بيرو لأعضاء فى الحكومة وسياسيين ودبلوماسيين أجانب فى مقر السفير اليابانى، وهناك هدف الدعاية بالأعمال والذى مارسته جماعة (الحقيقة السامية) فى اليابان فى إطار صراعها مع الحكومة اليابانية لتحقيق أسطورة نهاية العالم، فقد هدفت العمليات التى قامت بها هذه المنظمة إلى التعريف بها وبأهدافها وأيديولوجيتها وأفكارها حول نهاية العالم لاجتذاب المزيد من الأنصار إلى صفوفها.
كما تعانى بعض الدول الإسلامية من بعض الحركات الأصولية المتطرفة التى تتخذ من الإرهاب أسلوباً لها لتحقيق أهدافها كما فى مصر والجزائر وغيرها، حيث تدعو للجهاد من أجل إقامة دولة إسلامية محل النظم القائمة. وتحاول هذه التنظيمات تقويض أركان النظم السياسية، خاصة من خلال ضرب مقدراتها الاقتصادية كالسياحة وضرب الرعايا الأجانب بهدف زعزعة ثقة الدول الأجنبية فى مدى الاستقرار والأمن الذى تتمتع به هذه النظم، بما لذلك من آثار سلبية من الناحية السياسية ومن الناحية الاقتصادية إذ تؤدى الى هروب رؤوس الأموال إلى الخارج وإيجاد بيئة غير مواتية للاستثمار الأجنبى.
وهناك أيضا حركات إرهابية تعد وارثة للأيديولوجية اليسارية المتطرفة. ورغم أن هذه الحركات تبدو ضعيفة وواهنة فى العديد من الدول الغربية إلا أنها مازالت تظهر فى كل من أمريكا اللاتينية وفى اليونان وتركيا. وهناك أيضا تهديد اليمين المتطرف فى أوروبا الغربية مثل جماعات النازيين الجدد وفى الولايات المتحدة وكندا. وكذلك فى روسيا وأوروبا الشرقية مثل الحزب الديمقراطى بزعامة جيرنوفسكى. وهذه الجماعات تهدف إلى تغيير بعض السياسات وليس تغيير نظم الحكم. وهكذا استمر استخدام الإرهاب فى الصراع السياسى سواء على المستوى الدولى أو الداخلى داخل الدولة ذاتها.
6- أزمات التنمية:
يتألف قطاع كبير من الإرهابيين من شباب يعانون من أوضاع اجتماعية اقتصادية سيئة فى معظم الأحوال، إذ أن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تخلق بيئة مولدة للإرهاب. فالبطالة والتضخم وتدنى مستويات المعيشة وعدم التناسب بين الأجور والأسعار وتفاقم مشكلات الإسكان والصحة والمواصلات قد تدفع قطاعا من الشباب إلى الدخول فى عصابات الجريمة والإرهاب.
غير أن الأوضاع الاقتصادية لا تؤدى وحدها إلى الاتجاه نحو التطرف أو العمل الإرهابى. فاقتران تلك الأوضاع بظروف اجتماعية أخرى عامة فى المجتمع كأزمة سياسية داخلية هو الذى يدفع إلى ذلك الاتجاه. فاتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية وظهور أنماط معيشة استهلاكية استفزازية لدى بعض فئات المجتمع وعدم قدرة بعض المهاجرين من الريف الذين يسكنون عادة الأحياء العشوائية على التكيف مع الواقع الجديد، كلها عوامل وسبل تحول المشاكل الاقتصادية إلى قوة دافعة نحو التطرف والإرهاب.
وتوضح ذلك الحالة المصرية، حيث زاد توالد الإرهاب فى الصعيد المهمل تنموياً، وتواجدت التنظيمات الإرهابية فى المناطق العشوائية. وما يساهم فى زيادة دور العامل الاقتصادى فى دعم الإرهاب هو ارتباط مكونات هذا العامل بحياة الأفراد ارتباطاً شديداً غالباً ما يفسرونه نجاحا وفشلاً بإرجاعه إلى سياسات النظام السياسى الحاكم. ومن هنا تزداد النقمة على الحكومة فى حالة الفشل الاقتصادى وعدم تلبية متطلبات قطاع كبير من المواطنين مع انتشار البطالة وزيادة حدة التضخم ، الأمر الذى قد يتيح لبعض المنظمات الإرهابية تجنيد المزيد من الأعضاء، إذ تجد ضالتها فى الغاضبين والمحتجين والكارهين لسياسات الحكومة .




****





الفصل الثالث

جهود مكافحة الإرهاب فى مصــر والعالـم العـربــى



--------------------------------------------------------------------------------

لم تعد ظاهرة الإرهاب تمثل مشكلة ذات حساسية لدولة بعينها أو لمجموعة من الدول بعينها وإنما صارت مشكلة للعالم كله.
ويثير مفهوم مكافحة الإرهاب ملاحظتين فى البداية:
1- أنه لا يوجد اتفاق حول معنى مكافحة أو مواجهة أو منع الإرهاب ، وكلها مفاهيم لم يتم الاتفاق على تعريف محدد لها حتى الآن ينصرف إلى معنى المفهوم، ومن ثم إلى وحدة سبل المواجهة وآلياتها واستراتيجيتها وتكتيكاتها، وإن كان هناك تفاهم عام على أنه عملية مستمرة لمواجهة ظاهرة الإرهاب سواء أمنيا أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو سياسياً بهدف الحد منها.
2- إن الحديث عن حل لمشكلة الإرهاب لا يعنى القضاء عليه قضاءً مبرماً وبصورة كاملة بحيث لا يبقى منه أى أثر، إذ أن مثل هذا القول لا يعدو أن يكون فرضاً نظرياً بحتاً أو أملاً مغرقاً فى التفاؤل. فحل مشكلة الإرهاب يعنى تحجيم وتقليل الخطر الإرهابى فى حدود دنيا لا يشكل معها تهديداً لحياة الجماعة واستقرارها.
وتتعدد الجهود الدولية لمواجهة ظاهرة الإرهاب. فهناك الجهود الفردية لمواجهة الظاهرة من قبل كل دولة على حدة ، والجهود متعددة الأطراف التى تتم بين مجموعات إقليمية محددة، مثل الجهود العربية من خلال جامعة الدول العربية، والجهود الأوروبية فى إطار الاتحاد الأوروبى، ثم الجهود الجماعية على المستوى العالمى من خلال منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولى.
ونتناول هنا تجربة مصر كنموذج لجهود الدولة، والتجربة العربية كمثال للجهود متعددة الأطراف .

أولا: التجربة والرؤية المصرية
تعتبر مصر من أكثر دول العالم خبرة فى مكافحة الإرهاب الذى واجهته فى النصف الأول من تسعينيات القرن العشرين. وقد نتج عن هذه الخبرة رؤية واضحة تقوم على أن الإرهاب ظاهرة عالمية لا تقتصر على منطقة من العالم دون أخرى. فالإرهاب أصبح له تنظيماته التى تتعدى الحدود، ولم يعد مرتبطاً بفكر معين أو أيديولوجية معينة.
وفى هذا السياق أكدت مصر فى الدورة الخامسة لمؤتمر منع الجريمة والعدالة الجنائية فى فيينا على أن انتشار الأعمال الإرهابية فى دول العالم على اختلاف أوضاعها وثقافاتها ونظمها ودرجة تطورها الديمقراطى يمثل تهديدا خطيرا للأمن والاستقرار الوطنى والدولى لكونها عقبة فى طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتطور الديمقراطى والتمتع بحقوق الإنسان.
فالإرهابيون الذين زرعوا العبوة الناسفة فى مقهى بميدان التحرير فى القاهرة لا يختلفون فى طريقتهم وأسلوب تفكيرهم عن العناصر الإرهابية التى وضعت السيارة الملغومة فى أكبر مركز تجارى عالمى فى نيويورك ولا عن مدبرى حادث أوكلاهوما سيتى. ويمكن تلخيص أهم معالم هذه الرؤية فى:
1- التنظيمات الإرهابية فى مصر لا يجوز وصفها بالجماعات الإسلامية أو الدينية لأنها تنظيمات ترتدى عباءة الدين للتضليل ومن ثم لا يجوز اعتبار الإرهابيين أصحاب عقيدة أو رأى.
2- الإرهاب فى حقيقته ليس سوى جريمة دولية منظمة ذات أهداف مشبوهة وبغيضة لا علاقة لها بالأديان أو الجنسيات أو الأوطان.
3- سيظل الإرهاب خطراً قائما ومحدقا ما دامت رؤوس وقيادات الإرهاب الموجودة فى الخارج طليقة تخطط وتمول وتدفع بالعناصر المأجورة للتنفيذ.
4- المجتمع الدولى مازال عاجزا عن صياغة إطار واضح لمواجهة الإرهاب فى شتى صوره وأشكاله.
5- التنبيه الى أن نطاق الظاهرة سوف يتسع وأن العناصر الإرهابية سوف تضرب فى مناطق مختلفة وأنها سوف تنقلب حتما على الأطراف التى تتغاضى عنها.
فقد توصلت مصر عبر تجربتها الى أن جرائم الإرهاب أصبحت كنموذج معاصر للجريمة المنظمة حينما اعتمدت عصاباتها ومنظماتها آليات منسقة وموحدة لحركتها وأهدافها تبلورت فيما يلى:
1- تماثل الهياكل التنظيمية للإجرام المنظم والإرهاب فى ظل طبيعتها العابرة للحدود ووسائلها غير المشروعة باستخدام القوة المادية ونهب الأموال والابتزاز والتزوير والاتجار غير المشروع فى السلاح والمخدرات والصفقات غير المشروعة وغسيل الأموال.
2- وحدة التهديدات التى تشكلها تلك الجرائم على الأمن والاستقرار الوطنى والدولى وقيم الديمقراطية والقانون وحقوق الإنسان والجهود الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
3- نقل مراكز نشاطها خارج حدودها الوطنية تفاديا لعمليات المواجهة الأمنية مع عناصرها ووفق مخططات استهدفت إعداد كوادرها عسكريا لإعادة دفعها لبلادها لتنفيذ جرائمها المنظمة المخططة باستخدام العنف والإرهاب.
4- استغلال بعض الدول فى الالتقاء الحركى مع نظائرها من المنظمات الإجرامية والتدريب على السلاح والعمل السرى الإرهابى المنظم.
5- ارتباطها ببعض الجهات والقوى المعروفة بدعمها للإرهاب والإجرام المنظم دوليا واستثمارها لهذا الدعم لصالح حركتها فى مجال التمويل والتدريب والتمركز والانطلاق.
6- امتداد جرائمها إلى تهديد حرية الفكر والرأى والتعدى على الملكية الثقافية بما لها من مردودات سلبية على التراث الثقافى والحضارى والعالمى وتمثل ذلك فى اغتيال عدد من قادة الفكر والرأى فى مصر وغيرها من البلدان.
فكانت مصر أول من نوه إلى وجود ارتباط بين الجرائم الإرهابية والجريمة المنظمة. وأثمرت الرؤية المصرية تغييرات فى سياسة الانتربول الدولى وسلطاته واختصاصاته نحو بذل مزيد من الجهود بهدف مواجهة الإرهاب أيضاً وتعقب الإرهابيين.
وتستند الرؤية المصرية فى مكافحة الإرهاب على مجموعة من الاعتبارات:
1 - نجاح التجربة المصرية فى مواجهة الإرهاب :
استندت هذه التجربة إلى مجــمــوعة متكاملة من الإجراءات أهمها :
أ- وجود إطار تشريعى محكم وقوى فى مصر لمواجهة الإرهاب يتكون من شقين: الأول مؤقت وهو قانون الطوارئ الذى يوسع من سلطات رجال الأمن فى القبض والتفتيش والاعتقال الإدارى. والشق الثانى هو قانون العقوبات بمواده وأشهرها المواد 102 ، 87، 77، و85 أ ف د، و89، و93، و94، و98 والتى تجرم جميع صور الممارسات الإرهابية ومن أهمها الصور المختلفة لتنظيم الجماعات الإرهابية سواء كانت موجهة ضد أفراد أو جماعات أو النظام الاجتماعى أو الاقتصادى أو السياسى وسواء كان تنظيماً بالداخل أو الخارج. وهذه العقوبات تصل إلى حد الإعدام، وفى حالات أخرى السجن مدى الحياة أو الأشغال الشاقة، كما يجرم قانون العقوبات المصرى كل صور المساهمة الجنائية مع المنظمات الإرهابية سواء بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة أو الترويج للمنظمات وأفعالها. كما يجرم النص على ذلك المواد 94، 95، 96، 98، 172.. وكل صور إحراز المفرقعات وإنتاج المتفجرات المستخدمة فى العمليات الإرهابية أو التى يمكن استخدامها فى مثل هذه العمليات.
كما لا يعتبر قانون العقوبات المصرى الجرائم الإرهابية جرائم سياسية. وقانون العقوبات المصرى بعد إدخال عدة تعديلات عليه خاصة القانون رقم 97 لسنة 1992، أصبح من أكثر قوانين العقوبات فى العالم تشدداً فى التعامل مع الجرائم الإرهابية .
وفى عام 1992 صدر القانون رقم 97 والذى نص فى المادة 86 منه على أنه يقصد بالإرهاب فى تطبيق أحكام هذا القانون كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع يلجأ إليه الجانى تنفيذا لمشروع إجرامى فردى أو جماعى بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر وإذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو بالمبانى أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل الدستور أو القوانين أو اللوائح ومن ثم فمن يقوم بأى من الأفعال السابقة فهو إرهابى تنطبق عليه أحكام هذا القانون والعقوبات التى يفرضها. ومنذ عام 1995 تضمنت السياسة التشريعية كلاً من أسلوب الردع وأسلوب المكافأة بما يعنى تجاوز السياسة التى تعتبر العمل الأمنى هو الأسلوب الوحيد لمواجهة التحدى الإرهابى. كما أن قوانين التوبة تساعد فى خلق أزمة سياسية داخل التنظيمات الإرهابية، إذ تنعكس صفح الدولة ورغبتها فى المعالجة السلمية للظاهرة، إضافة إلى أنها وسيلة لاختراق التنظيمات الإرهابية، ومن ثم القضاء عليها وعلى مخططاتها.
ب- كفاءة التصدى الأمنى الراجعة إلى التوافر النسبى للمعلومات والقدرة على تحليلها، ومن ثم النجاح فى إجهاض كثير من العمليات الإرهابية. وتزامن ذلك مع فقدان الإرهاب لأى درجة من التعاطف الجماهيرى، إذ يمثل المتعاطفون ظلام الليل الذى يحتمى فى ثناياه الإرهاب. وأى حركة عنف سياسى لا تحظى بحد أدنى من التعاطف محكوم عليها بالفناء مهما كانت قدرتها التنظيمية ومستوى تسليح وتدريب وتمويل عناصرها.
جـ- إيجابية المواطنين فى تقديم العون الفعال للسلطات، فضلا عن رفض المواطن المصرى بطبيعته، للعنف إذ أن أفعال الإرهاب تتناقض مع تعاليم الإسلام الذى يرفع الإرهاب شعاره ،هذا إلى جانب تطور المعالجة الإعلامية لمشكلة الإرهاب وتأثر المصالح المباشرة للمواطنين من فوران تلك الظاهرة، والإحساس بالتهديد الماثل أمام العيون فيما تنشره وسائل الإعلام من صور لضحايا الإرهاب.
ومع ذلك هناك إدراك فى مصر لكون الأسباب المولدة للإرهاب ما زالت قائمة. فهناك مشكلات اجتماعية تتزايد مع النمو السكانى وفراغ الشارع السياسى.

2- إدراك أهمية البعد الخارجى للإرهاب:
كانت مصر من أولى دول العالم التى تنبهت لخطورة البعد الخارجى للإرهاب والعنف المسلح، وبدأت تحركاتها على المستوى العالمى منذ الثمانينيات بالتركيزعلى عالمية تلك الظاهرة. وكان هدف مصر من هذه الدعوة أن تؤكد على أن خطر الإرهاب لا يمس دولا بعينها معنية بدرئه، وإنما هو خطر عام شامل يمثل دفعه مصلحة عامة لشتى دول العالم. وداخل هذا الإطار العام جاء التحرك المصرى على عدة مستويات، وفى خطوط متوازية. فعلى مستوى نطاق التحرك تعمل مصر عبر المجال الثنائى والمتعدد، خاصة نطاق المنظمات الدولية والإقليمية، وتتخذ من التعاون الأمنى والقضائى خطوطا متوازية مع التعاون السياسى والدبلوماسى، فضلا عن خط التأطير القانونى لمكافحة الإرهاب والعنف المسلح، وتسير مصر فى هذه الخطوط رأسيا على جميع المستويات الثنائية والإقليمية والعالمية.
فعلى المستوى الثنائى، تجرى مصر منذ سنوات عديدة اتصالات مستمرة بمختلف دول العالم لتكثيف الجهود المشتركة فى هذا المجال، خاصة فى نطاق عقد اتفاقيات أمنية أو قضائية تكفل تسليم المجرمين المحكوم عليهم أو المطلوبين للمحاكمة، أو على الأقل تحقق درجة من الشفافية فى تبادل المعلومات والمساعدة القضائية والأمنية. وقد تحقق تقدم نسبى فى هذا الصعيد تتمثل أهم ملامحه فى عدد من الاتفاقيات الثنائية مع الدول الأجنبية مثل بولندا، التى تم توقيع اتفاق تعاون أمنى معها فى 18 أكتوبر عام 1996، يتضمن تبادل المعلومات والخبرات الفنية والتدريبية وتوسيع قاعدة التنسيق بين الأجهزة الأمنية فى البلدين فى مجالات الجريمة المنظمة والمخدرات والتزييف والتزوير ومختلف الأنشطة التى تمس أمن كل منهما، وكذلك يجرى التعاون من خلال اتفاقيات أمنية مع دول أخرى كالمجر ورومانيا، إضافة إلى اتفاقيات تبادل تسليم مجرمين كما فى حالة اليونان والتى تم التوصل معها مؤخراً إلى صيغة اتفاق تعاون أمنى يحقق تقدما كبيراً فى مجال مكافحة الإرهاب والعنف المسلح. ولا يعنى اهتمام مصر بالاتفاقيات الثنائية على المستوى العالمى تجاهل النطاق العربى أو المستوى الإقليمى. فلمصر تعاون قديم ومستمر مع تونس فى هذا المجال. تم فى إطاره عقد اتفاقية تعاون أمنى فى 6 يناير عام 1994، نصت على تبادل المعلومات الأمنية بما فيها المتعلق بالجريمة المنظمة ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة تقوم بالتنسيق فى تبادل المعلومات الأمنية خصوصاً فى مكافحة الإرهاب الدولى.
كما جرت اتصالات عدة مع اليمن وتمت لقاءات أمنية متعددة، حققت تقدما على طريق عقد اتفاقية أمنية خاصة فى مجال تسليم المطلوبين، ومكافحة الإرهاب بصفة عامة. وربما تحتل باكستان أهمية خاصة فى تحرك مصر الخارجى لمكافحة الإرهاب والعنف المسلح نظراً لمجاورتها لأفغانستان ووجود عدد غير قليل من العناصر المطلوبة، فضلاً عن كونها معبراً لغير المقيمين بها. وجاء تفجير السفارة المصرية فى إسلام أباد فى 19 نوفمبر عام 1995، ليدل على مدى صعوبة الحالة الباكستانية وأهميتها بالنسبة لمصر. وبالفعل توصل البلدان لاتفاق أمنى وقع فى مارس عام 1996، ينص على تبادل المعلومات بشأن الأنشطة والجرائم التى ترتكبها المجموعات الإرهابية وإمكانية تبادلها بين البلدين، فضلاً عن التعاون فى مجال مكافحة الجريمة المنظمة وحماية وسائل النقل الجوى والبحرى والبرى، خاصة فى مواجهة جرائم العنف والمخدرات. وتمثل هذه الاتفاقية نقلة فى التعاون المصرى مع الأطراف الإقليمية ذات الصلة بمجال مكافحة الإرهاب والعنف المسلح.
فى نفس السياق تبذل مصر منذ سنوات جهوداً متصلة لعقد اتفاقيات مماثلة أو شبيهة مع الدول الأخرى ذات الصلة وأهم تلك الدول بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والدانمارك وكرواتيا والسودان واليمن وقطر وسويسرا. ولكن هذه الجهود المصرية الحثيثة تصطدم أحيانا بمشكلة مؤداها أن هذه الاتفاقات تختلف معايير تطبيقها وحالات سريانها فى مصر عنها فى بعض تلك الدول.
وعلى مستوى المنظمات الدولية والإقليمية، لم تنقطع جهود مصر فى سبل حشد الإمكانيات لمواجهة أعمال العنف بشتى أشكالها. فعلى سبيل المثال أثناء مؤتمر القمة الإسلامى 9- 11 ديسمبر عام 1997 فى طهران ، نجحت مصر فى توجيه دفة جدول أعمال المؤتمر لوضع مكافحة الإرهاب فى الصدارة، رغم وجود بعض التحفظات من إيران ودول أخرى، وأصدر المؤتمر قراراً يدين الإرهاب بجميع صوره ويدعو لعقد اتفاقية بين الدول الإسلامية فى مجال مكافحة الإرهاب، مع التأكيد على التمييز بين الإرهاب والعنف المسلح المشروع وحق الشعوب فى الكفاح ضد الاستعمار وحقها فى تقرير المصير. وقد جاء التحرك المصرى فى منظمة المؤتمر الإسلامى لينضم إلى تحركاتها الأخرى لدى الأمم المتحدة، وفى هذا الصدد فقد بدأ الدور المصرى فى هذه القضية منذ سنوات طويلة،لكن مصر بدأت فى تكثيف جهودها منذ منتصف التسعينيات تقريباً مع بروز خطورة الوجه الخارجى للإرهاب والعنف غير المشروع، خاصة بعد حادثتى محاولة اغتيال الرئيس مبارك بأديس أبابا فى يونيو عام 1995، وتفجير السفارة المصرية بإسلام أباد فى نوفمبر من نفس العام. فقد تقدمت فى مصر فى أكتوبر عام 1995، بعد محاولة الاغتيال، بمشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها العادية فى أكتوبر عام 1995 يتضمن:
أ- دراسة بند الإرهاب كل عام بدلا من كل عامين.
ب- يقوم السكرتير العام للمنظمة بتقديم تقرير سنوى عن حوادث الإرهاب لدراستها وبيان كيفية التصدى لها.
جـ- العمل على تنفيذ الإعلان الرئاسى الصادر عن مجلس الأمن عام 1992 لمكافحة ظاهرة الإرهاب.
د- زيادة التعاون بين منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة فى مجال مكافحة الإرهاب.
وكان نفس العام قد شهد قبل حادث أديس أبابا انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة التاسع لمنع الجريمة بالقاهرة فى أبريل، وهو أحد أهم المحافل الدولية التى قامت فيها مصر بتحركات واسعة لمحاصرة خطر الإرهاب من خلال السعى الدؤوب إلى اعتبار الإرهاب أحد أنواع الجريمة المنظمة وهو ما نجحت مصر فى حشد تأييد المؤتمر له. كما وافق المؤتمر على ما طالبت مصر أن يتضمنه الإعلان الصادر عنه ويتمثل فى عدة نقاط أهمها:
أ- إدانة الجرائم المنظمة والجرائم الإرهابية إدانة قاطعة بمختلف أشكالها وصورها وممارستها، أينما ارتكبت وأيا كان مصدرها.
ب- دعوة الدول لاتخاذ تدابير وطنية فعالة حسبما تقتضى الحاجة، وبما يتفق مع مبادئ القانون الدولى، فى مجالات التشريع والتحقيق وتنفيذ القوانين والجرائم المنظمة عبر الوطنية والقضاء عليها.
جـ- دعوة الدول إلى التعاون وتبادل المعلومات التقنية وتقاسم الخبرات فى مجال مكافحة استخدام عائدات الجريمة، وخاصة الجريمة المنظمة فى تمويل الإرهاب، والتعاون فى المجالين القانونى والقضائى، خاصة بشأن تسليم المجرمين، من خلال إبرام اتفاقيات ثنائية أو إقليمية، أو دولية أو غير ذلك من الاتفاقيات بين الدول المعنية.
د- دعوة اللجنة العامة للمؤتمر إلى أن تطلب من أجهزة الأمم المتحدة المختصة، جمع المعلومات أو الروابط بين الجريمة المنظمة عبر الوطنية والجرائم الإرهابية، والتنسيق بين أنشطتها، وتيسير حصول الدول على تلك المعلومات.
هـ- دعوة اللجنة إلى إنشاء فريق عمل دولى حكومى مفتوح العضوية يعمل فى إطارها، للنظر فى التدابير اللازمة لمكافحة الجرائم المنظمة عبر الوطنية، تمهيدا لصياغة مدونة سلوك أو أى صك قانونى آخر، على أن يقدم الفريق تقريراً إلى اللجنة عن أعماله، كذلك امتدت الجهود المصرية فى الأمم المتحدة إلى العمل على تفعيل الآليات والسبل القائمة بالفعل وليس فقط استحداثها، حيث تجد مصر فيما قامت به الأمم المتحدة من قبل أساسا يمكن الاستناد إليه، خاصة فيما يتعلق بالاتفاقات والصكوك الدولية المبرمة فى إطار المنظمة، ويتناول كل منها جانباً من جوانب الإرهاب كظاهرة معقدة ومتشابكة الأبعاد. ومن أهم تلك الاتفاقات:
أ- اتفاقية القضاء على الإرهاب الموجه ضد السفارات وضد الدبلوماسيين وضد الأشخاص الدوليين الآخرين المشمولين بالحماية- الأمم المتحدة، 14 ديسمبر عام 1973.
ب- اتفاقية مناهضة احتجاز الرهائن- الأمم المتحدة، 17 ديسمبر عام 1979.
جـ- مجموعة اتفاقيات قمع أعمال العنف غير المشروع فى المطارات التى تخدم الطيران المدنى الدولى- لاهاى 1970 - مونتريال 1971 - طوكيو عام 1993..).
د- اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة الموجهة ضد سلامة الملاحة البحرية - روما، 10 مارس 1988.
هـ- اتفاقية متعلقة بالكشف عن المتفجرات البلاستيكية - أول مارس عام 1991.
و- اتفاقية الحماية المادية للمواد النووية- فيينا، 3 مارس عام 1980.

3- الدعوة الى مؤتمر لإبرام اتفاقية دولية لمكافحة الإرهاب :
تبذل مصر جهوداً حثيثة من أجل إبرام اتفاقية دولية لمكافحة الإرهاب تتميز بالشمول والالتزام فى جميع الجرائم والممارسات التى تندرج فى إطار العنف غير المشروع والإرهاب بصفة عامة انطلاقا من الحاجة إلى توحيد وتقنين الجهود المبذولة لمعالجة الإرهاب والجريمة المنظمة بمختلف صورها. وإذا كان عدم تمكن المجتمع الدولى من تحديد معنى متفق عليه عالميا للإرهاب قد أرجأ بلورة الجهود المتصلة بوضع اتفاقية عالمية لمكافحة تلك الجرائم فإن خطورتها تفرض وضع حد ادنى لقواعد سلوك للدول الأعضاء باتخاذ تدابير وقائية فعالة لمكافحتها بالشكل الذى يتفق ومبادئ القانون الدولى وذلك من شأنه:
أ- توجيه الاهتمام الدولى نحو موضوع لا شك فى خطورته.
ب- تعزيز مختلف صور التعاون الدولى الثنائية والإقليمية.
جـ- أن تؤدى مناقشة الموضوع إلى تحسين المعرفة بطبيعة وخصائص هذه المشكلة والتعمق فى دراستها على المستوى العالمى.
د- أنه يساعد على تسليط الضوء على أنسب الاستراتيجيات والتكتيكات لمكافحة هذه الظاهرة فى ظل العلاقات المتبادلة القائمة داخلها.
وترى مصر أن الوقت قد حان للتغلب على أهم عقبة تحول دون نجاح جهود المكافحة الدولية وهى عدم وجود إطار موحد ينظم جهود المكافحة، ولعقد اتفاقية دولية لمواجهة الإرهاب على غرار المعاهدة الدولية التى تم التوصل إليها فى مؤتمر هافانا لمكافحة الجريمة المنظمة. وتمثل الدعوة التى وجهها الرئيس حسنى مبارك فى يناير عام 1986 أمام الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا بمدينة ستراسبورج لعقد مؤتمر دولى حول الإرهاب نقطة البداية لإنشاء آلية دولية تحت مظلة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب على غرار آلية مكافحة المخدرات نقطة، ارتكاز واضحة يستطيع العالم أن يبدأ منها مواجهته الحازمة مع هذه الظاهرة الخطيرة وللتنسيق بين أجهزة الأمن المحلية والدولية، حيث أن هناك حاجة لمزيد من التعاون بين الدول الأعضاء لإحكام القبضة على الجماعات الإرهابية، خاصة فيما يتعلق بتبادل المعلومات وتسليم المجرمين بالإضافة إلى سد الثغرات بالنسبة لإساءة استعمال حق اللجوء السياسى التى تبيح لهؤلاء الهروب من العدالة.
وتهدف الدعوة إلى عقد مؤتمر دولى حول الإرهاب إلى استكمال النقص فى مجالات التعاون الدولى من ناحية، ومواجهة الملامح الجديدة للظاهرة من ناحية أخرى، مع الأخذ فى الاعتبار أن التعاون والتنسيق لن يكون مقصورا على الحكومات وحدها، بل بين الحكومات والشعوب أيضا. لذا أيدت مصر قرار قمة الدول الصناعية الكبرى التى عقدت فى مدينة ليون بفرنسا فى 27 يونيو عام 1996، وخاصة دعوة فرنسا الى عقد مؤتمر عالمى على مستوى الخبراء ووزراء الداخلية والخارجية لبحث إجراءات محددة من أجل محاربة الإرهاب. ولكن كى تكتمل جهود مكافحة الإرهاب على المستوى الدولى فلابد من الاستجابة لدعوة الرئيس مبارك لعقد مؤتمر دولى يبحث سبل مكافحة هذه الظاهرة لعدة اعتبارات: أولها، أن سبل مواجهة الإرهاب التى درج المجتمع الدولى على استخدامها لم تعد رغم أهميتها قادرة وحدها على مكافحة هذه الظاهرة وآثارها. فالجهود الوطنية ما تزال هى الأساس لكنها لا تكفى فى مواجهة تنظيمات تعمل من الخارج. والاتفاقات الأمنية الثنائية بين الدول ذات أهمية لكنها لا تؤدى إلى مواجهة شاملة. والمطلوب هو تحول المواجهة إلى عمل قانونى وحركة سياسية دولية نشطة من خلال مؤتمر دولى ينتج عنه اتفاقية دولية جماعية ملزمة تضع استراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب. وثانيها، أن يتم من خلال المؤتمر الاتفاق على تعريف محدد مانع جامع متفق عليه بين الدول لظاهرة الإرهاب، بما يساهم فى إزالة أهم عقبة فى سبيل المكافحة الفعالة. وثالثها عقد اتفاقية دولية تلتزم فيها الدول بمنع تصدير الإرهاب وعدم السماح باتخاذ أراضيها مسرحاً للتخطيط أو التحريض على ارتكاب جرائم فى دول ثانية وتجريم تمويل وتسليح وإيواء التنظيمات الإرهابية. ورابعها، استبعاد الإرهاب من نطاق الجرائم السياسية أو المرتكبة بدافع سياسى، ومن ثم تنظيم مسائل تقديم المأوى أو منح اللجوء السياسى ومنح تأشيرات الدخول على نحو يحرم منها الجماعات والأفراد الذين ثبت تورطهم فى أعمال الإرهاب بالتخطيط أو التنفيذ أو التنسيق أو التمويل أو التدريب أو التسليح وأن تتعهد الدول المتعاقدة بعدم منح اللجوء السياسى للإرهابيين وتسليمهم للدول التى تطلبهم. وخامسها، أن تضمن المعاهدة أيضا حق السلطات الوطنية المعنية بالدول الأعضاء أن تطلب من جهاز الانتربول الدولى المساعدة فى البحث عن إعادة العناصر المتورطة فى ارتكاب عمليات إرهابية مع إنشاء جهاز دولى خاص يناط به تنسيق عمليات مكافحة الإرهاب بين الدول حتى تكون للمعاهدة فاعلية. سادسها، إقرار مبدأ فرض عقوبات اقتصادية وأخرى ذات طبيعة مؤثرة على الدول التى تخالف هذه القواعد وتتورط فى أعمال الإرهاب بالمساعدة أو الإيواء أو التدريب أو التمويل أو التسليح.. أو تقديم المعلومات أو وسائل الاتصال والمواصلات أو غيرها من التسهيلات، ذلك على أن تتدرج وتتناسب هذه العقوبات مع حجم وطبيعة تورط الدولة المعنية فى أنشطة الإرهاب.
ومن أجل تحويل هذه الرؤية إلى واقع، ترى مصر ضرورة معاقبة الإرهابيين فقط دون فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على الشعوب بسبب ارتكاب عناصر منها أو حكامها لجرائم مساندة الإرهاب. فتلك العقوبات تعانى منها الشعوب ، بينما يمرح الإرهابيون مطلقى السراح.

ثانيا: الاستراتيجية العربية
قادت بعض الدول الجهود الإقليمية فى محيطها بهدف بلورة رؤية إقليمية لمواجهة ظاهرة الإرهاب. وقد تعددت هذه الجهود ومن أهمها جهود منظمة دول أمريكا اللاتينية، والدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامى، والاتحاد الأوروبى، ومنظمة الوحدة الأفريقية، وغيرها.
وتعد الرؤية العربية إحدى أهم الرؤى الإقليمية المتكاملة حول ظاهرة الإرهاب وكيفية مكافحتها. وبدأت الجهود العربية لمكافحة الإرهاب بالتوصل إلى الاستراتيجية الأمنية العربية التى أقرها مجلس وزراء الداخلية العرب فى عام 1983. وفى إطار الخطة الأمنية العربية الأولى شكلت اللجنة العربية للجرائم المنظمة التى تناولت فى اجتماعها الأول موضوع الإرهاب. وبناء على توصيات اللجنة التى عرضت على المجلس فى دورته السادســة بتاريــــخ 12/12/1987، أصدر قرارا يقضى بتكليف الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب بإعداد مشروع استراتيجية عربية لمكافحة الإرهاب بالتنسيق مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.
وفى مطلع عام 1988، أصدر مجلس وزراء الداخلية العرب قرارا ينص على تشكيل لجنة من ممثلى الدول العربية على مستوى الخبراء وبمشاركة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وأمانة مجلس وزراء الداخلية العرب لوضع تصور عربى لكيفية مواجهة ظاهرة الإرهاب.
وبمشاركة الأمانة العامة ومجلس وزراء الداخلية العرب عقدت لجنة الخبراء اجتماعها فى الفترة من 22- 24أغسطس 1989، وفى ضوء الورقة المقدمة من الأمانة العامة توصلت اللجنة إلى تعريف إجرائى للإرهاب يشمل كل صوره.
وفى الدورة التاسعة لمجلس وزراء الداخلية العرب فى يناير عام 1992، طالبت مصر وتونس بأهمية التصدى للجماعات المتطرفة. وفى الدورة العاشرة للمجلس يناير عام 1993، تقدمت مصر بورقة عمل عن تجربتها فى مواجهة الجماعات الإرهابية، وقدمت تونس تجربتها فى القضاء على الإرهاب. وطالبت مصر بأهمية وضع استراتيجية عربية لمواجهة الإرهاب وتقرر إنشاء مكتب للإعلام الأمنى بالقاهرة فى نطاق الأمانة العامة لمجلس وزراء الداخلية العرب، وفى الدورة الحادية عشرة يناير عام 1994،تم الاتفاق بين مصر وتونس والجزائر على خطة أمنية لمكافحة كل أنواع الجرائم .
وفى الدورة الثانية عشرة بتونس يناير 1995، تم تشكيل لجنة حكومية لمتابعة رؤوس الإرهاب بالخارج وقدمت مصر مدونة سلوك لمكافحة الإرهاب حاولت السودان عدم إدراجها على جدول الأعمال، وتم تشكيل لجنة لدراسة الاقتراح المصرى لعرض نتائج أعمالها على الدورة الثالثة عشرة فى يناير بتونس عام 1996، حيث تم إقرار مدونة السلوك التى قدمتها مصر بالإجماع. واتفقت الدول العربية فى هذه المدونة على إدانة كل أعمال الإرهاب أيا كان مصدرها، وتم الاتفاق على ضرورة استكمال دراسة مشروع الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب ليأتى مشروعا متكاملا يعكس وجهات نظر الدول العربية ويلبى تطلعاتها نحو مجتمع عربى أكثر أمنا واستقراراً. وفى هذا الإطار بدأ فى 19 مارس عام 1996، الاجتماع التاسع للجنة الاستشارية التابعة لمجلس وزراء الداخلية العرب لتقييم وتوجيه البرامج الإعلامية من ناحية تأثيرها على السلوك الأمنى وتعزيز المواجهة الإعلامية والدفاع عن الإسلام وقيمه السامية.
وفى إطار التحرك والعمل العربى الجماعى تم إقرار الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب فى اجتماعات الدورة 15 لمؤتمر وزراء الداخلية العرب فى 5 يناير عام 1998، وتم وضع عدد من الآليات لتنفيذ هذه الاتفاقية لمواجهة الإرهاب وتفعيل المواجهة لظاهرة عابرة للحدود. وتم التوقيع على الاتفاقية فى 22 أبريل عام 1998 فى جلسة استثنائية مشتركة لوزراء العدل والداخلية العرب، كما قدمت مصر للمجلس بيانا لإدانة الإرهاب أقره المجلس بالإجماع استكمالا لمحاور التعاون الأمنى والقضائى بين مجلس وزراء العدل والداخلية العرب.
وأكد الاتفاق العربى لمنع ظاهرة التطرف والإرهاب أن الكفاح المشروع ضد الاحتلال لا يعد من الجرائم الإرهابية. وتعتبر الاتفاقية التى تضم 46 مادة أن حالات الكفاح المشروع ضد الاحتلال الأجنبى من أجل التحرر وتقرير المصير لا تعد من الجرائم الإرهابية وفقا لمبادئ القانون الدولى، ويعتبر هذا الموقف تشريعا للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلى.
ومن ناحية ثالثة، هناك جهود عربية إعلامية لمواجهة الظاهرة سواء من خلال الإعلام الأمنى تحت إشراف وزارات الداخلية العربية أو من خلال أجهزة ووسائل الإعلام ذاتها. وكانت البداية الحقيقية للتعاون العربى فى مجال مكافحة الإرهاب عبر وسائل الإعلام منذ عام 1993، ففى ديسمبر من ذلك العام ناقشت اللجنة الدائمة للإعلام العربى تقريرا هاما تحت عنوان دور الإعلام العربى إزاء ظـاهرة التطرف والإرهاب.
أما على صعيد مجلس وزراء الإعلام فقد ناقش للمرة الأولى، فى دورته السادسة والعشرين التى عقدت بالقاهرة فى يوليو عام 1993، قضية الإرهاب وقرر وضع آليات لمواجهة التطرف، وتمت مناقشة خطة لمواجهة الإرهاب، تدعو إلى توعية الرأى العالم داخل الوطن العربى وخارجه بمخاطر مشكلة الإرهاب، وذلك من خلال تغطيتها إعلاميا على أوسع نطاق ممكن، وتبصير الرأى العام العربى من خلال مواد إعلامية مسموعة ومقروءة بمسئولياته الأسرية نحو حماية الأجيال الناشئة من السقوط فى براثن الإرهاب، وضرورة وضع خطة للتنوير الدينى لتقديم الدين فى صورته الصحيحة بعيدا عن روح التعصب، وتكثيف البرامج الإعلامية التى تبرز خطورة الإرهاب على الاقتصاد العربى، والتزام وسائل الإعلام بالموضوعية حتى لا تقع فريسة للشائعات، والتمييز بين الإرهاب والنضال المشروع للشعوب، وإدراج ظاهرة الإرهاب ضمن نشاطات مكاتب الجامعة العربية فى الخارج من خلال المحاضـرات واللقاءات الصحفية.
وقد أوصى المجلس فى دورته 27 التى عقدت عام 1994، بضرورة الإسراع بوضع آليات للتعاون العـربى الإعلامى فى سبيل القضاء على ظاهرة التطرف.
وفى الدورة 28 للمجلس عام 1995، تصدرت قضية الإرهاب جدول الأعمال، وقد وافق المجلس خلال هذه الدورة على مشروع قرار قدمته الجزائر بعنوان قواعد سلوك للدول الأعضاء فى مجلس وزراء الإعلام العربى لمكافحة الإرهاب والتطرف. وقد حث المشروع على تأكيد التزام الدول الأعضاء بتقوية نشاطها فى مجال الإعلام لمواجهة الحملات المغرضة ضد العالم الإسلامى، وإدانة ممارسات المجموعات الإرهابية، ودعا المشروع وسائل الإعلام المقروءة الى نشر الأخبار التى تخدم وحدة الأمة العربية والإسلامية، بعيدا عن المظاهر المتطرفة والإرهابية والتزام الدول الأعضاء بعدم نشر الأخبار التى تشجع على الإرهاب.
وفى 4 سبتمبر عام 1995، عقد أول مؤتمر للإعلام الأمنى فى تونس من أجل تدعيم التعاون الإعلامى العربى فى مجال مكافحة الإرهاب، حيث أقر استراتيجية إعلامية عربية للتوعية الأمنية.
وقد ظلت قضية الإرهاب تتصدر جداول أعمال المجلس فى أعمال دورتيه 29 التى عقدت بالقاهرة فى يوليو عام 1996، و30 التى عقدت بالقاهرة فى يوليو عام 1997، حيث أعاد المجلس التأكيد على أهمية التعاون الإعلامى العربى لمواجهة الإرهاب. أما على صعيد المؤتمر الأمنى الإعلامى العربى، فقد عقد دورته الثانية فى يوليو عام 1997، بالعاصمة التونسية، وناقش آليات تنفيذ الاستراتيجية الإعلامية العربية لمكافحة الإرهاب التى تم إقرارها خلال الاجتماع الأول للمؤتمر الذى عقد فى سبتمبر عام 1995.
والملاحظ أن الجهود العربية واجهت مشكلة تعريف ظاهرة الإرهاب ومفهومها، باعتبارها من أهم المشكلات التى تواجه أى تجمع إقليمى يستهدف إلى التوصل إلى التعاون من أجل التصدى للإرهاب ولذا طرحت الاستراتيجية الأمنية العربية لمكافحة الإرهاب، وكذلك الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب والتطرف تعريفاً إجرائيا لتخطى مشكلة الاتفاق على تعريف محدد. ونصت المادة الأولى من الاتفاقية العربية فقرة 2 على أن الإرهاب هو كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إجرامى فردى أو جماعى ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بإحدى المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر.
واعتنقت الاتفاقية العربية معيارا مزدوجا لتحديد ما يعد من أعمال العنف إرهاباً. فالشق الأول مادى: يتمثل فى الصور التى أوردتها الاتفاقية فى الفقرة 3 من المادة الأولى حين حددت المقصود بمصطلح الجريمة الإرهابية إذ نصت على أنها أى جريمة أو شروع فيها ترتكب تنفيذاً لغرض إرهابى فى أى من الدول المتعاقدة أو على رعاياها أو ممتلكاتها أو مصالحها يعاقب عليها قانونها الداخلى، كما تعد من الجرائم الإرهابية الجرائم المنصوص عليها فى الاتفاقيات الدولية عدا ما استثنته تشريعات الدول المتعاقدة أو التى لم تصادق عليها .
والشق الثانى موضوعى متعلق بالباعث على ارتكاب أعمال العنف، فقد اعتبرت الاتفاقية العربية أنه حينما يتعلق الأمر بحالة من حالات الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبى من أجل التحرر وتقرير المصير، فإن أعمال العنف لا تعد إرهاباً وقد اشترطت الاتفاقية ولمزيد من التحديد للمعيار الموضوعى ألا تكون أعمال العنف موجهة إلى دولة عربية بهدف المساس بوحدة أراضيها وإلا فإنها تعد وفقاً لمفهوم الاتفاقية عملاً إرهابياً.
ونتيجة لاعتبار الاستراتيجية العربية الأعمال الإرهابية بمثابة جرائم القانون العام يجب تسليم محاكمة مرتكبيها الذين يوصفون وفقاً لأحكام الاتفاقية العربية بأنهم مجرمين إرهابيين. ويقصد بتسليم المجرمين مجموعة الإجراءات القانونية التى تهدف إلى قيام دولة بتسليم شخص متهم أو محكوم عليه إلى دولة أخرى لكى يحاكم بها أو ينفذ فيها الحكم الصادرة عليه من محاكمها (المادة (1) فى المعاهدة النموذجية لتسليم المجرمين الصادرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 45/116).
وأطراف التسليم هى الدول:دولة طالبة التسليم ودولة مطلوب منها التسليم. وحالات التسليم، بالنظر إلى المركز القانونى للشخص المطلوب تسليمه، حالتان:
الأولى: حالة طلب تسليم شخص إلى الدولة الطالبة من أجل محاكمته بها وفقاً لقانونها وأمام قضائها لارتكابه جريمة تخضع للاختصاص التشريعى والقضائى لهذه الدولة.
الثانية: حالة طلب تسليم شخص إلى الدولة الطالبة التى أصدرت محاكمها حكما يجب تنفيذه بها.
وتعتبر المعاهدات الدولية المصدر الرئيسى المنظم لأحكام تسليم المجرمين، سواء كانت معاهدات ثنائية كالاتفاقية المصرية الجزائرية المبرمة سنة 1964، والاتفاقية المصرية التونسية المبرمة سنة 1976. أو معاهدات جماعية كاتفاقية جامعة الدول العربية المبرمة فى سنة 1952، واتفاقية الرياض للتعاون القضائى فى المواد الجزائية والمدنية والتجارية ومسائل الأحوال الشخصية المبرمة سنة 1983، والاتفاقية الأوروبية لتسليم المجرمين المبرمة سنة 1957.
وفى الحالة العربية فإن مسألة تسليم مرتكبى الأعمال الإرهابية تجد أساسها فى القرار الصادر بالموافقة على اتفاقية تسليم المجرمين فى 14 سبتمبر سنة 1952، من مجلس جامعة الدول العربية والتى أشارت فى المادة الأولى منها إلى أن تقوم كل دولة من دول الجامعة العربية الموقعة عليها بتسليم المجرمين الذين تطلب إليها إحدى هذه الدول تسليمهم، ثم أشارت المادة الرابعة من الاتفاقية إلى استثناء مرتكبى الجرائم السياسية من مبدأ التسليم ونصت على أنه لا يجرى التسليم فى الجرائم السياسية وتقدير كون الجريمة سياسية هو أمر متروك للدولة المطلوب إليها التسليم على أن يكون التسليم واجبا فى الجرائم الآتية:
1- جرائم الاعتداء على ملوك ورؤساء الدول أو زوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم.
2- جرائم الاعتداء على أولويات العهد.
3- جرائم القتل العمد.
4- الجرائم الإرهابية .






الخــــاتـــمـة

إذا كان الأمن القومى لأية أمة يرتبط بحماية القيم الجوهرية من التهديدات الداخلية والخارجية وتحقيق التنمية التى لا يمكن أن يقدر لها النجاح إلا فى ظل الاستقرار، فإن الإرهاب يهدد هذا الأمن باعتباره عنفا منظما يوجه ضد السلطة فى الدولة لإجبارها على إلغاء أو تعديل قيم المجتمع بما يتفق ورغبة القائمين بالإرهاب، كما يهدد عملية التنمية فى أساسها. وهذا الدور للإرهاب هو ما يعطيه هذه الأهمية فى الصراع السياسى فى الوقت الراهن.
ويبدو أن ظاهرة الإرهاب سوف تميز السنوات القادمة من القرن الحادى والعشرين، إذا استمرت الظروف غير العادلة بالنسبة لكثير من الشعوب وتواصل التمييز والكيل بمكيالين فى المسائل الدولية، وإذا ازدادت المشكلات الداخلية وحالات عدم الاستقرار السياسى، والتحديات العرقية التى أدت إلى إضعاف العديد من الدول، فى الوقت الذى أصبحت فيه الحدود الدولية أكثر هشاشة، الأمر الذى جعل من السهل على الإرهاب ومؤيديه الانتقال من دولة إلى أخرى دون التعرف عليهم.
وهذا يفرض على المجتمع الدولى الاسراع فى وضع أسس عملية استراتيجية للمكافحة على المدى المنظور، خاصة وأن الجهود الحالية غير مرضية ولا يمكن التعويل عليها للقضاء على الظاهرة أو الحد منها إذ أن الإرهاب أصبح ظاهرة معقدة تحتاج إلى تفعيل الإرادة الدولية لمواجهتها بحزم، وإلا أصبح مستقبل البشرية كلها فى خطر





***********




الإراء و الأفكار الواردة في كافة المواد المنشورة في الموقع تعير عن وجهات نظر كاتبيها فقط و لا تعبر بالضرورة عن رأي أو توجه سياسة المنتدى




تحياتي





ميــــــــــــــــلاد

الوفاء طبعي
14th December 2005, 09:54 PM
معقولة كل هي المعلومات والبحوث موجودة مع ميلاد ولا يطرحها من زماان



يسلموو يسلموو ميلاد لا هنت تقبل التحية والاحترام



اسئل من الله ان يكتبها في ميزان حسناتك

الوجيـه
18th December 2005, 07:32 PM
ما تقصر يا حبيب الشعب

haltet
18th December 2005, 10:59 PM
مشكور
غير هذا الكلمة ما املك
لانك بصراحة اذهلتني

الرحال 1
19th December 2005, 11:17 AM
يسلموووووو اخوي جزاك الله الف خير على الموضوع الجميل

كسير الشوق
30th December 2005, 01:25 PM
مشكور اخوي على الموضوووع وبارك الله فيك
لا تبخل علينا بمواضيعك الطيبه والله حلووه وفيها افاده

عــيــ@@ــناوية
1st January 2006, 09:28 AM
ميلاد


دائما تبهرنا باشيائك الغريبه

وها انا اقرا معلومات تكاد تكون بعض الشي غريبه وجديده

سلمت اناملك التي كتبت ونقلت

لاعدمنا جديدك

عيون الكستنا
28th February 2008, 08:19 PM
http://www.ojqji.net/up_vb/uploads/304a5b58d1.gif


ميلاد اليماني

ملف عن الارهاب لا غنى لنا عن اقتناءه

الله يعطيك العافية






http://www.ojqji.net/up_vb/uploads/304a5b58d1.gif