المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سورة آل عمران


الوجيـه
13th December 2005, 11:21 AM
[align=center][color=#FF0000][size=5]سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان

التعريف بسورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة هو روحها وباعثها وهو قوامها وكيانها وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها وهو دستورها ومنهجها وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة كما يستمد منه الدعاة وسائل العمل ومناهج الحركة وزاد الطريق ولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي ; ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة ; ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض ; وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها ; وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها ; وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ; ويتنزل القرآن
حينئذ ليواجه هذا كله ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة مع نفسها التي بين جنبيها ومع أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما وفيما وراءهما كذلك أجل يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية وفي حياتها الواقعية وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة وهي تعثر وتنهض وتحيد وتستقيم وتضعف وتقاوم وتتألم وتحتمل وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة وفي صبر ومجاهدة تتجلى فيها كل خصائص الإنسان وكل ضعف الإنسان وكل طاقات الإنسان ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها تملك الاستجابة للقرآن والانتفاع بقيادته في ذات الطريق إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا وسنحس أنه معنا اليوم وغدا وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المقروء وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع ; كما أن كليهما كائن ليعمل والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه الشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها والقمر والأرض وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها وجدة هذا الدور في المحيط الكوني والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية وما يزال هو هو فالإنسان ما يزال هوهو كذلك ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان فيمن خاطبهم الله به خطاب لا يتغير لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا هذا نجم قديم رجعي يحسن أن يستبدل به نجم جديد تقدمي أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم رجعي يحسن أن يستبدل به كائن آخر تقدمي لعمارة هذه الأرض إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان وهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في السنة الثالثة وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية وفعل القرآن إلى جانب الأحداث في هذه الحياة وتفاعله معها في شتى الجوانب والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة ; وصورة الاشتباكات والملابسات التي أحاطت بهذه الحياة مع استبطان السرائر والضمائر وما يدب فيها من الخواطر وما يشتجر فيها من المشاعر حتي لكأن قارئها يعيش هذه الأحداث ويعايش الأمة التي كانت تخوضها وتتفاعل وإياها ولو أغمض الإنسان عينيه فلربما تراءت له كما تراءت لي شخوص الجماعة المسلمة رائحة غادية بسماتها الظاهرة على الوجوه ومشاعرها المستكنة في الضمائر ومن حولها أعداؤها يتربصون بها ويبيتون لها ويلقون بينها بالفرية والشبهة ويتحاقدون عليها ويجمعون لها ويلقونها في الميدان وينهزمون أمامها في أحد ثم يكرون عليها فيوقعون بها وكل ما يجري في المعركة من حركة وكل ما يصاحب حركاتها من انفعال باطن وسمة ظاهرة والقرآن يتنزل ليواجه الكيد والدس ويبطل الفرية والشبهة ويثبت القلوب والأقدام ويوجه الأرواح والأفكار ويعقب على الحادث ويبرز منه العبرة ويبني التصور ويزيل عنه الغبش ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر والكيد الماكر ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكن الصدور ومن وراء هذا كله تبقى التوجيهات والتلقينات التي احتوتها السورة خالصة طليقة من قيد الزمان والمكان وقيد الظروف والملابسات تواجه النفس البشرية وتواجه الجماعة المسلمة اليوم وغدا وتواجه الإنسانية كلها وكأنها تتنزل اللحظة لها وتخاطبها في شأنها الحاضر وتواجهها في واقعها الراهن ذلك أنها تتناول أمورا وأحداثا ومشاعر وجدانية وحالات نفسية كأنما كانت ملحوظة في سياق السورة بل هي ملحوظة قطعا في تقدير العليم الخبير بالنفوس والأشياء والأمور ومن ثم يتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وفي أي زمان وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور في هذه الفترة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول ص ومضت خطوة وراء الموقف الذي صورناه من قبل في هذه الظلال في مطلع استعراض سورة البقرة كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش وكان هذا النصر بظروفه التي تم فيها والملابسات التي أحاطت به تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة ومن ثم اضطر رجل كعبد الله بن أبي بن سلول من عظماء الخزرج أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ونبيه ص وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم ; وأن ينضم منافقا للجماعة المسلمة وهو يقول هذا أمر قد توجه أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يرده عنها راد
بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة أو تمت وأفرخت فقد كان هناك قبل بدر من اضطروا لمنافقة أهلهم الذين دخلوا في الإسلام وأصبحت مجموعة من الرجال ومن ذوي المكانة فيهم مضطرة إلى التظاهر بالإسلام والانضمام إلى المجتمع المسلم بينما هي تضمر في أنفسها الحقد والعداء للإسلام والمسلمين ; وتتربص بهم الدوائر ; وتتلمس الثغرات في الصف ; وتترقب الأحداث التي تضعضع قوى المسلمين أو تزعزع الصف المسلم ليظهروا كوامن صدورهم أو ليضربوا ضربة الإجهاز إذا كان ذلك في مكنتهم وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد وقد هددهم الإسلام تهديدا قويا في مكانتهم بين الأميين من العرب في المدينة ; وسد عليهم الثغرة التي كانوا ينفذون منها للعب بين الأوس والخزرج بعدما أصبحوا بنعمة الله إخوانا وفي ظل الإسلام صفا واحدا مرصوصا وقد غص اليهود وشرقوا بانتصار المسلمين في بدر وارتفع غليان حقدهم على الجماعة المسلمة وانطلقوا بكل ما يمكلون من دس وكيد وتآمر يحاولون تفتيت الصف الإسلامي وإلقاء الحيرة في قلوب المسلمين ونشر الشبهات والشكوك في عقيدتهم وفي أنفسهم على السواء وفي هذه الفترة وقع حادث بني قينقاع فوضح العداء وسفر على الرغم مما كان بين اليهود والنبي ص من مواثيق أبرمها معهم عقب مقدمه إلى المدينة كذلك كان المشركون موتورين من هزيمتهم في بدر يحسبون ألف حساب لانتصار محمد ص ومعسكر المدينة وللخطر الذي يتمثل إذن على تجارتهم وعلى مكانتهم وعلى وجودهم كذلك ومن ثم يتهيأون لدفع هذا الخطر الماحق قبل أن يصبح القضاء عليه مستحيلا وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم كذلك كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة غير متناسق تماما فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد والجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يسوي النتوءات ويوضح حقيقة الدعوة وحقيقة الظروف الملابسة لها وحقيقة منهجها العملي وتكاليفه كان للمنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي مكانتهم في المجتمع وروابطهم العائلية والقبلية لم تنفصم بعد ; ولم ينضج في نفوس المسلمين الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي أسرتهم وهي قبيلتهم وهي وشيجتهم التي لا وشيجة معها ومن ثم كانت هناك خلخلة في الصف الإسلامي بسبب وجود مثل هذه العناصر مندمجة في الصف مؤثرة في مقاديره كما يتجلى ذلك في أحداث غزوة أحد عند استعراض النصوص الخاصة بها في السورة وكان لليهود مكانتهم كذلك في المدينة وارتباطاتهم الاقتصادية والتعهدية مع أهلها ولم يتبين عداؤهم سافرا ولم ينضج في نفوس المسلمين كذلك الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي العهد وهي الوطن وهي أصل التعامل والتعاقد وأنه لا بقاء لصلة ولا وشيجة إذا هي تعارضت مع العقيدة ومن ثم كانت لليهود فرصة للتوجيه والتشكيك والبلبلة وكان هناك من يسمع لقولهم في الجماعة المسلمة ويتأثر به وكان هناك من يدفع عنهم ما يريد النبي ص أن ينزل بهم من إجراءات لدفع كيدهم عن الصف المسلم كما حدث في شفاعة عبد الله بن أبي في بني قينقاع وإغلاظه في هذا للرسول ص ومن ناحية أخرى كان المسلمون قد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل فقد خرج ذلك العدد القليل من المسلمين غير مزودين بعدة ولا عتاد إلا اليسير فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزر الباهر وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله ندرك اليوم طرفا من حكمته ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة لتأخذ بعد ذلك طريقها فأما المسلمون فلعلهم قد وقع في نفوسهم من هذا النصر أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق أليسوا بالمسلمين أليس أعداؤهم بالكافرين وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس وتكوين الصفوف وإعداد العدة واتباع المنهج والتزام الطاعة والنظام واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في غزوة أحد على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء وحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء على رأسهم حمزة رضي الله عنه وأرضاه وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة ويسقط في الحفرة ويغوص حلق المغفر في وجنته ص الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين ويسبق استعراض غزوة أحد وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب سواء منها ما هو ناشىء من انحرافاتهم هم في معتقداتهم وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة وتذكر عدة روايات أن الآيات من نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران اليمن الذي قدم المدينة في السنة التاسعة للهجرة ونحن نستبعد أن تكون السنة التاسعة هي زمن نزول هذه الآيات فواضح من طبيعتها وجوها أنها نزلت في الفترة الأولى من الهجرة حيث كانت الجماعة المسلمة بعد ناشئة وكان لدسائس اليهود وغيرهم أثر شديد في كيانها وفي سلوكها وسواء صحت رواية أن الآيات نزلت في وفد نجران أم لم تصح ; فإنه واضح من الموضوع الذي تعالجه أنها تواجه شبهات النصارى وبخاصة ما يتعلق منها بعيسى عليه السلام وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء به الإسلام وتصحح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بصدقها ولكن هذا الفصل يتضمن كذلك إشارات وتقريعات لليهود وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب وما كان يجاورهم في المدينة من أهل الكتاب ممن يمثل مثل هذا الخطر إلا اليهود وعلى أية حال فإن هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بين العقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها ويتحفزون من حولها ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل وفي أولها زعزعة العقيدة وهي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها إنهم هم هم الملحدون المنكرون والصهيونية العالمية والصليبية العالمية ومن مراجعة نصوص السورة يتبين أن الوسائل هي الوسائل كذلك ; والأهداف هي الأهداف ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة ومرجع هذه الأمة اليوم وغدا كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى وأنه لا يعرض عن استنصاح هذا الناصح واستشارة هذا المرجع في المعركة الناشبة اليوم إلا مدخول يعرض عن سلاح النصر في المعركة ; ويخدع نفسه أو يخدع الأمة لخدمة أعدائها القدامى المحدثين في غفلة بلهاء أو في خبث لئيم ومن خلال المناقشات والجدل والاستعراض والتوجيه في هذا المقطع الأول يتبين موقف أهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم من الجماعة المسلمة والعقيدة الجديدة ممثلا في أمثال هذه النصوص هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ أن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
وهكذا نرى أن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ; ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك ونثر الشبهات وتدبير المناورات كانوا يعمدون أولا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها ومنها قام وجودها فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تماما أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل ; ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها ; ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها ; ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان مرتكنة إلى ركنه سائرة على نهجه حاملة لرايته ممثلة لحزبه منتسبة إليه معتزة بهذا النسب وحده ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية ويحيد بها عن منهج الله وطريقه ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها ملتزمة بمنهجها مدركة لكيد أعدائها ومن ثم يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة والتشكيك فيها والتوهين من عراها استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة ولكن لنفس الغاية القديمة ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أولا كان يأخذ الجماعة المسلمة بالتثبيت على الحق الذي هي عليه ; وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب ; ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين ; ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين ويكشف لها نواياهم المستترة ووسائلهم القذرة وأهدافهم الخطرة وأحقادهم على الإسلام والمسلمين لاختصاصهم بهذا الفضل العظيم وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود فيبين لها هزال أعدائها وهوانهم على الله وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء كما يبين لها أن الله معها وهو مالك الملك المعز المذل وحده بلا شريك وأنه سيأخذ الكفار وهو تعبير هنا عن اليهود بالعذاب والنكال ; كما أخذ المشركين في بدر منذ عهد قريب وكانت هذه التوجيهات تتمثل في أمثال هذه النصوص الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ومن هذه الحملة الطويلة التي اقتطفنا منها هذه الآيات وتنوع توجيهاتها وتلقيناتها تتبين عدة أمور أولها ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها وعمق الكيد وتنوع أساليبه واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها وثانيها ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يتركها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب وثالثها هو ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها ; وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها ومن ثم اقتضت إرادة الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي الضخم البعيد المطارح لتراه الأجيال المسلمة قويا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين أما القطاع الثاني في السورة فهو خاص بغزوة أحد وهو يشتمل كذلك على تقريرات في حقائق التصور الإسلامي والعقيدة الإيمانية وعلى توجيهات في بناء الجماعة المسلمة على أساس تلك الحقائق إلى جانب استعراض الأحداث والوقائع والخواطر والمشاعر استعراضا يتبين منه بجلاء حالة الجماعة المسلمة يومها وقطاعاتها المختلفة التي أشرنا إليها في أول هذا التمهيد وعلاقة هذا المقطع بالمقطع الأول في السورة ظاهرة فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته في مجال المعركة والحديد ساخن كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية وإنه ليصعب استيفاء الحديث هنا عن طبيعة هذا المقطع ومحتوياته وقيمته في بناء العقيدة وبناء الجماعة ولما كان هذا المقطع يقع بجملته في الجزء الرابع من الظلال فلنرجىء الحديث عنه إلى هذا الجزء إن شاء الله ونمضي إلى ختام السورة بعد فصل غزوة أحد فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون كتاب الله المنظور وإيحاءاته للقلوب المؤمنة ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه وخشوع القلب وتقواه ثم تجيء الاستجابة من الله سبحانه فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب وفيه إشارة وعلاقة بغزوة أحد وأحداثها وآثارها ثم يذكر أهل الكتاب الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا وتختم السورة بدعوة المسلمين بإيمانهم إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا
ولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها تتناثر نقطها في السورة كلها وتتجمع وتتركز في مجموعها حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد أول هذه الخطوط بيان معنى الدين ومعنى الإسلام فليس الدين كما يحدده الله سبحانه ويريده ويرضاه هو كل اعتقاد في الله إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو الإسلام وهو في هذه الحالة الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب وهو في صميمه كتاب واحد وهو في صميمه دين واحد الإسلام بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل كل في زمانه متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة ; والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ نضرب له بعض الأمثلة في هذا التعريف المجمل الله لا إله إلا هو الحي القيوم شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وغيرها كثير فأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق ونضرب له كذلك بعض الأمثلة في هذا التعريف بالسورة حتى نواجهه مفصلا عند استعراض النصوص بالتفصيل والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا وغيرها كثير والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله ولا يتبعون منهجه في الحياة وقد أشرنا إلى هذا الخط من قبل ولكنه يحتاج إلى إبراز هنا بقدر ما هو بارز وأساسي في سياق السورة وهذه نماذج من هذا الخط العريض لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلخ لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلخ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر إلخ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد وغيرها كثير وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة في تقرير التصور الإسلامي وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه
والنصوص في مواضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء لقد نزلت في معمعان المعركة معركة العقيدة ومعركة الميدان المعركة في داخل النفوس والمعركة في واقع الحياة ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب من الحركة والتأثير والإيحاء فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل

الله والرسول والقرآن والإيمان في التصور الإسلامي


ألم هذه الأحرف المقطعة ألف لأم ميم نختار في تفسيرها على سبيل الترجيح لا الجزم ما اخترنا في مثلها في أول سورة البقرة إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ; وهي في متناول المخاطبين به من العرب ولكنه مع هذا هو ذلك الكتاب المعجز الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله إلخ وهذا الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور على سبيل الترجيح لا الجزم يتمشى معنا بيسر في إدراك مناسبات هذه الإشارة في شتى السور ففي سورة البقرة كانت الإشارة تتضمن التحدي الذي ورد في السورة بعد ذلك وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين إلخ فأما هنا في سورة آل عمران فتبدو مناسبة أخرى لهذه الإشارة هي أن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو وهو مؤلف من أحرف وكلمات شأنه في هذا شأن ما سبقه من الكتب السماوية التي يعترف بها أهل الكتاب المخاطبون في السورة فليس هناك غرابة في أن ينزل الله هذا الكتاب على رسوله بهذه الصورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل
من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي ص وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من الله كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمدا والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات الله وموقف أهل الزيغ والانحراف والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه وتضرعهم له ومعرفتهم بصفاته تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد سواء منها عقائد الملحدين والمشركين وعقائد أهل الكتاب المنحرفين يهودا أو نصارى على اختلاف مللهم ونحلهم جميعا كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديدا كاملا دقيقا الله لا إله إلا هو فلا شريك له في الألوهية الحي الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته القيوم الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود ; والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد ومفرق الطريق في الحياة والسلوك مفرق الطريق في التصور والاعتقاد بين تفرد الله سبحانه بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية سواء في ذلك تصورات المشركين وقتها في الجزيرة وتصورات اليهود والنصارى وبخاصة تصورات النصارى ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون عزير ابن الله كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم الكتاب المقدس يتضمن شيئا كهذا كما جاء في سفر التكوين الإصحاح السادس
فأما انحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم إن الله ثالث ثلاثة وقولهم إن الله هو المسيح بن مريم واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقد جاء في كتاب الدعوة إلى الإسلام تأليف أرنولد شيء عن هذه التصورات ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك يربط بين الولايات وحاضرة الدولة أما هرقل فقد بذل جهودا لم تصادف نجاحا كاملا في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا من القضاء عليه ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ; وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية وبينهم وبين الحكومة المركزية وكان مجمع خلقيدونية قد اعلن في سنة ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين لا اختلاط بينهما ولا تغير ولا تجزؤ ولا انفصال ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ; وتجتمع في أقنوم واحد وجسد واحد لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين بل متجمعة في أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة وقالوا إنه مركب الأقانيم له كل الصفات الإلهية والبشرية ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة ففي الوقت الذي نجد فيه هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد فالمسيح الواحد الذي هو ابن الله يحقق الجانب الإنساني والجانب الإلهي بقوة إلهية إنسانية واحدة ومعنى هذا أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جدا ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام ذلك بأن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء كذلك يقول باحث مسيحي آخر هو كانون تايلور عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة أما انحرافات عقائد المشركين فقد حكى القرآن عنها عبادتهم للجن والملائكة والشمس والقمر والأصنام وكان أقل عقائدهم انحرافا عقيدة من يقولون عن هذه الآلهة ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
فأمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة الله لا إله إلا هو الحي القيوم فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي لا إله إلا هو الحي الواحد الذي لا حي غيره القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله لا في شريعة أو نظام ولا في أدب أو خلق ولا في اقتصاد أو اجتماع ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شؤون الحياة وما بعد الحياة أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار ولا حدود لحرام أو حلال ولا لخطأ أو صواب في شرع أو نظام في أدب أو خلق وفي معاملة أو سلوك فكلها كلها إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي وإليها التوجه ولها الطاعة والعبودية والاستسلام ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق الله لا إله إلا هو الحي القيوم ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية لا لطبيعة الاعتقاد وحده فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة من تلقي الشريعة والتوحيد من الله في كل شأن من شؤون الحياة والتوجه كذلك إلى الله في كل نشاط وكل اتجاه وعقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق بإعلان الوحدانية المطلقة لذات الله وصفاته يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام وتتضمن هذه الآية في شطرها الأول جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد ص وصحة ما جاء به من عند الله فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل فالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم هو الذي
نزل هذا القرآن عليك كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده وهناك عبيد يتلقون وهم عبيد لله ولو كانوا أنبياء مرسلين وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق الذي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله فهذا الكتاب نزله عليك بالحق مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكلها تستهدف غاية واحدة هدى للناس وهذا الكتاب الجديد فرقان بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية التي رأينا نموذجا منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت و آرنولد في كتاب الدعوة إلى الإسلام وهي تقرر ضمنا أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله يضم جناحيه على الحق الذي تضم جوانحها عليه وقد نزله من يملك تنزيل الكتب فهو منزل من الجهة التي لها الحق في وضع منهاج الحياة للبشر وبناء تصوراتهم الاعتقادية وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد وهو فرقان واضح مبين هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد وفي صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء فلا خفاء عليه ولا إفلات منه إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء وإثبات هذه الصفة لله سبحانه في هذا المقام هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة فلن يفلت شيء من علم الله في الأرض ولا في السماء بهذا الشمول والإطلاق ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه ولا إخفاء الكيد عنه ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق ولا التهرب من العلم اللطيف العميق وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة تتعلق بالنشأة الإنسانية النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هكذا يصوركم يمنحكم الصورة التي يشاء ; ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة وهو وحده
الذي يتولى التصوير بمحض إرادته ومطلق مشيئته كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير الحكيم الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده فالله هو الذي صور عيسى كيف يشاء لا أن عيسى هو الرب أو هو الله أو هو الابن أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل ليصوغوا حولها الشبهات ; ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول ص ألست تقول عن المسيح إنه كلمة الله وروحه يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى عليه السلام وأنه ليس من البشر إنما هو روح الله على ما يفهمون هم من هذا التعبير بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور فنزلت فيهم هذه الآية تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة وترك النصوص التجريدية القاطعة على أن نص الآية اعم من هذه المناسبة ; فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه ص متضمنا حقائق التصور الإيماني ومنهاج الحياة الإسلامية ; ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة مدركة المقاصد وهي أصل هذا الكتاب وأما السمعيات والغيبيات ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر الحق ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود وهنا يختلف الناس حسب استقامة فطرتهم أو زيغها في استقبال هذه الآيات وتلك فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة ويجرون وراء المتشابه الذي يعول في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره والتسليم بأنه هو الذي يعلم الحق كله بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله وما يعلم تأويله إلا الله وأما الراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة آمنا به كل من عند ربنا يدفعهم إلى هذه الطمأنينة أنه من عند ربهم فهو إذن حق وصدق وما يقرره الله صادق بذاته وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ; لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء وأن ما لم يدركوه لا وجود له ; أو يفرضون إدراكهم على الحقائق فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم صاغتها عقولهم المحدودة أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه وما يذكر إلا أولو الألباب وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منيب أن يثبتهم على الحق وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه والميعاد الذي لا خلف له ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم ; وهو الحال اللائق بالإيمان ; المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده ; والثقة بكلمته وعهده ; والمعرفة برحمته وفضله ; والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب ; والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده
قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال ووهبتهم هذا العطاء الذي لا يعدله عطاء وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ص كثيرا ما يدعو < يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك > قلت يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء فقال < ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه > ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة وأن يتشبث بحماه في إصرار وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله لاستبقاء الكنز الذي وهبه والعطاء الذي أولاه


سنة الله في أخذ الذين كفروا بذنوبهم


بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب ويقفون لهذا الدين ويلقن الرسول ص أن ينذرهم ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل ولكن هذا لا يمنحهم حقا خاصا إذا هم ضلوا وكفروا ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين انجاهم الله منهم كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر وهم كفار ليقول لهم إن سنة الله لا تتخلف وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش فالعلة هي الكفر وليس لأحد على الله دالة ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح
إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية ; ولكنهما لا يغنيان شيئا في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه لأنه لا إخلاف لميعاد الله وهم فيه وقود النار بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص الإنسان ومميزاته ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر وقود النار لا بل إن الأموال والأولاد ومعهما الجاه والسلطان لا تغني شيا في الدنيا كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب وهو مثل مضى في التاريخ مكرورا وقصة الله في هذا الكتاب تفصيلا وهو يمثل سنة الله في المكذبين بآياته يجريها حيث يشاء فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات الله وإذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد ص وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء ومن ثم يلقن الرسول ص أن ينذرهم هذا المصير في الدارين وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وقوله تعالى يرونهم مثليهم رأي العين يحتمل تفسيرين فإما أن يكون ضمير يرون راجعا إلى الكفار وضمير هم راجعا إلى المسلمين ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين مثليهم وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم وإما أن يكون العكس ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين مثليهم هم في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم ومع هذا ثبتوا وانتصروا والمهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم وكان الموقف كما ذكرنا في التمهيد للسورة يقتضي هذا وذاك وكان القرآن يعمل هنا وهناك وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله قائم في كل لحظة ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة ولو قل عددها قائم كذلك في كل لحظة وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ وسنة ماضية لم تتوقف وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ; وتثق في ذلك الوعد ; وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة ; وتصبر حتى يأذن الله ; ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله المدبر بحكمته المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
ولا بد من بصر ينظر وبصير تتدبر لتبرز العبرة وتعيها القلوب وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار


تربية القرآن للنفس البشرية


وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ; إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ; وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ; وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى إن الاستغراق في شهوات الدنيا ورغائب النفوس ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ; ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ; ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ; ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ; ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ; واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض ولما كانت هذه الرغائب والدوافع مع هذا طبيعية وفطرية ومكلفة من قبل الباريء جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ولكن إلى ضبطها وتنظيمها وتخفيف حدتها واندفاعها ; وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ; وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي هذه الرغائب والدافع ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام وهي خلاصة للرغائب الأرضية إما بذاتها وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة وفوقها رضوان من الله وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذي يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار زين للناس وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ; فهو محبب ومزين وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات وهو جزء من تكوينه الأصيل لا حاجة إلى إنكاره ولا إلى استنكاره في ذاته فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ; وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات الحد الباني للنفس وللحياة ; مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي
تهتف إليه النفحة العلوية وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول وينقيه من الشوائب ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة والاتجاه إلى الله وتقواه هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة زين للناس حب الشهوات فهي شهوات مستحبة مستلذة ; وليست مستقذرة ولا كريهة والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها ; إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها ووضعها في مكانها لا تتعداه ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غير استغراق ولا إغراق وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها ومحاولة تهذيبها ورفعها لا كبتها وقمعها والذين يتحدثون في هذه الأيام عن الكبت واضراره وعن العقد النفسية التي ينشئها الكبت والقمع يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو الكبت وليس هو الضبط وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين ضغط من شعوره الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا فهي خطيئة ودافع شيطاني وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية لا تتم إلا بها ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون العقد النفسية فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية بين نوازع الشهوة واللذة وأشواق الارتفاع والتسامي وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية وقد قرن اليهما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ونهم المال هو الذي ترسمه القناطير المقنطرة ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال والأموال أو والذهب والفضة ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة ذلك أن التكديس ذاته شهوة بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة الخيل المسومة والخيل كانت وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم زينة محببة مشتهاة ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة وفيها ذكاء وألفة ومودة وحتى الذين لا يركبونها فروسية يعجبهم مشهدها ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع الأنعام والحقول المخصبة والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفت
إليه شهوة الملك كان الحرث والأنعام شهوة وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ; ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ولا تطغى على ما سواه ذلك متاع الحياة الدنيا ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات متاع الحياة الدنيا لا الحياة الرفيعة ولا الآفاق البعيدة متاع هذه الأرض القريب فأما من أراد الذي هو خير خير من ذلك كله خير لأنه أرفع في ذاته وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ويؤمر الرسول ص أن يبشر به المتقين هو نعيم حسي في عمومه ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات وأن تنساق فيها كالبهيمة فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة ويرتفعون بالتطلع إليه وهم في هذه الأرض قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا وفيه زيادة فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها لا كالحرث المحدود الميقات وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين ففي الآخرة أزواج مطهرة وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة فأما الخيل المسومة والأنعام وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع هنالك رضوان من الله رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان والله بصير بالعباد بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة ثم وصف لهؤلاء العباد يصور حال المتقين مع ربهم الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين
والمنفقين والمستغفرين بالأسحار وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم فهو إعلان للإيمان وشفاعة به عند الله وطلب للغفران وتوق من النيران وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى وثبات على تكاليف الدعوة وأداء لتكاليف الحق وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر وقبول لحكمه ورضاء وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود وترفع عن الضعف ; فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ; وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ; وانفلات من ربقة الشح ; وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ; وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة ولفظة الأسحار بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ; وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون المنفقون المستغفرون بالأسحار لهم رضوان من الله وهم أهل لهذا الرضوان ظله الندي ومعناه الحاني وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة وفي رفق ورحمة وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها وفي مراعاة لضعفها وعجزها وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ودون ما كبت ولا إكراه ودون ما وقف لجريان الحياة فطرة الله ومنهج الله لهذه الفطرة والله بصير بالعباد

مقتضيات حقيقة التوحيد


وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد توحيد الألوهية والقوامة وتوحيد الكتاب والرسالة ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ من آيات الله وكتابه ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ; ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله فالآن وإلى نهاية هذا الدرس نجدنا أمام حقيقة أخرى هي مقتضى الحقيقة الأولى فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها يبدأ بشهادة الله سبحانه إنه لا إله إلا هو وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون
وما دام الله متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله ; واستسلام العبيد لإلههم وطاعتهم للقيوم عليهم واتباعهم لكتابه ولرسوله ص ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام فهو لا يقبل دينا سواه من أحد الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل ; ولا مجرد تصديق في القلب إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله وطاعتهم لما يحكم به واتباعهم لرسوله في منهجه وهكذا يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم إذ يدعون أنهم على دين الله ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون مما ينقض دعوى التدين من الأساس فلا دين يقبله الله إلا الإسلام ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله واتباع لمنهجه وتحكيم لكتابه في أمور الحياة ويكشف عن علة هذا الإعراض الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية القسط في الجزاء يوم الحساب ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات معتمدين على أنهم أهل كتاب وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وهو غرور خادع فما هم بأهل كتاب وما هم بمؤمنين أصلا وما هم على دين الله إطلاقا ; وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة الدين الإسلام والإسلام التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه فمن لم يفعل فليس له دين وليس مسلما ; وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر كل يحدده أو يعرفه كما يشاء لا بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله فليس من الله في شيء ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله ولو ادعوا أنهم على دين الله ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه ويضيف السياق إلى التحذير التبصير تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود فالله وحده هو السيد المتصرف مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما ; ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة مما اقتضى هذا التفسير والتحذير كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة القوى إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة
ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة إن الإسلام هو طاعة الله والرسول وإن الطريق إلى الله هو طريق الأتباع للرسول وليس مجرد الاعتقاد بالقلب ولا الشهادة باللسان قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين فإما طاعة واتباع يحبه الله وإما كفر يكرهه الله وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين فلنأخذ في التفصيل بعد هذا الإجمال


التوحيد والإسلام وكفر من اتبع غيره


شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام حقيقة التوحيد توحيد الألوهية وتوحيد القوامة القوامة بالقسط وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم وشهادة الله سبحانه أنه لا إله إلا هو هي حسب كل من يؤمن بالله وقد يقال إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله وأن من يؤمن بالله ليس في حاجة إلى هذه الشهادة ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابنا وشريكا بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن الله سبحانه شهد أنه لا إله إلا هو فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم على أن الأمر كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم أعمق من هذا وأدق فإن شهادة الله سبحانه بأنه لا إله إلا هو مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها ; وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام لا اعتقادا وشعورا فحسب ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون إنهم يؤمنون بالله ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه ; وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله ولا تستقيم مع شهادة الله سبحانه بأنه لا إله إلا هو وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر الله وحدها والتلقي عن الله وحده والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال متى ثبت لهم أنها من عنده وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة تصديق وطاعة واتباع واستسلام وشهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله يصاحبها شهادتهم بأنه تعالى قائم بالقسط بوصفها حالة ملازمة للألوهية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة
الله لا إله إلا هو الحي القيوم فهي قوامة بالقسط وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط وهو العدل فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس وبينه في كتابه وإلا فلا قسط ولا عدل ولا استقامة ولا تناسق ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية والتأرجح بين هذا وذاك ; والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله وحكم في حياة الناس كتاب الله وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر لازمه جهل البشر وقصور البشر كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور ظلم الفرد للجماعة أو ظلم الجماعة للفرد أو ظلم طبقة لطبقة أو ظلم أمة لأمة أو ظلم جيل لجيل وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء وهو إله جميع العباد وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء لا إله إلا هو العزيز الحكيم يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها وصفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية فلا سلبية في التصور الإسلامي لله وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف الله لنفسه سبحانه وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادته وفعله فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة نتيجتها الطبيعية الوهية واحدة فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ألوهية واحدة وإذن فدينونة واحدة واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله ألوهية واحدة وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ; وفي تطويعهم لأمرها ; وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ; وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ; وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها ألوهية واحدة وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده عقيدة التوحيد الخالص الناصع ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا
إن الدين عند الله الإسلام الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى وليس مجرد راية وليس مجرد كلمة تقال باللسان ; ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ; ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام لا فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه إنما الإسلام الاستسلام الإسلام الطاعة والاتباع الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل والإسلام توحيد الألوهية والقوامة بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله سبحانه وذات المسيح عليه السلام كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله وتفرد الألوهية وبطبيعة البشرية وحقيقة العبودية ولكنهم إنما اختلفوا بغيا بينهم واعتداء وظلما ; حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية وهذا هو البغي أشنع البغي عن قصد وعن علم ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ; وهدد الكافرين بسرعة الحساب ; كي لا يكون الإمهال إلى أجل مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف ثم لقن نبيه ص فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا ليحسم الأمر معهم عن بينة ويدع أمرهم بعد ذلك لله ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وأن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع وإما مماحكة ومداورة وإذن فلا توحيد ولا إسلام ومن ثم يلقن الله تعالى رسوله ص كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته فإن حاجوك أي في التوحيد وفي الدين فقل أسلمت وجهي لله أنا ومن اتبعن والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا فليس هو مجرد التصديق إنما هو الأتباع كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزى
كذلك فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان إنما هو كذلك الاستسلام استسلام الطاعة والاتباع وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب هذا اعتقاد محمد ص ومنهج حياته والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فهم سواء هؤلاء وهؤلاء المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله ووحدة الألوهية ووحدة القوامة مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة فإن أسلموا فقد اهتدوا فالهدى يتمثل في صورة واحدة هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته وليس هنالك صورة أخرى ولا تصور آخر ولا وضع آخر ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء وإن تولوا فإنما عليك البلاغ فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية حيث لا إكراه على الاعتقاد والله بصير بالعباد يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه وأمرهم إليه على كل حال ولكنه لا يدعهم حتى يبين لهم مصيرهم الذي ينتظرهم وينتظر أمثالهم وفق سنة الله الماضية أبدا في المكذبين والبغاة إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين فهذا هو المصير المحتوم عذاب اليم لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة فهو متوقع هنا وهناك وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتا مسموما توطئة لهلاكها وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام وذكر الكفر بآيات الله مصحوبا بقتل النبيين بغير حق وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجها لليهود فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجها للنصارى كذلك فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من
أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع وكثير ما هم في كل زمان ويحسن أن نتذكر دائما ماذا يعني القرآن بوصف الذين يكفرون بآيات الله فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية وقصر العبودية عليها وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين فمن جعل لغير الله شيئا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته ولو قالها ألف مرة باللسان وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام


كفر أهل الكتاب وبعض مزاعمهم


ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب موقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى وكل منهما نصيب من الكتاب باعتبار أن كتاب الله هو كل ما أنزل على رسله وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته فهو كتاب واحد في حقيقته أوتي اليهود نصيبا منه وأوتي النصارى نصيبا منه وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله ومصدقا لما بين يديه من الكتاب سؤال التعجيب من هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ثم هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم في خلافاتهم وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم فلا يستجيبون جميعا لهذه الدعوة إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب الله وشريعته الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب الله ; والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم لا كلهم عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة فكيف بمن يقولون إنهم مسلمون ثم يخرجون شريعة الله من حياتهم كلها ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون إنه مثل يضربه الله للمسلمين أيضا كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام ; ويحذروا أن يكونوا موضعا لتعجيب الله وتشهيره بهم فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدعوا الإسلام حين يعرض فريق منهم عن التحاكم إلى كتاب الله فكيف يكون الاستنكار إذا كان المسلمون هم الذين يعرضون هذا الاعراض إنه العجب الذي لا ينقضي والبلاء الذي لا يقدر والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة الله والعياذ بالله ثم يكشف عن علة هذا الموقف المستنكر المتناقض ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون هذا هو السبب في الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله ; والتناقض مع دعوى الإيمان ودعوى أنهم أهل كتاب إنه عدم الاعتقاد بجدية الحساب يوم القيامة وجدية القسط الإلهي الذي لا يحابي ولا يميل يتجلى
هذا في قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وإلا فلماذا لا تمسهم النار إلا أياما معدودات لماذا وهم ينحرفون أصلا عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب الله لماذا إذا كانوا يعتقدون حقا بعدل الله بل إذا كانوا يحسون أصلا بجدية لقاء الله إنهم لا يقولون إلا افتراء ثم يغرهم هذا الافتراء وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء الله والشعور بحقيقة هذا اللقاء مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من الله مع الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون وفيهم من يتبجحون ويتوقحون ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية بل العائلية ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيرا من المعاصي ثم يساقون إلى الجنة أليسوا مسلمين إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين وتملصهم من حقيقته التي يرضاها الله الإسلام الاستسلام والطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده في كل شأن من شؤون الحياة فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون كيف إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء الله وجدية عدل الله ; ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة وهو بعد تهديد قائم للجميع مشركين وملحدين وأهل كتاب ومدعي إسلام فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلام فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وجرى العدل الإلهي مجراه ووفيت كل نفس ما كسبت بلا ظلم ولا محاباة وهم لا يظلمون كما أنهم لا يحابون في حساب الله سؤال يلقى ويترك بلا جواب وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب


حقيقة الألوهية في الكون والإنسان


بعدئذ يلقن رسول الله ص وكل مؤمن أن يتجه إلى الله مقررا حقيقة الألوهية الواحدة وحقيقة القوامة الواحدة في حياة البشر وفي تدبير الكون فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك لله فيها ولا شبيه قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب
نداء خاشع في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس ; وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفا من شأن الكون الكبير الذي يصرفه الله ; وأن الدينونة لله وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس ; وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء إنها الحقيقة الناشئة من حقيقة الألوهية الواحدة إله واحد فهو المالك الواحد هو مالك الملك بلا شريك ثم هو من جانبه يملك من يشاء ما يشاء من ملكه يملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عندما يشاء فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط المملك الأصلي وتعليماته ; فإذا تصرف المستعير فيها تصرفا مخالفا لشرط المالك وقع هذا التصرف باطلا وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل وكذلك هو يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه وبلا مجير عليه وبلا راد لقضائه فهو صاحب الأمر كله بما أنه سبحانه هو الله وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من دون الله وفي قوامة الله هذه الخير كل الخير فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات ; وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على تحقيق هذا الخير في كل حال بيدك الخير إنك على كل شيء قدير وهذه القوامة على شؤون البشر وهذا التدبير لأمرهم بالخير ليس إلا طرفا من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ; وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ; وترزق من تشاء بغير حساب والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس هذه الحركة الخفية المتداخلة حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ; وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال متى القى القلب إليها انتباهه واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء شيئا فشيئا يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار وشيئا فشيئا يتنفس الصبح في غيابة الظلام شيئا فشيئا يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء وشيئا فشيئا يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة ; ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير
كذلك الحياة والموت يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة خلايا حية منه تموت وتذهب وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل وما ذهب منه ميتا يعود في دورة أخرى إلى الحياة وما نشأ فيه حيا يعود في دورة أخرى إلى الموت هذا في كيان الحي الواحد ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئا ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك حركة خفية عميقة لطيفة هائلة تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري ; وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدبر وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير ثم أنى يتخذ بعضهم بعضا عبيدا ويتخذ بعضهم بعضا أربابا ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال وترزق من تشاء بغير حساب إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى حقيقة الألوهية الواحدة حقيقة القوامة الواحدة وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم مالك الملك المعز المذل المحيي المميت المانح المانع المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال


حرمة موالاة الكفار


هذه اللمسة تؤكد الاستنكار الذي سبق في الفقرة الماضية لموقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ثم هم يتولون ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله المتضمن لمنهج الله للبشر بينما منهج الله يدبر أمر الكون كله وأمر البشر وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول والأمر كله بيد الله وهو ولي المؤمنين دون سواه لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله والقوة كلها لله والتدبير كله لله والرزق كله بيد الله فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو وإلى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة سواء كانت الموالاة بمودة القلب أو بنصره أو باستنصاره سواء لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء
هكذا ليس من الله في شيء لا في صلة ولا نسبة ولا دين ولا عقيدة ولا رابطة ولا ولاية فهو بعيد عن الله منقطع الصلة تماما في كل شيء تكون فيه الصلات ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية فما يجوز هذا الخداع على الله ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب وإشعارها أن عين الله عليها وأن علم الله يتابعها قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير وهو إمعان في التحذير والتهديد واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة فلا ملجأ منها ولا نصرة ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب ; الذي لا يند فيه عمل ولا نية ; والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري وتحاصره برصيده من الخير والسوء وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد ويود ولكن لات حين مودة لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمدا بعيدا أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمدا بعيدا بينما هو في مواجهته آخذ بخناقه ولات حين خلاص ولات حين فرار ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري فيكرر تحذير الله للناس من نفسه سبحانه ويحذركم الله نفسه ويذكرهم رحمته في هذا التحذير والفرصة متاحة قبل فوات الأوان والله رؤوف بالعباد ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير وهو دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد وتشي هذه الحملة الضخمة المنوعة الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات بما كان واقعا في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميع العلاقات بين أفراد من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود تحت دوافع القرابة أو التجارة على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العقيدة وحدها وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقا
كذلك يشي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق والتحرر من تلك القيود والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى من لا يحاربه في دينه ولو كان على غير دينه ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى الولاء ارتباط وتناصر وتواد وهذا لا يكون في قلب يؤمن بالله حقا إلا للمؤمنين الذين يرتبطون معه في الله ; ويخضعون معه لمنهجه في الحياة ; ويتحاكمون إلى كتابه في طاعة واتباع واستسلام


الفرق بين الإيمان والكفر حب الله وطاعة الرسول


وأخيرا يجيء ختام هذا الدرس قويا حازما حاسما في القضية التي يعالجها والتي تمثل أكبر الخطوط العريضة الأساسية في السورة يجيء ليقرر في كلمات قصيرة حقيقة الإيمان وحقيقة الدين ويفرق تفريق حاسما بين الإيمان والكفر في جلاء لا يحتمل الشبهات قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين إن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان إلا أن يصاحبه الأتباع لرسول الله والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة وإن الإيمان ليس كلمات تقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تقام ولكنه طاعة لله والرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول يقول الإمام ابن كثير في التفسير عن الآية الأولى هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ص أنه قال < من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد > ويقول عن الآية الثانية قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويقول الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد في هدى خير العباد ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ص بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها حقيقة الطاعة لشريعة الله والاتباع لرسول الله والتحاكم إلى كتاب الله وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها وتطوعهم لأمرها وتنفذ فيهم شرعها وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية لله وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعا كما أن الحاكمية لله وحده في تدبير أمر الكون كله وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة كما رأينا في صورة ناصعة كاملة شاملة لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلما إن الدين عند الله الإسلام وهذا وحده هو الإسلام كما شرعه الله لا كما تصوره المفتريات

قصة ولادة مريم وطفولتها
يبدأ هذا القصص ببيان من اصطفاهم الله من عباده واختارهم لحمل الرسالة الواحدة بالدين الواحد منذ بدء الخليقة ليكونوا طلائع الموكب الإيماني في شتى مراحله المتصلة على مدار الأجيال والقرون فيقرر أنهم ذرية بعضها من بعض وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب وإن كان نسب الجميع يلتقي في آدم ونوح فهي أولا رابطة الاصطفاء والاختيار الإلهي ; ونسب هذه العقيدة الموصول في ذلك الموكب الإيماني الكريم إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين ; وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحا بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهيم قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم إنما هي وراثة العقيدة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب وهو إسرائيل كما ذكر آل عمران ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم كما سيأتي في الدرس التالي فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى في هذا المقام أو ذكر يعقوب ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم ; وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند لله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وقصة النذر تكشف لنا عن قلب امرأة عمران أم مريم وما يعمره من إيمان ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذي تحمله في بطنها خالصا لربها محررا من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح فما يتحرر حقا إلا من يخلص لله كله ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولك شيء ولكل قيمة فلا تكون عبوديته إلا لله وحده فهذا هو التحرر إذن وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه أو في مجريات حياته أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران بأن يتقبل ربها منها نذرها وهو فلذة كبدها ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله والتوجه إليه كلية والتحرر من كل قيد والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ولكنها وضعتها أنثى ; ولم تضعها ذكرا فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا ; فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان ليخدموا الهيكل وينقطعوا للعبادة والتبتل ولكن ها هي ذي تجدها أنثى فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة وليس الذكر كالأنثى ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال وإني سميتها مريم وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه يحدثه بما في نفسه وبما بين يديه ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم حال الود والقرب والمباشرة والمناجاة البسيطة العبارة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد مناجاة من يحس أنه يحدث قريبا ودودا سميعا مجيبا وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها وتدعها لحمايته ورعايته وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم وهذه كذلك كلمة القلب الخالص ورغبة القلب الخالص فما تود لوليدتها أمرا خيرا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم وهذا التجرد الكامل في النذر وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح وكلمة الله وأن تلد عيسى عليه السلام على غير مثال من ولادة البشر وكفلها زكريا أي جعل كفالتها له وجعله أمينا عليها وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل ونشأت مباركة مجدودة يهيىء لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا حتى ليعجب كافلها وهو نبي من فيض الرزق فيسألها كيف ومن أين هذا كله فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله وتفويض الأمر إليه كله هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه والتواضع في الحديث عن هذا السر لا التنفج به والمباهاة كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى
قصة تبشير زكريا بيحيى
عندئذ تحركت في نفس زكريا الشيخ الذي لم يوهب ذرية تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية الرغبة في الذرية في الامتداد في الخلف الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ; واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار
وكذلك نجدنا أمام حادث غير عادي يحمل مظهرا من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية وعدم تقيدها بالمألوف للبشر الذي يحسبه البشر قانونا لا سبيل إلى إخلافه ; ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون فإذا لم يستطيعوا تكذيبه لأنه واقع صاغوا حوله الخرافات والأساطير فها هو ذا زكريا الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة فيتوجه إلى ربه يناجيه ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن ولا تتقيد بمألوف الناس ; لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ; ويملك الإجابة حين يشاء وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر اسمه معروف قبل مولده ; يحيى ; وصفته معروفة كذلك سيدا كريما وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات ويملك زمام نزعاته من الانفلات ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله ونبيا صالحا في موكب الصالحين لقد استجيبت الدعوة ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا ثم يحسبون أن مشيئة الله سبحانه مقيدة بهذا القانون وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا لا مطلقا ولا نهائيا فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله فلا يخبط في التيه بلا دليل وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه وهل زكريا إلا إنسان على كل حال واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر وجاءه الجواب جاءه في بساطة ويسر يرد الأمر إلى نصابه ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها ولا غرابة في كونها قال كذلك الله يفعل ما يشاء كذلك فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائما على هذا النحو ; ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة ولا يتدبرون الصنعة ولا يستحضرون الحقيقة
كذلك بهذا اليسر وبهذه الطلاقة يفعل الله ما يشاء فماذا في أن يهب لزكريا غلاما وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها ويتخذون منها قانونا فأما بالقياس إلى الله فلا مألوف ولا غريب كل شيء مرده إلى توجه المشيئة والمشيئة مطلقة من كل القيود ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى ولدهشة المفاجأة في نفسه راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها قال رب اجعل لي آية هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي ; فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس ; وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه قال آيتك إلا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ويسكت السياق هنا ونعرف أن هذا قد كان فعلا فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره لسانه هذا هو لسانه ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه أي قانون يحكم هذه الظاهرة إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر
كلام الملائكة مريم والدلالة على الوحي
وكأنما كانت هذه الخارقة تمهيدا في السياق لحادث عيسى الذي انبثقت منه كل الأساطير والشبهات وإن هو إلا حلقة من سلسلة في ظواهر المشيئة الطليقة فهنا يبدأ في قصة المسيح عليه السلام وإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والقنوت والعبادة وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين وأي اصطفاء وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة كما تلقاها أول هذه الخليقة آدم وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها إنه الاصطفاء للأمر المفرد في تاريخ البشرية وهو بلا جدال أمر عظيم ولكنها حتى ذلك الحين لم تكن تعلم ذلك الأمر العظيم والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى وذلك لما لابس مولد عيسى عليه السلام من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سرا لا يشرف قبحهم الله وهنا تظهر عظمة هذا الدين ; ويتبين مصدره عن يقين فها هو ذا محمد ص رسول الإسلام الذي يلقى من أهل الكتاب ومنهم النصارى ما يلقى من التكذيب والعنت والجدل والشبهات ها هو ذا يحدث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة وتفضيلها على نساء العالمين بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الآفاق وهو في معرض مناظرة مع القوم الذين يعتزون بمريم ويتخذون من تعظيمها مبررا لعدم إيمانهم بمحمد وبالدين الجديد أي صدق وآية عظمة وأية دلالة على مصدر هذا الدين وصدق صاحبه الأمين إنه يتلقى الحق من ربه ; عن مريم وعن عيسى عليه السلام ; فيعلن هذا الحق في هذا المجال ولو لم يكن رسولا من الله الحق ما أظهر هذا القول في هذا المجال بحال يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين طاعة وعبادة وخشوع وركوع وحياة موصولة بالله تمهيدا للأمر العظيم الخطير وعند هذا المقطع من القصة وقبل الكشف عن الحدث الكبير يشير السياق إلى شيء من حكمة مساق القصص إنه إثبات الوحي الذي ينبىء النبي ص بما لم يكن حاضره من أنباء الغيب في هذا الأمر ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون وهي إشارة إلى ما كان من تسابق سدنة الهيكل إلى كفالة مريم حين جاءت بها أمها وليدة إلى الهيكل وفاء لنذرها وعهدها مع ربها والنص يشير إلى حادث لم يذكره العهد القديم ولا العهد الجديد المتداولان ; ولكن لا بد أنه كان معروفا عند الأحبار والرهبان حادث إلقاء الأقلام أقلام سدنة الهيكل لمعرفة من تكون مريم من نصيبه والنص القرآني لا يفصل الحادث ربما اعتمادا على أنه كان معروفا لسامعيه أو لأنه لا يزيد شيئا في أصل الحقيقة التي يريد عرضها على الأجيال القادمة فلنا أن نفهم أنهم اتفقوا على طريقة خاصة بواسطة إلقاء الأقلام لمعرفة من هي من نصيبه على نحو ما نصنع في القرعة مثلا وقد ذكرت بعض الروايات أنهم ألقوا بأقلامهم في نهر الأردن فجرت مع التيار إلا قلم زكريا فثبت وكانت هذه هي العلامة بينهم فسلموا بمريم له وكل ذلك من الغيب الذي لم يكن الرسول ص حاضره ولم يبلغ إلى علمه فربما كان من أسرار الهيكل التي لا تفشى ولا تباح للإذاعة بها فاتخذها القرآن في مواجهة كبار أهل الكتاب وقتها دليلا على وحي من الله لرسوله الصادق ولم يرد أنهم ردوا هذه الحجة ولو كانت موضع جدال لجادلوه ; وهم قد جاءوا للجدال
خلق عيسى بن مريم ونبوته
والأن نجيء إلى مولد عيسى العجيبة الكبرى في عرف الناس والشأن العادي للمشيئة الطليقة إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ; ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ; وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ; وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوارة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
لقد تأهلت مريم إذن بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل واستقبال هذا الحدث وها هي ذي تتلقى لأول مرة التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة وهو الكلمة في الحقيقة فماذا وراء هذا التعبير إن هذه وأمثالها من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد ربما كانت من الذي عناه الله بقوله أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله إلخ ولكن الأمر أيسر من هذا إذا أردنا أن نفهم طبيعة هذه الحقيقة الفهم الذي يصل القلب بالله وصنعته وقدرته ومشيئته الطليقة لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت وهذه كتلك في صنع الله وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة من أين جاءت هذه الحياة وكيف جاءت إنها قطعا شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض شيء زائد وشيء مغاير وشيء ينشىء آثارا وظواهر لا توجد أبدا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق هذا السر من أين جاء إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نهذر كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم نحن لا نعلم وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها نحن البشر بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها أو لإنشائها بأيدينا من الموات نحن لا نعلم ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم وهو يقول لنا إنها نفخة من روحه وإن الأمر قد تم بكلمة منه كن فيكون ما هي هذه النفخة وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام ما هي وكيف هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه لأنه ليس من شأنه إنه لم يوهب القدرة على إدراكه إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئا في وظيفته التي خلقه الله لها وظيفة الخلافة في الأرض إنه لن يخلق حياة من موات فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة وماهية النفخة من روح الله وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية والله سبحانه يقول إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة حتى على الملائكة فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية وأن له اعتبارا خاصا في نظام الكون ليس لسائر الأحياء وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارىء لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان المهم هنا أن الله يخبرنا عن نشأة سر الحياة ; وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات وقد شاء الله بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا طريق التقاء ذكر وأنثى واجتماع بويضة وخلية تذكير فيتم الإخصاب ويتم الإنسال والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى وإن لم تكن مثلها تماما أنثى فقط تتلقى النفخة التي تنشىء الحياة ابتداء فتنشأ فيها الحياة أهذه النفخة هي الكلمة آلكلمة هي توجه الإرادة آلكلمة كن التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة والكلمة هي عيسى أو هي التي منها كينونته كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات وخلاصتها هي تلك أن الله شاء أن ينشىء حياة على غير مثال فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشىء الحياة بنفخة من روح الله ندرك آثارها ونجهل ماهيتها ويجب أن نجهلها لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف والأمر هكذا سهل الإدراك ووقوعه لا يثير الشبهات وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فتضمنت البشارة نوعه وتضمنت اسمه ونسبه وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده ويكلم الناس في المهد ولمحة من مستقبله وكهلا وسمته والموكب الذي ينتسب إليه ومن الصالحين فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر وجاءها الجواب يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول الفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل ومألوفهم المحدود قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب وتزول الحيرة ويطمئن القلب ; ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب وهكذا كان القرآن ينشىء التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء
ثم يتابع الملك البشارة لمريم عن هذا الخلق الذي اختارها الله لإنجابه على غير مثال ; وكيف ستمضي سيرته في بني إسرائيل وهنا تمتزج البشارة لمريم بمقبل تاريخ المسيح ويلتقيان في سياق واحد كأنما يقعان اللحظة على طريقة القرآن ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل والكتاب قد يكون المراد به الكتابة ; وقد يكون هو التوراة والإنجيل ويكون عطفهما على الكتاب هو عطف بيان والحكمة حالة في النفس يتأتي معها وضع الأمور في مواضعها وإدراك الصواب واتباعه وهي خير كثير والتوراة كانت كتاب عيسى كالإنجيل فهي أساس الدين الذي جاء به والإنجيل تكملة وإحياء لروح التوراة ولروح الدين التي طمست في قلوب بني إسرائيل وهذا ما يخطىء الكثيرون من المتحدثين عن المسيحية فيه فيغفلون التوراة وهي قاعدة دين المسيح عليه السلام وفيها الشريعة التي يقوم عليها نظام المجتمع ; ولم يعدل فيها الإنجيل إلا القليل أما الإنجيل فهو نفخة إحياء وتجديد لروح الدين وتهذيب لضمير الإنسان بوصله مباشرة بالله من وراء النصوص هذا الإحياء وهذا التهذيب اللذان جاء المسيح وجاهد لهما حتى مكروا به كما سيجيء ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى عليه السلام كانت لبني إسرائيل فهو أحد أنبيائهم ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم هي كتاب عيسى كذلك مضافا إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير والآية التي بشر الله أمه مريم أنها ستكون معه والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة وإحياء الموتى من الناس وإبراء المولود الأعمى وشفاء الأبرص والإخبار بالغيب بالنسبة له وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل وهو بعيد عن رؤيته بعينه وحرص النص على أن يذكر على لسان المسيح عليه السلام كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها إنما جاءهم بها من عند الله وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلا وتحديدا ; ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها أو رد العافية وهي فرع عن الحياة ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى ; ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم عليه السلام وإذا كان الله قادرا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسان الله سبحانه بمألوف الإنسان ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
وهذا الختام في دعوة عيسى عليه السلام لبني إسرائيل يتكشف عن حقائق أصيلة في طبيعة دين الله وفي مفهوم هذا الدين في دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام وهي حقائق ذات قيمة خاصة حين ترد على لسان عيسى عليه السلام بالذات وهو الذي ثار حول مولده وحقيقته ما ثار من الشبهات التي نشأت كلها من الانحراف عن حقيقة دين الله التي لا تتبدل بين رسول ورسول فهو إذ يقول ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة فالتوارة التي تنزلت على موسى عليه السلام وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان وملابسات حياة بني إسرائيل بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام ; وجاءت رسالته مصدقة لها مع تعديلات تتعلق بإحلال بعض ما حرم الله عليهم وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاص وانحرافات أدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالا لهم ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم ومن هذا يتبين أن طبيعة الدين أي دين أن يتضمن تنظيما لحياة الناس بالتشريع ; وألا يقتصر على الجانب التهذيبي الأخلاقي وحده ولا على المشاعر الوجدانية وحدها ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك فهذا لا يكون دينا فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر ; ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية عن الشعائر التعبدية عن القيم الخلقية عن الشرائع التنظيمية في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة ; ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله وهذا ما حدث للمسيحية فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية ; ولكونها جاءت موقوته لزمن حتى يجيء الدين الأخير ثم عاشت بعد زمنها من ناحية قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد ; فأنشأ هذا انفصالا بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيء في موعدها المقدور وعلى أية حال فقد انتهت المسيحية إلى أن تكون نحلة بغير شريعة وهنا عجزت عن أن تقود الحياة الاجتماعية للأمم التي عاشت عليها فقيادة الحياة الاجتماعية تقتضي تصورا اعتقاديا يفسر الوجود كله ويفسر حياة الإنسان ومكانه في الوجود ; وتقتضي نظاما تعبديا وقيما أخلاقية ثم تقتضي حتما تشريعات منظمة لحياة الجماعة مستمدة من ذلك التصور الاعتقادي ومن هذا النظام التعبدي ومن هذه القيم الأخلاقية وهذا القوام التركيبي للدين هو الذي يضمن قيام نظام اجتماعي له بواعثه المفهومة وله ضماناته المكينة فلما وقع ذلك الانفصال في الدين المسيحي عجزت المسيحية عن أن تكون نظاما شاملا للحياة البشرية واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها ومن بينهما النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الحياة وقامت الأنظمة الاجتماعية هناك على غير قاعدتها الطبيعية الوحيدة فقامت معلقة في الهواء أو قامت عرجاء ولم يكن هذا أمرا عاديا في الحياة البشرية ولا حادثا صغيرا في التاريخ البشري إنما كان كارثة كارثة ضخمة تنبع منها الشقوة والحيرة والانحلال والشذوذ والبلاء الذي تتخبط فيه الحضارة المادية اليوم سواء في البلاد التي لا تزال تعتنق المسيحية وهي خالية من النظام الاجتماعي لخلوها من التشريع أو التي نفضت عنها المسيحية وهي في الحقيقة لم تبعد كثيرا عن الذين يدعون أنهم مسيحيون فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح وكما هي طبيعة كل دين يستحق كلمة دين هي الشريعة المنظمة للحياة المنبثقة من التصور الاعتقادي في الله ومن القيم الأخلاقية المستندة إلى هذا التصور وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا تكون مسيحية ولا يكون دين على الإطلاق وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا يقوم نظام اجتماعي للحياة البشرية يلبي حاجات النفس البشرية ويلبي واقع الحياة البشرية ويرفع النفس البشرية والحياة البشرية كلها إلى الله وهذه الحقيقة هي أحد المفاهيم التي يتضمنها قول المسيح عليه السلام ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم إلخ وهو يستند في تبليغ هذه الحقيقة على الحقيقة الكبرى الأولى حقيقة التوحيد الذي لا شبهة فيه وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فهو يعلن حقيقة التصور الاعتقادي التي قام عليها دين الله كله المعجزات التي جاءهم بها لم يجىء بها من عند نفسه فما له قدرة عليها وهو بشر إنما جاءهم بها من عند الله ودعوته تقوم ابتداء على تقوى الله وطاعة رسوله ثم يؤكد ربوبية الله له ولهم على السواء فما هو برب وإنما هو عبد وأن يتوجهوا بالعبادة إلى الرب فلا عبودية إلا لله ويختم قوله بالحقيقة الشاملة فتوحيد الرب وعبادته وطاعة الرسول والنظام الذي جاء به هذا صراط مستقيم وما عداه عوج وانحراف وما هو قطعا بالدين [/size][/color][/align]

الوجيـه
13th December 2005, 11:38 AM
اتباع الحواريين لعيسى عليه السلام
ومن بشارة الملائكة لمريم بابنها المنتظر وصفاته ورسالته ومعجزاته وكلماته هذه التي ذكرت ملحقة بالبشارة ينتقل السياق مباشرة إلى إحساسه عليه السلام بالكفر من بني إسرائيل وإلى طلبه الأنصار لإبلاغ دين الله فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين وهنا فجوة كبيرة في السياق فإنه لم يذكر أن عيسى قد ولد بالفعل ; ولا أن أمه واجهت به القوم فكلمهم في المهد ; ولا أنه دعا قومه وهو كهل ; ولا أنه عرض عليهم هذه المعجزات التي ذكرت في البشارة لأمه كما جاء في سورة مريم وهذه الفجوات ترد في القصص القرآني لعدم التكرار في العرض من جهة وللاقتصار على الحلقات والمشاهد المتعلقة بموضوع السورة وسياقها من جهة أخرى والأن لقد أحس عيسى الكفر من بني إسرائيل بعد ما أراهم كل تلك المعجزات التي لا تتهيأ لبشر ; والتي تشهد بأن الله وراءها وأن قوة الله تؤيدها وتؤيد من جاءت على يده ثم على الرغم من أن المسيح جاء ليخفف عن بني إسرائيل بعض القيود والتكاليف عندئذ دعا دعوته قال من أنصاري إلى الله من أنصاري إلى دين الله ودعوته ومنهجه ونظامه من أنصاري إلى الله لأبلغ إليه وأؤدي عنه ولا بد لكل صاحب عقيدة ودعوة من أنصار ينهضون معه ويحملون دعوته ويحامون دونها ويلغونها إلى من يليهم ويقومون بعده عليها قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون فذكروا الإسلام بمعناه الذي هو حقيقة الدين وأشهدوا عيسى عليه السلام على إسلامهم هذا وانتدابهم لنصرة الله أي نصرة رسوله ودينه ومنهجه في الحياة ثم اتجهوا إلى ربهم يتصلون مباشرة به في هذا الأمر الذي يقومون عليه ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين وفي هذا التوجه لعقد البيعة مع الله مباشرة لفتة ذات قيمة إن عهد المؤمن هو ابتداء مع ربه ومتى قام الرسول بإبلاغه فقد انتهت مهمة الرسول من ناحية الاعتقاد ; وانعقدت البيعة مع الله فهي باقية في عنق المؤمن بعد الرسول وفيه كذلك تعهد لله باتباع الرسول فليس الأمر مجرد عقيدة في الضمير ; ولكنة اتباع لمنهج والاقتداء فيه بالرسول وهو المعنى الذي يركز عليه سياق هذه السورة كما رأينا ويكرره بشتى الأساليب ثم عبارة أخرى تلفت النظر في قول الحواريين فاكتبنا مع الشاهدين فأي شهادة وأي شاهدين إن المسلم المؤمن بدين الله مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء ; وتؤيد الخير الذي يحمله هذا الدين للبشر وهو لا يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رفيعا يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع وتشكيلات وهو لا يؤدي هذه الشهادة كذلك حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته ونظام مجتمعه وشريعة نفسه وقومه فيقوم مجتمع من حوله تدبر أموره وفق هذا المنهج الإلهي القويم وجهاده لقيام هذا المجتمع وتحقيق هذا المنهج ; وإيثاره الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية هو شهادته بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها وهي أعز ما يحرص عليه الأحياء ومن ثم يدعى شهيدا فهؤلاء الحواريون يدعون الله أن يكتبهم مع الشاهدين لدينه أي أن يوفقهم ويعينهم في أن يجعلوا من أنفسهم صورة حية لهذا الدين ; وأن يبعثهم للجهاد في سبيل تحقيق منهجه في الحياة وإقامة مجتمع يتمثل فيه هذا المنهج ولو أدوا ثمن ذلك حياتهم ليكونوا من الشهداء على حق هذا الدين وهو دعاء جدير بأن يتأمله كل من يدعي لنفسه الإسلام فهذا هو الإسلام كما فهمه الحواريون وكما هو في ضمير المسلمين الحقيقيين ومن لم يؤد هذه الشهادة لدينه فكتمها فهو آثم قلبه فأما إذا ادعى الإسلام ثم سار في نفسه غير سيرة الإسلام ; أو حاولها في نفسه ولكنه لم يؤدها في المجال العام ولم يجاهد لإقامة منهج الله في الحياة إيثارا للعافية وإيثارا لحياته على حياة الدين فقد قصر في شهادته أو أدى شهادة ضد هذا الدين شهادة تصد الآخرين عنه وهم يرون أهله يشهدون عليه لا له وويل لمن يصد الناس عن دين الله عن طريق ادعائه أنه مؤمن بهذا الدين وما هو من المؤمنين
الله ينجي عيسى من مكر أعدائه
ويمضي السياق إلى خاتمة القصة بين عيسى عليه السلام وبني إسرائيل ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ; ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين والمكر الذي مكره اليهود الذين لم يؤمنوا برسولهم عيسى عليه السلام مكر طويل عريض فقد قذفوه عليه السلام وقذفوا الطاهرة أمه مع يوسف النجار خطيبها الذي لم يدخل بها كما تذكر الأناجيل وقد اتهموه بالكذب والشعوذة ; ووشوا به إلى الحاكم الروماني بيلاطس وادعوا أنه مهيج يدعو الجماهير للانتقاض على الحكومة وأنه مشعوذ يجدف ويفسد عقيدة الجماهير حتى سلم لهم بيلاطس بأن يتولوا عقابه بأيديهم لأنه لم يجرؤ وهو وثني على احتمال تبعة هذا الإثم مع رجل لم يجد عليه ريبة وهذا قليل من كثير ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين والمشاكلة هنا في اللفظ هي وحدها التي تجمع بين تدبيرهم وتدبير الله والمكر التدبير ليسخر من مكرهم وكيدهم إذا كان الذي يواجهه هو تدبير الله فأين هم من الله وأين مكرهم من تدبير الله لقد أرادوا صلب عيسى عليه السلام وقتله وأراد الله أن يتوفاه وأن يرفعه إليه وأن يطره من مخالطة الذين كفروا والبقاء بينهم وهم رجس ودنس وأن يكرمه فيجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة وكان ما أراده الله وأبطل الله مكر الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة فأما كيف كانت وفاته وكيف كان رفعه فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله ولا طائل وراء البحث فيها لا في عقيدة ولا في شريعة والذين يجرون وراءها ويجعلونها مادة للجدل ينتهي بهم الحال إلى المراء وإلى التخليط وإلى التعقيد دون ما جزم بحقيقة ودون ما راحة بال في أمر موكول إلى علم الله وأما أن الله جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة فلا يصعب القول فيه فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح الإسلام الذي عرف حقيقته كل نبي وجاء به كل رسول وآمن به كل من آمن حقا بدين الله وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان وحقيقة الأتباع ودين الله واحد وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول والذين يتبعون محمدا ص هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم من لدن آدم عليه السلام إلى آخر الزمان وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق فأما نهاية المطاف للمؤمنين والكافرين فيقررها السياق في صدد إخبار الله لعيسى عليه السلام ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين وفي هذا النص تقرير لجدية الجزاء وللقسط الذي لا يميل شعرة ولا تتعلق به الأماني ولا الافتراء رجعة إلى الله لا محيد عنها وحكم من الله فيما اختلفوا فيه لا مرد له وعذاب شديد في الدنيا والآخرة للكافرين لا ناصر لهم منه وتوفية للأجر للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا محاباة فيه ولا بخس والله لا يحب الظالمين فحاشا أن يظلم وهو لا يحب الظالمين وكل ما يقوله أهل الكتاب إذن من أنهم لن يدخلوا النار إلا أياما معدودات وكل ما رتبوه على هذا التميع في تصور عدل الله في جزائه من أماني خادعة باطل باطل لا يقوم على أساس
الجدال والحوار بشأن عبودية عيسى عليه السلام
وعندما يصل السياق إلى هذا الحد من قصة عيسى التي تدور حولها المناظرة ويدور حولها الجدل يبدأ التعقيب الذي يقرر الحقائق الأساسية المستفادة من هذا القصص وينتهي إلى تلقين الرسول ص ما يواجه به أهل الكتاب مواجهة فاصلة تنهي الحوار والجدل ; وتستقر على حقيقة ما جاء به وما يدعو إليه في وضوح كامل وفي يقين ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وهكذا نجد هذا التعقيب يتضمن ابتداء صدق الوحي الذي يوحى إلى محمد ص ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ذلك القصص وذلك التوجيه القرآني كله فهو وحي من الله يتلوه الله على نبيه ص وفي التعبير معنى التكريم والقرب والود فماذا بعد أن يتولى الله تعالى التلاوة على محمد نبيه تلاوة الآيات والذكر الحكيم وإنه لحكيم يتولى تقرير الحقائق الكبرى في النفس والحياة بمنهج وأسلوب وطريقة تخاطب الفطرة وتتلطف في الدخول عليها واللصوق بها بشكل غير معهود فيما يصدر عن غير هذا المصدر الفريد ثم يحسم التعقيب في حقيقة عيسى عليه السلام وفي طبيعة الخلق والإرادة التي تنشىء كل شيء كما أنشأت عيسى عليه السلام إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون إن ولادة عيسى عجيبة حقا بالقياس إلى مألوف البشر ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أبي البشر وأهل الكتاب الذين كانوا يناظرون ويجادلون حول عيسى بسبب مولده ويصوغون حوله الأوهام والأساطير بسبب أنه نشأ من غير أب أهل الكتاب هؤلاء كانوا يقرون بنشأة آدم من التراب وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني دون أن يصوغوا حول آدم الأساطير التي صاغوها حول عيسى ودون أن يقولوا عن آدم إن له طبيعة لاهوتية على حين أن العنصر الذي به صار آدم إنسانا هو ذاته العنصر الذي به ولد عيسى من غير أب عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك وإن هي إلا الكلمة كن تنشىء ما تراد له النشأة فيكون وهكذا تتجلى بساطة هذه الحقيقة حقيقة عيسى وحقيقة آدم وحقيقة الخلق كله وتدخل إلى النفس في يسر وفي وضوح حتى ليعجب الإنسان كيف ثار الجدل حول هذا الحادث وهو جار وفق السنة الكبرى سنة الخلق والنشأة جميعا وهذه هي طريقة الذكر الحكيم في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي البسيط في اعقد القضايا التي تبدو بعد هذا الخطاب وهي اليسر الميسور وعندما يصل السياق بالقضية إلى هذا التقرير الواضح يتجه إلى الرسول ص يثبته على الحق الذي معه والذي يتلى عليه ويؤكده في حسه ; كما يؤكده في حس من حوله من المسلمين الذين ربما تؤثر في بعضهم شبهات أهل الكتاب وتلبيسهم وتضليلهم الخبيث الحق من ربك فلا تكن من الممترين وما كان الرسول ص ممتريا ولا شاكا فيما يتلوه عليه ربه في لحظة من لحظات حياته وإنما هو التثبيت على الحق ندرك منه مدى ما كان يبلغه كيد أعداء الجماعة المسلمة من بعض أفرادها في ذلك الحين كما ندرك منه مدى ما تتعرض له الأمة المسلمة في كل جيل من هذا الكيد ; وضرورة تثبيتها على الحق الذي معها في وجه الكائدين والخادعين ; ولهم في كل جيل أسلوب من أساليب الكيد جديد وهنا وقد وضحت القضية وظهر الحق جليا يوجه الله تعالى رسوله الكريم إلى أن ينهي الجدل والمناظرة حول هذه القضية الواضحة وحول هذا الحق البين وأن يدعوهم إلى المباهلة كما هي مبينة في الآية التالية فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وقد دعا الرسول ص من كانوا يناظرونه في هذه القضية إلى هذا الاجتماع الحاشد ليبتهل الجميع إلى الله أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين فخافوا العاقبة وأبوا المباهلة وتبين الحق واضحا ولكنهم فيما ورد من الروايات لم يسلموا احتفاظا بمكانتهم من قومهم وبما كان يتمتع به رجال الكنيسة من سلطان وجاه ومصالح ونعيم وما كانت البينة هي التي يحتاج إليها من يصدون عن هذا الدين إنما هي المصالح والمطامع والهوى يصد الناس عن الحق الواضح الذي لا خفاء فيه ثم يمضي التعقيب بعد الدعوة إلى المباهلة وربما كانت الآيات التالية قد نزلت بعد الامتناع عنها يقرر حقيقة الوحي وحقيقة القصص وحقيقة الوحدانية التي يدور حولها الحديث ; ويهدد من يتولى عن الحق ويفسد في الأرض بهذا التولي إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين والحقائق التي تقررها هذه النصوص سبق تقريرها وهي تذكر هنا للتوكيد بعد الدعوة إلى المباهلة وآبائها إنما الجديد هو وصف الذين يتولون عن الحق بأنهم مفسدون وتهديدهم بأن الله عليم بالمفسدين والفساد الذي يتولاه المعرضون عن حقيقة التوحيد فساد عظيم وما ينشأ في الأرض الفساد في الواقع إلا من الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة لا اعتراف اللسان فاعتراف اللسان لا قيمة له ولا اعتراف القلب السلبي فهذا الاعتراف لا ينشىء آثاره الواقعية في حياة الناس إنما هي الحيدة عن الاعتراف بهذه الحقيقة بكل آثارها التي تلازمها في واقع الحياة البشرية وأول ما يلازم حقيقة التوحيد أن تتوحد الربوبية فتتوحد العبودية لا عبودية إلا لله ولا طاعة إلا لله ولا تلقي إلا عن الله فليس إلا لله تكون العبودية وليس إلا لله تكون الطاعة وليس إلا عن الله يكون التلقي التلقي في التشريع والتلقي في القيم والموازين والتلقي في الآداب والأخلاق والتلقي في كل ما يتعلق بنظام الحياة البشرية وإلا فهو الشرك أو الكفر مهما اعترفت الألسنة ومهما اعترفت القلوب الاعتراف السلبي الذي لا ينشىء آثاره في حياة الناس العامة في استسلام وطاعة واستجابة وقبول إن هذا الكون بجملته لا يستقيم أمره ولا يصلح حاله إلا أن يكون هناك إله واحد يدبر أمره و لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وأظهر خصائص الألوهية بالقياس إلى البشرية تعبد العبيد ; والتشريع لهم في حياتهم وإقامة الموازين لهم فمن ادعى لنفسه شيئا من هذا كله فقد ادعى لنفسه أظهر خصائص الألوهية ; وأقام نفسه للناس إلها من دون الله وما يقع الفساد في الأرض كما يقع عندما تتعدد الآلهة في الأرض على هذا النحو عندما يتعبد الناس الناس عندما يدعي عبد من العبيد أن له على الناس حق الطاعة لذاته ; وأن له فيهم حق التشريع لذاته ; وأن له كذلك حق إقامة القيم والموازين لذاته فهذا هو ادعاء الألوهية ولو لم يقل كما قال فرعون أنا ربكم الأعلى والإقرار به هو الشرك بالله أو الكفر به وهو الفساد في الأرض أقبح الفساد ومن ثم يتلو ذلك التهديد في السياق دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به وألا يتخذ الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله وإلا فهي المفاصلة التي لا مصاحبة بعدها ولا مجادلة قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وإنها لدعوة منصفة من غير شك دعوة لا يريد بها النبي ص أن يتفضل عليهم هو ومن معه من المسلمين كلمة سواء يقف أمامها الجميع على مستوى واحد لا يعلو بعضهم على بعض ولا يتعبد بعضهم بعضا دعوة لا يأباها إلا متعنت مفسد لا يريد أن يفيء إلى الحق القويم إنها دعوة إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئا لا بشرا ولا حجرا ودعوة إلى ألا يتخذ بعضهم بعضا من دون الله أربابا لا نبيا ولا رسولا فكلهم لله عبيد إنما اصطفاهم الله للتبليغ عنه لا لمشاركته في الألوهية والربوبية فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون فإن أبوا عبادة الله وحده دون شريك والعبودية لله وحده دون شريك وهما المظهران اللذان يقرران موقف العبيد من الألوهية إن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وهذه المقابلة بين المسلمين ومن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله تقرر بوضوح حاسم من هم المسلمون المسلمون هم الذين يعبدون الله وحده ; ويتعبدون لله وحده ; ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله هذه هي خصيصتهم التي تميزهم من سائر الملل والنحل ; وتميز منهج حياتهم من مناهج حياة البشر جميعا وإما أن تتحقق هذه الخصيصة فهم مسلمون وإما ألا تتحقق فما هم بمسلمين مهما ادعوا أنهم مسملون إن الإسلام هو التحرر المطلق من العبودية للعبيد والنظام الإسلامي هو وحده من بين سائر النظم الذي يحقق هذا التحرر إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس في صورة من الصور ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس على أي وضع من الأوضاع وهذه المجموعة التي تخضع الآخرين لتشريعها وقيمها وموازينها وتصوراتها هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله ; ويسمحون لها بادعاء خصائص الألوهية والربوبية وهم بذلك يعبدونها من دون الله وإن لم يسجدوا لها ويركعوا فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة ويصبح حرا حرا يتلقى التصورات والنظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين من الله وحده شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله فهو وكل إنسان آخر على سواء كلهم يقفون في مستوى واحد ويتطلعون إلى سيد واحد ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله والإسلام بهذا المعنى هو الدين عند الله وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن جور العباد إلى عدل الله فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله مهما أول المؤولون وضلل المضللون إن الدين عند الله الإسلام

حقيقة دين إبراهيم ونفي نسبة أهل الكتاب له
يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي مولى زيد بن ثابت حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ص فتنازعوا عنده فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم الآية وسواء كانت هذه هي مناسبة نزول الآية أو لم تكن فظاهر من نصها أنها نزلت ردا على ادعاءات لأهل الكتاب وحجاج مع النبي ص أو مع بعضهم البعض في حضرة الرسول ص والهدف من هذه الادعاءات هو احتكار عهد الله مع إبراهيم عليه السلام أن يجعل في بيته النبوة ; واحتكار الهداية والفضل كذلك ثم وهذا هو الأهم تكذيب دعوى النبي ص أنه على دين إبراهيم وأن المسلمين هم ورثة الحنيفية الأولى ; وتشكيك المسلمين في هذه الحقيقة أو بث الريبة في نفوس بعضهم على الأقل ومن ثم يندد الله بهم هذا التنديد ; ويكشف مراءهم الذي لا يستند إلى دليل فإبراهيم سابق على التوراة وسابق على الإنجيل فكيف إذن يكون يهوديا أو كيف إذن يكون نصرانيا إنها دعوى مخالفة للعقل تبدو مخالفتها بمجرد النظرة الأولى إلى التاريخ يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ثم يمضي في التنديد بهم ; وإسقاط قيمة ما يدلون به من حجج وكشف تعنتهم وقلة اعتمادهم على منهج منطقي سليم في الجدل والحوار ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد جادلوا في أمر عيسى عليه السلام ; كما يبدو أنهم جادلوا في بعض الأحكام التشريعية حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم تولوا وهم معرضون وكان هذا وذاك في دائرة ما يعلمون من الأمر أما أن يجادلوا فيما هو سابق على وجودهم ووجود كتبهم ودياناتهم فهو الأمر الذي لا سند له ولو كان سندا شكليا فهو الجدل إذن لذات الجدل وهو المراء الذي لا يسير على منهج وهو الغرض إذن والهوى ومن كان هذا حاله فهو غير جدير بالثقة فيما يقول بل غير جدير بالاستماع أصلا لما يقول حتى إذا انتهى السياق من إسقاط قيمة جدلهم من أساسه ونزع الثقة منهم ومما يقولون عاد يقرر الحقيقة التي يعلمها الله فهو سبحانه الذي يعلم حقيقة هذا التاريخ البعيد ; وهو الذي يعلم كذلك حقيقة الدين الذي نزله على عبده إبراهيم وقوله الفصل الذي لا يبقى معه لقائل قول ; إلا أن يجادل ويماري بلا سلطان ولا دليل ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين فيؤكد ما قرره من قبل ضمنا من أن إبراهيم عليه السلام ما كان يهوديا ولا نصرانيا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ويقرر أنه كان مائلا عن كل ملة إلا الإسلام فقد كان مسلما مسلما بالمعنى الشامل للإسلام الذي مر تفصيله وبيانه وما كان من المشركين وهذه الحقيقة متضمنة في قوله قبلها ولكن كان حنيفا مسلما ولكن إبرازها هنا يشير إلى عدة من لطائف الإشارة والتعبير يشير أولا إلى أن اليهود والنصارى الذين انتهى أمرهم إلى تلك المعتقدات المنحرفة مشركون ومن ثم لا يمكن أن يكون إبراهيم يهوديا ولا نصراينا ولكن حنيفا مسلما ويشير إلى أن الإسلام شيء والشرك شيء آخر فلا يلتقيان الإسلام هو التوحيد المطلق بكل خصائصه وكل مقتضياته ومن ثم لا يلتقي مع لون من الوان الشرك أصلا ويشير ثالثا إلى إبطال دعوى المشركين من قريش كذلك أنهم على دين إبراهيم وسدنة بيته في مكة فهو حنيف مسلم وهم مشركون وما كان من المشركين وما دام أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين فليس لأي من اليهود أو النصارى أو المشركين أيضا أن يدعي وراثته ولا الولاية على دينه وهم بعيدون عن عقيدته والعقيدة هي الوشيجة الأولى التي يتلاقى عليها الناس في الإسلام حين لا يلتقون على نسب ولا أرومة ولا جنس ولا أرض إذا أنبت تلك الوشيجة التي يتجمع عليها أهل الإيمان فالإنسان في نظر الإسلام إنسان بروحه بالنفخة التي جعلت منه إنسانا ومن ثم فهو يتلاقى على العقيدة أخص خصائص الروح فيه ولا يلتقي على مثل ما تلتقي عليه البهائم من الأرض والجنس والكلأ والمرعى والحد والسياج والولاية بين فرد وفرد وبين مجموعة ومجموعة وبين جيل من الناس وجيل لا ترتكن إلى وشيجة أخرى سوى وشيجة العقيدة يتلاقى فيها المؤمن والمؤمن والجماعة المسلمة والجماعة المسلمة والجيل المسلم والأجيال المسلمة من وراء حدود الزمان والمكان ومن وراء فواصل الدم والنسب والقوم والجنس ; ويتجمعون أولياء بالعقيدة وحدها والله من ورائهم ولي الجميع إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين فالذين اتبعوا إبراهيم في حياته وساروا على منهجه واحتكموا إلى سنته هم أولياؤه ثم هذا النبي الذي يلتقي معه في الإسلام بشهادة الله أصدق الشاهدين ثم الذين آمنوا بهذا النبي ص فالتقوا مع إبراهيم عليه السلام في المنهج والطريق والله ولي المؤمنين فهم حزبه الذين ينتمون إليه ويستظلون برايته ويتولونه ولا يتولون أحدا غيره وهم أسرة واحدة وأمة واحدة من وراء الأجيال والقرون ومن وراء المكان والأوطان ; ومن رواء القوميات والأجناس ومن وراء الأرومات والبيوت وهذه الصورة هي أرقى صورة للتجمع الإنساني تليق بالكائن الإنساني وتميزه من القطيع كما أنها هي الصورة الوحيدة التي تسمح بالتجمع بلا قيود لأن القيد الواحد فيها اختياري يمكن لكل من يشاء أن يفكه عن نفسه بإرادته الذاتية فهو عقيدة يختارها بنفسه فينتهي الأمر على حين لا يملك الفرد أن يغير جنسه إن كانت رابطة التجمع هي الجنس ولا يملك أن يغير قومه إن كانت رابطة التجمع هي القوم ولا يملك أن يغير لونه إن كانت رابطة التجمع هي اللون ولا يملك بيسر أن يغير لغته إن كانت رابطة التجمع هي اللغة ولا يملك بيسر أن يغير طبقته إن كانت رابطة التجمع هي الطبقة بل قد لا يستطيع أن يغيرها أصلا إن كانت الطبقات وراثة كما في الهند مثلا ومن ثم تبقى الحواجز قائمة أبدا دون التجمع الإنساني ما لم ترد إلى رابطة الفكرة والعقيدة والتصور الأمر المتروك للاقتناع الفردي والذي يملك الفرد بذاته بدون تغيير أصله أو لونه أو لغته أو طبقته أن يختاره وأن ينضم إلى الصف على أساسه وذلك فوق ما فيه من تكريم للإنسان بجعل رابطة تجمعه مسألة تتعلق بأكرم عناصره المميزة له من القطيع والبشرية إما أن تعيش كما يريدها الإسلام أناسي تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الحدود الأرضية أو حدود الجنس واللون وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع
من مكائد أهل الكتاب ضد المسلمين
ثم يكشف للجماعة المسلمة عما يريده بها أهل الكتاب من وراء كل جدال وكل مراء ويواجه أهل الكتاب بألاعيبهم وكيدهم وتدبيرهم على مرأى ومسمع من الجماعة المسلمة أيضا وهو يمزق عنهم الأردية التي يتخفون تحتها فيقفهم أمام الجماعة المسلمة عراة مفضوحين ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم إن الإحنة التي يكنها أهل الكتاب للجماعة المسلمة هي الإحنة المتعلقة بالعقيدة إنهم يكرهون لهذه الأمة أن تهتدي يكرهون لها أن تفيء إلى عقيدتها الخاصة في قوة وثقة ويقين ومن ثم يرصدون جهودهم كلها لإضلالها عن هذا المنهج والإلواء بها عن هذا الطريق
ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم فهو ود النفس ورغبة القلب والشهوة التي تهفو إليها الأهواء من وراء كل كيد وكل دس وكل مراء وكل جدال وكل تلبيس وهذه الرغبة القائمة على الهوى والحقد والشر ضلال لا شك فيه فما تنبعث مثل هذه الرغبة الشريرة الآثمة عن خير ولا عن هدى فهم يوقعون أنفسهم في الضلالة في اللحظة التي يودون فيها إضلال المسلمين فما يحب إضلال المهتدين إلا ضال يهيم في الضلال البهيم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون والمسلمون مكفيون أمر أعدائهم هؤلاء ما استقاموا على إسلامهم وما لهم عليهم من سبيل والله سبحانه يتعهد لهم ألا يصيبهم كيد الكائدين وأن يرتد عليهم كيدهم ما بقي المسلمون مسلمين هنا يقرع أهل الكتاب بحقيقة موقفهم المريب المعيب يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ولقد كان أهل الكتاب وقتها وما يزالون حتى اليوم يشهدون الحق واضحا في هذا الدين سواء منهم المطلعون على حقيقة ما جاء في كتبهم عنه من بشارات وإشارات وكان بعضهم يصرح بما يجد من هذا كله وبعضهم يسلم بناء على هذا الذي يجده في كتبه ويشهده متحققا أمامه وسواء كذلك غير المطلعين ولكنهم يجدون في الإسلام من الحق الواضح ما يدعو إلى الإيمان غير أنهم يكفرون لا لنقص في الدليل ولكن للهوى والمصلحة والتضليل والقرآن يناديهم يا أهل الكتاب لأنها الصفة التي كان من شأنها أن تقودهم إلى آيات الله وكتابه الجديد كذلك يناديهم مرة أخرى ليفضح ما يقومون به من لبس الحق بالباطل لإخفائه وكتمانه وتضييعه في غمار الباطل على علم وعن عمد وفي قصد وهو أمر مستنكر قبيح وهذا الذي ندد الله به سبحانه من أعمال أهل الكتاب حينذاك هو الأمر الذي درجوا عليه من وقتها حتى اللحظة الحاضرة فهذا طريقهم على مدار التاريخ اليهود بدأوا منذ اللحظة الأولى ثم تابعهم الصليبيون وفي خلال القرون المتطاولة دسوا مع الأسف في التراث الإسلامي ما لا سبيل إلى كشفه إلا بجهد القرون ولبسوا الحق بالباطل في هذا التراث كله اللهم إلا هذا الكتاب المحفوظ الذي تكفل الله بحفظه أبد الآبدين والحمد لله على فضله العظيم دسوا ولبسوا في التاريخ الإسلامي وأحداثه ورجاله ودسوا ولبسوا في الحديث النبوي حتى قيض الله له رجاله الذين حققوه وحرروه إلا ما ند عن الجهد الإنساني المحدود ودسوا ولبسوا في التفسير القرآني حتى تركوه تيها لا يكاد الباحث يفيء فيه إلى معالم الطريق ودسوا ولبسوا في الرجال أيضا فالمئات والألوف كانوا دسيسة على التراث الإسلامي وما يزالون في صورة المستشرقين وتلاميذ المستشرقين الذين يشغلون مناصب القيادة الفكرية اليوم في البلاد التي يقول أهلها إنهم مسلمون والعشرات من الشخصيات المدسوسة على الأمة المسلمة في صورة أبطال مصنوعين على عين الصهيونية والصليبية ليؤدوا لأعداء الإسلام من الخدمات ما لا يملك هؤلاء الأعداء أن يؤدوه ظاهرين وما يزال هذا الكيد قائما ومطردا وما تزال مثابة الأمان والنجاة منه هي اللياذ بهذا الكتاب المحفوظ ; والعودة إليه لاستشارته في المعركة الناشبة طوال هذه القرون كذلك يعرض بعض المحاولات التي يبذلها فريق من أهل الكتاب لبلبلة الجماعة المسلمة في دينها وردها عن الهدى من ذلك الطريق الماكر اللئيم وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وهي طريقة ماكرة لئيمة كما قلنا فإن إظهارهم الإسلام ثم الرجوع عنه يوقع بعض ضعاف النفوس والعقول وغير المتثبتين من حقيقة دينهم وطبيعته يوقعهم في بلبلة واضطراب وبخاصة العرب الأميين الذين كانوا يظنون أن أهل الكتاب أعرف منهم بطبيعة الديانات والكتب فإذا رأوهم يؤمنون ثم يرتدون حسبوا أنهم إنما ارتدوا بسبب إطلاعهم على خبيئة ونقص في هذا الدين وتأرجحوا بين اتجاهين فلم يكن لهم ثبات على حال وما تزال هذه الخدعة تتخذ حتى اليوم في شتى الصور التي تناسب تطور الملابسات والناس في كل جيل ولقد يئس أعداء المسلمين أن تنطلي اليوم هذه الخدعة فلجأت القوى المناهضة للإسلام في العالم إلى طرق شتى كلها تقوم على تلك الخدعة القديمة إن لهذه القوى اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيشا جرارا من العملاء في صورة أساتذة وفلاسفة ودكاترة وباحثين وأحيانا كتاب وشعراء وفنانين وصحفيين يحملون أسماء المسلمين لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة وبعضهم من علماء المسلمين هذا الجيش من العملاء موجه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب في صورة بحث وعلم وأدب وفن وصحافة وتوهين قواعدها من الأساس والتهوين من شأن العقيدة والشريعة سواء وتأويلها وتحميلها ما لا تطيق والدق المتصل على رجعيتها والدعوة للتلفت منها وإبعادها عن مجال الحياة إشفاقا عليها من الحياة أو إشفاقا على الحياة منها وابتداع تصورات ومثل وقواعد للشعور والسلوك تناقض وتحطم تصورات العقيدة ومثلها وتزيين تلك التصورات المبتدعة بقدر تشويه التصورات والمثل الإيمانية وإطلاق الشهوات من عقالها وسحق القاعدة الخلقية التي تستوي عليها العقيدة النظيفة لتخر في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثرا ويشوهون التاريخ كله ويحرفونه كما يحرفون النصوص وهم بعد مسلمون أليسوا يحملون أسماء المسلمين وهم بهذه الأسماء المسلمة يعلنون الإسلام وجه النهار وبهذه المحاولات المجرمة يكفرون آخره ويؤدون بهذه وتلك دور أهل الكتاب القديم لا يتغير إلا الشكل والإطار في ذلك الدور القديم وكان أهل الكتاب يقول بعضهم لبعض تظاهروا بالإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل المسلمين يرجعون عن دينهم وليكن هذا سرا بينكم لا تبدونه ولا تأتمنون عليه إلا أهل دينكم ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وفعل الإيمان حين يعدى باللام يعني الاطمئنان والثقة أي ولا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تفضوا بأسراركم إلا لهؤلاء دون المسلمين وعملاء الصهيونية والصليبية اليوم كذلك إنهم متفاهمون فيما بينهم على أمر هو الإجهاز على هذه العقيدة في الفرصة السانحة التي قد لا تعود وقد لا يكون هذا التفاهم في معاهدة أو مؤامرة ولكنه تفاهم العميل مع العميل على المهمة المطلوبة للأصيل ويأمن بعضهم لبعض فيفضي بعضهم إلى بعض ثم يتظاهرون بعضهم على الأقل بغير ما يريدون وما يبيتون والجو من حولهم مهيأ والأجهزة من حولهم معبأة والذين يدركون حقيقة هذا الدين في الأرض كلها مغيبون أو مشردون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وهنا يوجه الله نبيه ص أن يعلن أن الهدى هو وحده هدى الله ; وأن من لا يفيء إليه لن يجد الهدى أبدا في أي منهج ولا في أي طريق قل إن الهدى هدى الله ويجيء هذا التقرير ردا على مقالتهم آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون تحذيرا للمسلمين من تحقيق الهدف اللئيم فهو الخروج من هدى الله كله فلا هدى إلا هداه وحده وإنما هو الضلال والكفر ما يريده بهم هؤلاء الماكرون يجيء هذا التقرير قبل أن ينتهي السياق من عرض مقولة أهل الكتاب كلها ثم يمضي يعرض بقية تآمرهم بعد هذا التقرير المعترض أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم بهذا يعللون قولهم ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فهو الحقد والحسد والنقمة أن يؤتي الله أحدا من النبوة والكتاب ما آتى أهل الكتاب وهو الخوف أن يكون في الاطمئنان للمسلمين وإطلاعهم على الحقيقة التي يعرفها أهل الكتاب ثم ينكرونها عن هذا الدين ما يتخذه المسلمون حجة عليهم عند الله كأن الله سبحانه لا يأخذهم بحجة إلا حجة القول المسموع وهي مشاعر لا تصدر عن تصور إيماني بالله وصفاته ; ولا عن معرفة بحقيقة الرسالات والنبوات وتكاليف الإيمان والاعتقاد ويوجه الله سبحانه رسوله الكريم ليعلمهم ويعلم الجماعة المسلمة حقيقة فضل الله حين يشاء أن يمن على أمة برسالة وبرسول قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد شاءت إرادته أن يجعل الرسالة والكتاب في غير أهل الكتاب ; بعد ما خاسوا بعهدهم مع الله ; ونقضوا ذمة أبيهم إبراهيم ; وعرفوا الحق ولبسوه بالباطل ; وتخلوا عن الأمانة التي ناطها الله بهم ; وتركوا أحكام كتابهم وشريعة دينهم ; وكرهوا أن يتحاكموا إلى كتاب الله بينهم وخلت قيادة البشرية من منهج الله وكتابه ورجاله المؤمنين عندئذ سلم القيادة وناط الأمانة بالأمة المسلمة فضلا منه ومنة والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء عن سعة في فضله وعلم بمواضع رحمته والله ذو الفضل العظيم وليس أعظم من فضله على أمة بالهدى ممثلا في كتاب وبالخير ممثلا في رسالة وبالرحمة ممثلة في رسول فإذا سمع المسلمون هذا احسوا مدى النعمة وقيمة المنة في اختيار الله لهم واختصاصه إياهم بهذا الفضل واستمسكوا به في إعزاز وحرص وأخذوه بقوة وعزم ودافعوا عنه في صرامة ويقين وتيقظوا لكيد الكائدين وحقد الحاقدين وهذا ما كان يربيهم به القرآن الكريم والذكر الحكيم وهو ذاته مادة التربية والتوجيه للأمة المسلمة في كل جيل
نقائص أهل الكتاب في التعامل والتعاقد
ثم يمضي السياق يصف حال أهل الكتاب ; ويبين ما في هذه الحال من نقائص ; ويقرر القيم الصحيحة التي يقوم عليها الإسلام دين المسلمين ويبدأ فيعرض نموذجين من نماذج أهل الكتاب في التعامل والتعاقد ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم إنها خطة الإنصاف والحق وعدم البخس والغبن يجري عليها القرآن الكريم في وصف حال أهل الكتاب الذين كانوا يواجهون الجماعة المسلمة حينذاك ; والتي لعلها حال أهل الكتاب في جميع الأجيال ذلك أن خصومة أهل الكتاب للإسلام والمسلمين ودسهم وكيدهم وتدبيرهم الماكر اللئيم وإرادتهم الشر بالجماعة المسلمة وبهذا الدين كل ذلك لا يجعل القرآن يبخس المحسنين منهم حقهم حتى في معرض الجدل والمواجهة فهو هنا يقرر أن من أهل الكتاب ناسا أمناء لا يأكلون الحقوق مهما كانت ضخمة مغرية ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ولكن منهم كذلك الخونة الطامعين المماطلين الذين لا يردون حقا وإن صغر إلا بالمطالبة والإلحاح والملازمة ثم هم يفلسفون هذا الخلق الذميم بالكذب على الله عن علم وقصد ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وهذه بالذات صفة يهود فهم الذين يقولون هذا القول ; ويجعلون للأخلاق مقاييس متعددة فالأمانة بين اليهودي واليهودي أما غير اليهود ويسمونهم الأميين وكانوا يعنون بهم العرب وهم في الحقيقة يعنون كل من سوى اليهود فلا حرج على اليهودي في أكل أموالهم وغشهم وخداعهم والتدليس عليهم واستغلالهم بلا تحرج من وسيلة خسيسة ولا فعل ذميم ومن العجب أن يزعموا أن إلههم ودينهم يأمرهم بهذا وهم يعلمون أن هذا كذب وأن الله لا يأمر بالفحشاء ولا يبيح لجماعة من الناس أن يأكلوا أموال جماعة من الناس سحتا وبهتانا وألا يرعوا معهم عهدا ولا ذمة وأن ينالوا منهم بلا تحرج ولا تذمم ولكنها يهود يهود التي اتخذت من عداوة البشرية والحقد عليها ديدنا ودينا ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون هنا نجد القرآن الكريم يقرر قاعدته الخلقية الواحدة وميزانه الخلقي الواحد ويربط نظرته هذه بالله وتقواه بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم
فهي قاعدة واحدة من راعاها وفاء بعهد الله وشعورا بتقواه أحبه الله وأكرمه ومن اشترى بعهد الله وبأيمانه ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا أو بالدنيا كلها وهي متاع قليل فلا نصيب له في الآخرة ولا رعاية له عند الله ولا قبول ولا زكاة له ولا طهارة وإنما هو العذاب الأليم ونلمح هنا أن الوفاء بالعهد مرتبط بالتقوى ومن ثم لا يتغير في التعامل مع عدو أو صديق فليس هو مسألة مصلحة إنما هو مسألة تعامل مع الله أبدا دونما نظر إلى من يتعامل معهم وهذه هي نظرية الإسلام الأخلاقية بصفة عامة في الوفاء بالعهد وفي سواه من الأخلاق التعامل هو أولا تعامل مع الله يلحظ فيه جناب الله ويتجنب به سخطه ويطلب به رضاه فالباعث الأخلاقي ليس هو المصلحة ; وليس هو عرف الجماعة ولا مقتضيات ظروفها القائمة فإن الجماعة قد تضل وتنحرف وتروج فيها المقاييس الباطلة فلا بد من مقياس ثابت ترجع إليه الجماعة كما يرجع إليه الفرد على السواء ولا بد أن يكون لهذا المقياس فوق ثباته قوة يستمدها من جهة أعلى أعلى من اصطلاح الناس ومن مقتضيات حياتهم المتغيرة ومن ثم ينبغي أن تستمد القيم والمقاييس من الله ; بمعرفة ما يرضيه من الأخلاق والتطلع إلى رضاه والشعور بتقواه بهذا يضمن الإسلام تطلع البشرية الدائم إلى أفق أعلى من الأرض ; واستمدادها القيم والموازين من ذلك الأفق الثابت السامق الوضيء ومن ثم يجعل الذين يخيسون بالعهد ويغدرون بالأمانة يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا فالعلاقة في هذا بينهم وبين الله قبل أن تكون بينهم وبين الناس ومن هنا فلا نصيب لهم في الآخرة عنده أن كانوا يبغون بالغدر والنكث بالعهد ثمنا قليلا هو هذه المصالح الدنيوية الزهيدة ولا رعاية لهم من الله في الآخرة جزاء استهانتهم بعهده وهو عهدهم مع الناس في الدنيا ونجد هنا أن القرآن قد سلك طريقة التصوير في التعبير وهو يعبر عن إهمال الله لهم وعدم رعايتهم بأنه لا يكلمهم ولا ينظر إليهم ولا يطهرهم وهي أعراض الإهمال التي يعرفها الناس ومن ثم يتخذها القرآن وسيلة لتصوير الموقف صورة حية تؤثر في الوجدان البشري أعمق مما يؤثر التعبير التجريدي على طريقة القرآن في ظلاله وإيحاءاته الجميلة
نماذج من أهل الكتاب
ثم يمضي في عرض نماذج من أهل الكتاب ; فيعرض نموذج المضللين الذي يتخذون من كتاب الله مادة للتضليل يلوون السنتهم به عن مواضعه ويؤولون نصوصه لتوافق أهواء معينة ويشترون بهذا كله ثمنا قليلا عرضا من عرض هذه الحياة الدنيا ومن بين ما يلوون السنتهم به ويحرفونه ويؤولونه ما يختص بمعتقداتهم التي ابتدعوها عن المسيح عيسى بن مريم مما اقتضته أهواء الكنيسة وأهواء الحكام سواء وإن منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون وآفة رجال الدين حين يفسدون أن يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين وهذه الحال التي يذكرها القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب نعرفها نحن جيدا في زماننا هذا فهم كانوا يؤولون نصوص كتابهم ويلوونها ليا ليصلوا منها إلى مقررات معينة يزعمون أنها مدلول هذه النصوص وإنها تمثل ما أراده الله منها بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين الله في أساسها معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة التي يلجئون إليها النصوص إلجاء ونحن اليوم نعرف هذا النموذج جيدا في بعض الرجال الذين ينسبون إلى الدين ظلما الذين يحترفون الدين ويسخرونه في تلبية الأهواء كلها ; ويحملون النصوص ويجرون بها وراء هذه الأهواء حيثما لاح لهم أن هناك مصلحة تتحقق وأن هناك عرضا من أعراض هذه الحياة الدنيا يحصل يحملون هذه النصوص ويلهثون بها وراء تلك الأهواء ويلوون اعناق هذه النصوص ليا لتوافق هذه الأهواء السائدة ; ويحرفون الكلم عن مواضعه ليوافقوا بينه وبين اتجاهات تصادم هذا الدين وحقائقه الأساسية ويبذلون جهدا لاهثا في التمحل وتصيد أدنى ملابسة لفظية ليوافقوا بين مدلول آية قرآنية وهوى من الأهواء السائدة التي يهمهم تمليقها ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون كما يحكي القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب سواء فهي آفة لا يختص بها أهل الكتاب وحدهم إنما تبتلى بها كل أمة يرخص دين الله فيها على من ينتسبون إليه حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء التي يعود تمليقها بعرض من أعراض هذه الأرض وتفسد الذمة حتى ما يتحرج القلب من الكذب على الله تحريف كلماته عن مواضعها لتمليق عبيد الله ومجاراة أهوائهم المنحرفة التي تصادم دين الله وكأنما كان الله سبحانه يحذر الجماعة المسلمة من هذا المزلق الوبيء الذي انتهى بنزع أمانة القيادة من بني إسرائيل هذا النموذج من بني إسرائيل فيما يبدو من مجموع هذه الآيات كانوا يتلمسون في كتاب الله الجمل ذات التعبير المجازي ; فيلوون السنتهم بها أي في تأويلها واستخراج مدلولات منها هي لا تدل عليها بغير ليها وتحريفها ليوهموا الدهماء أن هذه المدلولات المبتدعة هي من كتاب الله ; ويقولون بالفعل هذا ما قاله الله وهو ما لم يقله سبحانه وكانوا يهدفون من هذا إلى إثبات الوهية عيسى عليه السلام ومع روح القدس وذلك فيما كانوا يزعمون من الأقانيم الأب والابن والروح القدس باعتبارها كائنا واحدا هو الله تعالى الله عما يصفون ويروون عن عيسى عليه السلام كلمات تؤيد هذا الذي يدعونه فرد الله عليهم هذا التحريف وهذا التأويل بأنه ليس من شأن نبي يخصه الله بالنبوة ويصطفيه لهذا الأمر العظيم أن يأمر الناس أن يتخذوه إلها هو والملائكة فهذا مستحيل ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون إن النبي يوقن أنه عبد وأن الله وحده هو الرب الذي يتجه إليه العباد بعبوديتهم وبعبادتهم فما يمكن أن يدعي لنفسه صفة الألوهية التي تقتضي من الناس العبودية فلن يقول نبي للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن قوله لهم كونوا ربانيين منتسبين إلى الرب عبادا له وعبيدا توجهوا إليه وحده بالعبادة وخذوا عنه وحده منهج حياتكم حتى تخلصوا له وحده فتكونوا ربانيين كونوا ربانيين بحكم علمكم للكتاب وتدارسكم له فهذا مقتضى العلم بالكتاب ودراسته والنبي لا يأمر الناس أبدا أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا فالنبي لا يأمر الناس بالكفر بعد أن يسلموا لله ويستسلموا لألوهيته وقد جاء ليهديهم إلى الله لا ليضلهم وليقودهم إلى الإسلام لا ليكفرهم ومن ثم تتجلى استحالة هذا الذي ينسبه ذلك الفريق إلى عيسى عليه السلام كما يتجلى الكذب على الله في ادعائهم أن هذا من عند الله وتسقط في الوقت ذاته قيمة كل ما يقوله هذا الفريق وما يعيده لإلقاء الريب والشكوك في الصف المسلم وقد عراهم القرآن هذه التعرية على مرأى ومسمع من الجماعة المسلمة ومثل هذا الفريق من أهل الكتاب فريق ممن يدعون الإسلام ويدعون العلم بالدين كما أسلفنا وهم أولى بأن يوجه إليهم هذا القرآن اليوم وهم يلوون النصوص القرآنية ليا لإقامة أرباب من دون الله في شتى الصور وهم يتصيدون من النصوص ما يلوونه لتمويه هذه المفتريات ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون
ترابط موكب الرسل والرسالات
بعد ذلك يصور حقيقة الترابط بين موكب الرسل والرسالات على عهد من الله وميثاق ينبني عليه فسوق من يتولى عن اتباع آخر الرسالات وشذوذه عن عهد الله وناموس الكون كله على الإطلاق وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون لقد أخذ الله سبحانه موثقا رهيبا جليلا كان هو شاهده وأشهد عليه رسله موثقا على كل رسول أنه مهما آتاه من كتاب وحكمة ثم جاء رسول بعده مصدقا لما معه أن يؤمن به وينصره ويتبع دينه وجعل هذا عهدا بينه وبين كل رسول والتعبير القرآني يطوي الأزمنة المتتابعة بين الرسل ; ويجمعهم كلهم في مشهد والله الجليل الكبير يخاطبهم جملة هل أقروا هذا الميثاق وأخذوا عليه عهد الله الثقيل قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري وهم يجيبون قالوا أقررنا فيشهد الجليل على هذا الميثاق ويشهدهم عليه قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين هذا المشهد الهائل الجليل يرسمه التعبير فيجف له القلب ويجب ; وهو يتمثل المشهد بحضرة البارىء الجليل والرسل مجتمعين وفي ظل هذا المشهد يبدو الموكب الكريم متصلا متساندا مستسلما للتوجيه العلوي ممثلا للحقيقة الواحدة التي شاء الله سبحانه أن تقوم عليها الحياة البشرية ولا تنحرف ولا تتعدد ولا تتعارض ولا تتصادم إنما ينتدب لها المختار من عباد الله ; ثم يسلمها إلى المختار بعده ويسلم نفسه معها لأخيه اللاحق به فما للنبي في نفسه من شيء ; وما له في هذه المهمة من أرب شخصي ولا مجد ذاتي إنما هو عبد مصطفى ومبلغ مختار والله سبحانه هو الذي ينقل خطى هذه الدعوة بين أجيال البشر ; ويقود هذا الموكب ويصرفه كيف يشاء ويخلص دين الله بهذا العهد وبهذا التصور من العصبية الذاتية عصبية الرسول لشخصه وعصبيته لقومه وعصبية أتباعه لنحلتهم وعصبيتهم لأنفسهم وعصبيتهم لقوميتهم ويخلص الأمر كله لله في هذا الدين الواحد الذي تتابع به وتوإلى ذلك الموكب السني الكريم وفي ظل هذه الحقيقة يبدو الذين يتخلفون من أهل الكتاب عن الإيمان بالرسول الأخير ص ومناصرته وتأييده تمسكا بدياناتهم لا بحقيقتها فحقيقتها تدعوهم إلى الإيمان به ونصرته ولكن باسمها تعصبا لأنفسهم في صورة التعصب لها مع أن رسلهم الذين حملوا إليهم هذه الديانات قد قطعوا على أنفسهم عهدا ثقيلا غليظا مع ربهم في مشهد مرهوب جليل في ظل هذه الحقيقة يبدو أولئك الذي يتخلفون فسقة عن تعليم أنبيائهم فسقة عن عهد الله معهم فسقة كذلك عن نظام الكون كله المستسلم لبارئه الخاضع لناموسه المدبر بأمره ومشيئته فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون إنه لا يتولى عن اتباع هذا الرسول إلا فاسق ولا يتولى عن دين الله إلا شاذ شاذ في هذا الوجود الكبير ناشز في وسط الكون الطائع المستسلم المستجيب إن دين الله واحد جاءت به الرسل جميعا وتعاقدت عليه الرسل جميعا وعهد الله واحد أخذه على كل رسول والإيمان بالدين الجديد واتباع رسوله ونصرة منهجه على كل منهج هو الوفاء بهذا العهد فمن تولى عن الإسلام فقد تولى عن دين الله كله وقد خاس بعهد الله كله والإسلام الذي يتحقق في إقامة منهج الله في الأرض واتباعه والخلوص له هو ناموس هذا الوجود وهو دين كل حي في هذا الوجود إنها صورة شاملة عميقة للإسلام والاستسلام صورة كونية تأخذ بالمشاعر وترتجف لها الضمائر صورة الناموس القاهر الحاكم الذي يرد الأشياء والأحياء إلى سنن واحد وشرعة واحدة ومصير واحد وإليه يرجعون فلا مناص لهم في نهاية المطاف من الرجوع إلى الحاكم المسيطر المدبر الجليل ولا مناص للإنسان حين يبتغي سعادته وراحته وطمأنينة باله وصلاح حاله من الرجوع إلى منهج الله في ذات نفسه وفي نظام حياته وفي منهج مجتمعه ليتناسق مع النظام الكوني كله فلا ينفرد بمنهج من صنع نفسه لا يتناسق مع ذلك النظام الكوني من صنع بارئه في حين أنه مضطر أن يعيش في إطار هذا الكون وأن يتعامل بجملته مع النظام الكوني والتناسق بين نظامه هو في تصوره وشعوره وفي واقعه وارتباطاته وفي عمله ونشاطه مع النظام الكوني هو وحده الذي يكفل له التعاون مع القوى الكونية الهائلة بدلا من التصادم معها وهو حين يصطدم بها يتمزق وينسحق ; أو لا يؤدي على كل حال وظيفة الخلافة في الأرض كما وهبها الله له وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه يملك معرفة أسرارها وتسخيرها والانتفاع بها على وجه يحقق له السعادة والراحة والطمأنينة ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر الانتفاع بها لا ليحترق بنار الكون ولكن ليطبخ بها ويستدفىء ويستضيء والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون مسلمة لربها إسلام كل شيء وكل حي فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس لا يصطدم مع الكون فحسب إنما يصطدم أولا بفطرته التي بين جنبيه فيشقى ويتمزق ويحتار ويقلق ويحيا كما تحيا البشرية الضالة النكدة اليوم في عذاب من هذا الجانب على الرغم من جميع الانتصارات العلمية وجميع التسهيلات الحضارية المادية إن البشرية اليوم تعاني من الخواء المرير خواء الروح من الحقيقة التي لا تطيق فطرتها أن تصبر عليها حقيقة الإيمان وخواء حياتها من المنهج الإلهي هذا المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون الذي تعيش فيه إنها تعاني من الهجير المحرف الذي تعيش فيه بعيدا عن ذلك الظل الوارف الندي ومن الفساد المقلق الذي تتمرغ فيه بعيدا عن ذلك الخط القويم والطريق المأنوس المطروق ومن ثم تجد الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب ; وتحس الخواء والجوع والحرمان ; وتهرب من واقعها هذا بالأفيون والحشيش والمسكرات ; وبالسرعة المجنونة والمغامرات الحمقاء والشذوذ في الحركة واللبس والطعام وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسورة والفراغ الكثير لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتزايد كلما تزايد الرخاء المادي والإنتاج الحضاري واليسر في وسائل الحياة ومرافقها إن هذا الخواء المرير ليطارد البشرية كالشبح المخيف يطاردها فتهرب منه ولكنها تنتهي كذلك إلى الخواء المرير وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية في الأرض حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون هاربون من أشباح تطاردهم هاربون من ذوات أنفسهم وسرعان ما يتكشف الرخاء المادي والمتاع الحسي الذي يصل إلى حد التمرغ في الوحل عن الأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والقلق والمرض والجنون والمسكرات والمخدرات والجريمة وفراغ الحياة من كل تصور كريم إنهم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الحقيقية إنهم لا يجدون سعادتهم لأنهم لا يجدون المنهج الإلهي الذي ينسق بين حركتهم وحركة الكون وبين نظامهم وناموس الوجود إنهم لا يجدون طمأنينتهم لأنهم لا يعرفون الله الذي إليه يرجعون
إيمان أمة الإسلام بجميع الرسل
ولما كانت الأمة المسلمة المسلمة حقا لا جغرافية ولا تاريخا هي الأمة المدركة لحقيقة العهد بين الله ورسله وحقيقة دين الله الواحد ومنهجه وحقيقة الموكب السني الكريم الذي حمل هذا المنهج وبلغه فإن الله يأمر نبيه ص أن يعلن هذه الحقيقة كلها ; ويعلن إيمان أمته بجميع الرسالات واحترامها لجميع الرسل ومعرفتها بطبيعة دين الله الذي لا يقبل الله من الناس سواه قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين هذا هو الإسلام في سعته وشموله لكل الرسالات قبله وفي ولائه لكافة الرسل حملته وفي توحيده لدين الله كله ورجعه جميع الدعوات وجميع الرسالات إلى أصلها الواحد والإيمان بها جملة كما أرادها الله لعباده ومما هو جدير بالالتفات في الآية القرآنية الأولى هنا هو ذكرها الإيمان بالله وما أنزل على المسلمين وهو القرآن وما أنزل على سائر الرسل من قبل ثم التعقيب على هذا الإيمان بقوله ونحن له مسلمون فهذا الإقرار بالإسلام له مغزاه بعد بيان أن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والطاعة واتباع الأمر والنظام والمنهج والناموس كما يتجلى في الآية قبلها أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون فظاهر أن إسلام الكائنات الكونية هو إسلام الخضوع للأمر واتباع النظام وطاعة الناموس ومن ثم تتجلى عناية الله سبحانه ببيان معنى الإسلام وحقيقته في كل مناسبة كي لا يتسرب إلى ذهن أحد أنه كلمة تقال باللسان أو تصديق يستقر في القلب ثم لا تتبعه آثاره العملية من الاستسلام لمنهج الله وتحقيق هذا المنهج في واقع الحياة وهي لفتة ذات قيمة قبل التقرير الشامل الدقيق الأكيد ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين إنه لا سبيل مع هذه النصوص المتلاحقة لتأويل حقيقة الإسلام ولا للي النصوص وتحريفها عن مواضعها لتعريف الإسلام بغير ما عرفه به الله الإسلام الذي يدين به الكون كله في صورة خضوع للنظام الذي قرره الله له ودبره به ولن يكون الإسلام إذن هو النطق بالشهادتين دون أن يتبع شهادة أن لا إله إلا الله معناها وحقيقتها وهي توحيد الألوهية وتوحيد القوامة ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاه ودون أن يتبع شهادة أن محمدا رسول الله معناها وحقيقتها وهي التقيد بالمنهج الذي جاء به من عند ربه للحياة واتباع الشريعة التي أرسله بها والتحاكم إلى الكتاب الذي حمله إلى العباد ولن يكون الإسلام إذن تصديقا بالقلب بحقيقة الألوهية والغيب والقيامة وكتب الله ورسله دون أن يتبع هذا التصديق مدلوله العملي وحقيقته الواقعية التي أسلفنا ولن يكون الإسلام شعائر وعبادات أو إشراقات وسبحات أو تهذيبا خلقيا وإرشادا روحيا دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول بالله الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات والشعائر والإشراقات والسبحات والذي تستشعر القلوب تقواه فتتهذب وترشد فإن هذا كله يبقى معطلا لا أثر له في حياة البشر ما لم تنصب آثاره في نظام اجتماعي يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء
ذم أهل الكتاب لصدهم عن الإسلام
هذا هو الإسلام كما يريده الله ; ولا عبرة بالإسلام كما تريده أهواء البشر في جيل منكود من أجيال الناس ولا كما تصوره رغائب أعدائه المتربصين به وعملائهم هنا أو هناك فأما الذين لا يقبلون الإسلام على النحو الذي أراده الله بعدما عرفوا حقيقته ثم لم تقبلها أهواؤهم فهم في الآخرة من الخاسرين ولن يهديهم الله ولن يعفيهم من العذاب كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون وهي حملة رعيبة يرجف لها كل قلب فيه ذرة من إيمان ; ومن جدية الأمر في الدنيا وفي الآخرة سواء وهو جزاء حق لمن تتاح له فرصة النجاة ثم يعرض عنها هذا الإعراض ولكن الإسلام مع هذا يفتح باب التوبة فلا يغلقه في وجه ضال يريد أن يتوب ; ولا يكلفه إلا أن يطرق الباب بل أن يدلف إليه فليس دونه حجاب وإلا أن يفيء إلى الحمى الآمن ويعمل صالحا فيدل على أن التوبة صادرة من قلب تاب إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم فأما الذين لا يتوبون ولا يثوبون الذين يصرون على الكفر ويزدادون كفرا والذين يلجون في هذا الكفر حتى تفلت الفرصة المتاحة وينتهي أمد الاختبار ويأتي دور الجزاء هؤلاء وهؤلاء لا توبة لهم ولا نجاة ولن ينفعهم أن يكونوا قد أنفقوا ملء الأرض ذهبا فيما يظنون هم أنه خير وبر ما دام مقطوعا عن الصلة بالله ومن ثم فهو غير موصول به ولا خالص له بطبيعة الحال ولن ينجيهم أن يقدموا ملء الأرض ذهبا ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة فقد أفلتت الفرصة وأغلقت الأبواب إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين وهكذا يحسم السياق القضية بهذا التقرير المروع المفزع وبهذا التوكيد الواضح الذي لا يدع ريبة لمستريب
فقه الإنفاق
وبمناسبة الإنفاق على غير درب الله وفي غير سبيله وبمناسبة الافتداء يوم لا ينفع الفداء يبين البذل الذي يرضاه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم وقد فقه المسلمون وقتها معنى هذا التوجيه الإلهي وحرصوا على أن ينالوا البر وهو جماع الخير بالنزول عما يحبون وببذل الطيب من المال سخية به نفوسهم في انتظار ما هو أكبر وأفضل روى الإمام أحمد بإسناده عن أبي إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة سمع أنس بن مالك يقول كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بير حاء وكانت مستقبله المسجد وكان النبي ص يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قال أبو طلحة يا رسول الله إن الله يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بير حاء وإنها صدقة لله أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال النبي ص < بخ بخ ذاك مال رابح ذاك مال رابح وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين > فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه أخرجه الشيخان وفي الصحيحين أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر فما تأمرني به قال < احبس الأصل وسبل الثمرة > وعلى هذا الدرب سار الكثيرون منهم يلبون توجيه ربهم الذي هداهم إلى البر كله يوم هداهم إلى الإسلام ويتحررون بهذه التلبية من استرقاق المال ومن شح النفس ومن حب الذات ; ويصعدون في هذا المرتقى السامق الوضيء أحرارا خفافا طلقاء

الوجيـه
13th December 2005, 11:50 AM
[align=center][color=#FF0000][size=5]
تكذيب اليهود في دعاوى حول يعقوب
كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون لقد كان اليهود يتصيدون كل حجة وكل شبهة وكل حيلة لينفذوا منها إلى الطعن في صحة الرسالة المحمدية وإلى بلبلة الأفكار وإشاعة الاضطراب في العقول والقلوب فلما قال القرآن إنه مصدق لما في التوراة برزوا يقولون فما بال القرآن يحلل من الأطعمة ما حرم على بني إسرائيل وتذكر الروايات أنهم ذكروا بالذات لحوم الإبل وألبانها وهي محرمة على بني إسرائيل وهناك محرمات أخرى كذلك أحلها الله للمسلمين وهنا يردهم القرآن إلى الحقيقة التاريخية التي يتجاهلونها للتشكيك في صحة ما جاء في القرآن من أنه مصدق للتوراة وأنه مع هذا أحل للمسلمين بعض ما كان محرما على بني إسرائيل هذه الحقيقة هي أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام وتقول الروايات إنه مرض مرضا شديدا فنذر لله لئن عافاه ليمتنعن تطوعا عن لحوم الإبل وألبانها وكانت أحب شيء إلى نفسه فقبل الله منه نذره وجرت سنة بني إسرائيل على اتباع أبيهم في تحريم ما حرم كذلك حرم الله على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها وأشير إلى هذه المحرمات في آية الأنعام وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون وكانت قبل هذا التحريم حلالا لبني إسرائيل يردهم الله سبحانه إلى هذه الحقيقة ليبين أن الأصل في هذه المطاعم هو الحل وأنها إنما حرمت عليهم لملابسات خاصة بهم فإذا أحلها للمسلمين فهذا هو الأصل الذي لا يثير الاعتراض ولا الشك في صحة هذا القرآن وهذه الشريعة الإلهية الأخيرة ويتحداهم أن يرجعوا إلى التوراة وأن يأتوا بها ليقرأوها وسيجدون فيها أن أسباب التحريم خاصة بهم وليست عامة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ثم يهدد من يفتري الكذب منهم على الله بأنه إذن ظالم لا ينصف الحقيقة ولا ينصف نفسه ولا ينصف الناس وعقاب الظالم معروف فيكفي أن يوصموا بهذه الوصمة ليتقرر نوع العذاب الذي ينتظرهم وهم يفترون الكذب على الله وهم إليه راجعون
إبراهيم وبناء الكعبة والحج
كذلك كان اليهود يبدئون ويعيدون في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن صلى رسول الله ص إلى بيت المقدس حتى الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة ومع أن هذا الموضوع قد نوقش مناقشة كاملة وافية في سورة البقرة من قبل وتبين أن اتخاذ الكعبة قبلة للمسلمين هو الأصل وهو الأولى وأن اتخاذ بيت المقدس هذه الفترة كان لحكمة معينة بينها الله في حينها مع هذا فقد ظل اليهود يبدئون في هذا الموضوع ويعيدون ابتغاء البلبلة والتشكيك واللبس للحق الواضح الصريح على مثال ما يصنع اليوم أعداء هذا الدين بكل موضوع من موضوعات هذا الدين وهنا يرد الله عليهم كيدهم ببيان جديد قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ولعل الإشارة هنا في قوله قل صدق الله تعني ما سبق تقريره في هذا الأمر من أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون مثابة للناس وأمنا وليكون للمؤمنين بدينه قبلة ومصلى ومن ثم يجيء الأمر باتباع إبراهيم في ملته وهي التوحيد الخالص المبرأ من الشرك في كل صورة فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين واليهود كانوا يزعمون أنهم هم ورثة إبراهيم فها هو ذا القرآن يدلهم على حقيقة دين إبراهيم ; وأنه الميل عن كل شرك ويؤكد هذه الحقيقة مرتين مرة بأنه كان حنيفا ومرة بأنه ما كان من المشركين فما بالهم هم مشركين ثم يقرر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخصص لها مذ أمر الله إبراهيم أن يرفع قواعده وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود وجعله مباركا وجعله هدى للعالمين يجدون عنده الهدى بدين الله ملة إبراهيم وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم ويقال إن المقصود هو الحجر الأثري الذي كان إبراهيم عليه السلام يقف عليه في أثناء البناء وكان ملصقا بالكعبة فأخره عنها الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه حتى لا يشوش الذين يطوفون به على المصلين عنده وقد أمر المسلمون أن يتخذوه مصلى بقوله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ويذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمنا فهو مثابة الأمن لكل خائف وليس هذا لمكان آخر في الأرض وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل وحتى في جاهلية العرب وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية كما قال الحسن البصري وغيره كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا حتى والناس من حوله في جاهلية وقال سبحانه يمتن على العرب به أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وحتى إنه من جملة تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره وحرمة قطع شجرها وفي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله ص يوم فتح مكة < إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه إلخ > فهذا هو البيت الذي اختاره الله للمسلمين قبلة هو بيت الله الذي جعل له هذه الكرامة وهو أول بيت أقيم في الأرض للعبادة وهو بيت أبيهم إبراهيم وفيه شواهد على بناء إبراهيم له والإسلام هو ملة إبراهيم فبيته هو أولى بيت بأن يتجه إليه المسلمون وهو مثابة الأمان في الأرض وفيه هدى للناس بما أنه مثابة هذا الدين ثم يقرر أن الله فرض على الناس أن يحجوا إلى هذا البيت ما تيسر لهم ذلك وإلا فهو الكفر الذي لا يضر الله شيئا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ويلفت النظر في التعبير هذا التعميم الشامل في فرضية الحج على الناس ففيه أولا إيحاء بأن هذا الحج مكتوب على هؤلاء اليهود الذين يجادلون في توجه المسلمين إليه في الصلاة على حين أنهم هم أنفسهم مطالبون من الله بالحج إلى هذا البيت والتوجه إليه بوصفه بيت أبيهم إبراهيم وبوصفه أول بيت وضع للناس للعبادة فهم اليهود المنحرفون المقصرون العاصون وفيه ثانيا إيحاء بأن الناس جميعا مطالبون بالإقرار بهذا الدين وتأدية فرائضه وشعائره والاتجاه والحج إلى بيت الله الذي يتوجه إليه المؤمنون به هذا وإلا فهو الكفر مهما ادعى المدعون أنهم على دين والله غني عن العالمين فما به من حاجة سبحانه إلى إيمانهم وحجهم إنما هي مصلحتهم وفلاحهم بالإيمان والعبادة والحج فريضة في العمر مرة عند أول ما تتوافر الاستطاعة من الصحة وإمكان السفر وأمن الطريق ووقت فرضها مختلف فيه فالذين يعتمدون رواية أن هذه الآيات نزلت في عام الوفود في السنة التاسعة يرون أن الحج فرض في هذه السنة ويستدلون على هذا بأن حجة رسول الله ص كانت
فقط بعد هذا التاريخ وقد قلنا عند الكلام على مسألة تحويل القبلة في الجزء الثاني من الظلال إن حجة الرسول ص لا دليل فيها على تأخر فرضية الحج فقد تكون لملابسات معينة منها أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عرايا ما يزالون يفعلون هذا بعد فتح مكة فكره رسول الله ص أن يخالطهم حتى نزلت سورة براءة في العام التاسع وحرم على المشركين الطواف بالبيت ثم حج ص حجته في العام الذي يليه ومن ثم فقد تكون فرضية الحج سابقة على ذلك التاريخ ويكون نزول هذه الآية في الفترة الأولى من الهجرة بعد غزوة أحد أو حواليها وقد تقررت هذه الفريضة على كل حال بهذا النص القاطع الذي يجعل لله سبحانه حق حج البيت على الناس من استطاع إليه سبيلا والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام يتلاقون فيه عند البيت الذي صدرت لهم الدعوة منه والذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد أبيهم إبراهيم والذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته خالصا فهو تجمع له مغزاه وله ذكرياته هذه التي تطوف كلها حول المعنى الكريم الذي يصل الناس بخالقهم العظيم معنى العقيدة استجابة الروح لله الذي من نفخة روحه صار الإنسان إنسانا وهو المعنى الذي يليق بالأناسي أن يتجمعوا عليه وأن يتوافدوا كل عام إلى المكان المقدس الذي انبعث منه النداء للتجمع على هذا المعنى الكريم
التنديد بأهل الكتاب لحربهم الحق
بعد هذا البيان يلقن الرسول ص أن يتجه إلى أهل الكتاب بالتنديد والتهديد على موقفهم من الحق الذي يعلمونه ثم يصدون عنه ويكفرون بآيات الله وهم شهداء على صحتها وهم من صدقها على يقين قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون وقد تكرر مثل هذا التنديد في هذه السورة وفي سور غيرها كثيرة وأول ما يتركه هذا التنديد من أثر هو مجابهته أهل الكتاب بحقيقة موقفهم ووصفهم بصفتهم التي يدارونها بمظهر الإيمان والتدين بينما هم في حقيقتهم كفار فهم يكفرون بآيات الله القرآنية ومن يكفر بشيء من كتاب الله فقد كفر بالكتاب كله ولو أنهم آمنوا بالنصيب الذي معهم لآمنوا بكل رسول جاء من عند الله بعد رسولهم فحقيقة الدين واحدة من عرفها عرف أن كل ما يجيء به الرسل من بعد حق وأوجب على نفسه الإسلام لله على أيديهم وهي حقيقة من شأنها أن تهزهم وأن تخوفهم عاقبة ما هم فيه ثم إن المخدوعين من الجماعة المسلمة بكون هؤلاء الناس أهل كتاب يسقط هذا الخداع عنهم وهم يرون الله سبحانه يعلن حقيقة أهل الكتاب هؤلاء ويدمغهم بالكفر الكامل الصريح فلا تبقى بعد هذا ريبة لمستريب وهو سبحانه يهددهم بما يخلع القلوب والله شهيد على ما تعملون وما الله بغافل عما تعملون وهو تهديد رعيب حين يحس إنسان أن الله يشهد عمله وأنه ليس بغافل عنه بينما عمله هو الكفر والخداع والإفساد والتضليل ويسجل الله تعالى عليهم معرفتهم بالحق الذي يكفرون به ويصدون الناس عنه وأنتم شهداء مما يجزم بأنهم كانوا على يقين من صدق ما يكذبون به ومن صلاح ما يصدون الناس عنه وهو أمر بشع مستنكر لا يستحق فاعله ثقة ولا صحبة ولا يستأهل إلا الاحتقار والتنديد ولا بد من وقفة أمام وصفة تعالى لهؤلاء القوم بقوله لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا إنها لفتة ذات مغزى كبير إن سبيل الله هو الطريق المستقيم وما عداه عوج غير مستقيم وحين يصد الناس عن سبيل الله ; وحين يصد المؤمنون عن منهج الله فإن الأمور كلها تفقد استقامتها والموازين كلها تفقد سلامتها ولا يكون في الأرض إلا العوج الذي لا يستقيم إنه الفساد فساد الفطرة بانحرافها وفساد الحياة باعوجاجها وهذا الفساد هو حصيلة صد الناس عن سبيل الله وصد المؤمنين عن منهج الله وهو فساد في التصور وفساد في الضمير وفساد في الخلق وفساد في السلوك وفساد في الروابط وفساد في المعاملات وفساد في كل ما بين الناس بعضهم وبعض من ارتباطات وما بينهم وبين الكون الذي يعيشون فيه من أواصر وإما أن يستقيم الناس على منهج الله فهي الاستقامة والصلاح والخير وإما أن ينحرفوا عنه إلى آية وجهه فهو العوج والفساد والشر وليس هنالك إلا هاتان الحالتان تتعاوران حياة بني الإنسان استقامة على منهج الله فهو الخير والصلاح وانحراف عن هذا المنهج فهو الشر والفساد
تحذير الأمة المسلمة من طاعة أهل الكتاب
وحين يصل السياق إلى هذا الحد ينهي الجدل مع أهل الكتاب ويغفل شأنهم كله ويتجه إلى الجماعة المسلمة بالخطاب والتحذير والتنبيه والتوجيه وبيان خصائص الجماعة المسلمة وقواعد منهجها وتصورها وحياتها ; وطبيعة وسائلها لتحقيق المنهج الذي ناطه الله بها يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم لقد جاءت هذه الأمة المسلمة لتنشىء في الأرض طريقها على منهج الله وحده متميزة متفردة ظاهرة لقد انبثق وجودها ابتداء من منهج الله ; لتؤدي في حياة البشر دورا خاصا لا ينهض به سواها لقد وجدت لإقرار منهج الله في الأرض وتحقيقه في صورة عملية ذات معالم منظورة تترجم فيها النصوص إلى حركات وأعمال ومشاعر وأخلاق وأوضاع وارتباطات وهي لا تحقق غاية وجودها ولا تستقيم على طريقها ولا تنشىء في الأرض هذه الصورة الوضيئة الفريدة من الحياة الواقعية الخاصة المتميزة إلا إذا تلقت من الله وحده وإلا إذا تولت قيادة البشرية بما تتلقاه من الله وحده قيادة البشرية لا التلقي من أحد من البشر ولا اتباع أحد من البشر ولا طاعة أحد من البشر إما هذا وإما الكفر والضلال والانحراف هذا ما يؤكده القرآن ويكرره في شتى المناسبات وهذا ما يقيم عليه مشاعر الجماعة المسلمة وأفكارها وأخلاقها كلما سنحت الفرصة وهنا موضع من هذه المواضع مناسبته هي المناظرة مع أهل الكتاب ومواجهة كيدهم وتآمرهم على الجماعة المسلمة في المدينة ولكنه ليس محدودا بحدود هذه المناسبة فهو التوجيه الدائم لهذه الأمة في كل جيل من أجيالها لأنه هو قاعدة حياتها بل قاعدة وجودها لقد وجدت هذه الأمة لقيادة البشرية فكيف تتلقى إذن من الجاهلية التي جاءت لتبدلها ولتصلها بالله ولتقودها بمنهج الله وحين تتخلى عن مهمة القيادة فما وجودها إذن وليس لوجودها في هذه الحال من غاية لقد وجدت للقيادة قيادة التصور الصحيح والاعتقاد الصحيح والشعور الصحيح والخلق الصحيح والنظام الصحيح والتنظيم الصحيح وفي ظل هذه الأوضاع الصحيحة يمكن أن تنمو العقول وأن تتفتح وأن تتعرف إلى هذا الكون وأن تعرف أسراره وأن تسخر قواه وطاقاته ومدخراته ولكن القيادة الأساسية التي تسمح بهذا كله وتسيطر على هذا كله وتوجهه لخير البشر لا لتهديدهم بالخراب والدمار ولا لتسخيره في المآرب والشهوات ينبغي أن تكون للإيمان وأن تقوم عليها الجماعة المسلمة مهتدية فيها بتوجيه الله لا بتوجيه أحد من عبيد الله وهنا في هذا الدرس يحذر الأمة المسلمة من اتباع غيرها ويبين لها كذلك طريقها لإنشاء الأوضاع الصحيحة وصيانتها ويبدأ بتحذيرها من اتباع أهل الكتاب وإلا فسيقودونها إلى الكفر لا مناص يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم إن طاعة أهل الكتاب والتلقي عنهم واقتباس مناهجهم وأوضاعهم تحمل ابتداء معنى الهزيمة الداخلية والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صعدا في طريق النماء والارتقاء وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب هذا من جانب المسلمين فأما من الجانب الآخر فأهل الكتاب لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها فهذه العقيدة هي صخرة النجاة ; وخط الدفاع ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة وأعداؤه يعرفون هذا جيدا يعرفونه قديما ويعرفونه حديثا ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كل ما في وسعهم من مكر وحيلة ومن قوة كذلك وعدة وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسون لها ماكرين وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام أو ممن ينتسبون زورا للإسلام جنودا مجندة لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار ولتصد الناس عنها ولتزين لهم مناهج غير منهجها وأوضاعا غير أوضاعها وقيادة غير قيادتها فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين طواعية واستماعا واتباعا فهم ولا شك سيستخدمون هذا كله في سبيل الغاية التي تؤرقهم وسيقودونهم ويقودون الجماعة كلها من ورائهم إلى الكفر والضلال ومن ثم هذا التحذير الحاسم المخيف يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وما كان يفزع المسلم حينذاك ما يفزعه أن يرى نفسه منتكسا إلى الكفر بعد الإيمان وراجعا إلى النار بعد نجاته منها إلى الجنة وهذا شأن المسلم الحق في كل زمان ومن ثم يكون هذا التحذير بهذه الصورة سوطا يلهب الضمير ويوقظه بشدة لصوت النذير ومع هذا فإن السياق يتابع التحذير والتذكير فيا له من منكر أن يكفر الذين آمنوا بعد إيمانهم وآيات الله تتلى عليهم ورسوله فيهم ودواعي الإيمان حاضرة والدعوة إلى الإيمان قائمة ومفرق الطريق بين الكفر والإيمان مسلط عليه هذا النور وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله أجل إنها لكبيرة أن يكفر المؤمن في ظل هذه الظروف المعينة على الإيمان وإذا كان رسول الله ص قد استوفى أجله واختار الرفيق الأعلى فإن آيات الله باقية وهدى رسوله ص باق ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون وطريق العصمة بين ولواء العصمة مرفوع ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم أجل إنه الاعتصام بالله يعصم والله سبحانه باق وهو سبحانه الحي القيوم ولقد كان رسول الله ص يتشدد مع أصحابه رضوان الله عليهم في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شؤون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة كشؤون الزرع وخطط القتال وأمثالها من المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي ولا بالنظام الاجتماعي ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان وفرق بين هذا وذلك بين فمنهج الحياة شيء والعلوم البحتة والتجريبية والتطبيقية شيء آخر والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرازق أنبأنا سفيان عن جابر عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر إلى النبي ص فقال يا رسول الله إني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك قال فتغير وجه رسول الله ص قال عبد الله بن ثابت قلت له ألا ترى ما وجه رسول الله ص فقال عمر رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا قال فسري عن النبي ص وقال < والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى عليه السلام ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين > وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا حماد عن الشعبي عن جابر قال قال رسول الله ص < لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني > وفي بعض الأحاديث < لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي > هؤلاء هم أهل الكتاب وهذا هو هدى رسول الله ص في التلقي عنهم في أي أمر يختص بالعقيدة والتصور أو بالشريعة والمنهج ولا ضير وفق روح الإسلام وتوجيهه من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة علما وتطبيقا مع ربطها بالمنهج الإيماني من ناحية الشعور بها وكونها من تسخير الله للإنسان ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية وتوفير الأمن لها والرخاء وشكر الله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوى والطاقات الكونية شكره بالعبادة وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني وفي تفسير الوجود وغاية الوجود الإنساني وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضا أما التلقي في شيء من هذا كله فهو الذي تغير وجه رسول الله ص لأيسر شيء منه وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته وهي الكفر الصراح هذا هو توجيه الله سبحانه وهذا هو هدى رسوله ص فأما نحن الذين نزعم أننا مسلمون فأرانا نتلقى في صميم فهمنا لقرآننا وحديث نبينا ص عن المستشرقين وتلامذة المستشرقين وأرانا نتلقى فلسفتنا وتصوراتنا للوجود والحياة من هؤلاء وهؤلاء ومن الفلاسفة والمفكرين الإغريق والرومان والأوروبيين والأمريكان وأرانا نتلقى نظام حياتنا وشرائعنا وقوانيننا من تلك المصادر المدخولة وأرانا نتلقى قواعد سلوكنا وآدابنا وأخلاقنا من ذلك المستنقع الآسن الذي انتهت إليه الحضارة المادية المجردة من روح الدين أي دين ثم نزعم والله أننا مسلمون وهو زعم إثمه أثقل من إثم الكفر الصريح فنحن بهذا نشهد على الإسلام بالفشل والمسخ حيث لا يشهد عليه هذه الشهادة الآثمة من لا يزعمون مثلنا أنهم مسلمون إن الإسلام منهج وهو نهج ذو خصائص متميزة من ناحية التصور الاعتقادي ومن ناحية الشريعة المنظمة لارتباطات الحياة كلها ومن ناحية القواعد الأخلاقية التي تقوم عليها هذه الارتباطات ولا تفارقها سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وهو منهج جاء لقيادة البشرية كلها فلا بد أن تكون هناك جماعة من الناس تحمل هذا المنهج لتقود به البشرية ومما يتناقض مع طبيعة القيادة كما أسلفنا أن تتلقى هذه الجماعة التوجيهات من غير منهجها الذاتي ولخير البشرية جاء هذا المنهج يوم جاء ولخير البشرية يدعو الدعاة لتحكيم هذا المنهج اليوم وغدا بل الأمر اليوم الزم والبشرية بمجموعها تعاني من النظم والمناهج التي انتهت إليها ما تعاني وليس هناك منقذ إلا هذا المنهج الإلهي الذي يجب أن يحتفظ بكل خصائصه كي يؤدي دوره للبشرية وينقذها مرة أخرى لقد أحرزت البشرية انتصارات شتى في جهادها لتسخير القوى الكونية وحققت في عالم الصناعة والطب ما يشبه الخوارق بالنسبة للماضي وما تزال في طريقها إلى انتصارات جديدة ولكن ما أثر هذا كله في حياتها ما أثره في حياتها النفسية هل وجدت السعادة هل وجدت الطمأنينة هل وجدت السلام كلا لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والجريمة على أوسع نطاق إنها لم تتقدم كذلك في تصور غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية وحين تقاس غاية الوجود الإنساني وأهداف الحياة الإنسانية في ذهن الرجل المتحضر المعاصر إلى التصور الإسلامي في هذا الجانب تبدو هذه الحضارة في غاية القزامة بل تبدو لعنة تحط من تصور الإنسان لنفسه ومقامه في هذا الوجود وتسفل به وتصغر من اهتماماته ومن أشواقه والخواء يأكل قلب البشرية المكدود والحيرة تهد روحها المتعبة إنها لا تجد الله لقد أبعدتها عنه ملابسات نكدة والعلم الذي كان من شأنه لو سار تحت منهج الله أن يجعل من كل انتصار للبشرية في ميدانه خطوة تقربها من الله هو ذاته الذي تبعد به البشرية أشواطا بسبب انطماس روحها ونكستها إنها لا تجد النور الذي يكشف لها غاية وجودها الحقيقية فتنطلق إليها مستعينة بهذا العلم الذي منحه الله لها ووهبها الاستعداد له ولا تجد المنهج الذي ينسق بين حركتها وحركة الكون وفطرتها وفطرة الكون وقانونها وناموس الكون ولا تجد النظام الذي ينسق بين طاقاتها وقواها وآخرتها ودنياها وأفرادها وجماعاتها وواجباتها وحقوقها تنسيقا طبيعيا شاملا مريحا وهذه البشرية هي التي يعمل ناس منها على حرمانها من منهج الله الهادي وهم الذين يسمون التطلع إلى هذا المنهج رجعية ويحسبونه مجرد حنين إلى فترة ذاهبة من فترات التاريخ وهم بجهالتهم هذه أو بسوء نيتهم يحرمون البشرية التطلع إلى المنهج الوحيد الذي يمكن أن يقود خطاها إلى السلام والطمأنينة كما يقود خطاها إلى النمو والرقي ونحن الذين نؤمن بهذا المنهج نعرف إلى ماذا ندعو إننا نرى واقع البشرية النكد ونشم رائحة المستنقع الآسن الذي تتمرغ فيه ونرى نرى هنالك على الأفق الصاعد راية النجاة تلوح للمكدودين في هجير الصحراء المحرق والمرتقى الوضيء النظيف يلوح للغارقين في المستنقع ; ونرى أن قيادة البشرية إن لم ترد إلى هذا المنهج فهي في طريقها إلى الارتكاس الشائن لكل تاريخ الإنسان ولكل معنى من معاني الإنسان وأولى الخطوات في الطريق أن يتميز هذا المنهج يتفرد ولا يتلقى أصحابه التوجيه من الجاهلية الطامة من حولهم كيما يظل المنهج نظيفا سليما إلى أن يأذن الله بقيادته للبشرية مرة أخرى والله أرحم بعباده أن يدعهم لأعداء البشر الداعين إلى الجاهلية من هنا ومن هناك وهذا ما أراد الله سبحانه أن يلقنه للجماعة المسلمة الأولى في كتابه الكريم ; وما حرص رسول الله ص أن يعلمها إياه في تعليمه القويم
دعوة الأمة للإعتصام بحبل الله والتحذير من الفرقة
وبعد هذا التحذير من التلقي عن أهل الكتاب وطاعتهم واتباعهم ينادي الله الجماعة المسلمة ويوجهها إلى القاعدتين الأساسيتين اللتين تقوم عليهما حياتها ومنهجها واللتين لا بد منهما لكي تستطيع أن تضطلع بالأمانة الضخمة التي ناطها الله بها وأخرجها للوجود من أجلها هاتان القاعدتان المتلازمتان هما الإيمان والأخوة الإيمان بالله وتقواه ومراقبته في كل لحظة من لحظات الحياة والأخوة في الله تلك التي تجعل من الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة قادرة على أداء دورها العظيم في الحياة البشرية وفي التاريخ الإنساني دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحياة على أساس المعروف وتطهيرها من لوثة المنكر يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون أنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة ولم يكن هنالك دور لها تؤديه ركيزة الإيمان والتقوى أولا التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته اتقوا الله كما يحق له أن يتقى وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق وجدت له أشواق وكلما اقترب بتقواه من الله تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ وإلى مرتبة وراء ما ارتقى وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما وأن يكون في كل لحظة مسلما وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع الاستسلام الاستسلام لله طاعة له واتباعا لمنهجه واحتكاما إلى كتابه وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها على نحو ما أسلفنا هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة إنما تكون هناك مناهج جاهلية ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية إنما تكون القيادة للجاهلية فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة الأخوة في الله على منهج الله لتحقيق منهج الله واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام من الركيزة الأولى أساسها الاعتصام بحبل الله أي عهده ونهجه ودينه وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر ولا على أي هدف آخر ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة واعتمصوا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما وهو هنا يذكرهم هذه النعمة يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد وهما الحيان العربيان في يثرب يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه ولا تعيش إلا معه فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية والثارات القبلية والأطماع الشخصية والرايات العنصرية ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ينعمته إخوانا ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله الركيزة الأولى وبالتأليف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانا الركيزة الثانية وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط القلب فلا يقول فألف بينكم إنما ينفذ إلى المكمن العميق فألف بين قلوبكم فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب وكنتم على شفا حفرة من النار وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة إذا بالقلوب ترى يد الله وهي تدرك وتنقذ وحبل الله وهو يمتد ويعصم وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال وقد ذكر محمد بن إسحاق في السيرة وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ففعل فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة فبلغ ذلك النبي ص فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول < أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم > وتلا عليهم هذه الآية فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح رضي الله عنهم وكذلك بين الله لهم فاهتدوا وحق فيهم قول الله سبحانه في التعقيب في الآية كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون فهذه صورة من جهد يهود لتقطيع حبل الله بين المتحابين فيه القائمين على منهجه لقيادة البشرية في طريقه هذه صورة من ذلك الكيد الذي تكيده يهود دائما للجماعة المسلمة كلما تجمعت على منهج الله واعتصمت بحبله وهذه ثمرة من ثمار طاعة أهل الكتاب كادت ترد المسلمين الأولين كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وتقطع بينهم حبل الله المتين الذي يتآخون فيه مجتمعين وهذه صلة هذه الآية بالآيات قبلها في هذا السياق على أن مدلول الآية أوسع مدى من هذه الحادثة فهي تشي مع ما قبلها في السياق وما بعدها بأنه كانت هناك حركة دائبة من اليهود لتمزيق شمل الصف المسلم في المدينة وإثارة الفتنة والفرقة بكل الوسائل والتحذيرات القرآنية المتوالية من إطاعة أهل الكتاب ومن الاستماع إلى كيدهم ودسهم ومن التفرق كما تفرقوا هذه التحذيرات تشي بشدة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من كيد اليهود في المدينة ومن بذرهم لبذور الشقاق والشك والبلبلة باستمرار وهو دأب يهود في كل زمان وهو عملها اليوم وغدا في الصف المسلم في كل مكان
فأما وظيفة الجماعة المسلمة التي تقوم على هاتين الركيزتين لكي تنهض بها هذه الوظيفة الضرورية لإقامة منهج الله في الأرض ولتغليب الحق على الباطل والمعروف على المنكر والخير على الشر هذه الوظيفة التي من أجلها أنشئت الجماعة المسلمة بيد الله وعلى عينه ووفق منهجه فهي التي تقررها الآية التالية ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته فهناك دعوة إلى الخير ولكن هناك كذلك أمر بالمعروف وهناك نهي عن المنكر وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان هذا هو تصور الإسلام للمسألة إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر وتحقيق هذا المنهج يقتضي دعوة إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج ويقتضي سلطة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فتطاع والله يقول وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان فهذا شطر أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي على تحقيق المعروف ونفي المنكر من الحياة البشرية وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة وكل ذي مصلحة وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرىء برأيه وبتصوره زاعما أن هذا هو الخير والمعروف والصواب والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ثم تكليف ليس بالهين ولا باليسير إذا نظرنا إلى طبيعته وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم ومصالح بعضهم ومنافعهم وغرور بعضهم وكبريائهم وفيهم الجبار الغاشم وفيهم الحاكم المتسلط وفيهم الهابط الذي يكره الصعود وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد وفيهم المنحل الذي يكره الجد وفيهم الظالم الذي يكره العدل وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف ويعرفون المنكر ولا تفلح الأمة ولا تفلح البشرية إلا أن يسود الخير وإلا أن يكون المعروف معروفا والمنكر منكرا وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى وتطاع ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين الإيمان بالله والأخوة في الله لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى ثم بقوة الحب والألفة وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة وكلفها به هذا التكليف وجعل القيام به شريطة الفلاح فقال عن الذين ينهضون به وأولئك هم المفلحون إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة والحق فيه أقوى من الباطل والعدل فيه أنفع من الظلم فاعل الخير فيه يجد على الخير اعوانا وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانا ومن هنا قيمة هذا التجمع إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه والتصور الإسلامي عن الوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص يختلف في هذا كله عن التصورات الجاهلية اختلافا جوهريا أصيلا فلا بد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور بكل قيمه الخاصة لا بد له من وسط غير الوسط الجاهلي ومن بيئة غير البيئة الجاهلية هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له ; فيحيا فيه هذا التصور ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض والأخوة في الله كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار الإيثار المنطلق في يسر المندفع في حرارة المطمئن الواثق المرتاح وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى في المدينة على هاتين الركيزتين على الإيمان بالله ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله سبحانه وتمثل صفاه في الضمائر ; وتقواه ومراقبته واليقظة والحساسية إلى حد غير معهود إلا في الندرة من الأحوال وعلى الحب الحب الفياض الرائق والود الود العذب الجميل والتكافل التكافل الجاد العميق وبلغت تلك الجماعة في ذلك كله مبلغا لولا أنه وقع لعد من أحلام الحالمين وقصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار قصة من عالم الحقيقة ولكنها في طبيعتها أقرب إلى الرؤى الحالمة وهي قصة وقعت في هذه الأرض ولكنها في طبيعتها من عالم الخلد والجنان وعلى مثل ذلك الإيمان ومثل هذه الأخوة يقوم منهج الله في الأرض في كل زمان ومن ثم يعود السياق فيحذر الجماعة المسلمة من التفرق والاختلاف ; وينذرها عاقبة الذين حملوا أمانة منهج الله قبلها من أهل الكتاب ثم تفرقوا واختلفوا فنزع الله الراية منهم وسلمها للجماعة المسلمة المتآخية فوق ما ينتظرهم من العذاب يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون وهنا يرسم السياق مشهدا من المشاهد القرآنية الفائضة بالحركة والحيوية فنحن في مشهد هول هول لا يتمثل في الفاظ ولا في أوصاف ولكن يتمثل في آدميين أحياء في وجوه وسمات هذه وجوه قد أشرقت بالنور وفاضت بالبشر فابيضت من البشر والبشاشة وهذه وجوه كمدت من الحزن وغبرت من الغم واسودت من الكآبة وليست مع هذا متروكة إلى ما هي فيه ولكنه اللذع بالتبكيت والتأنيب أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون وهكذا ينبض المشهد بالحياة والحركة والحوار على طريقة القرآن وهكذا يستقر في ضمير الجماعة المسلمة معنى التحذير من الفرقة والاختلاف ومعنى النعمة الإلهية الكريمة بالإيمان والائتلاف وهكذا ترى الجماعة المسلمة مصير هؤلاء القوم من أهل الكتاب الذين تحذر أن تطيعهم كي لا تشاركهم هذا المصير الأليم في العذاب العظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ويعقب على هذا البيان لمصائر الفريقين تعقيبا قرآنيا يتمشى مع خطوط السورة العريضة يتضمن إثبات صدق الوحي والرسالة وجدية الجزاء والحساب يوم القيامة والعدل المطلق في حكم الله في الدنيا والآخرة وملكية الله المفردة لما في السماوات وما في الأرض ورجعة الأمر إليه في كل حال تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور تلك الصور تلك الحقائق تلك المصائر تلك آيات الله وبيناته لعباده نتلوها عليك بالحق فهي حق فيما تقرره من مبادىء وقيم ; وهي حق فيما تعرضه من مصائر وجزاءات وهي تتنزل بالحق ممن يملك تنزيلها ; وممن له الحق في تقرير القيم وتقرير المصائر وتوقيع الجزاءات وما يريد بها الله أن يوقع بالعباد ظلما فهو الحكم العدل وهو المالك لأمر السماوات والأرض ولكل ما في السماوات وما في الأرض وإليه مصير الأمور إنما يريد الله بترتيب الجزاء على العمل أن يحق الحق وأن يجري العدل وأن تمضي الأمور بالجد اللائق بجلال الله لا كما يدعي أهل الكتاب أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات
وظيفة الأمة المسلمة وعداوة أهل الكتاب لها
بعدئذ يصف الأمة المسلمة لنفسها ليعرفها مكانها وقيمتها وحقيقتها ; ثم يصف لها أهل الكتاب ولا يبخسهم قدرهم إنما يبين حقيقتهم ويطمعهم في ثواب الإيمان وخيره ويطمئن المسلمين من جانب عدوهم فهم لن يضروهم في كيدهم لهم وقتالهم ولن ينصروا عليهم وللذين كفروا منهم عذاب النار في الآخرة لا ينفعهم فيه ما أنفقوا في الحياة الدنيا بلا إيمان ولا تقوى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون إن شطر الآية الأولى في هذه المجموعة يضع على كاهل الجماعة المسلمة في الأرض واجبا ثقيلا بقدر ما يكرم هذه الجماعة ويرفع مقامها ويفردها بمكان خاص لا تبلغ إليه جماعة أخرى
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله إن التعبير بكلمة أخرجت المبني لغير الفاعل تعبير يلفت النظر وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة تخرج هذه الأمة إخراجا ; وتدفعها إلى الظهور دفعا من ظلمات الغيب ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى لطيفة الدبيب حركة تخرج على مسرح الوجود أمة أمة ذات دور خاص لها مقام خاص ولها حساب خاص كنتم خير أمة أخرجت للناس وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة ; لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة ولتكون لها القيادة بما أنها هي خير أمة والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية إنما ينبغي دائما أن تعطي هذه الأمم مما لديها وأن يكون لديها دائما ما تعطيه ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح والتصور الصحيح والنظام الصحيح والخلق الصحيح والمعرفة الصحيحة والعلم الصحيح هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها وتحتمه عليها غاية وجودها واجبها أن تكون في الطليعة دائما وفي مركز القيادة دائما ولهذا المركز تبعاته فهو لا يؤخذ ادعاء ولا يسلم لها به إلا أن تكون هي أهلا له وهي بتصورها الاعتقادي وبنظامها الاجتماعي أهل له فيبقى عليها أن تكون بتقدمها العلمي وبعمارتها للأرض قياما بحق الخلافة أهلا له كذلك ومن هذا يتبين أن المنهج الذي تقوم عليه هذه الأمة يطالبها بالشيء الكثير ; ويدفعها إلى السبق في كل مجال لو أنها تتبعه وتلتزم به وتدرك مقتضياته وتكاليفه وفي أول مقتضيات هذا المكان أن تقوم على صيانة الحياة من الشر والفساد وأن تكون لها القوة التي تمكنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; فهي خير أمة أخرجت للناس لا عن مجاملة أو محاباة ولا عن مصادفة أو جزاف تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه كلا إنما هو العمل الإيجابي لحفظ الحياة البشرية من المنكر وإقامتها على المعروف مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله فهو النهوض بتكاليف الأمة الخيرة بكل ما وراء هذه التكاليف من متاعب وبكل ما في طريقها من أشواك إنه التعرض للشر والتحريض على الخير وصيانة المجتمع من عوامل الفساد وكل هذا متعب شاق ولكنه كذلك ضروري لإقامة المجتمع الصالح وصيانته ; ولتحقيق الصورة التي يحب الله أن تكون عليها الحياة ولا بد من الإيمان بالله ليوضع الميزان الصحيح للقيم والتعريف الصحيح للمعروف والمنكر فإن اصطلاح الجماعة وحده لا يكفي فقد يعم الفساد حتى تضطرب الموازين وتختل ولا بد من الرجوع إلى تصور ثابت للخير وللشر وللفضيلة والرذيلة وللمعروف والمنكر يستند إلى قاعدة أخرى غير اصطلاح الناس في جيل من الأجيال وهذا ما يحققه الإيمان بإقامة تصور صحيح للوجود وعلاقته بخالقه وللإنسان وغاية وجوده ومركزه الحقيقي في هذا الكون ومن هذا التصور العام تنبثق القواعد الأخلاقية ومن الباعث على إرضاء الله وتوقي غضبه يندفع الناس لتحقيق هذه القواعد ومن سلطان الله في الضمائر وسلطان شريعته في المجتمع تقوم الحراسة على هذه القواعد كذلك
ثم لا بد من الإيمان أيضا ليملك الدعاة إلى الخير الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر أن يمضوا في هذا الطريق الشاق ويحتملوا تكاليفه وهم يواجهون طاغوت الشر في عنفوانه وجبروته ويواجهون طاغوت الشهوة في عرامتها وشدتها ويواجهون هبوط الأرواح وكلل العزائم وثقلة المطامع وزادهم هو الإيمان وعدتهم هي الإيمان وسندهم هو الله وكل زاد سوى زاد الإيمان ينفد وكل عدة سوى عدة الإيمان تفل وكل سند غير سند الله ينهار وقد سبق في السياق الأمر التكليفي للجماعة المسلمة أن ينتدب من بينها من يقومون بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما هنا فقد وصفها الله سبحانه بأن هذه صفتها ليدلها على أنها لا توجد وجودا حقيقيا إلا أن تتوافر فيها هذه السمة الأساسية التي تعرف بها في المجتمع الإنساني فإما أن تقوم بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان بالله فهي موجودة وهي مسلمة وأما أن لا تقوم بشيء من هذا فهي غير موجودة وغير متحققة فيها صفة الإسلام وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تقرر هذه الحقيقة ندعها لمواضعها وفي السنة كذلك طائفة صالحة من أوامر الرسول ص وتوجيهاته نقتطف بعضها عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ص يقول < من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان > وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله ص < لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وسليمان وعيسى بن مريم > ثم جلس وكان متكئا فقال < لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا > أي تعطفوهم وتردوهم وعن حذيفة رضي الله عنه قال قال رسول الله ص < والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم > وعن عرس ابن عميرة الكندي رضي الله عنه قال قال رسول الله ص < إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها > وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ص < إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر > وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله ص < سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله > وغيرها كثير وكلها تقرر أصالة هذه السمة في المجتمع المسلم وضروراتها لهذا المجتمع أيضا وهي تحتوي مادة توجيه وتربية منهجية ضخمة وهي إلى جانب النصوص القرآنية زاد نحن غافلون عن قيمته وعن حقيقته ثم نعود إلى الشطر الآخر من الآية الأولى في هذه المجموعة
ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون وهو ترغيب لأهل الكتاب في الإيمان فهو خير لهم خير لهم في هذه الدنيا يستعصمون به من الفرقة والهلهلة التي كانوا عليها في تصوراتهم الاعتقادية والتي ما تزال تحرمهم تجمع الشخصية إذ تعجز هذه التصورات عن أن تكون قاعدة للنظام الاجتماعي لحياتهم فتقوم أنظمتهم الاجتماعية من ثم على غير أساس عرجاء أو معلقة في الهواء ككل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس اعتقادي شامل وعلى تفسير كامل للوجود ولغاية الوجود الإنساني ومقام الإنسان في هذا الكون وخير لهم في الآخرة يقيهم ما ينتظر غير المؤمنين من مصير ثم هو بيان كذلك لحالهم لا يبخس الصالحين منهم حقهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون وقد آمن من أهل الكتاب جماعة وحسن إسلامهم منهم عبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وكعب بن مالك وإلى هؤلاء تشير الآية هنا بالإجمال وفي آية تالية بالتفصيل أما الأكثرون فقد فسقوا عن دين الله حين لم يفوا بميثاق الله مع النبيين أن يؤمن كل منهم بأخيه الذي يجيء بعده وأن ينصره وفسقوا عن دين الله وهم يأبون الاستسلام لإرادته في إرسال آخر الرسل من غير بني إسرائيل واتباع هذا الرسول وطاعته ولاحتكام إلى آخر شريعة من عند الله أرادها للناس أجمعين ولما كان بعض المسلمين ما يزالون على صلات منوعة باليهود في المدينة ولما كانت لليهود حتى ذلك الحين قوة ظاهرة عسكرية واقتصادية يحسب حسابها بعض المسلمين فقد تكفل القرآن بتهوين شأن هؤلاء الفاسقين في نفوس المسلمين وإبراز حقيقتهم الضعيفة بسبب كفرهم وجرائمهم وعصيانهم وتفرقهم شيعا وفرقا وما كتب الله عليهم من الذلة والمسكنة لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون بهذا يضمن الله للمؤمنين النصر وسلامة العاقبة ضمانة صريحة حيثما التقوا بأعدائهم هؤلاء وهم معتصمون بدينهم وربهم في يقين لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون فلن يكون ضررا عميقا ولا أصيلا يتناول أصل الدعوة ولن يؤثر في كينونة الجماعة المسلمة ولن يجليها من الأرض إنما هو الأذى العارض في الصدام والألم الذاهب مع الأيام فأما حين يشتبكون مع المسلمين في قتال فالهزيمة مكتوبة عليهم في النهاية والنصر ليس لهم على المؤمنين ولا ناصر لهم كذلك ولا عاصم من المؤمنين ذلك أنه قد ضربت عليهم الذلة وكتبت لهم مصيرا فهم في كل أرض يذلون لا تعصمهم إلا ذمة الله وذمة المسلمين حين يدخلون في ذمتهم فتعصم دماءهم وأموالهم إلا بحقها وتنيلهم الأمن والطمأنينة ولم تعرف يهود منذ ذلك الحين الأمن إلا في ذمة المسلمين ولكن يهود لم تعاد أحدا في الأرض عداءها للمسلمين وباءوا بغضب من الله كأنما رجعوا من رحلتهم يحملون هذا الغضب وضربت عليهم المسكنة تعيش في ضمائرهم وتكمن في مشاعرهم
ولقد وقع ذلك كله بعد نزول هذه الآية فما كانت معركة بين المسلمين وأهل الكتاب إلا كتب الله فيها للمسلمين النصر ما حافظوا على دينهم واستمسكوا بعقيدتهم وأقاموا منهج الله في حياتهم وكتب لأعدائهم المذلة والهوان إلا أن يعتصموا بذمة المسلمين أو أن يتخلى المسلمون عن دينهم ويكشف القرآن عن سبب هذا القدر المكتوب على يهود فإذا هو سبب عام يمكن أن تنطبق آثاره على كل قوم مهما تكن دعواهم في الدين إنه المعصية والاعتداء ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فالكفر بآيات الله سواء بإنكارها أصلا أو عدم الاحتكام إليها وتنفيذها في واقع الحياة وقتل الأنبياء بغير حق وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس كما جاء في آية أخرى في السورة والعصيان والاعتداء هذه هي المؤهلات لغضب الله وللهزيمة والذلة والمسكنة وهذه هي المؤهلات التي تتوافر اليوم في البقايا الشاردة في الأرض من ذراري المسلمين الذين يسمون أنفسهم بغير حق مسلمين هذه هي المؤهلات التي يتقدمون بها إلى ربهم اليوم فينالون عليها كل ما كتبه الله على اليهود من الهزيمة والذلة والمسكنة فإذا قال أحد منهم لماذا نغلب في الأرض ونحن مسلمون فلينظر قبل أن يقولها ما هو الإسلام ومن هم المسلمون ثم يقول وإنصافا للقلة الخيرة من أهل الكتاب يعود السياق عليهم بالاستثناء فيقرر أن أهل الكتاب ليسوا كلهم سواء فهناك المؤمنون يصور حالهم مع ربهم فإذا هي حال المؤمنين الصادقين ويقرر جزاءهم عنده فإذا هو جزاء الصالحين ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين وهو صورة وضيئة للمؤمنين من أهل الكتاب فقد آمنوا إيمانا صادقا عميقا وكاملا شاملا وانضموا للصف المسلم وقاموا على حراسة هذا الدين آمنوا بالله واليوم الآخر وقد نهضوا بتكاليف الإيمان وحققوا سمة الأمة المسلمة التي انضموا إليها خير أمة أخرجت للناس فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وقد رغبت نفوسهم في الخير جملة فجعلوه الهدف الذي يسابقون فيه فسارعوا في الخيرات ومن ثم هذه الشهادة العلوية لهم أنهم من الصالحين وهذا الوعد الصادق لهم أنهم لن يبخسوا حقا ولن يكفروا أجرا مع الإشارة إلى أن الله سبحانه علم أنهم من المتقين وهي صورة ترفع أمام الراغبين في هذه الشهادة وفي هذا الوعد ليحققها في ذات نفسه كل من يشتاق إلى نورها الوضيء في أفقها المنير هذا في جانب وفي الجانب الآخر الكافرون الكافرون الذين لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ; ولن تنفعهم نفقة ينفقونها في الدنيا ولن ينالهم شيء منها في الآخرة لأنها لم تتصل بخط الخير الثابت المستقيم الخير المنبثق من الإيمان بالله على تصور واضح وهدف ثابت وطريق موصول وإلا فالخير نزوة عارضة لا ثبات لها وجنوح يصرفه الهوى ولا يرجع إلى أصل واضح مدرك مفهوم ولا إلى منهج كامل شامل مستقيم إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون وهكذا ترتسم هذه الحقيقة في مشهد ينبض بالحركة ويفيض بالحياة على طريقة التعبير القرآني الجميل إن أموالهم وأولادهم ليست بمانعتهم من الله ولا تصلح فدية لهم من العذاب ولا تنجيهم من النار وهم أصحاب النار وكل ما ينفقونه من أموالهم فهو ذاهب هالك حتى ولو أنفقوه فيما يظنونه خيرا فلا خير إلا أن يكون موصولا بالإيمان ونابعا من الإيمان ولكن القرآن لا يعبر هكذا كما نعبر إنما يرسم مشهدا حيا نابضا بالحياة إننا ننظر فإذا نحن أمام حقل قد تهيأ للإخصاب فهو حرث ثم إذا العاصفة تهب إنها عاصفة باردة ثلجية محرقة تحرق هذا الحرث بما فيها من صر واللفظة ذاتها كأنها مقذوف يلقى بعنف فيصور معناه بجرسه النفاذ وإذا الحرث كله مدمر خراب إنها لحظة يتم فيها كل شيء يتم فيها الدمار والهلاك وإذا الحرث كله يباب ذلك مثل ما ينفق الذين كفروا في هذه الدنيا ولو كان ينفق فيما ظاهره الخير والبر ومثل ما بأيديهم من نعم الأولاد والأموال كلها إلى هلاك وفناء دون ما متاع حقيقي ودون ما جزاء وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون فهم الذين تنكبوا المنهج الذي يجمع مفردات الخير والبر فيجعلها خطا مستقيما ثابتا وأصلا له هدف مرسوم وله دافع مفهوم وله طريق معلوم فلا يترك للنزوة العارضة والرغبة الغامضة والفلتة التي لا ترجع إلى منهج ثابت مستقيم هم الذين اختاروا لأنفسهم الشرود والضلال والانفلات من عصمة الحبل الممدود فإذا ذهب عملهم كله هباء حتى ما ينفقونه فيما ظاهره الخير وإذا أصاب حرثهم كله الدمار فلم يغن عنهم مال ولا ولد فما في هذا ظلم من الله تعالى لهم إنما هو ظلمهم لأنفسهم بما اختاروه لأنفسهم من تنكب وشرود وهكذا يتقرر أن لا جزاء على بذل وأن لا قيمة لعمل إلا أن يرتبط بمنهج الإيمان وإلا أن يكون باعثه الإيمان يقول الله هذا ويقرره فلا تبقى بعده كلمة لإنسان ; ولا يجادل في هذا القرار إلا الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير
تحذير الأمة من موالاة الأعداء
وفي نهاية الدرس الذي ابتدأ بيانا لما في سلوك أهل الكتاب من انحراف وكشفا لما في جدالهم من مغالطة وفضحا لما يريدونه بالمسلمين من سوء وتوجيها للجماعة المسلمة لتنهض بتكاليفها دون أن تلقي بالا إلى المجادلين المنحرفين الفاسقين في نهاية هذا الدرس ونهاية هذا المقطع الطويل من السورة كلها يجيء التحذير للجماعة المسلمة من أن تتخذ من أعدائها الطبيعيين بطانة وأن تجعل منهم أمناء على أسرارها ومصالحها وهم للذين آمنوا عدو يجيء هذا التحذير في صورة شاملة خالدة ما نزال نرى مصداقها في كل وقت وفي كل أرض صورة رسمها هذا القرآن الحي فغفل عنها أهل هذا القرآن فأصابهم من غفلتهم وما يزال يصيبهم الشر والأذى والمهانة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور أن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط إنها صورة كاملة السمات ناطقة بدخائل النفوس وشواهد الملامح تسجل المشاعر الباطنة والانفعالات الظاهرة والحركة الذاهبة الآيبة وتسجل بذلك كله نموذجا بشريا مكرورا في كل زمان وفي كل مكان ونستعرضها اليوم وغدا فيمن حول الجماعة المسلمة من أعداء يتظاهرون للمسلمين في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم بالمودة فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال ولا يقصرون في اعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم والكيد لهم والدس ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار وما من شك أن هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة ; وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين وللشر المبيت وللنوايا السيئة التي تجيش في صدورهم ; في الوقت الذي كان بعض المسلمين ما يزال مخدوعا في أعداء الله هؤلاء وما يزال يفضي إليهم بالمودة وما يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة ; ويتخذ منهم بطانة وأصحابا وأصدقاء لا يخشى مغبة الإفضاء إليهم بدخائل الأسرار فجاء هذا التنوير وهذا التحذير يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين الذين لا يخلصون لها أبدا ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة ولم يجيء هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصورا على فترة تاريخية معينة فهو حقيقة دائمة تواجه واقعا دائما كما نرى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود والمسلمون في غفلة عن أمر ربهم ألا يتخذوا بطانة من دونهم بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا يتخذون من أمثال هؤلاء مرجعا في كل أمر وكل شأن وكل موضع وكل نظام وكل تصور وكل منهج وكل طريق والمسلمون في غفلة من تحذير الله لهم يوادون من حاد الله ورسوله ; ويفتحون لهم صدورهم وقلوبهم والله سبحانه يقول للجماعة المسلمة الأولى كما يقول للجماعة المسلمة في أي جيل ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر والله سبحانه يقول ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ والله سبحانه يقول أن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ومرة بعد مرة تصفعنا التجارب المرة ولكننا لا نفيق ومرة بعد مرة نكشف عن المكيدة والمؤامرة تلبس أزياء مختلفة ولكننا لا نعتبر ومرة بعد مرة تنفلت ألسنتهم فتنم عن أحقادهم التي لا يذهب بها ود يبذله المسلمون ولا تغلسها سماحة يعلمها لهم الدين ومع ذلك نعود فنفتح لهم قلوبنا ونتخذ منهم رفقاء في الحياة والطريق وتبلغ بنا المجاملة أو تبلغ بنا الهزيمة الروحية أن نجاملهم في عقيدتنا فنتحاشى ذكرها وفي منهج حياتنا فلا نقيمه على أساس الإسلام وفي تزوير تاريخنا وطمس معالمه كي نتقي فيه ذكر أي صدام كان بين أسلافنا وهؤلاء الأعداء المتربصين ومن ثم يحل علينا جزاء المخالفين عن أمر الله ومن هنا نذل ونضعف ونستخذي ومن هنا نلقى العنت الذي يوده أعداؤنا لنا ونلقى الخبال الذي يدسونه في صفوفنا وها هو ذا كتاب الله يعلمنا كما علم الجماعة المسلمة الأولى كيف نتقي كيدهم وندفع أذاهم وننجو من الشر الذي تكنه صدورهم ويفلت على السنتهم منه شواظ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط فهو الصبر والعزم والصمود أمام قوتهم إن كانوا أقوياء ; وأمام مكرهم وكيدهم إن سلكوا طريق الوقيعة والخداع الصبر والتماسك لا الانهيار والتخاذل ; ولا التنازل عن العقيدة كلها أو بعضها اتقاء لشرهم المتوقع أو كسبا لودهم المدخول ثم هو التقوى الخوف من الله وحده ومراقبته وحده هو تقوى الله التي تربط القلوب بالله فلا تلتقي مع أحد إلا في منهجه ولا تعتصم بحبل إلا حبله وحين يتصل القلب بالله فإنه سيحقر كل قوة غير قوته ; وستشد هذه الرابطة من عزيمته فلا يستسلم من قريب ولا يواد من حاد الله ورسوله طلبا للنجاة أو كسبا للعزة هذا هو الطريق الصبر والتقوى التماسك والاعتصام بحبل الله وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة الله وحدها وحققوا منهج الله في حياتهم كلها إلا عزوا وانتصروا ووقاهم الله كيد أعدائهم وكانت كلمتهم هي العليا وما استمسك المسلمون في تاريخهم كله بعروة أعدائهم الطبيعيين الذين يحاربون عقيدتهم ومنهجهم سرا وجهرا واستمعوا إلى مشورتهم واتخذوا منهم بطانة وأصدقاء وأعوانا وخبراء ومستشارين إلا كتب الله عليهم الهزيمة ومكن لأعدائهم فيهم وأذل رقابهم وأذاقهم وبال أمرهم والتاريخ كله شاهد على أن كلمة الله خالدة ; وأن سنة الله نافذة فمن عمي عن سنة الله المشهودة في الأرض فلن ترى عيناه إلا آيات الذلة والإنكسار والهوان خاتمة الوحدة سماحة الإسلام في مواجهة الأعداء بهذا ينتهي هذا الدرس ; وينتهي كذلك المقطع الأول في السورة وقد وصل السياق إلى ذروة المعركة ; وقمة المفاصلة الكاملة الشاملة ويحسن قبل أن ننهي هذا الدرس أن نقرر حقيقة أخرى عن سماحة الإسلام في وجه كل هذا العداء فهو يأمر المسلمين ألا يتخذوا بطانة من هؤلاء ولكنه لا يحرضهم على مقابلة الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بمثلها إنما هي مجرد الوقاية للجماعة المسلمة وللصف المسلم وللكينونة المسلمة مجرد الوقاية ومجرد التنبيه إلى الخطر الذي يحيطها به الآخرون أما المسلم فبسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعا ; وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعا ; وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعا ; يتقي الكيد ولكنه لا يكيد ويحذر الحقد ولكنه لا يحقد إلا أن يحارب في دينه وأن يفتن في عقيدته وأن يصد عن سبيل الله ومنهجه فحينئذ هو مطالب أن يحارب وأن يمنع الفتنة وأن يزيل العقبات التي تصد الناس عن سبيل الله وعن تحقيق منهجه في الحياة يحارب جهادا في سبيل الله لا انتقاما لذاته وحبا لخير البشر لا حقدا على الذين آذوه وتحطيما للحواجز الحائلة دون إيصال هذا الخير للناس لا حبا للغلب والاستعلاء والاستغلال وإقامة للنظام القويم الذي يستمتع الجميع في ظله بالعدل والسلام لا لتركيز راية قومية ولا لبناء امبراطورية هذه حقيقة تقررها النصوص الكثيرة من القرآن والسنة ; ويترجمها تاريخ الجماعة المسلمة الأولى وهي تعمل في الأرض وفق هذه النصوص إن هذا المنهج خير وما يصد البشرية عنه إلا أعدى أعداء البشرية الذين ينبغي لها أن تطاردهم حتى تقصيهم عن قيادتها وهذا هو الواجب الذي انتدبت له الجماعة المسلمة فأدته مرة خير ما يكون الأداء وهي مدعوة دائما إلى أدائه والجهاد ماض إلى يوم القيامة تحت هذا اللواء [/size][/color][/align]

الوجيـه
13th December 2005, 12:06 PM
[align=center][color=#FF0000][size=5]
الخروج إلى أحد
وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون هكذا يبدأ باستعادة المشهد الأول للمعركة واستحضاره وقد كان قريبا من نفوس المخاطبين الأولين بهذا القرآن ومن ذاكرتهم ولكن ابتداء الحديث على هذا النحو واستحضار المشهد الأول بهذا النص من شأنه أن يعيد المشهد بكل حرارته وبكل حيويته ; وأن يضيف إليه ما وراء المشهد المنظور الذي يعرفونه من حقائق أخرى لا يتضمنها المشهد المنظور وأولها حقيقة حضور الله سبحانه معهم وسمعه وعلمه بكل ما كان وما دار بينهم وهي الحقيقة التي تحرص التربية القرآنية على استحضارها وتقريرها وتوكيدها وتعميقها في التصور الإسلامي وهي هي الحقيقة الأساسية الكبيرة التي أقام عليها الإسلام منهجه التربوي والتي لا يستقيم ضمير على المنهج الإسلامي بكل تكاليفه إلا أن تستقر فيه هذه الحقيقة بكل قوتها وبكل حيويتها كذلك وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم والإشارة هنا إلى غدو النبي ص من بيت عائشة رضي الله عنها وقد لبس لأمته ودرعه ; بعد التشاور في الأمر وما انتهى إليه من عزم على الخروج من المدينة للقاء المشركين خارجها وما أعقب هذا من تنظيم الرسول ص للصفوف ومن أمر للرماة باتخاذ موقفهم على الجبل وهو مشهد يعرفونه وموقف يتذكرونه ولكن الحقيقة الجديدة فيه هي هذه والله سميع عليم ويا له من مشهد الله حاضره ويا له من موقف الله شاهده ويا لها من رهبة إذن ومن روعة تحف به وتخالط كل ما دار فيه من تشاور والسرائر مكشوفة فيه لله وهو يسمع ما تقوله الألسنة ويعلم ما تهمس به الضمائر واللمسة الثانية في هذا المشهد الأول هي حركة الضعف والفشل التي راودت قلوب طائفتين من المسلمين ; بعد تلك الحركة الخائنة التي قام بها رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول حين انفصل بثلث الجيش مغضبا أن الرسول ص لم يأخذ برأيه واستمع إلى شباب أهل المدينة وقال لو نعلم قتالا لاتبعناكم فدل بهذا على أن قلبه لم يخلص للعقيدة ; وأن شخصه ما يزال يملأ قلبه ويطغى في ذلك القلب على العقيدة العقيدة التي لا تحتمل شركة في قلب صاحبها ولا تطيق لها فيه شريكا فإما أن يخلص لها وحدها وإما أن تجانبه هي وتجتويه إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون وهاتان الطائفتان كما ورد في الصحيح من حديث سفيان بن عيينة هما بنو حارثة وبنو سلمة أثرت فيهما حركة عبد الله بن أبي وما أحدثته من رجة في الصف المسلم من أول خطوة في المعركة فكادتا تفشلان وتضعفان لولا أن أدركتهما ولاية الله وتثبيته كما أخبر هذا النص القرآني والله وليهما قال عمر رضي الله عنه سمعت جابر بن عبد الله يقول فينا نزلت إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا قال نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب أو وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى والله وليهما رواه البخاري ومسلم وهكذا يكشف الله المخبوء في مكنونات الضمائر ; والذي لم يعلمه إلا أهله حين حاك في صدورهم لحظة ; ثم وقاهم الله إياه وصرفه عنهم وأيدهم بولايته فمضوا في الصف يكشفه لاستعادة أحداث المعركة واستحياء وقائعها ومشاهدها ثم لتصوير خلجات النفوس وإشعار أهلها حضور الله معهم وعلمه بمكنونات ضمائرهم كما قال لهم والله سميع عليم لتوكيد هذه الحقيقة وتعميقها في حسهم ثم لتعريفهم كيف كانت النجاة ; وإشعارهم عون الله وولايته ورعايته حين يدركهم الضعف ويدب فيهم الفشل ليعرفوا أين يتوجهون حين يستشعرون شيئا من هذا وأين يلتجئون ومن ثم يوجههم هذا الوجه الذي لا وجه غيره للمؤمنين وعلى الله فليتوكل المؤمنون على وجه القصر والحصر على الله وحده فليتوكل المؤمنون فليس لهم إن كانوا مؤمنين إلا هذا السند المتين وهكذا نجد في الآيتين الأوليين اللتين يستحضر بهما القرآن مشهد المعركة وجوها هذين التوجيهين الكبيرين الأساسيين في التصور الإسلامي وفي التربية الإسلامية والله سميع عليم وعلى الله فليتوكل المؤمنون نجدهما في أوانهما المناسب وفي جوهما المناسب ; حيث يلقيان كل إيقاعاتهما وكل إيحاءاتهما في الموعد المناسب ; وقد تهيأت القلوب للتلقي والاستجابة والانطباع ويتبين من هذين النصين التمهيديين كيف يتولى القرآن استحياء القلوب وتوجيهها وتربيتها ; بالتعقيب على الأحداث وهي ساخنة ويتبين الفرق بين رواية القرآن للأحداث وتوجيهها وبين سائر المصادر التي قد تروي الأحداث بتفصيل أكثر ; ولكنها لا تستهدف القلب البشري والحياة البشرية بالإحياء والاستجاشة وبالتربية والتوجيه كما يستهدفها القرآن الكريم بمنهجه القويم
تذكير بمعجزة النصر في بدر
هكذا يبدأ الحديث عن المعركة التي لم ينتصر فيها المسلمون وقد كادوا وهي قد بدأت بتغليب الاعتبارات الشخصية على العقيدة عند المنافق عبد الله بن أبي ; وتابعه في حركته أتباعه الذين غلبوا اعتباره الشخصي على عقيدتهم وبالضعف الذي كاد يدرك طائفتين صالحتين من المسلمين ثم انتهت بالمخالفة عن الخطة العسكرية تحت مطارق الطمع في الغنيمة فلم تغن النماذج العالية التي تجلت في المعركة عن المصير الذي انتهت إليه بسبب ذلك الخلل في الصف وبسبب ذلك الغبش في التصور وقبل أن يمضي في الاستعراض والتعقيب على أحداث المعركة التي انتهت بالهزيمة يذكرهم بالمعركة التي انتهت بالنصر معركة بدر لتكون هذه أمام تلك مجالا للموازنة وتأمل الأسباب والنتائج ; ومعرفة مواطن الضعف ومواطن القوة وأسباب النصر وأسباب الهزيمة ثم بعد ذلك ليكون اليقين من أن النصر والهزيمة كليهما قدر من أقدار الله ; لحكمة تتحقق من وراء النصر كما تتحقق من وراء الهزيمة سواء وأن مرد الأمر في النهاية إلى الله على كلا الحالين وفي جميع الأحوال ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم والنصر في بدر كان فيه رائحة المعجزة كما أسلفنا فقد تم بغير أداة من الأدوات المادية المألوفة للنصر لم تكن الكفتان فيها بين المؤمنين والمشركين متوازنتين ولا قريبتين من التوازن كان المشركون حوالي ألف خرجوا نفيرا لاستغاثة أبي سفيان لحماية القافلة التي كانت معه مزودين بالعدة والعتاد والحرص على الأموال والحمية للكرامة وكان المسلمون حوالي ثلاثمائة لم يخرجوا لقتال هذه الطائفة ذات الشوكة إنما خرجوا لرحلة هينة لمقابلة القافلة العزلاء وأخذ الطريق عليها ; فلم يكن معهم على قلة العدد إلا القليل من العدة وكان وراءهم في المدينة مشركون لا تزال لهم قوتهم ومنافقون لهم مكانتهم ويهود يتربصون بهم وكانوا هم بعد ذلك كله قلة مسلمة في وسط خضم من الكفر والشرك في الجزيرة ولم تكن قد زالت عنهم بعد صفة أنهم مهاجرون مطاردون من مكة وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبته غير مستقرة في هذه البيئة فبهذا كله يذكرهم الله سبحانه ويرد ذلك النصر إلى سببه الأول في وسط هذه الظروف ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إن الله هو الذي نصرهم ; ونصرهم لحكمة نص عليها في مجموعة هذه الآيات وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا الله الذي يملك النصر والهزيمة ; والذي يملك القوة وحده والسلطان فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر ; وأن تجعله شكرا وافيا لائقا بنعمة الله عليهم على كل حال هذه هي اللمسة الأولى في تذكيرهم بالنصر في بدر ثم يستحضر مشهدها ويستحيي صورتها في حسهم كأنهم اللحظة فيها إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وكانت هذه كلمات رسول الله ص يوم بدر للقلة المسلمة التي خرجت معه ; والتي رأت نفير المشركين وهي خرجت لتلقى طائفة العير الموقرة بالمتاجر لا لتلقى طائفة النفير الموقرة بالسلاح وقد أبلغهم الرسول ص ما بلغه يومها ربه لتثبيت قلوبهم وأقدامهم وهم بشر يحتاجون إلى العون في صورة قريبة من مشاعرهم وتصوراتهم ومألوفاتهم وأبلغهم كذلك شرط هذا المدد إنه الصبر والتقوى ; الصبر على تلقي صدمة الهجوم والتقوى التي تربط القلب بالله في النصر والهزيمة بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين فالأن يعلمهم الله أن مرد الأمر كله إليه وأن الفاعلية كلها منه سبحانه وأن نزول الملائكة ليس إلا بشرى لقلوبهم ; لتأنس بهذا وتستبشر وتطمئن به وتثبت أما النصر فمنه مباشرة ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة ما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الأمر كله إلى الله كي لا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة الله الطليقة وإرادته الفاعلة وقدره المباشر وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة وإنما هي أداة تحركها المشيئة وتحقق بها ما تريده وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وقد حرص القرآن الكريم على تقرير هذه القاعدة في التصور الإسلامي وعلى تنقيتها من كل شائبة وعلى تنحيه الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة لتبقى الصلة المباشرة بين العبد والرب بين قلب المؤمن وقدر الله بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط كما هي في عالم الحقيقة وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن المؤكدة بشتى أساليب التوكيد استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين على نحو بديع هادىء عميق مستنير عرفوا أن الله هو الفاعل وحده وعرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل الله باتخاذ الوسائل والأسباب وبذل الجهد والوفاء بالتكاليف فاستيقنوا الحقيقة وأطاعوا الأمر في توازن شعوري وحركي عجيب ولكن هذا إنما جاء مع الزمن ومع الأحداث ومع التربية بالأحداث والتربية بالتعقيب على الأحداث كهذا التعقيب ونظائره الكثيرة في هذه السورة وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول ص يعدهم الملائكة مددا من عند الله ; إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل من وراء نزول الملائكة وهو الله الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته ويتحقق النصر بفعله وإذنه الله العزيز الحكيم فهو العزيز القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر وهو الحكيم الذي يجري قدره وفق حكمته والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة ثم يبين حكمة هذا النصر أي نصر وغاياته التي ليس لأحد من البشر منها شيء ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون إن النصر من عند الله لتحقيق قدر الله وليس للرسول ص ولا للمجاهدين معه في النصر من غاية ذاتية ولا نصيب شخصي كما أنه ليس له ولا لهم دخل في تحقيقه وإن هم إلا ستار القدرة تحقق بهم ما تشاء فلا هم أسباب هذا النصر وصانعوه ; ولا هم أصحاب هذا النصر ومستغلوه إنما هو قدر الله يتحقق بحركة رجاله وبالتأييد من عنده لتحقيق حكمة الله من ورائه وقصده ليقطع طرفا من الذين كفروا فينقص من عددهم بالقتل أو ينقص من أرضهم بالفتح أو ينقص من سلطانهم بالقهر أو ينقص من أموالهم بالغنيمة أو ينقص من فاعليتهم في الأرض بالهزيمة أو يكبتهم فينقلبوا خائبين أي يصرفهم مهزومين أذلاء فيعودوا خائبين مقهورين أو يتوب عليهم فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم فيتوب الله عليهم من كفرهم ويختم لهم بالإسلام والهداية أو يعذبهم فإنهم ظالمون يعذبهم بنصر المسلمين عليهم أو بأسرهم أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب جزاء لهم على ظلمهم بالكفر وظلمهم بفتنة المسلمين وظلمهم بالفساد في الأرض وظلمهم بمقاومة الصلاح الذي يمثله منهج الإسلام للحياة وشريعته ونظامه إلى آخر صنوف الظلم الكامنة في الكفر والصد عن سبيل الله وعلى أية حال فهي حكمة الله وليس لبشر منها شيء حتى رسول الله ص يخرجه النص من مجال هذا الأمر ليجرده لله وحده سبحانه فهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك بذلك ينسلخ المسلمون بأشخاصهم من هذا النصر من أسبابه ومن نتائجه وبذلك يطامنون من الكبر الذي يثيره النصر في نفوس المنتصرين ومن البطر والعجب والزهو الذي تنتفخ به أرواحهم وأوداجهم وبذلك يشعرون أن ليس لهم من الأمر شيء إنما الأمر كله لله أولا وأخيرا وبذلك يرد أمر الناس طائعهم وعاصيهم إلى الله فهذا الشأن شأن الله وحده سبحانه شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها طائعهم وعاصيهم سواء وليس للنبي ص وليس للمؤمننين معه إلا أن يؤدوا دورهم ثم ينفضوا أيديهم من النتائج وأجرهم من الله على الوفاء وعلى الولاء وعلى الأداء وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص ليس لك من الأمر شيء فسيرد في السياق قول بعضهم هل لنا من الأمر من شيء وقولهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا ليقول لهم إن أحدا ليس له من الأمر من شيء لا في نصر ولا في هزيمة إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس وأما الأمر بعد ذلك فكله لله ليس لأحد منه شيء ولا حتى لرسول الله فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي وإقرارها في النفوس أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحداث وأكبر من شتى الاعتبارات ويختم هذا التذكير ببدر وهذا التقرير للحقائق الأصيلة في التصور بالحقيقة الشاملة التي ترجع إليها حقيقة أن أمر النصر والهزيمة مرده إلى حكمة الله وقدره يختم هذا التقرير بتقرير أصله الكبير وهو أن الأمر لله في الكون كله ومن ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفق ما يشاء ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم فهي المشيئة المطلقة المستندة إلى الملكية المطلقة وهو التصرف المطلق في شأن العباد بحكم هذه الملكية لما في السماوات وما في الأرض وليس هنالك ظلم ولا محاباة للعباد في المغفرة أو في العذاب إنما يقضي الأمر في هذا الشأن بالحكمة والعدل وبالرحمة والمغفرة فشأنه سبحانه الرحمة والمغفرة والله غفور رحيم والباب مفتوح أمام العباد لينالوا مغفرته ورحمته بالعودة إليه ورد الأمر كله له وأداء الواجب المفروض وترك ما وراء ذلك لحكمته وقدره ومشيئته المطلقة من وراء الوسائل والأسباب
تحريم الربا ودعوة إلى محاسن الأخلاق قبيل المعركة
وقبل أن يدخل السياق في صميم الاستعراض للمعركة معركة أحد والتعقيبات على وقائعها وأحداثها تجيء التوجيهات المتعلقة بالمعركة الكبرى التي المعنا في مقدمة الحديث إليها المعركة في أعماق النفس وفي محيط الحياة يجيء الحديث عن الربا والمعاملات الربوية وعن تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله وعن الإنفاق في السراء والضراء والنظام التعاوني الكريم المقابل للنظام الربوي الملعون وعن كظم الغيظ والعفو عن الناس وإشاعة الحسنى في الجماعة وعن الاستغفار من الذنب والرجوع إلى الله وعدم الإصرار على الخطيئة يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين تجيء هذه التوجيهات كلها قبل الدخول في سياق المعركة الحربية ; لتشير إلى خاصية من خواص هذه العقيدة الوحدة والشمول في مواجهة هذه العقيدة للكينونة البشرية ونشاطها كله ; ورده كله إلى محور واحد محور العبادة لله والعبودية له والتوجه إليه بالأمر كله والوحدة والشمول في منهج الله وهيمنته على الكينونة البشرية في كل حال من أحوالها وفي كل شأن من شؤونها وفي كل جانب من جوانب نشاطها ثم تشير تلك التوجيهات بتجمعها هذا إلى الترابط بين كل الوان النشاط الإنساني ; وتأثير هذا الترابط في النتائج الأخيرة لسعي الإنسان كله كلما أسلفنا والمنهج الإسلامي يأخذ النفس من أقطارها وينظم حياة الجماعة جملة لا تفاريق ومن ثم هذا الجمع بين الإعداد والاستعداد للمعركة الحربية ; وبين تطهير النفوس ونظافة القلوب والسيطرة على الأهواء والشهوات وإشاعة الود والسماحة في الجماعة فكلها قريب من قريب وحين نستعرض بالتفصيل كل سمة من هذه السمات وكل توجيه من هذه التوجيهات يتبين لنا ارتباطها الوثيق بحياة الجماعة المسلمة وبكل مقدراتها في ميدان المعركة وفي سائر ميادين الحياة يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ولقد سبق الحديث عن الربا والنظام الربوي بالتفصيل في الجزء الثالث من هذه الظلال فلا نكرر الحديث عنه هنا ولكن نقف عند الأضعاف المضاعفة فإن قوما يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ويتداروا به ليقولوا إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة فليست أضعافا مضاعفة وليست داخلة في نطاق التحريم ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع وليست شرطا يتعلق به الحكم والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا بلا تحديد ولا تقييد وذروا ما بقي من الربا أيا كان فإذا انتهينا من تقرير المبدأ فرغنا لهذا الوصف لنقول إنه في الحقيقة ليس وصفا تاريخيا فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعة في الجزيرة والتي قصد إليها النهي هنا بالذات إنما هو وصف ملازم للنظام الربوي المقيت أيا كان سعر الفائدة إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عمليات مفردة ولا بسيطة فهي عمليات متكررة من ناحية ومركبة من ناحية أخرى فهي تنشىء مع الزمن والتكرار والتركيب أضعافا مضاعفة بلا جدال إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائما هذا الوصف فليس هو مقصورا على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب إنما هو وصف ملازم للنظام في كل زمان ومن شأن هذا النظام أن يفسد الحياة النفسية والخلقية كما فصلنا ذلك في الجزء الثالث كما أن من شأنه أن يفسد الحياة الاقتصادية والسياسية كما فصلنا ذلك أيضا ومن ثم تتبين علاقته بحياة الأمة كلها وتأثيره في مصائرها جميعا والإسلام وهو ينشىء الأمة المسلمة كان يريد لها نظافة الحياة النفسية والخلقية كما كان يريد لها سلامة الحياة الاقتصادية والسياسية وأثر هذا وذاك في نتائج المعارك التي تخوضها الأمة معروف فالنهي عن أكل الربا في سياق التعقيب على المعركة الحربية أمر يبدو إذن مفهوما في هذا المنهج الشامل البصير أما التعقيب على هذا النهي بالأمر بتقوى الله رجاء الفلاح ; واتقاء النار التي أعدت للكافرين أما التعقيب بهاتين اللمستين فمفهوم كذلك ; وهو أنسب تعقيب إنه لا يأكل الربا إنسان يتقي الله ويخاف النار التي أعدت للكافرين ولا يأكل الربا إنسان يؤمن بالله ويعزل نفسه من صفوف الكافرين والإيمان ليس كلمة تقال باللسان ; إنما هو اتباع للمنهج الذي جعله الله ترجمة عملية واقعية لهذا الإيمان وجعل الإيمان مقدمة لتحقيقه في الحياة الواقعية وتكييف حياة المجتمع وفق مقتضياته ومحال أن يجتمع إيمان ونظام ربوي في مكان وحيثما قام النظام الربوي فهناك الخروج من هذا الدين جملة ; وهناك النار التي أعدت للكافرين والمماحكة في هذا الأمر لا تخرج عن كونها مماحكة والجمع في هذه الآيات بين النهي عن أكل الربا والدعوة إلى تقوى الله وإلى اتقاء النار التي أعدت للكافرين ليس عبثا ولا مصادفة إنما هو لتقرير هذه الحقيقة وتعميقها في تصورات المسلمين وكذلك رجاء الفلاح بترك الربا وبتقوى الله فالفلاح هو الثمرة الطبيعية للتقوى ولتحقيق منهج الله في حياة الناس ولقد سبق الحديث في الجزء الثالث عن فعل الربا بالمجتمعات البشرية وويلاته البشعة في حياة الإنسانية فلنرجع إلى هذا البيان هناك لندرك معنى الفلاح هنا واقترانه بترك النظام الربوي المقيت ثم يجيء التوكيد الأخير وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وهو أمر عام بالطاعة لله والرسول وتعليق الرحمة بهذه الطاعة العامة ولكن للتعقيب به على النهي عن الربا دلالة خاصة هي أنه لا طاعة لله وللرسول في مجتمع يقوم على النظام الربوي ; ولا طاعة لله وللرسول في قلب يأكل الربا في صورة من صوره وهكذا يكون ذلك التعقيب توكيدا بعد توكيد وذلك فوق العلاقة الخاصة بين أحداث المعركة التي خولف فيها أمر رسول الله ص وبين الأمر بالطاعة لله وللرسول بوصفها وسيلة الفلاح وموضع الرجاء فيه ثم لقد سبق في سورة البقرة في الجزء الثالث أن رأينا السياق هناك يجمع بين الحديث عن الربا والحديث عن الصدقة بوصفهما الوجهين المتقابلين للعلاقات الاجتماعية في النظام الاقتصادي ; وبوصفهما السمتين البارزتين لنوعين متباينين من النظم النظام الربوي والنظام التعاوني فهنا كذلك نجد هذا الجمع في الحديث عن الربا والحديث عن الإنفاق في السراء والضراء فبعد النهي عن أكل الربا والتحذير من النار التي أعدت للكافرين والدعوة إلى التقوى رجاء الرحمة والفلاح بعد هذا يجيء الأمر بالمسارعة إلى المغفرة ; وإلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ثم يكون الوصف الأول للمتقين هو الذين ينفقون في السراء والضراء فهم الفريق المقابل للذين يأكلون الربا أضعافا مضاعفة ثم تجيء بقية الصفات والسمات وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون والتعبير هنا يصور أداء هذه الطاعات في صورة حسية حركية يصوره سباقا إلى هدف أو جائزة تنال وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض سارعوا فهي هناك المغفرة والجنة أعدت للمتقين ثم يأخذ في بيان صفات المتقين الذين ينفقون في السراء والضراء فهم ثابتون على البذل ماضون على النهج لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء السراء لا تبطرهم فتلهيهم والضراء لا تضجرهم فتنسيهم إنما هو الشعور بالواجب في كل حال ; والتحرر من الشح والحرص ; ومراقبة الله وتقواه وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها المحبة للمال بفطرتها ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال إلا دافع أقوى من شهوة المال وربقة الحرص وثقلة الشح دافع التقوى ذلك الشعور اللطيف العميق الذي تشف به الروح وتخلص وتنطلق من القيود والأغلال ولعل للتنويه بهذه الصفة مناسبة خاصة كذلك في جو هذه المعركة فنحن نرى الحديث عن الإنفاق يتكرر فيها كما نرى التنديد بالممتنعين والمانعين للبذل كما سيأتي في السياق القرآني مكررا كذلك مما يشير إلى ملابسات خاصة في جو الغزوة وموقف بعض الفئات من الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس كذلك تعمل التقوى في هذا الحقل بنفس البواعث ونفس المؤثرات فالغيظ انفعال بشري تصاحبه أو تلاحقه فورة في الدم ; فهو إحدى دفعات التكوين البشري وإحدى ضروراته وما يغلبه الإنسان إلا بتلك الشفافية اللطيفة المنبعثة من إشراق التقوى ; وإلا بتلك القوة الروحية المنبثقة من التطلع إلى أفق أعلى وأوسع من آفاق الذات والضرورات وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى وهي وحدها لا تكفي فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضطغن ; فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة ; ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليقة لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين إنها العفو والسماحة والانطلاق إن الغيظ وقر على النفس حين تكظمه ; وشواظ يلفح القلب ; ودخان يغشى الضمير فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب فهو الانطلاق من ذلك الوقر والرفرفة في آفاق النور والبرد في القلب والسلام في الضمير والله يحب المحسنين والذين يجودون بالمال في السراء والضراء محسنون والذين يجودون بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون والله يحب المحسنين والحب هنا هو التعبير الودود الحاني المشرق المنير الذي يتناسق مع ذلك الجو اللطيف الوضيء الكريم ومن حب الله للإحسان وللمحسنين ينطلق حب الإحسان في قلوب أحبائه وتنبثق الرغبة الدافعة في هذه القلوب فليس هو مجرد التعبير الموحي ولكنها الحقيقة كذلك وراء التعبير والجماعة التي يحبها الله وتحب الله والتي تشيع فيها السماحة واليسر والطلاقة من الإحن والأضغان هي جماعة متضامة وجماعة متآخية وجماعة قوية ومن ثم علاقة هذا التوجيه بالمعركة في الميدان والمعركة في الحياة على السواء في هذا السياق ثم ننتقل إلى صفة أخرى من صفات المتقين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون يا لسماحة هذا الدين إن الله سبحانه لا يدعو الناس إلى السماحة فيما بينهم حتى يطلعهم على جانب من سماحته سبحانه وتعالى معهم ليتذوقوا ويتعلموا ويقتبسوا إن المتقين في أعلى مراتب المؤمنين ولكن سماحة هذا الدين ورحمته بالبشر تسلك في عداد المتقين الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم والفاحشة أبشع الذنوب وأكبرها ولكن سماحة هذا الدين لا تطرد من يهوون إليها من رحمة الله ولا تجعلهم في ذيل القافلة قافلة المؤمنين إنما ترتفع بهم إلى أعلى مرتبة مرتبة المتقين على شرط واحد شرط يكشف عن طبيعة هذا الدين ووجهته أن يذكروا الله فيستغفروا لذنوبهم وألا يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أنه الخطيئة وألا يتبجحوا بالمعصية في غير تحرج ولا حياء وبعبارة أخرى أن يكونوا في إطار العبودية لله والاستسلام له في النهاية فيظلوا في كنف الله وفي محيط عفوه ورحمته وفضله إن هذا الدين ليدرك ضعف هذا المخلوق البشري الذي تهبط به ثقلة الجسد أحيانا إلى درك الفاحشة وتهيج به فورة اللحم والدم فينزو نزوة الحيوان في حمى الشهوة وتدفعه نزواته وشهواته وأطماعه ورغباته إلى المخالفة عن أمر الله في حمى الاندفاع يدرك ضعفه هذا فلا يقسو عليه ولا يبادر إلى طرده من رحمة الله حين يظلم نفسه حين يرتكب الفاحشة المعصية الكبيرة وحسبه أن شعلة الإيمان ما تزال في روحه لم تنطفىء وأن نداوة الإيمان ما تزال في قلبه لم تجف وأن صلته بالله ما تزال حية لم تذبل وأنه يعرف أنه عبد يخطىء وأن له ربا يغفر وإذن فما يزال هذا المخلوق الضعيف الخاطىء المذنب بخير إنه سائر في الدرب لم ينقطع به الطريق ممسك بالعروة لم ينقطع به الحبل فليعثر ما شاء له ضعفه أن يعثر فهو واصل في النهاية ما دامت الشعلة معه والحبل في يده ما دام يذكر الله ولا ينساه ويستغفره ويقر بالعبودية له ولا يتبجح بمعصيته إنه لا يغلق في وجه هذا المخلوق الضعيف الضال باب التوبة ولا يلقيه منبوذا حائرا في التيه ولا يدعه مطرودا خائفا من المآب إنه يطمعه في المغفرة ويدله على الطريق ويأخذ بيده المرتعشة ويسند خطوته المتعثرة وينير له الطريق ليفيء إلى الحمى الآمن ويثوب إلى الكنف الأمين شيء واحد يتطلبه ألا يجف قلبه وتظلم روحه فينسى الله وما دام يذكر الله ما دام في روحه ذلك المشعل الهادي ما دام في ضميره ذلك الهاتف الحادي ما دام في قلبه ذلك الندى البليل فسيطلع النور في روحه من جديد وسيؤوب إلى الحمى الآمن من جديد وستنبت البذرة الهامدة من جديد إن طفلك الذي يخطىء ويعرف أن السوط لا سواه في الدار سيروح آبقا شاردا لا يثوب إلى الدار أبدا فأما إذا كان يعلم أن إلى جانب السوط يدا حانية تربت على ضعفه حين يعتذر من الذنب وتقبل عذره حين يستغفر من الخطيئة فإنه سيعود وهكذا يأخذ الإسلام هذا المخلوق البشري الضعيف في لحظات ضعفه فإنه يعلم أن فيه بجانب الضعف قوة وبجانب الثقلة رفرفة وبجانب النزوة الحيوانية أشواقا ربانية فهو يعطف عليه في لحظة الضعف ليأخذ بيده إلى مراقي الصعود ويربت عليه في لحظة العثرة ليحلق به إلى الأفق من جديد ما دام يذكر الله ولا ينساه ولا يصر على الخطيئة وهو يعلم أنها الخطيئة والرسول ص يقول < ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة > والإسلام لا يدعو بهذا إلى الترخص ولا يمجد العاثر الهابط ولا يهتف له بجمال المستنقع كما تهتف الواقعية إنما هو يقيل عثرة الضعف ليستجيش في النفس الإنسانية الرجاء كما يستجيش فيها الحياء فالمغفرة من الله ومن يغفر الذنوب إلا الله تخجل ولا تطمع وتثير الاستغفار ولا تثير الاستهتار فأما الذين يستهترون ويصرون فهم هنالك خارج الأسوار موصدة في وجوههم الأسوار وهكذا يجمع الإسلام بين الهتاف للبشرية إلى الآفاق العلى والرحمة بهذه البشرية التي يعلم طاقتها ويفتح أمامها باب الرجاء أبدا ويأخذ بيدها إلى أقصى طاقتها هؤلاء المتقون ما لهم أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين فهم ليسوا سلبيين بالاستغفار من المعصية كما أنهم ليسوا سلبيين بالإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس إنما هم عاملون ونعم أجر العاملين المغفرة من ربهم والجنة تجري من تحتها الأنهار بعد المغفرة وحب الله فهنالك عمل في أغوار النفس وهنالك عمل في ظاهر الحياة وكلاهما عمل وكلاهما حركة وكلاهما نماء وهنالك الصلة بين هذه السمات كلها وبين معركة الميدان التي يتعقبها السياق وكما أن للنظام الربوي أو النظام التعاوني أثره في حياة الجماعة المسلمة وعلاقته بالمعركة في الميدان فكذلك لهذه السمات النفسية والجماعية أثرها الذي أشرنا إليه في مطلع الحديث فالانتصار على الشح والانتصار على الغيظ والانتصار على الخطيئة والرجعة إلى الله وطلب مغفرته ورضاه كلها ضرورية للانتصار على الأعداء في المعركة وهم إنما كانوا أعداء لأنهم يمثلون الشح والهوى والخطيئة والتبجح وهم إنما كانوا أعداء لأنهم لا يخضعون ذواتهم وشهواتهم ونظام حياتهم لله ومنهجه وشريعته ففي هذا تكون العداوة وفي هذا تكون المعركة وفي هذا يكون الجهاد وليس هنالك أسباب أخرى يعادي فيها المسلم ويعارك ويجاهد فهو إنما يعادي لله ويعارك لله ويجاهد لله فالصلة وثيقة بين هذه التوجيهات كلها وبين استعراض المعركة في هذا السياق كما أن الصلة وثيقة بينها وبين الملابسات الخاصة التي صاحبت هذه المعركة من مخالفة عن أمر رسول الله ص ومن طمع في الغنيمة نشأت عنه المخالفة ومن اعتزاز بالذات والهوى نشأ عنه تخلف عبد الله ابن أبي ومن معه ومن ضعف بالذنب نشأ عنه تولي من تولى كما سيرد في السياق ومن غبش في التصور نشأ عنه عدم رد الأمور إلى الله وسؤال بعضهم هل لنا من الأمر من شيء وقول بعضهم لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا والقرآن يتناول هذه الملابسات كلها واحدة واحدة فيجلوها ويقرر الحقائق فيها ويلمس النفوس لمسات موحية تستجيشها وتحييها على هذا النحو الفريد الذي نرى نماذج منه في هذا السياق
سنة الله في الإبتلاء والتمحيص والتداول
بعد ذلك يبدأ السياق في الفقرة الثالثة من الاستعراض فيلمس أحداث المعركة ذاتها ولكنه ما يزال يتوخى تقرير الحقائق الأساسية الأصيلة في التصور الإسلامي ويجعل الأحداث مجرد محور ترتكن إليه هذه الحقائق وفي هذه الفقرة يبدأ بالإشارة إلى سنة الله الجارية في المكذبين ليقول للمسلمين إن انتصار المشركين في هذه المعركة ليس هو السنة الثابتة إنما هو حادث عابر وراءه حكمة خاصة ثم يدعوهم إلى الصبر والاستعلاء بالإيمان فإن يكن أصابتهم جراح وآلام فقد أصاب المشركين مثلها في المعركة ذاتها وإنما هنالك حكمة وراء ما وقع يكشف لهم عنها حكمة تمييز الصفوف وتمحيص القلوب واتخاذ الشهداء الذين يموتون دون عقيدتهم ; ووقف المسلمين أمام الموت وجها لوجه وقد كانوا يتمنونه ليزنوا وعودهم وأمانيهم بميزان واقعي ثم في النهاية محق الكافرين بإعداد الجماعة المسلمة ذلك الإعداد المتين وإذن فهي الحكمة العليا من وراء الأحداث كلها سواء كانت هي النصر أو هي الهزيمة قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة وأصابهم القتل والهزيمة أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير قتل منهم سبعون صحابيا وكسرت رباعية الرسول ص وشج وجهه وأرهقه المشركون وأثخن أصحابه بالجراح وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم أنى هذا وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون والقرآن الكريم يرد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض يردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور فهم ليسوا بدعا في الحياة ; فالنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف والأمور لا تمضي جزافا إنما هي تتبع هذه النواميس فإذا هم درسوها وأدركوا مغازيها تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين لينالوا النصر والتمكين ; بدون الأخذ بأسباب النصر وفي أولها طاعة الله وطاعة الرسول والسنن التي يشير إليها السياق هنا ويوجه أبصارهم إليها هي عاقبة المكذبين على مدار التاريخ ومداولة الأيام بين الناس والابتلاء لتمحيص السرائر وامتحان قوة الصبر على الشدائد واستحقاق النصر للصابرين والمحق للمكذبين وفي خلال استعراض تلك السنن تحفل الآيات بالتشجيع على الاحتمال والمواساة في الشدة والتأسية على القرح الذي لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم كذلك وهم أعلى من أعدائهم عقيدة وهدفا وأهدى منهم طريقا ومنهجا والعاقبة بعد لهم والدائرة على الكافرين قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين إن القرآن ليربط ماضي البشرية بحاضرها وحاضرها بماضيها فيشير من خلال ذلك كله إلى مستقبلها وهؤلاء العرب الذين وجه إليهم القول أول مرة لم تكن حياتهم ولم تكن معارفهم ولم تكن تجاربهم قبل الإسلام لتسمح لهم بمثل هذه النظرة الشاملة لولا هذا الإسلام وكتابه القرآن الذي أنشأهم به الله نشأة أخرى وخلق به منهم أمة تقود الدنيا إن النظام القبلي الذي كانوا يعيشون في ظله ما كان ليقود تفكيرهم إلى الربط بين سكان الجزيرة وماجريات حياتهم ; فضلا على الربط بين سكان هذه الأرض وأحداثها فضلا على الربط بين الأحداث العالمية والسنن الكونية التي تجري وفقها الحياة جميعا وهي نقلة بعيدة لم تنبع من البيئة ولم تنشأ من مقتضيات الحياة في ذلك الزمان إنما حملتها إليهم هذه العقيدة بل حملتهم إليها وارتقت بهم إلى مستواها في ربع قرن من الزمان على حين أن غيرهم من معاصريهم لم يرتفعوا إلى هذا الأفق من التفكير العالي إلا بعد قرون وقرون ; ولم يهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس الكونية إلا بعد أجيال وأجيال فلما اهتدوا إلى ثبات السنن والنواميس نسوا أن معها كذلك طلاقة المشيئة الإلهية وأنه إلى الله تصير الأمور فأما هذه الأمة المختارة فقد استيقنت هذا كله واتسع له تصورها ووقع في حسها التوازن بين ثبات السنن وطلاقة المشيئة فاستقامت حياتها على التعامل مع سنن الله الثابتة والاطمئنان بعد هذا إلى مشيئته الطليقة قد خلت من قبلكم سنن وهي هي التي تحكم الحياة وهي هي التي قررتها المشيئة الطليقة فما وقع منها في غير زمانكم فسيقع مثله بمشيئة الله في زمانكم وما انطبق منها على مثل حالكم فهو كذلك سينطبق على حالكم فسيروا في الأرض فالأرض كلها وحدة والأرض كلها مسرح للحياة البشرية والأرض والحياة فيها كتاب مفتوح تتملاه الأبصار والبصائر فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين وهي عاقبة تشهد بها آثارهم في الأرض وتشهد بها سيرهم التي يتناقلها خلفهم هناك ولقد ذكر القرآن الكريم كثيرا من هذه السير ومن هذه الآثار في مواضع منه متفرقة بعضها حدد مكانه وزمانه وشخوصه وبعضها أشار إليه بدون تحديد ولا تفصيل وهنا يشير هذه الإشارة المجملة ليصل منها إلى نتيجة مجملة إن ما جرى للمكذبين بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغدا ذلك كي تطمئن قلوب الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة وكي تحذر الإنزلاق مع المكذبين من جهة أخرى وقد كان هنالك ما يدعو إلى الطمأنينة وما يدعو إلى التحذير وفي السياق سيرد من هذه الدواعي الكثير وعلى إثر بيان هذه السنة يتجاوب النداء للعظة والعبرة بهذا البيان هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين هذا بيان للناس كافة فهو نقلة بشرية بعيدة ما كان الناس ببالغيها لولا هذا البيان الهادي ولكن طائفة خاصة هي التي تجد فيه الهدى وتجد فيه الموعظة وتنتفع به وتصل على هداه طائفة المتقين إن الكلمة الهادية لا يستشرفها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب التقي الذي يخفق لها ويتحرك بها والناس قلما ينقصهم العلم بالحق والباطل وبالهدى والضلال إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل إنما تنقص الناس الرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه والرغبة في الحق والقدرة على اختيار طريقه لا ينشئهما إلا الإيمان ولا يحفظهما إلا التقوى ومن ثم تتكرر في القرآن أمثال هذه التقريرات تنص على أن ما في هذا الكتاب من حق ومن هدى ومن نور ومن موعظة ومن عبرة إنما هي للمؤمنين وللمتقين فالإيمان والتقوى هما اللذان يشرحان القلب للهدى والنور والموعظة والعبرة وهما اللذان يزينان للقلب اختيار الهدى والنور والانتفاع بالموعظة والعبرة واحتمال مشقات الطريق وهذا هو الأمر وهذا هو لب المسألة لا مجرد العلم والمعرفة فكم ممن يعلمون ويعرفون وهم في حمأة الباطل يتمرغون إما خضوعا لشهوة لا يجدي معها العلم والمعرفة وإما خوفا من أذى ينتظر حملة الحق وأصحاب الدعوة وبعد هذا البيان العريض يتجه إلى المسلمين بالتقوية والتأسية والتثبيت ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين لا تهنوا من الوهن والضعف ولا تحزنوا لما أصابكم ولما فاتكم وأنتم الأعلون عقيدتكم أعلى فأنتم تسجدون لله وحده وهم يسجدون لشيء من خلقه أو لبعض من خلقه ومنهجكم أعلى فأنتم تسيرون على منهج من صنع الله وهم يسيرون على منهج من صنع خلق الله ودوركم أعلى فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها الهداة لهذه البشرية كلها وهم شاردون عن النهج ضالون عن الطريق ومكانكم في الأرض أعلى فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها وهم إلى الفناء والنسيان صائرون فإن كنتم مؤمنين حقا فأنتم الأعلون وإن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا على أن تكون لكم العقبى بعد الجهاد والابتلاء والتمحيص أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين وذكر القرح الذي أصابهم وأصاب المكذبين قرح مثله قد يكون إشارة إلى غزوة بدر وقد مس القرح فيها المشركين وسلم المسلمون وقد يكون إشارة إلى غزوة أحد وقد انتصر فيها المسلمون في أول الأمر حتى هزم المشركون وقتل منهم سبعون وتابعهم المسلمون يضربون أقفيتهم حتى لقد سقط علم المشركين في ثنايا المعركة فلم يتقدم إليه منهم أحد حتى رفعته لهم امرأة فلاثوا بها وتجمعوا عليها ثم كانت الدولة للمشركين حينما خرج الرماة على أمر رسول الله ص واختلفوا فيما بينهم فأصاب المسلمين ما أصابهم في نهاية المعركة جزاء وفاقا لهذا الاختلاف وذلك الخروج وتحقيقا لسنة من سنن الله التي لا تتخلف إذ كان اختلاف الرماة وخروجهم ناشئين من الطمع في الغنيمة والله قد كتب النصر في معارك الجهاد لمن يجاهدون في سبيله لا ينظرون إلى شيء من عرض هذه الدنيا الزهيد وتحقيقا كذلك لسنة أخرى من سنن الله في الأرض وهي مداولة الأيام بين الناس وفقا لما يبدو من عمل الناس ونيتهم فتكون لهؤلاء يوما ولأولئك يوما ومن ثم يتبين المؤمنون ويتبين المنافقون كما تتكشف الأخطاء وينجلي الغبش أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا إن الشدة بعد الرخاء والرخاء بعد الشدة هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس وطبائع القلوب ودرجة الغبش فيها والصفاء ودرجة الهلع فيها والصبر ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن مؤمنين ومنافقين ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده وهم مختلطون مبهمون والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء وتجعله واقعا في حياة الناس وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم ومداولة الأيام وتعاقب الشدة والرخاء محك لا يخطىء وميزان لا يظلم والرخاء في هذا كالشدة وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء وتتجه إلى الله في الحالين وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله وقد كان الله يربي هذه الجماعة وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن الله الجارية في النصر والهزيمة لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة ولتزيد طاعة لله وتوكلا عليه والتصاقا بركنه ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث المعركة وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس وفيما بعد تمييز الصفوف وعلم الله للمؤمنين ويتخذ منكم شهداء وهو تعبير عجيب عن معنى عميق إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بين المجاهدين ويتخذهم لنفسه سبحانه فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم بقربه ثم هم شهداء يتخذهم الله ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس يستشهدهم فيؤدون الشهادة يؤدونها أداء لا شبهة فيه ولا مطعن عليه ولا جدال حوله يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة على أن ما جاءهم من عنده الحق ; وعلى أنهم آمنوا به وتجردوا له وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه ; وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق ; وعلى أنهم هم استيقنوا هذا فلم يألوا جهدا في كفاح الباطل وطرده من حياة الناس وإقرار هذا الحق في عالمهم وتحقيق منهج الله في حكم الناس يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال وكل من ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يقال له أنه شهد إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلها ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من الله فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد ; وأخص خصائص العبودية التلقي من الله ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد بما أنه رسول الله ولا يعتمد مصدرا آخر للتلقي إلا هذا المصدر ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض كما بلغها محمد ص فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس والذي بلغه عنه محمد ص هو المنهج السائد والغالب والمطاع وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثاء فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله فهو إذن شهيد أي شاهد طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها واتخذه الله شهيدا ورزقه هذا المقام هذا فقه ذلك التعبير العجيب ويتخذ منكم شهداء وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومقتضاه لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع والله لا يحب الظالمين والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك بوصفه أظلم الظلم وأقبحه وفي القرآن إن الشرك لظلم عظيم وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم قال < أن تجعل لله ندا وهو خلقك > وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين ; فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد لها مناسبتها الحاضرة فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه وهذا هو مقام الاستشهاد وفي هذا تكون الشهادة ; ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين وستارا لقدرته في هلاك المكذبين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز التمحيص عملية تتم في داخل النفس وفي مكنون الضمير إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية وتسليط الضوء على هذه المكنونات تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق بلا غبش ولا ضباب وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه ومخابئها ودروبها ومنحنياتها وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها وحقيقة ما استكن فيها من رواسب لا تظهر إلا بمثير وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص ثم إذا هو يكشف على ضوء التجربة العملية وفي مواجهة الأحداث الواقعية إن في نفسه عقابيل لم تمحص وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه ليعاود المحاولة في سبكها من جديد على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة والله سبحانه كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض فمحصها هذا التمحيص الذي تكشفت عنه الأحداث في أحد لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها ويمحق الكافرين تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق وخلص من الشوائب بالتمحيص وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة الله في الدعوات وفي النصر والهزيمة وفي العمل والجزاء ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره وزاده الصبر على مشاق الطريق وليس زاده التمني والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون إن صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان أسلمت وأنا على استعداد للموت فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان إنما هي التجربة الواقعية والامتحان العملي وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء ثم الصبر على تكاليف الجهاد وعلى معاناة البلاء وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين فلا يكفي أن يجاهد المؤمنون إنما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة أيضا التكاليف المستمرة المتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان فربما كان الجهاد في الميدان أخف تكاليف هذه الدعوة التي يطلب لها الصبر ويختبر بها الإيمان إنما هنالك المعاناة اليومية التي لا تنتهي معاناة الاستقامة على أفق الإيمان والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني في النفس وفي الغير ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليومية والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر والصبر على طول الطريق وبعد الشقة وكثرة العقبات والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفس لها في زحمة الجهد والكرب والنضال والصبر على أشياء كثيرة ليس الجهاد في الميدان إلا واحدا منها في الطريق المحفوف بالمكاره طريق الجنة التي لا تنال بالأماني وبكلمات اللسان ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وهكذا يقفهم السياق وجها لوجه مرة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة وقد كانوا من قبل يتمنون لقاءه ليوازنوا في حسهم بين وزن الكلمة يقولها اللسان ووزن الحقيقة يواجهها في العيان فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابا لكل كلمة تطلقها السنتهم ويزنوا حقيقة رصيدها الواقعي في نفوسهم على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم وبذلك يقدرون قيمة الكلمة وقيمة الأمنية وقيمة الوعد في ضوء الواقع الثقيل ثم يعلمهم أن ليست الكلمات الطائرة والأماني المرفرفة هي التي تبلغهم الجنة إنما هو تحقيق الكلمة وتجسيم الأمنية والجهاد الحقيقي والصبر على المعاناة حتى يعلم الله منهم ذلك كله واقعا كائنا في دنيا الناس ولقد كان الله سبحانه قادرا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى وبلا كد من المؤمنين ولا عناء وكان قادرا أن ينزل الملائكة تقاتل معهم أو بدونهم وتدمر على المشركين كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط ولكن المسألة ليست هي النصر إنما هي تربية الجماعة المسلمة التي تعد لتتسلم قيادة البشرية البشرية بكل ضعفها ونقصها ; وبكل شهواتها ونزواتها ; وبكل جاهليتها وانحرافها وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادا عاليا من القادة وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق وثبات على الحق وصبر على المعاناة ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف ووسائل العلاج ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة وصبر على الشدة بعد الرخاء وطعمها يومئذ لاذع مرير وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة ليعدها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق الذي ينوطه بها في هذه الأرض وقد شاء سبحانه أن يجعل هذا الدور من نصيب الإنسان الذي استخلفه في هذا الملك العريض وقدر الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه بشتى الأسباب والوسائل وشتى الملابسات والوقائع يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة فتستبشر وترتفع ثقتها بنفسها في ظل العون الإلهي وتجرب لذة النصر وتصبر على نشوته وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء وعلى التزام التواضع والشكر لله ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة فتلجأ إلى الله وتعرف حقيقة قوتها الذاتية وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله وتجرب مرارة الهزيمة ; وتستعلي مع ذلك على الباطل بما عندها من الحق المجرد ; وتعرف مواضع نقصها وضعفها ومداخل شهواتها ومزالق أقدامها ; فتحاول أن تصلح من هذا كله في الجولة القادمة وتخرج من النصر ومن الهزيمة بالزاد والرصيد ويمضي قدر الله وفق سنته لا يتخلف ولا يحيد وقد كان هذا كله طرفا من رصيد معركة أحد ; الذي يحشده السياق القرآني للجماعة المسملة على نحو ما نرى في هذه الآيات وهو رصيد مدخر لكل جماعة مسلمة ولكل جيل من أجيال المسلمين
حقائق التصور الإسلامي حول الموت والأجل والجهاد والصبر
ثم يمضي السياق في تقرير حقائق التصور الإسلامي الكبيرة ; وفي تربية الجماعة المسلمة بهذه الحقائق ; متخذا من أحداث المعركة محورا لتقرير تلك الحقائق ; ووسيلة لتربية الجماعة المسلمة بها على طريقة المنهج القرآني الفريد وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ; وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ; ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ; وسنجزي الشاكرين وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين إن الآية الأولى في هذه الفقرة تشير إلى واقعة معينة حدثت في غزوة أحد ذلك حين انكشف ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل فركبه المشركون وأوقعوا بالمسلمين وكسرت رباعية الرسول ص وشج وجهه ونزفت جراحه ; وحين اختلطت الأمور وتفرق المسلمون لا يدري أحدهم مكان الآخر حينئذ نادى مناد إن محمدا قد قتل وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة مصعدين في الجبل منهزمين تاركين المعركة يائسين لولا أن ثبت رسول الله ص في تلك القلة من الرجال ; وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون حتى فاءوا إليه وثبت الله قلوبهم وأنزل عليهم النعاس امنة منه وطمأنينة كما سيجيء فهذه الحادثة التي أذهلتهم هذا الذهول يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه ومناسبة لتقرير حقائق التصور الإسلامي ; ويجعلها محورا لإشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة وفي تاريخ الإيمان ومواكب المؤمنين وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين إن محمدا ليس إلا رسولا سبقته الرسل وقد مات الرسل ومحمد سيموت كما مات الرسل قبله هذه حقيقة أولية بسيطة فما بالكم غفلتم عنها حينما واجهتكم في المعركة إن محمدا رسول من عند الله جاء ليبلغ كلمة الله والله باق لا يموت وكلمته باقية لا تموت وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل وهذه كذلك حقيقة أولية بسيطة غفلوا عنها في زحمة الهول وما ينبغي للمؤمنين أن يغفلوا عن هذه الحقيقة الأولية البسيطة إن البشر إلى فناء والعقيدة إلى بقاء ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه إلى الناس من الرسل والدعاة على مدار التاريخ والمسلم الذي يحب رسول الله ص وقد كان أصحابه يحبونه الحب الذي لم تعرف له النفس البشرية في تاريخها كله نظيرا الحب الذي يفدونه معه بحياتهم أن تشوكه شوكة وقد رأينا أبا دجانة يترس عليه بظهره والنبل يقع فيه ولا يتحرك ورأينا التسعة الذين أفرد فيهم ينافحون عنه ويستشهدون واحدا إثر واحد وما يزال الكثيرون في كل زمان وفي كل مكان يحبونه ذلك الحب العجيب بكل كيانهم وبكل مشاعرهم حتى ليأخذهم الوجد من مجرد ذكره ص هذا المسلم الذي يحب محمدا ذلك الحب مطلوب منه أن يفرق بين شخص محمد ص والعقيدة التي أبلغها وتركها للناس من بعده باقية ممتدة موصولة بالله الذي لا يموت إن الدعوة أقدم من الداعية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل قد خلت من قبله الرسل يحملون هذه الدعوة الضاربة في جذور الزمن العميقة في منابت التاريخ المبتدئة مع البشرية تحدو لها بالهدى والسلام من مطالع الطريق وهي أكبر من الداعية وأبقى من الداعية فدعاتها يجيئون ويذهبون وتبقى هي على الأجيال والقرون ويبقى اتباعها موصولين بمصدرها الأول الذي أرسل بها الرسل وهو باق سبحانه يتوجه إليه المؤمنون وما يجوز أن ينقلب أحد منهم على عقبيه ويرتد عن هدى الله والله حي لا يموت ومن ثم هذا الاستنكار وهذا التهديد وهذا البيان المنير أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وفي التعبير تصوير حي للارتداد انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة كأنه منظر مشهود والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة ولكن حركة الارتداد النفسية التي صاحبتها حينما هتف الهاتف إن محمدا قد قتل فأحس بعض المسلمين أن لا جدوى إذن من قتال المشركين وبموت محمد انتهى أمر هذا الدين وانتهى أمر الجهاد للمشركين فهذه الحركة النفسية يجسمها التعبير هنا فيصورها حركة ارتداد على الأعقاب كارتدادهم في المعركة على الأعقاب وهذا هو الذي حذرهم إياه النضر بن أنس رضي الله عنه فقال لهم حين وجدهم قد ألقوا بأيديهم وقالوا له إن محمدا قد مات فما تصنعون بالحياة من بعده فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ص ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا فإنما هو الخاسر الذي يؤذي نفسه فيتنكب الطريق وانقلابه لن يضر الله شيئا فالله غني عن الناس وعن إيمانهم ولكنه رحمة منه بالعباد شرع لهم هذا المنهج لسعادتهم هم ولخيرهم هم وما يتنكبه متنكب حتى يلاقي جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله وحتى يفسد النظام وتفسد الحياة ويفسد الخلق وتعوج الأمور كلها ويذوق الناس وبال أمرهم في تنكبهم للمنهج الوحيد الذي تستقيم في ظله الحياة وتستقيم في ظله النفوس وتجد الفطرة في ظله السلام مع ذاتها والسلام مع الكون الذي تعيش فيه وسيجزي الله الشاكرين الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها الله لعباده في إعطائهم هذا المنهج فيشكرونها باتباع المنهج ويشكرونها بالثناء على الله ومن ثم يسعدون بالمنهج فيكون هذا جزاء طيبا على شكرهم ثم يسعدون بجزاء الله لهم في الآخرة وهو أكبر وأبقى وكأنما أراد الله سبحانه بهذه الحادثة وبهذه الآية أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي ص وهو حي بينهم وأن يصلهم مباشرة بالنبع النبع الذي لم يفجره محمد ص ولكن جاء فقط ليومىء إليه ويدعو البشر إلى فيضه المتدفق كما أومأ إليه من قبله من الرسل ودعوا القافلة إلى الارتواء منه وكأنما أراد الله سبحانه أن يأخذ بأيديهم فيصلها مباشرة بالعروة الوثقى العروة التي لم يعقدها محمد ص إنما جاء ليعقد بها أيدي البشر ثم يدعهم عليها ويمضي وهم بها مستمسكون وكأنما أراد الله سبحانه أن يجعل ارتباط المسلمين بالإسلام مباشرة وأن يجعل عهدهم مع الله مباشرة وأن يجعل مسؤوليتهم في هذا العهد أمام الله بلا وسيط حتى يستشعروا تبعتهم المباشرة التي لا يخليهم منها أن يموت الرسول ص أو يقتل فهم إنما بايعوا الله وهم أمام الله مسؤولون وكأنما كان الله سبحانه يعد الجماعة المسلمة لتلقي هذه الصدمة الكبرى حين تقع وهو سبحانه يعلم أن وقعها عليهم يكاد يتجاوز طاقتهم فشاء أن يدربهم عليها هذا التدريب وأن يصلهم به هو وبدعوته الباقية قبل أن يستبد بهم الدهش والذهول ولقد أصيبوا حين وقعت بالفعل بالدهش والذهول حتى لقد وقف عمر رضي الله عنه شاهرا سيفه يهدد به من يقول إن محمدا قد مات ولم يثبت إلا أبو بكر الموصول القلب بصاحبه وبقدر الله فيه الاتصال المباشر الوثيق وكانت هذه الآية حين ذكرها وذكر بها المدهوشين الذاهلين هي النداء الإلهي المسموع فإذا هم يثوبون ويرجعون ثم يلمس السياق القرآني مكمن الخوف من الموت في النفس البشرية لمسة موحية تطرد ذلك الخوف عن طريق بيان الحقيقة الثابتة في شأن الموت وشأن الحياة وما بعد الحياة والموت من حكمة لله وتدبير ومن ابتلاء للعباد وجزاء وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ; ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين إن لكل نفس كتابا مؤجلا إلى أجل مرسوم ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم فالخوف والهلع والحرص والتخلف لا تطيل أجلا والشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمرا فلا كان الجبن ولا نامت أعين الجبناء والأجل المكتوب لا ينقص منه يوم ولا يزيد بذلك تستقر حقيقة الأجل في النفس فتترك الاشتغال به ولا تجعله في الحساب وهي تفكر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانية وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته في صبر وطمأنينة وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضية التي حسم فيها القول فإنه إذا كان العمر مكتوبا والأجل مرسوما فلتنظر نفس ما قدمت لغد ; ولتنظر نفس ماذا تريد أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان وأن تحصر همها كله في هذه الأرض وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى وإلى اهتمامات أرفع وإلى حياة أكبر من هذه الحياة مع تساوي هذا الهم وذاك فيما يختص بالعمر والحياة ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وشتان بين حياة وحياة وشتان بين اهتمام واهتمام مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل والذي يعيش لهذه الأرض وحدها ويريد ثواب الدنيا وحدها إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب والذي يتطلع إلى الأفق الآخر إنما يحيا حياة الإنسان الذي كرمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا وسنجزي الشاكرين الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان فيرتفعون عن مدارج الحيوان ; ويشكرون الله على تلك النعمة فينهضون بتبعات الإيمان وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء وفق ما يريدونه لأنفسهم من اهتمام قريب كاهتمام الدود أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان وبذلك ينقل النفس من الإنشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف وهي لا تملك شيئا في شأن الموت والحياة إلى الإنشغال بما هو أنفع للنفس في الحقل الذي تملكه وتملك فيه الاختيار فتختار الدنيا أو تختار الآخرة وتنال من جزاء الله ما تختار ثم يضرب الله للمسلمين المثل من إخوانهم المؤمنين قبلهم من موكب الإيمان اللاحب الممتد على طول الطريق الضارب في جذور الزمان من أولئك الذين صدقوا في إيمانهم وقاتلوا مع أنبيائهم فلم يجزعوا عند الابتلاء ; وتأدبوا وهم مقدمون على الموت بالأدب الإيماني في هذا المقام مقام الجهاد فلم يزيدوا على أن يستغفروا ربهم ; وأن يجسموا أخطاءهم فيروها إسرافا في أمرهم وأن يطلبوا من ربهم الثبات والنصر على الكفار وبذلك نالوا ثواب الدارين جزاء إحسانهم في أدب الدعاء وإحسانهم في موقف الجهاد وكانوا مثلا يضربه الله للمسلمين وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ; وثبت أقدامنا ; وانصرنا على القوم الكافرين فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين لقد كانت الهزيمة في أحد هي أول هزيمة تصدم المسلمين الذين نصرهم الله ببدر وهم ضعاف قليل ; فكأنما وقر في نفوسهم أن النصر في كل موقعة هو السنة الكونية فلما أن صدمتهم أحد فوجئوا بالابتلاء كأنهم لا ينتظرونه ولعله لهذا طال الحديث حول هذه الواقعة في القرآن الكريم واستطرد السياق يأخذ المسلمين بالتأسية تارة وبالاستنكار تارة وبالتقرير تارة وبالمثل تارة تربية لنفوسهم وتصحيحا لتصورهم وإعدادا لهم فالطريق أمامهم طويل والتجارب أمامهم شاقة والتكاليف عليهم باهظة والأمر الذي يندبون له عظيم والمثل الذي يضربه لهم هنا مثل عام لا يحدد فيه نبيا ولا يحدد فيه قوما إنما يربطهم بموكب الإيمان ; ويعلمهم أدب المؤمنين ; ويصور لهم الابتلاء كأنه الأمر المطرد في كل دعوة وفي كل دين ; ويربطهم بأسلافهم من اتباع الأنبياء ; ليقرر في حسهم قرابة المؤمنين للمؤمنين ; ويقر في أخلادهم أن أمر العقيدة كله واحد وإنهم كتيبة في الجيش الإيماني الكبير وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا وكم من نبي قاتلت معه جماعات كثيرة فما ضعفت نفوسهم لما أصابهم من البلاء والكرب والشدة والجراح وما ضعفت قواهم عن الاستمرار في الكفاح وما استسلموا للجزع ولا للأعداء فهذا هو شأن المؤمنين المنافحين عن عقيدة ودين والله يحب الصابرين الذين لا تضعف نفوسهم ولا تتضعضع قواهم ولا تلين عزائمهم ولا يستكينون أو يستسلمون والتعبير بالحب من الله للصابرين له وقعه وله إيحاؤه فهو الحب الذي يأسو الجراح ويمسح على القرح ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير وإلى هنا كان السياق قد رسم الصورة الظاهرة لهؤلاء المؤمنين في موقفهم من الشدة والابتلاء فهو يمضي بعدها ليرسم الصورة الباطنة لنفوسهم ومشاعرهم صورة الأدب في حق الله وهم يواجهون الهول الذي يذهل النفوس ويقيدها بالخطر الراهق لا تتعداه ولكنه لا يذهل نفوس المؤمنين عن التوجه إلى الله لا لتطلب النصر أول ما تطلب وهو ما يتبادر عادة إلى النفوس ولكن لتطلب العفو والمغفرة ولتعترف بالذنب والخطيئة قبل أن تطلب الثبات والنصر على الأعداء وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين إنهم لم يطلبوا نعمة ولا ثراء بل لم يطلبوا ثوابا ولا جزاء لم يطلبوا ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لقد كانوا أكثر أدبا مع الله وهم يتوجهون إليه بينما هم يقاتلون في سبيله فلم يطلبوا منه سبحانه إلا غفران الذنوب وتثبيت الأقدام والنصر على الكفار فحتى النصر لا يطلبونه لأنفسهم إنما يطلبونه هزيمة للكفر وعقوبة للكفار إنه الأدب اللائق بالمؤمنين في حق الله الكريم وهؤلاء الذين لم يطلبوا لأنفسهم شيئا أعطاهم الله من عنده كل شيء أعطاهم من عنده كل ما يتمناه طلاب الدنيا وزيادة وأعطاهم كذلك كل ما يتمناه طلاب الآخرة ويرجونه فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وشهد لهم سبحانه بالإحسان فقد أحسنوا الأدب وأحسنوا الجهاد وأعلن حبه لهم وهو أكبر من النعمة وأكبر من الثواب والله يحب المحسنين وهكذا تنتهي هذه الفقرة في الاستعراض ; وقد تضمنت تلك الحقائق الكبيرة في التصور الإسلامي وقد أدت هذا الدور في تربية الجماعة المسلمة وقد ادخرت هذا الرصيد للأمة المسلمة في كل جيل
كذب اليهود وسوء أدبهم مع الله
ولا يحسبن الذي يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير لم ترد في الآية الأولى من هذه المجموعة رواية مؤكدة عم تعنيهم ومن تحذرهم البخل وعاقبة يوم القيامة ولكن ورودها في هذا السياق يرجح أنها متصلة بما بعدها من الآيات في شأن اليهود فهم قبحهم الله الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وهم الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار والظاهر أن الآيات في عمومها نزلت بمناسبة دعوة اليهود إلى الوفاء بالتزاماتهم المالية الناشئة عن معاهدتهم مع الرسول ص ودعوتهم كذلك إلى الإيمان بالرسول ص والإنفاق في سبيل الله وقد نزل هذا التحذير التهديدي مع فضح تعلات اليهود في عدم الإيمان بمحمد ص ردا على ما بدا من سوء أدبهم مع ربهم ومن كذب تعلاتهم ; ونزلت معه المواساة للرسول ص عن تكذيبهم بما وقع للرسل قبله مع أقوامهم ومنهم أنبياء بني إسرائيل الذي قتلوهم بعد ما جاءوهم بالبينات والخوارق كما هو معروف في تاريخ بني إسرائيل ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير إن مدلول الآية عام فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله ; ويحسبون أن هذا البخل خير لهم يحفظ لهم أموالهم فلا تذهب بالإنفاق والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب ; ويقرر أن ما كنزوه سيطوقونه يوم القيامة نارا وهو تهديد مفزع والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم يبخلون بما آتاهم الله من فضله فهم لا يبخلون بمال أصيل لهم فقد جاءوا إلى هذه الحياة لا يملكون شيئا ولا جلودهم فآتاهم الله من فضله فأغناهم حتى إذا طلب إليهم أن ينفقوا من فضله شيئا لم يذكروا فضل الله عليهم وبخلوا بالقليل وحسبوا أن في كنزه خيرا لهم وهو شر فظيع وهم بعد هذا كله ذاهبون وتاركوه وراءهم فالله هو الوارث ولله ميراث السماوات والأرض فهذا الكنز إلى أمد قصير ثم يعود كله إلى الله ولا يبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء مرضاته فيبقى مدخرا لهم عنده بدلا من أن يطوقهم إياه يوم القيامة ثم يندد باليهود الذين وجدوا في أيديهم المال الذي آتاهم الله من فضله فحسبوا أنفسهم أغنياء عن الله لا حاجة بهم إلى جزائه ولا إلى الأضعاف المضاعفة التي يعدها لمن يبذل في سبيله وهو ما يسميه تفضلا منه ومنة اقراضا له سبحانه وقالوا في وقاحة ما بال الله يطلب الينا أن نقرضه من مالنا ويعطينا عليه الأضعاف المضاعفة وهو ينهى عن الربا والأضعاف المضاعفة وهو تلاعب بالألفاظ ينم عن القحة وسوء الأدب في حق الله لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد وسوء تصور اليهود للحقيقة الإلهية شائع في كتبهم المحرفة ولكن هذه تبلغ مبلغا عظيما من سوء التصور ومن سوء الأدب معا ومن ثم يستحقون هذا التهديد المتلاحق سنكتب ما قالوا لنحاسبهم عليه فما هو بمتروك ولا منسي ولا مهمل وإلى جانبه تسجيل آثامهم السابقة وهي آثام جنسهم وأجيالهم متضامنة فيه فكلهم جبلة واحدة في المعصية والإثم وقتلهم الأنبياء بغير حق وقد حفظ تاريخ بني إسرائيل سلسلة أثيمة في قتل الأنبياء آخرها محاولتهم قتل المسيح عليه السلام وهم يزعمون أنهم قتلوه متباهين بهذا الجرم العظيم ونقول ذوقوا عذاب الحريق والنص على الحريق هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه ولتجسيم مشهد العذاب بهوله وتأججه وضرامه جزاء على الفعلة الشنيعة قتل الأنبياء بغير حق وجزاء على القولة الشنيعة إن الله فقير ونحن أغنياء ذلك بما قدمت أيديكم جزاء وفاقا لا ظلم فيه ولا قسوة وأن الله ليس بظلام للعبيد والتعبير بالعبيد هنا إبراز لحقيقة وضعهم وهم عبيد من العبيد بالقياس إلى الله تعالى وهو يزيد في شناعة الجرم وفظاعة سوء الأدب الذي يتجلى في قول العبيد إن الله فقير ونحن أغنياء والذي يتجلى كذلك في قتل الأنبياء هؤلاء الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء والذي قتلوا الأنبياء هم الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون بمحمد ص لأن الله عهد إليهم بزعمهم ألا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان يقدمونه فتقع المعجزة وتبهط نار تأكله على نحو ما كانت معجزة بعض أنبياء بني إسرائيل وما دام محمد لم يقدم لهم هذه المعجزة فهم على عهد مع الله هنا يجبههم القرآن بواقعهم التاريخي لقد قتلوا هؤلاء الأنبياء الذين جاءوهم بالخوارق التي طلبوها وجاءوهم بآيات الله بينات الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين وهي مجابهة قوية تكشف عن كذبهم والتوائهم وإصرارهم على الكفر وتبجحهم بعد ذلك وافترائهم على الله وهنا يلتفت إلى الرسول ص مسليا مواسيا مهونا عليه ما يلقاه منهم وهو ما لقيه إخوانه الكرام من الرسل على توالي العصور فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير فما هو أول رسول يتلقى بالتكذيب والأجيال المتعاقبة وبخاصة من بني إسرائيل تلقوا بالتكذيب رسلا جاءوهم بالبينات والخوارق وجاءوهم بالصحائف المتضمنة للتوجيهات الإلهية وهي الزبر وجاءوهم بالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل فهذا هو طريق الرسل والرسالات وما فيه من عناء ومشقة وهو وحده الطريق
حقيقة الموت والنجاة ومشقة الطريق
بعد ذلك يتجه السياق إلى الجماعة المسلمة ; يحدثها عن القيم التي ينبغي لها أن تحرص عليها وتضحي من أجلها ; ويحدثها عن أشواك الطريق ومتاعبها وآلامها ويهيب بها إلى الصبر والتقوى والعزم والاحتمال كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة محدودة بأجل ; ثم تأتي نهايتها حتما يموت الصالحون يموت الطالحون يموت المجاهدون ويموت القاعدون يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد يموت الشجعان الذين يأبون الضيم ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص الكل يموت كل نفس ذائقة الموت كل نفس تذوق هذه الجرعة وتفارق هذه الحياة لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع إنما الفارق في شيء آخر الفارق في قيمة أخرى الفارق في المصير الأخير وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز هذه هي القيمة التي يكون فيها الافتراق وهذا هو المصير الذي يفترق فيه فلان عن فلان القيمة الباقية التي تستحق السعي والكد والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ولفظ زحزح بذاته يصور معناه بجرسه ويرسم هيئته ويلقي ظله وكأنما للنار جاذبية تشد إليها من يقترب منها ويدخل في مجالها فهو في حاجة إلى من يزحزحه قليلا قليلا ليخلصه من جاذبيتها المنهومة فمن أمكن أن يزحزح عن مجالها ويستنقذ من جاذبيتها ويدخل الجنة فقد فاز صورة قوية بل مشهد حي فيه حركة وشد وجذب وهو كذلك في حقيقته وفي طبيعته فللنار جاذبية أليست للمعصية جاذبية أليست النفس في حاجة إلى من يزحزحها زحزحة عن جاذبية المعصية بلى وهذه هي زحزحتها عن النار أليس الإنسان حتى مع المحاولة واليقظة الدائمة يظل أبدا مقصرا في العمل إلا أن يدركه فضل الله بلى وهذه هي الزحزحة عن النار ; حين يدرك الإنسان فضل الله فيزحزحه عن النار وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور إنها متاع ولكنه ليس متاع الحقيقة ولا متاع الصحو واليقظة إنها متاع الغرور المتاع الذي يخدع الإنسان فيحسبه متاعا أو المتاع الذي ينشىء الغرور والخداع فأما المتاع الحق المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله فهو ذاك هو الفوز بالجنة بعد الزحزحة عن النار وعندما تكون هذه الحقيقة قد استقرت في النفس عندما تكون النفس قد أخرجت من حسابها حكاية الحرص على الحياة إذ كل نفس ذائقة الموت على كل حال وأخرجت من حسابها حكاية متاع الغرور الزائل عندئذ يحدث الله المؤمنين عما ينتظرهم من بلاء في الأموال والأنفس وقد استعدت نفوسهم للبلاء لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور إنها سنة العقائد والدعوات لا بد من بلاء ولا بد من أذى في الأموال والأنفس ولا بد من صبر ومقاومة واعتزام إنه الطريق إلى الجنة وقد حفت الجنة بالمكاره بينما حفت النار بالشهوات ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة وتنهض بتكاليفها طريق التربية لهذه الجماعة ; وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف ; والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودا فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن والصبر عليها فهم عليها مؤتمنون وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال فلا يفرطوا فيها بعد ذلك مهما تكن الأحوال وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة وتنميها وتجمعها وتوجهها والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذه القوى لتتأصل جذورها وتتعمق ; وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم ; وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عملية واقعية ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها وحقيقة الجماعات والمجتمعات وهم يرون كيف تصطرع مبادىء دعوتهم مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ومزالق الطريق ومسارب الضلال ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لا بد فيها من خير ولا بد فيها من سر يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها أفواجا في نهاية المطاف إنها سنة الدعوات وما يصبر على ما فيها من مشقة ; ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله فلا يشط فيعتدي وهو يرد الاعتداء ; ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد ما يصبر على ذلك كله إلا أولو العزم الأقوياء وأن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال من أهل الكتاب من حولها ومن المشركين أعدائها ولكنها سارت في الطريق لم تتخاذل ولم تتراجع ولم تنكص على أعقابها لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت وأن توفية الأجور يوم القيامة وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف ; وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها تتوالى القرون والأجيال ; وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال والقرآن هو القرآن وتختلف وسائل الابتلاء والفتنة باختلاف الزمان ; وتختلف وسائل الدعاية ضد الجماعة المسلمة ووسائل إيذائها في سمعتها وفي مقوماتها وفي أعراضها وفي أهدافها وأغراضها ولكن القاعدة واحدة لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين ; وصور من دعايتهم للبلبلة والتشكيك أحيانا في أصول الدعوة وحقيقتها وأحيانا في أصحابها وقيادتها وهذه الصور تتجدد مع الزمان وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة وتوجه كلها إلى الإسلام في أصوله الاعتقادية وإلى الجماعة المسلمة والقيادة الإسلامية فلا تخرج على هذه القاعدة التي كشف الله عنها للجماعة المسلمة الأولى وهو يكشف لها عن طبيعة الطريق وطبيعة الأعداء الراصدين لها في الطريق ويبقى هذا التوجيه القرآني رصيدا للجماعة المسلمة كلما همت أن تتحرك بهذه العقيدة وأن تحاول تحقيق منهج الله في الأرض ; فتجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة ووسائل الدعاية الحديثة لتشويه أهدافها وتمزيق أوصالها يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرا يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة وطبيعة طريقها وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله ذاك ; فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى وحين تعوي حولها بالدعاية وحين يصيبها الابتلاء والفتنة أنها سائرة في الطريق وأنها ترى معالم الطريق ومن ثم تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي تستبشر بهذا كله لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى ; وتمضي في طريقها الموعود إلى الأمل المنشود في صبر وفي تقوى وفي عزم أكيد
بيان مسؤولية العلماء وكتمان أهل الكتاب للحق
ثم يمضي السياق القرآني يفضح موقف أهل الكتاب في مخالفتهم عن عهد الله معهم يوم آتاهم الكتاب ونبذهم له وكتمانهم لما ائتمنهم عليه منه حين يسألون عنه وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون وقد تضمن سياق السورة الكثير من أفاعيل أهل الكتاب وأقاويلهم وبخاصة اليهود وأبرز هذه الأفاعيل والأقاويل كتمانهم للحق الذي يعلمونه ولبسه بالباطل لإحداث البلبلة والاضطراب في مفهوم الدين وفي صحة الإسلام وفي وحدة الأسس والمبادىء بينه وبين الأديان قبله وفي تصديقه لها وتصديقها له وكانت التوراة بين أيديهم يعلمون منها أن ما جاء به محمد حق ; وأنه من ذات المصدر الذي جاءتهم منه التوارة فالآن يبدو هذا الموقف منهم بشعا غاية البشاعة ; حين ينكشف أيضا أن الله سبحانه قد أخذ عليهم العهد وهو يعطيهم الكتاب أن يبينوه للناس ويبلغوه ولا يكتموه أو يخفوه وأنهم نبذوا هذا العهد مع الله والتعبير يجسم إهمالهم وإخلافهم للعهد ; فيمثله في حركة فنبذوه وراء ظهورهم وأنهم فعلوا هذه الفعلة الفاضحة ابتغاء ثمن قليل واشتروا به ثمنا قليلا هو عرض من أعراض هذه الأرض ومصلحة شخصية للأحبار أو قومية لليهود وكله ثمن قليل ولو كان ملك الأرض كلها طوال الدهور فما أقل هذا الثمن ثمنا لعهد الله وما أقل هذا المتاع متاعا حين يقاس بما عند الله فبئس ما يشترون وقد ورد في رواية للبخاري بإسناده عن ابن عباس أن النبي ص سأل اليهود عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه وأنه في هذا نزلت آية ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم وفي رواية أخرى للبخاري بإسناده عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله ص كانوا إذا خرج رسول الله ص إلى الغزو وتخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ص فإذا قدم رسول الله ص من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ومسألة نزول آية بعينها في مسألة بعينها ليست قطعية في هذا فكثيرا ما يكون الذي وقع هو الاستشهاد بالآية على حادثة بعينها فيروى أنها نزلت فيها أو تكون الآية منطبقة على الحادثة فيقال كذلك إنها نزلت فيها ومن ثم لا نجزم في الروايتين بقول فأما إذا كانت الأولى فهناك مناسبة في السياق عن أهل الكتاب وكتمانهم لما ائتمنهم الله عليه من الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه ثم هم يكتمونه ويقولون غير الحق ويمضون في الكذب والخداع حتى ليطلبوا أن يحمدوا على بيانهم الكاذب وردهم المفتري وأما إذا كانت الثانية ففي سياق السورة حديث عن المنافقين يصلح أن تلحق به هذه الآية وهي تصور نموذجا من الناس يوجد على عهد الرسول ص ويوجد في كل جماعة نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي وتكاليف العقيدة فيقعدون متخلفين عن الكفاح فإن غلب المكافحون وهزموا رفعوا هم رؤوسهم وشمخوا بأنوفهم ونسبوا إلى أنفسهم التعقل والحصافة والأناة أما إذا انتصر المكافحون وغنموا فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم كانوا من مؤيدي خطتهم ; وينتحلون لأنفسهم يدا في النصر ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين فإذا ملامحه واضحة للعيان وسماته خالدة في الزمان وتلك طريقة القرآن هؤلاء الناس يؤكد الله للرسول ص أنهم لا نجاة لهم من العذاب وإن الذي ينتظرهم عذاب أليم لا مفر لهم منه و لا معين فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم والذي يتوعدهم به هو الله مالك السماوات والأرض القادر على كل شيء فأين المفازة إذن وكيف النجاة ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شيء قدير
توجيه القلوب إلى تصفح كتاب الكون
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ما الآيات التي في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ما الآيات التي تتراءى لأولي الألباب عندما يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم وما علاقة التفكر في هذه الآيات بذكرهم الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم وكيف ينتهون من التفكر فيها إلى هذا الدعاء الخاشع الواجف ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار إلى نهاية ذلك الدعاء إن التعبير يرسم هنا صورة حية من الاستقبال السليم للمؤثرات الكونية في الإدراك السليم وصورة حية من الاستجابة السليمة لهذه المؤثرات المعروضة للأنظار والأفكار في صميم الكون بالليل والنهار والقرآن يوجه القلوب والأنظار توجيها مكررا مؤكدا إلى هذا الكتاب المفتوح ; الذي لا تفتأ صفحاته تقلب فتتبدى في كل صفحة آية موحية تستجيش في الفطرة السليمة إحساسا بالحق المستقر في صفحات هذا الكتاب وفي تصميم هذا البناء ورغبة في الاستجابة لخالق هذا الخلق ومودعه هذا الحق مع الحب له والخشية منه في ذات الأوان وأولو الألباب أولو الإدراك الصحيح يفتحون بصائرهم لاستقبال آيات الله الكونية ; ولا يقيمون الحواجز ولا يغلقون المنافذ بينهم وبين هذه الآيات ويتوجهون إلى الله بقلوبهم قياما وقعودا وعلى جنوبهم فتتفتح بصائرهم وتشف مداركهم وتتصل بحقيقة الكون التي أودعها الله إياه وتدرك غاية وجوده وعلة نشأته وقوام فطرته بالإلهام الذي يصل بين القلب البشري ونواميس هذا الوجود ومشهد السماوات والأرض ومشهد اختلاف الليل والنهار لو فتحنا له بصائرنا وقلوبنا وإدراكنا لو تلقيناه كمشهد جديد تتفتح عليه العيون أول مرة لو استنقذنا حسنا من همود الإلف وخمود التكرار لارتعشت له رؤانا ولاهتزت له مشاعرنا ولأحسسنا أن وراء ما فيه من تناسق لا بد من يد تنسق ; ووراء ما فيه من نظام لا بد من عقل يدبر ; ووراء ما فيه من إحكام لا بد من ناموس لا يتخلف وأن هذا كله لا يمكن أن يكون خداعا ولا يمكن أن يكون جزافا ولا يمكن أن يكون باطلا ولا ينقص من اهتزازنا للمشهد الكوني الرائع أن نعرف أن الليل والنهار ظاهرتان ناشئتان من دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ولا أن تناسق السماوات والأرض مرتكز إلى الجاذبية أو غير الجاذبية هذه فروض تصح أو لا تصح وهي في كلتا الحالتين لا تقدم ولا تؤخر في استقبال هذه العجيبة الكونية واستقبال النواميس الهائلة الدقيقة التي تحكمها وتحفظها وهذه النواميس أيا كان اسمها عند الباحثين من بني الإنسان هي آية القدرة وآية الحق في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والسياق القرآني هنا يصور خطوات الحركة النفسية التي ينشئها استقبال مشهد السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار في مشاعر أولي الألباب تصويرا دقيقا وهو في الوقت ذاته تصوير إيحائي يلفت القلوب إلى المنهج الصحيح في التعامل مع الكون وفي التخاطب معه بلغته والتجاوب مع فطرته وحقيقته والانطباع بإشاراته وإيحاءاته ويجعل من كتاب الكون المفتوح كتاب معرفة للإنسان المؤمن الموصول بالله وبما تبدعه يد الله وإنه يقرن ابتداء بين توجه القلب إلى ذكر الله وعبادته قياما وقعودا وعلى جنوبهم وبين التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فيسلك هذا التفكر مسلك العبادة ويجعله جانبا من مشهد الذكر فيوحي بهذا الجمع بين الحركتين بحقيقتين هامتين الحقيقة الأولى أن التفكر في خلق الله والتدبر في كتاب الكون المفتوح وتتبع يد الله المبدعة وهي تحرك هذا الكون وتقلب صفحات هذا الكتاب هو عبادة لله من صميم العبادة وذكر لله من صميم الذكر ولو اتصلت العلوم الكونية التي تبحث في تصميم الكون وفي نواميسه وسننه وفي قواه ومدخراته وفي أسراره وطاقاته لو اتصلت هذه العلوم بتذكر خالق هذا الكون وذكره والشعور بجلاله وفضله لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة ولاستقامت الحياة بهذه العلوم واتجهت إلى الله ولكن الاتجاه المادي الكافر يقطع ما بين الكون وخالقه ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية ; ومن هنا يتحول العلم أجمل هبة من الله للإنسان لعنة تطارد الإنسان وتحيل حياته إلى جحيم منكرة وإلى حياة قلقة مهددة وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار والحقيقة الثانية أن آيات الله في الكون لا تتجلى على حقيقتها الموحية إلا للقلوب الذاكرة العابدة وأن هؤلاء الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم وهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار هم الذين تتفتح لبصائرهم الحقائق الكبرى المنطوية في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وهم الذين يتصلون من ورائها بالمنهج الإلهي الموصل إلى النجاة والخير والصلاح فأما الذين يكتفون بظاهر من الحياة الدنيا ويصلون إلى أسرار بعض القوى الكونية بدون هذا الاتصال فهم يدمرون الحياة ويدمرون أنفسهم بما يصلون إليه من هذه الأسرار ويحولون حياتهم إلى جحيم نكد وإلى قلق خانق ثم ينتهون إلى غضب الله وعذابه في نهاية المطاف فهما أمران متلازمان تعرضهما هذه الصورة التي يرسمها القرآن لأولي الألباب في لحظة الاستقبال والاستجابة والاتصال إنها لحظة تمثل صفاء القلب وشفافية الروح وتفتح الإدراك واستعداده للتلقي كما تمثل الاستجابة والتأثر والانطباع إنها لحظة العبادة وهي بهذا الوصف لحظة اتصال ولحظة استقبال فلا عجب أن يكون الاستعداد فيها لإدراك الآيات الكونية أكبر ; وأن يكون مجرد التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ملهما للحقيقة الكامنة فيها ولإدراك أنها لم تخلق عبثا ولا باطلا ومن ثم تكون الحصيلة المباشرة للخطة الواصلة ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ما خلقت هذا الكون ليكون باطلا ولكن ليكون حقا الحق قوامه والحق قانونه والحق أصيل فيه إن لهذا الكون حقيقة فهو ليس عدما كما تقول بعض الفلسفات وهو يسير وفق ناموس فليس متروكا للفوضى وهو يمضي لغاية فليس متروكا للمصادقة وهو محكوم في وجوده وفي حركته وفي غايته بالحق لا يتلبس به الباطل هذه هي اللمسة الأولى التي تمس قلوب أولي الألباب من التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار بشعور العبادة والذكر والاتصال وهي اللمسة التي تطبع حسهم بالحق الأصيل في تصميم هذا الكون فتطلق ألسنتهم بتسبيح الله وتنزيهه عن أن يخلق هذا الكون باطلا ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ثم تتوالى الحركات النفسية تجاه لمسات الكون وإيحاءاته فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار فما العلاقة الوجدانية بين إدراك ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من حق وبين هذه الارتعاشة المنطلقة بالدعاء الخائف الواجف من النار إن إدراك الحق الذي في تصميم هذا الكون وفي ظواهره معناه عند أولي الألباب أن هناك تقديرا وتدبيرا وأن هناك حكمة وغاية وأن هناك حقا وعدلا وراء حياة الناس في هذا الكوكب ولا بد إذن من حساب ومن جزاء على ما يقدم الناس من أعمال ولا بد إذن من دار غير هذه الدار يتحقق فيها الحق والعدل في الجزاء فهي سلسلة من منطق الفطرة والبداهة تتداعى حلقاتها في حسهم على هذا النحو السريع لذلك تقفز إلى خيالهم صورة النار فيكون الدعاء إلى الله أن يقيهم منها هو الخاطر الأول المصاحب لإدراك الحق الكامن في هذا الوجود وهي لفتة عجيبة إلى تداعي المشاعر عند ذوي البصائر ثم تنطلق ألسنتهم بذلك الدعاء الطويل الخاشع الواجف الراجف المنيب ذي النغم العذب والإيقاع المنساب والحرارة البادية في المقاطع والأنغام ولا بد من وقفة أمام الرجفة الأولى وهم يتجهون إلى ربهم ليقيهم عذاب النار لا بد من وقفة أمام قولهم ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار إنها تشي بأن خوفهم من النار إنما هو خوف قبل كل شيء من الخزي الذي يصيب أهل النار وهذه الرجفة التي تصيبهم هي أولا رجفة الحياء من الخزي الذي ينال أهل النار فهي ارتجافة باعثها الأكبر الحياء من الله فهم أشد حساسية به من لذع النار كما أنها تشي بشعور القوي بأنه لا ناصر من الله وأن الظالمين ما لهم من أنصار ثم نمضي مع الدعاء الخاشع الطويل ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار فهي قلوب مفتوحة ; ما إن تتلقى حتى تستجيب وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات والوفاة مع الأبرار ويتسق ظل هذه الفقرة في الدعاء مع ظلال السورة كلها في الاتجاه إلى الاستغفار والتطهر من الذنب والمعصية في المعركة الشاملة مع شهوات النفس ومع الذنب والخطيئة المعركة التي يتوقف على الانتصار فيها ابتداء كل انتصار في معارك الميدان مع أعداء الله وأعداء الإيمان والسورة كلها وحدة متكاملة متناسقة الإيقاعات والظلال وختام هذا الدعاء توجه ورجاء واعتماد واستمداد من الثقة بوفاء الله بالميعاد ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فهو استنجاز لوعد الله الذي بلغته الرسل وثقة بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد ورجاء في الإعفاء من الخزي يوم القيامة يتصل بالرجفة الأولى في هذا الدعاء ويدل على شدة الخوف من هذا الخزي وشدة تذكره واستحضاره في مطلع الدعاء وفي ختامه مما يشي بحساسية هذه القلوب ورقتها وشفافيتها وتقواها وحيائها من الله والدعاء في مجموعة يمثل الاستجابة الصادقة العميقة لإيحاء هذا الكون وإيقاع الحق الكامن فيه في القلوب السليمة المفتوحة ولا بد من وقفة أخرى أمام هذا الدعاء من جانب الجمال الفني والتناسق في الأداء إن كل سورة من سور القرآن تغلب فيها قافية معينة لآياتها والقوافي في القرآن غيرها في الشعر فيه ليست حرفا متحدا ولكنها إيقاع متشابه مثل بصير حكيم مبين مريب الألباب الأبصار النار قرار خفيا شقيا شرقيا شيئا إلخ وتغلب القافية الأولى في مواضع التقرير والثانية في مواضع الدعاء والثالثة في مواضع الحكاية وسورة آل عمران تغلب فيها القافية الأولى ولم تبعد عنها إلا في موضعين أولهما في أوائل السورة وفيه دعاء والثاني هنا عند هذا الدعاء الجديد وذلك من بدائع التناسق الفني في التعبير القرآني فهذا المد يمنح الدعاء رنة رخية وعذوبة صوتية تناسب جو الدعاء والتوجه والابتهال وهناك ظاهرة فنية أخرى إن عرض هذا المشهد مشهد التفكر والتدبر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار يناسبه دعاء خاشع مرتل طويل النغم عميق النبرات فيطول بذلك عرض المشهد وإيحاءاته ومؤثراته على الأعصاب والأسماع والخيال فيؤثر في الوجدان بما فيه من خشوع وتنغيم وتوجه وارتجاف وهنا طال المشهد بعباراته وطال بنغماته مما يؤدي غرضا أصيلا من أغراض التعبير القرآني ويحقق سمة فنية أصيلة من سماته ثم طال بالرد عليه والاستجابة له كذلك فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار وهي استجابة مفصلة وتعبير مطول يتناسق مع السمة الفنية للتعبير القرآني ; وفق مقتضى الحال ومتطلبات الموقف من الجانب النفسي والشعوري ثم نخلص لمحتويات هذه الاستجابة الإلهية ودلالتها على طبيعة هذا المنهج الإلهي ومقوماته ثم على طبيعة منهج التربية الإسلامية وخصائصه إن أولي الألباب هؤلاء تفكروا في خلق السماوات والأرض وتدبروا اختلاف الليل والنهار وتلقوا من كتاب الكون المفتوح واستجابت فطرتهم لإيحاء الحق المستكن فيه فاتجهوا إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع الواجف الطويل العميق ثم تلقوا الاستجابة من ربهم الكريم الرحيم على دعائهم المخلص الودود فماذا كانت الاستجابة لقد كانت قبولا للدعاء وتوجيها إلى مقومات هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في آن فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض إنه ليس مجرد التفكر ومجرد التدبر وليس مجرد الخشوع والارتجاف وليس مجرد الاتجاه إلى الله لتكفير السيئات والنجاة من الخزي ومن النار إنما هو العمل العمل الإيجابي الذي ينشأ عن هذا التلقي وعن هذه الاستجابة وعن هذه الحساسية الممثلة في هذه الارتجافة العمل الذي يعتبره الإسلام عبادة كعبادة التفكر والتدبر والذكر والاستغفار والخوف من الله والتوجه إليه بالرجاء بل العمل الذي يعتبره الإسلام الثمرة الواقعية المرجوة لهذه العبادة والذي يقبل من الجميع ذكرانا وإناثا بلا تفرقة ناشئة من اختلاف الجنس فكلهم سواء في الإنسانية بعضهم من بعض وكلهم سواء في الميزان ثم تفصيل للعمل تتبين منه تكاليف هذه العقيدة في النفس والمال ; كما تتبين منه طبيعة المنهج وطبيعة الأرض التي يقوم عليها وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك وضرورة مغالبة العوائق وتكسير الأشواك وتمهيد التربة للنبتة الطيبة والتمكين لها في الأرض أيا كانت التضحيات وأيا كانت العقبات فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أول مرة الذين هاجروا من مكة وأخرجوا من ديارهم في سبيل العقيدة وأوذوا في سبيل الله لا في أي غاية سواه وقاتلوا وقتلوا ولكنها صورة أصحاب هذه العقيدة في صميمها في كل أرض وفي كل زمان صورتها وهي تنشأ في الجاهلية أية جاهلية في الأرض المعادية لها أية أرض وبين القوم المعادين أي قوم فتضيق بها الصدور وتتأذى بها الأطماع والشهوات وتتعرض للأذى والمطاردة وأصحابها في أول الأمر قلة مستضعفة ثم تنمو النبتة الطيبة كما لا بد أن تنمو على الرغم من الأذى وعلى الرغم من المطاردة ثم تملك الصمود والمقاومة والدفاع عن نفسها فيكون القتال ويكون القتل وعلى هذا الجهد الشاق المرير يكون تكفير السيئات ويكون الجزاء ويكون الثواب هذا هو الطريق طريق هذا المنهج الرباني الذي قدر الله أن يكون تحققه في واقع الحياة بالجهد البشري وعن طريق هذا الجهد وبالقدر الذي يبذله المؤمنون المجاهدون في سبيل الله ابتغاء وجه الله وهذه هي طبيعة هذا المنهج ومقوماته وتكاليفه ثم هذه هي طريقة المنهج في التربية وطريقته في التوجيه للانتقال من مرحلة التأثر الوجداني بالتفكر والتدبر في خلق الله ; إلى مرحلة العمل الإيجابي وفق هذا التأثر تحقيقا للمنهج الذي أراده الله ثم التفاتة واقعية إلى الفتنة المستكنة في المتاع المتاح في هذه الأرض للكفار والعصاة والمعادين لمنهج الله التفاتة لإعطاء هذا المتاع وزنه الصحيح وقيمته الصحيحة حتى لا يكون فتنة لأصحابه ثم كي لا يكون فتنة للمؤمنين الذي يعانون ما يعانون من أذى وإخراج من الديار وقتل وقتال لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار وتقلب الذين كفروا في البلاد مظهر من مظاهر النعمة والوجدان ومن مظاهر المكانة والسلطان وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين ; وهم يعانون الشظف والحرمان ويعانون الأذى والجهد ويعانون المطاردة أو الجهاد وكلها مشقات وأهوال بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء والباطل وأهله في منجاة بل في مسلاة ويحيك منه شيء في قلوب الضالين المبطلين أنفسهم ; فيزيدهم ضلالا وبطرا ولجاجا في الشر والفساد هنا تأتي هذه اللمسة لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد متاع قليل ينتهي ويذهب أما المأوى الدائم الخالد فهو جهنم وبئس المهاد وفي مقابل المتاع القليل الذاهب جنات وخلود وتكريم من الله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار وما يشك أحد يضع ذلك النصيب في كفة وهذا النصيب في كفة أن ما عند الله خير للأبرار وما تبقى في القلب شبهة في أن كفة الذين اتقوا أرجح من كفة الذين كفروا في هذا الميزان وما يتردد ذو عقل في اختيار النصيب الذي يختاره لأنفسهم أولو الألباب إن الله سبحانه في موضع التربية وفي مجال إقرار القيم الأساسية في التصور الإسلامي لا يعد المؤمنين هنا بالنصر ولا يعدهم بقهر الأعداء ولا يعدهم بالتمكين في الأرض ولا يعدهم شيئا من الأشياء في هذه الحياة مما يعدهم به في مواضع أخرى ومما يكتبه على نفسه لأوليائه في صراعهم مع أعدائه إنه يعدهم هنا شيئا واحدا هو ما عند الله فهذا هو الأصل في هذه الدعوة وهذه هي نقطة الانطلاق في هذه العقيدة التجرد المطلق من كل هدف ومن كل غاية ومن كل مطمع حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة الله وقهر أعداء الله حتى هذه الرغبة يريد الله أن يتجرد منها المؤمنون ويكلوا أمرها إليه وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها هذه العقيدة عطاء ووفاء وأداء فقط وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء ثم انتظار كل شيء هناك ثم يقع النصر ويقع التمكين ويقع الاستعلاء ولكن هذا ليس داخلا في البيعة ليس جزءا من الصفقة ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء والابتلاء على هذا كانت البيعة والدعوة مطاردة في مكة ; وعلى هذا كان البيع والشراء ولم يمنح الله المسلمين النصر والتمكين والاستعلاء ; ولم يسلمهم مقاليد الأرض وقيادة البشرية إلا حين تجردوا هذا التجرد ووفوا هذا الوفاء قال محمد بن كعب القرظي وغيره قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله ص يعني ليلة العقبة ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه ص على الهجرة إليهم اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال < أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم > قال فما لنا إذا فعلنا ذلك قال < الجنة > قالوا ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل هكذا الجنة والجنة فقط لم يقل النصر والعز والوحدة والقوة والتمكين والقيادة والمال والرخاء مما منحهم الله وأجراه على أيديهم فذلك كله خارج عن الصفقة وهكذا ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل لقد أخذوها صفقة بين متبايعين ; أنهي أمرها وأمضي عقدها ولم تعد هناك مساومة حولها وهكذا ربى الله الجماعة التي قدر أن يضع في يدها مقاليد الأرض وزمام القيادة وسلمها الأمانة الكبرى بعد أن تجردت من كل أطماعها وكل رغباتها وكل شهواتها حتى ما يختص منها بالدعوة التي تحملها والمنهج الذي تحققه والعقيدة التي تموت من أجلها فما يصلح لحمل هذه الأمانة الكبرى من بقي له أرب لنفسه في نفسه أو بقيت فيه بقية لم تدخل في السلم كافة
أعباء المنهج وشرط الطريق
وقبل ختام السورة يعود السياق إلى أهل الكتاب فيقرر أن فريقا منهم يؤمن إيمان المسلمين وقد انضم إلى موكب الإسلام معهم وسار سيرتهم وله كذلك جزاؤهم وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب إنه الحساب الختامي مع أهل الكتاب وقد ذكر من طوائفهم ومواقفهم فيما سبق من السورة الكثير ففي معرض الإيمان وفي مشهد الدعاء والاستجابة يذكر كذلك أن من أهل الكتاب من سلكوا الطريق وانتهوا إلى النهاية فآمنوا بالكتاب كله ولم يفرقوا بين الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد من رسله آمنوا بما أنزل إليهم من قبل وآمنوا بما أنزل للمسلمين وهذه سمة هذه العقيدة التي تنظر إلى موكب الإيمان نظرة القرب والود ; وتنظر إلى خط العقيدة موصولا بالله وتنظر إلى منهج الله في وحدته وكليته الشاملة ويبرز من سمات المؤمنين من أهل الكتاب سمة الخشوع لله وسمة عدم شرائهم بآياته ثمنا قليلا ليفرقهم بهذا من صفوف أهل الكتاب وسمتهم الأصيلة هي التبجح وقلة الحياء من الله ثم التزوير والكتمان لآيات الله لقاء أعراض الحياة الرخيصة ويعدهم أجر المؤمنين عند الله الذي لا يمطل المتعاملين معه حاشاه إن الله سريع الحساب ثم يجيء الإيقاع الأخير في نداء الله للذين آمنوا وتلخيص أعباء المنهج وشرط الطريق يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون إنه النداء العلوي للذين آمنوا نداؤهم بالصفة التي تربطهم بمصدر النداء والتي تلقي عليهم هذه الأعباء والتي تؤهلهم للنداء وتؤهلهم للأعباء وتكرمهم في الأرض كما تكرمهم في السماء يا أيها الذين آمنوا النداء لهم للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى وسياق السورة حافل بذكر الصبر وبذكر التقوى يذكر إن مفردين ويذكر إن مجتمعين وسياق السورة حافل كذلك بالدعوة إلى الاحتمال والمجاهدة ودفع الكيد وعدم الاستماع لدعاة الهزيمة والبلبلة ومن ثم تختم السورة بالدعوة إلى الصبر والمصابرة وإلى المرابطة والتقوى فيكون هذا أنسب ختام والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة إنه طريق طويل شاق حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء وبالإيذاء والابتلاء الصبر على أشياء كثيرة الصبر على شهوات النفس ورغائبها وأطماعها ومطامحها وضعفها ونقصها وعجلتها وملالها من قريب والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم وانحراف طباعهم وأثرتهم وغرورهم والتوائهم واستعجالهم للثمار والصبر على تنفج الباطل ووقاحة الطغيان وانتفاش الشر وغلبة الشهوة وتصعير الغرور والخيلاء والصبر على قلة الناصر وضعف المعين وطول الطريق ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ والحنق والضيق وضعف الثقة أحيانا في الخير وقلة الرجاء أحيانا في الفطرة البشرية ; والملل والسأم واليأس أحيانا والقنوط والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة واستقبال الرخاء في تواضع وشكر وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله واستسلام لقدره ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع والصبر على هذا كله وعلى مثله مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل لا تصوره حقيقة الكلمات فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق ; وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه والمصابرة وهي مفاعلة من الصبر مصابرة هذه المشاعر كلها ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين مصابرتها ومصابرتهم فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى أعدائهم من كوامن الصدور وأعدائهم من شرار الناس سواء فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر والدفع بالدفع والجهد بالجهد والإصرار بالإصرار ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارا وأعظم صبرا على المضي في الطريق والمرابطة الإقامة في مواقع الجهاد وفي الثغور المعرضة لهجوم الأعداء وقد كانت الجماعة المسلمة لا تغفل عيونها أبدا ولا تستسلم للرقاد فما هادنها أعداؤها قط منذ أن نوديت لحمل أعباء الدعوة والتعرض بها للناس وما يهادنها أعداؤها قط في أي زمان أو في أي مكان وما تستغني عن المرابطة للجهاد حيثما كانت إلى آخر الزمان إن هذه الدعوة تواجه الناس بمنهج حياة واقعي منهج يتحكم في ضمائرهم كما يتحكم في أموالهم كما يتحكم في نظام حياتهم ومعايشهم منهج خير عادل مستقيم ولكن الشر لا يستريح للمنهج الخير العادل المستقيم ; والباطل لا يحب الخير والعدل والاستقامة ; والطغيان لا يسلم للعدل والمساواة والكرامة ومن ثم ينهد لهذه الدعوة أعداء من أصحاب الشر والباطل والطغيان ينهد لحربها المستنفعون المستغلون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الاستنفاع والاستغلال وينهد لحربها الطغاة المستكبرون الذين لا يريدون أن يتخلوا عن الطغيان والاستكبار وينهد لحربها المستهترون المنحلون لأنهم لا يريدون أن يتخلوا عن الانحلال والشهوات ولا بد من مجاهدتهم جميعا ولا بد من الصبر والمصابرة ولا بد من المرابطة والحراسة كي لا تؤخذ الأمة المسلمة على غرة من أعدائها الطبيعيين الدائمين في كل أرض وفي كل جيل هذه طبيعة هذه الدعوة وهذا طريقها إنها لا تريد أن تعتدي ; ولكن تريد أن تقيم في الأرض منهجها القويم ونظامها السليم وهي واجدة أبدا من يكره ذلك المنهج وهذا النظام ومن يقف في طريقها بالقوة والكيد ومن يتربص بها الدوائر ومن يحاربها باليد والقلب واللسان ولا بد لها أن تقبل المعركة بكل تكاليفها ولا بد لها أن ترابط وتحرس ولا تغفل لحظة ولا تنام والتقوى التقوى تصاحب هذا كله فهي الحارس اليقظ في الضمير يحرسه أن يغفل ; ويحرسه أن يضعف ; ويحرسه أن يعتدي ; ويحرسه أن يحيد عن الطريق من هنا ومن هناك ولا يدرك الحاجة إلى هذا الحارس اليقظ إلا من يعاني مشاق هذا الطريق ; ويعالج الانفعالات المتناقضة المتكاثرة المتواكبة في شتى الحالات وشتى اللحظات إنه الإيقاع الأخير في السورة التي حوت ذلك الحشد من الإيقاعات وهو جماعها كلها وجماع التكاليف التي تفرضها هذه الدعوة في عمومها ومن ثم يعلق الله بها عاقبة الشوط الطويل وينوط بها الفلاح في هذا المضمار لعلكم تفلحون وصدق الله العظيم

و في الاخير اتمنى لكم الفائدة و الفوز بالجنه
و السلام عليكم[/size][/color][/align]