الوجيـه
13th December 2005, 11:21 AM
[align=center][color=#FF0000][size=5]سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان
التعريف بسورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة هو روحها وباعثها وهو قوامها وكيانها وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها وهو دستورها ومنهجها وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة كما يستمد منه الدعاة وسائل العمل ومناهج الحركة وزاد الطريق ولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي ; ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة ; ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض ; وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها ; وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها ; وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ; ويتنزل القرآن
حينئذ ليواجه هذا كله ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة مع نفسها التي بين جنبيها ومع أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما وفيما وراءهما كذلك أجل يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية وفي حياتها الواقعية وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة وهي تعثر وتنهض وتحيد وتستقيم وتضعف وتقاوم وتتألم وتحتمل وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة وفي صبر ومجاهدة تتجلى فيها كل خصائص الإنسان وكل ضعف الإنسان وكل طاقات الإنسان ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها تملك الاستجابة للقرآن والانتفاع بقيادته في ذات الطريق إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا وسنحس أنه معنا اليوم وغدا وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المقروء وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع ; كما أن كليهما كائن ليعمل والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه الشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها والقمر والأرض وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها وجدة هذا الدور في المحيط الكوني والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية وما يزال هو هو فالإنسان ما يزال هوهو كذلك ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان فيمن خاطبهم الله به خطاب لا يتغير لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا هذا نجم قديم رجعي يحسن أن يستبدل به نجم جديد تقدمي أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم رجعي يحسن أن يستبدل به كائن آخر تقدمي لعمارة هذه الأرض إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان وهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في السنة الثالثة وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية وفعل القرآن إلى جانب الأحداث في هذه الحياة وتفاعله معها في شتى الجوانب والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة ; وصورة الاشتباكات والملابسات التي أحاطت بهذه الحياة مع استبطان السرائر والضمائر وما يدب فيها من الخواطر وما يشتجر فيها من المشاعر حتي لكأن قارئها يعيش هذه الأحداث ويعايش الأمة التي كانت تخوضها وتتفاعل وإياها ولو أغمض الإنسان عينيه فلربما تراءت له كما تراءت لي شخوص الجماعة المسلمة رائحة غادية بسماتها الظاهرة على الوجوه ومشاعرها المستكنة في الضمائر ومن حولها أعداؤها يتربصون بها ويبيتون لها ويلقون بينها بالفرية والشبهة ويتحاقدون عليها ويجمعون لها ويلقونها في الميدان وينهزمون أمامها في أحد ثم يكرون عليها فيوقعون بها وكل ما يجري في المعركة من حركة وكل ما يصاحب حركاتها من انفعال باطن وسمة ظاهرة والقرآن يتنزل ليواجه الكيد والدس ويبطل الفرية والشبهة ويثبت القلوب والأقدام ويوجه الأرواح والأفكار ويعقب على الحادث ويبرز منه العبرة ويبني التصور ويزيل عنه الغبش ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر والكيد الماكر ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكن الصدور ومن وراء هذا كله تبقى التوجيهات والتلقينات التي احتوتها السورة خالصة طليقة من قيد الزمان والمكان وقيد الظروف والملابسات تواجه النفس البشرية وتواجه الجماعة المسلمة اليوم وغدا وتواجه الإنسانية كلها وكأنها تتنزل اللحظة لها وتخاطبها في شأنها الحاضر وتواجهها في واقعها الراهن ذلك أنها تتناول أمورا وأحداثا ومشاعر وجدانية وحالات نفسية كأنما كانت ملحوظة في سياق السورة بل هي ملحوظة قطعا في تقدير العليم الخبير بالنفوس والأشياء والأمور ومن ثم يتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وفي أي زمان وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور في هذه الفترة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول ص ومضت خطوة وراء الموقف الذي صورناه من قبل في هذه الظلال في مطلع استعراض سورة البقرة كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش وكان هذا النصر بظروفه التي تم فيها والملابسات التي أحاطت به تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة ومن ثم اضطر رجل كعبد الله بن أبي بن سلول من عظماء الخزرج أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ونبيه ص وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم ; وأن ينضم منافقا للجماعة المسلمة وهو يقول هذا أمر قد توجه أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يرده عنها راد
بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة أو تمت وأفرخت فقد كان هناك قبل بدر من اضطروا لمنافقة أهلهم الذين دخلوا في الإسلام وأصبحت مجموعة من الرجال ومن ذوي المكانة فيهم مضطرة إلى التظاهر بالإسلام والانضمام إلى المجتمع المسلم بينما هي تضمر في أنفسها الحقد والعداء للإسلام والمسلمين ; وتتربص بهم الدوائر ; وتتلمس الثغرات في الصف ; وتترقب الأحداث التي تضعضع قوى المسلمين أو تزعزع الصف المسلم ليظهروا كوامن صدورهم أو ليضربوا ضربة الإجهاز إذا كان ذلك في مكنتهم وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد وقد هددهم الإسلام تهديدا قويا في مكانتهم بين الأميين من العرب في المدينة ; وسد عليهم الثغرة التي كانوا ينفذون منها للعب بين الأوس والخزرج بعدما أصبحوا بنعمة الله إخوانا وفي ظل الإسلام صفا واحدا مرصوصا وقد غص اليهود وشرقوا بانتصار المسلمين في بدر وارتفع غليان حقدهم على الجماعة المسلمة وانطلقوا بكل ما يمكلون من دس وكيد وتآمر يحاولون تفتيت الصف الإسلامي وإلقاء الحيرة في قلوب المسلمين ونشر الشبهات والشكوك في عقيدتهم وفي أنفسهم على السواء وفي هذه الفترة وقع حادث بني قينقاع فوضح العداء وسفر على الرغم مما كان بين اليهود والنبي ص من مواثيق أبرمها معهم عقب مقدمه إلى المدينة كذلك كان المشركون موتورين من هزيمتهم في بدر يحسبون ألف حساب لانتصار محمد ص ومعسكر المدينة وللخطر الذي يتمثل إذن على تجارتهم وعلى مكانتهم وعلى وجودهم كذلك ومن ثم يتهيأون لدفع هذا الخطر الماحق قبل أن يصبح القضاء عليه مستحيلا وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم كذلك كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة غير متناسق تماما فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد والجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يسوي النتوءات ويوضح حقيقة الدعوة وحقيقة الظروف الملابسة لها وحقيقة منهجها العملي وتكاليفه كان للمنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي مكانتهم في المجتمع وروابطهم العائلية والقبلية لم تنفصم بعد ; ولم ينضج في نفوس المسلمين الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي أسرتهم وهي قبيلتهم وهي وشيجتهم التي لا وشيجة معها ومن ثم كانت هناك خلخلة في الصف الإسلامي بسبب وجود مثل هذه العناصر مندمجة في الصف مؤثرة في مقاديره كما يتجلى ذلك في أحداث غزوة أحد عند استعراض النصوص الخاصة بها في السورة وكان لليهود مكانتهم كذلك في المدينة وارتباطاتهم الاقتصادية والتعهدية مع أهلها ولم يتبين عداؤهم سافرا ولم ينضج في نفوس المسلمين كذلك الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي العهد وهي الوطن وهي أصل التعامل والتعاقد وأنه لا بقاء لصلة ولا وشيجة إذا هي تعارضت مع العقيدة ومن ثم كانت لليهود فرصة للتوجيه والتشكيك والبلبلة وكان هناك من يسمع لقولهم في الجماعة المسلمة ويتأثر به وكان هناك من يدفع عنهم ما يريد النبي ص أن ينزل بهم من إجراءات لدفع كيدهم عن الصف المسلم كما حدث في شفاعة عبد الله بن أبي في بني قينقاع وإغلاظه في هذا للرسول ص ومن ناحية أخرى كان المسلمون قد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل فقد خرج ذلك العدد القليل من المسلمين غير مزودين بعدة ولا عتاد إلا اليسير فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزر الباهر وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله ندرك اليوم طرفا من حكمته ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة لتأخذ بعد ذلك طريقها فأما المسلمون فلعلهم قد وقع في نفوسهم من هذا النصر أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق أليسوا بالمسلمين أليس أعداؤهم بالكافرين وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس وتكوين الصفوف وإعداد العدة واتباع المنهج والتزام الطاعة والنظام واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في غزوة أحد على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء وحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء على رأسهم حمزة رضي الله عنه وأرضاه وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة ويسقط في الحفرة ويغوص حلق المغفر في وجنته ص الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين ويسبق استعراض غزوة أحد وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب سواء منها ما هو ناشىء من انحرافاتهم هم في معتقداتهم وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة وتذكر عدة روايات أن الآيات من نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران اليمن الذي قدم المدينة في السنة التاسعة للهجرة ونحن نستبعد أن تكون السنة التاسعة هي زمن نزول هذه الآيات فواضح من طبيعتها وجوها أنها نزلت في الفترة الأولى من الهجرة حيث كانت الجماعة المسلمة بعد ناشئة وكان لدسائس اليهود وغيرهم أثر شديد في كيانها وفي سلوكها وسواء صحت رواية أن الآيات نزلت في وفد نجران أم لم تصح ; فإنه واضح من الموضوع الذي تعالجه أنها تواجه شبهات النصارى وبخاصة ما يتعلق منها بعيسى عليه السلام وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء به الإسلام وتصحح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بصدقها ولكن هذا الفصل يتضمن كذلك إشارات وتقريعات لليهود وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب وما كان يجاورهم في المدينة من أهل الكتاب ممن يمثل مثل هذا الخطر إلا اليهود وعلى أية حال فإن هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بين العقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها ويتحفزون من حولها ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل وفي أولها زعزعة العقيدة وهي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها إنهم هم هم الملحدون المنكرون والصهيونية العالمية والصليبية العالمية ومن مراجعة نصوص السورة يتبين أن الوسائل هي الوسائل كذلك ; والأهداف هي الأهداف ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة ومرجع هذه الأمة اليوم وغدا كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى وأنه لا يعرض عن استنصاح هذا الناصح واستشارة هذا المرجع في المعركة الناشبة اليوم إلا مدخول يعرض عن سلاح النصر في المعركة ; ويخدع نفسه أو يخدع الأمة لخدمة أعدائها القدامى المحدثين في غفلة بلهاء أو في خبث لئيم ومن خلال المناقشات والجدل والاستعراض والتوجيه في هذا المقطع الأول يتبين موقف أهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم من الجماعة المسلمة والعقيدة الجديدة ممثلا في أمثال هذه النصوص هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ أن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
وهكذا نرى أن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ; ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك ونثر الشبهات وتدبير المناورات كانوا يعمدون أولا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها ومنها قام وجودها فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تماما أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل ; ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها ; ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها ; ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان مرتكنة إلى ركنه سائرة على نهجه حاملة لرايته ممثلة لحزبه منتسبة إليه معتزة بهذا النسب وحده ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية ويحيد بها عن منهج الله وطريقه ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها ملتزمة بمنهجها مدركة لكيد أعدائها ومن ثم يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة والتشكيك فيها والتوهين من عراها استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة ولكن لنفس الغاية القديمة ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أولا كان يأخذ الجماعة المسلمة بالتثبيت على الحق الذي هي عليه ; وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب ; ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين ; ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين ويكشف لها نواياهم المستترة ووسائلهم القذرة وأهدافهم الخطرة وأحقادهم على الإسلام والمسلمين لاختصاصهم بهذا الفضل العظيم وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود فيبين لها هزال أعدائها وهوانهم على الله وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء كما يبين لها أن الله معها وهو مالك الملك المعز المذل وحده بلا شريك وأنه سيأخذ الكفار وهو تعبير هنا عن اليهود بالعذاب والنكال ; كما أخذ المشركين في بدر منذ عهد قريب وكانت هذه التوجيهات تتمثل في أمثال هذه النصوص الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ومن هذه الحملة الطويلة التي اقتطفنا منها هذه الآيات وتنوع توجيهاتها وتلقيناتها تتبين عدة أمور أولها ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها وعمق الكيد وتنوع أساليبه واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها وثانيها ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يتركها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب وثالثها هو ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها ; وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها ومن ثم اقتضت إرادة الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي الضخم البعيد المطارح لتراه الأجيال المسلمة قويا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين أما القطاع الثاني في السورة فهو خاص بغزوة أحد وهو يشتمل كذلك على تقريرات في حقائق التصور الإسلامي والعقيدة الإيمانية وعلى توجيهات في بناء الجماعة المسلمة على أساس تلك الحقائق إلى جانب استعراض الأحداث والوقائع والخواطر والمشاعر استعراضا يتبين منه بجلاء حالة الجماعة المسلمة يومها وقطاعاتها المختلفة التي أشرنا إليها في أول هذا التمهيد وعلاقة هذا المقطع بالمقطع الأول في السورة ظاهرة فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته في مجال المعركة والحديد ساخن كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية وإنه ليصعب استيفاء الحديث هنا عن طبيعة هذا المقطع ومحتوياته وقيمته في بناء العقيدة وبناء الجماعة ولما كان هذا المقطع يقع بجملته في الجزء الرابع من الظلال فلنرجىء الحديث عنه إلى هذا الجزء إن شاء الله ونمضي إلى ختام السورة بعد فصل غزوة أحد فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون كتاب الله المنظور وإيحاءاته للقلوب المؤمنة ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه وخشوع القلب وتقواه ثم تجيء الاستجابة من الله سبحانه فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب وفيه إشارة وعلاقة بغزوة أحد وأحداثها وآثارها ثم يذكر أهل الكتاب الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا وتختم السورة بدعوة المسلمين بإيمانهم إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا
ولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها تتناثر نقطها في السورة كلها وتتجمع وتتركز في مجموعها حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد أول هذه الخطوط بيان معنى الدين ومعنى الإسلام فليس الدين كما يحدده الله سبحانه ويريده ويرضاه هو كل اعتقاد في الله إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو الإسلام وهو في هذه الحالة الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب وهو في صميمه كتاب واحد وهو في صميمه دين واحد الإسلام بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل كل في زمانه متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة ; والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ نضرب له بعض الأمثلة في هذا التعريف المجمل الله لا إله إلا هو الحي القيوم شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وغيرها كثير فأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق ونضرب له كذلك بعض الأمثلة في هذا التعريف بالسورة حتى نواجهه مفصلا عند استعراض النصوص بالتفصيل والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا وغيرها كثير والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله ولا يتبعون منهجه في الحياة وقد أشرنا إلى هذا الخط من قبل ولكنه يحتاج إلى إبراز هنا بقدر ما هو بارز وأساسي في سياق السورة وهذه نماذج من هذا الخط العريض لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلخ لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلخ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر إلخ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد وغيرها كثير وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة في تقرير التصور الإسلامي وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه
والنصوص في مواضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء لقد نزلت في معمعان المعركة معركة العقيدة ومعركة الميدان المعركة في داخل النفوس والمعركة في واقع الحياة ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب من الحركة والتأثير والإيحاء فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل
الله والرسول والقرآن والإيمان في التصور الإسلامي
ألم هذه الأحرف المقطعة ألف لأم ميم نختار في تفسيرها على سبيل الترجيح لا الجزم ما اخترنا في مثلها في أول سورة البقرة إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ; وهي في متناول المخاطبين به من العرب ولكنه مع هذا هو ذلك الكتاب المعجز الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله إلخ وهذا الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور على سبيل الترجيح لا الجزم يتمشى معنا بيسر في إدراك مناسبات هذه الإشارة في شتى السور ففي سورة البقرة كانت الإشارة تتضمن التحدي الذي ورد في السورة بعد ذلك وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين إلخ فأما هنا في سورة آل عمران فتبدو مناسبة أخرى لهذه الإشارة هي أن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو وهو مؤلف من أحرف وكلمات شأنه في هذا شأن ما سبقه من الكتب السماوية التي يعترف بها أهل الكتاب المخاطبون في السورة فليس هناك غرابة في أن ينزل الله هذا الكتاب على رسوله بهذه الصورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل
من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي ص وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من الله كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمدا والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات الله وموقف أهل الزيغ والانحراف والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه وتضرعهم له ومعرفتهم بصفاته تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد سواء منها عقائد الملحدين والمشركين وعقائد أهل الكتاب المنحرفين يهودا أو نصارى على اختلاف مللهم ونحلهم جميعا كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديدا كاملا دقيقا الله لا إله إلا هو فلا شريك له في الألوهية الحي الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته القيوم الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود ; والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد ومفرق الطريق في الحياة والسلوك مفرق الطريق في التصور والاعتقاد بين تفرد الله سبحانه بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية سواء في ذلك تصورات المشركين وقتها في الجزيرة وتصورات اليهود والنصارى وبخاصة تصورات النصارى ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون عزير ابن الله كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم الكتاب المقدس يتضمن شيئا كهذا كما جاء في سفر التكوين الإصحاح السادس
فأما انحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم إن الله ثالث ثلاثة وقولهم إن الله هو المسيح بن مريم واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقد جاء في كتاب الدعوة إلى الإسلام تأليف أرنولد شيء عن هذه التصورات ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك يربط بين الولايات وحاضرة الدولة أما هرقل فقد بذل جهودا لم تصادف نجاحا كاملا في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا من القضاء عليه ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ; وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية وبينهم وبين الحكومة المركزية وكان مجمع خلقيدونية قد اعلن في سنة ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين لا اختلاط بينهما ولا تغير ولا تجزؤ ولا انفصال ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ; وتجتمع في أقنوم واحد وجسد واحد لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين بل متجمعة في أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة وقالوا إنه مركب الأقانيم له كل الصفات الإلهية والبشرية ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة ففي الوقت الذي نجد فيه هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد فالمسيح الواحد الذي هو ابن الله يحقق الجانب الإنساني والجانب الإلهي بقوة إلهية إنسانية واحدة ومعنى هذا أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جدا ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام ذلك بأن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء كذلك يقول باحث مسيحي آخر هو كانون تايلور عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة أما انحرافات عقائد المشركين فقد حكى القرآن عنها عبادتهم للجن والملائكة والشمس والقمر والأصنام وكان أقل عقائدهم انحرافا عقيدة من يقولون عن هذه الآلهة ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
فأمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة الله لا إله إلا هو الحي القيوم فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي لا إله إلا هو الحي الواحد الذي لا حي غيره القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله لا في شريعة أو نظام ولا في أدب أو خلق ولا في اقتصاد أو اجتماع ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شؤون الحياة وما بعد الحياة أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار ولا حدود لحرام أو حلال ولا لخطأ أو صواب في شرع أو نظام في أدب أو خلق وفي معاملة أو سلوك فكلها كلها إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي وإليها التوجه ولها الطاعة والعبودية والاستسلام ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق الله لا إله إلا هو الحي القيوم ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية لا لطبيعة الاعتقاد وحده فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة من تلقي الشريعة والتوحيد من الله في كل شأن من شؤون الحياة والتوجه كذلك إلى الله في كل نشاط وكل اتجاه وعقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق بإعلان الوحدانية المطلقة لذات الله وصفاته يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام وتتضمن هذه الآية في شطرها الأول جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد ص وصحة ما جاء به من عند الله فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل فالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم هو الذي
نزل هذا القرآن عليك كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده وهناك عبيد يتلقون وهم عبيد لله ولو كانوا أنبياء مرسلين وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق الذي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله فهذا الكتاب نزله عليك بالحق مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكلها تستهدف غاية واحدة هدى للناس وهذا الكتاب الجديد فرقان بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية التي رأينا نموذجا منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت و آرنولد في كتاب الدعوة إلى الإسلام وهي تقرر ضمنا أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله يضم جناحيه على الحق الذي تضم جوانحها عليه وقد نزله من يملك تنزيل الكتب فهو منزل من الجهة التي لها الحق في وضع منهاج الحياة للبشر وبناء تصوراتهم الاعتقادية وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد وهو فرقان واضح مبين هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد وفي صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء فلا خفاء عليه ولا إفلات منه إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء وإثبات هذه الصفة لله سبحانه في هذا المقام هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة فلن يفلت شيء من علم الله في الأرض ولا في السماء بهذا الشمول والإطلاق ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه ولا إخفاء الكيد عنه ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق ولا التهرب من العلم اللطيف العميق وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة تتعلق بالنشأة الإنسانية النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هكذا يصوركم يمنحكم الصورة التي يشاء ; ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة وهو وحده
الذي يتولى التصوير بمحض إرادته ومطلق مشيئته كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير الحكيم الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده فالله هو الذي صور عيسى كيف يشاء لا أن عيسى هو الرب أو هو الله أو هو الابن أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل ليصوغوا حولها الشبهات ; ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول ص ألست تقول عن المسيح إنه كلمة الله وروحه يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى عليه السلام وأنه ليس من البشر إنما هو روح الله على ما يفهمون هم من هذا التعبير بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور فنزلت فيهم هذه الآية تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة وترك النصوص التجريدية القاطعة على أن نص الآية اعم من هذه المناسبة ; فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه ص متضمنا حقائق التصور الإيماني ومنهاج الحياة الإسلامية ; ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة مدركة المقاصد وهي أصل هذا الكتاب وأما السمعيات والغيبيات ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر الحق ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود وهنا يختلف الناس حسب استقامة فطرتهم أو زيغها في استقبال هذه الآيات وتلك فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة ويجرون وراء المتشابه الذي يعول في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره والتسليم بأنه هو الذي يعلم الحق كله بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله وما يعلم تأويله إلا الله وأما الراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة آمنا به كل من عند ربنا يدفعهم إلى هذه الطمأنينة أنه من عند ربهم فهو إذن حق وصدق وما يقرره الله صادق بذاته وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ; لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء وأن ما لم يدركوه لا وجود له ; أو يفرضون إدراكهم على الحقائق فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم صاغتها عقولهم المحدودة أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه وما يذكر إلا أولو الألباب وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منيب أن يثبتهم على الحق وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه والميعاد الذي لا خلف له ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم ; وهو الحال اللائق بالإيمان ; المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده ; والثقة بكلمته وعهده ; والمعرفة برحمته وفضله ; والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب ; والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده
قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال ووهبتهم هذا العطاء الذي لا يعدله عطاء وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ص كثيرا ما يدعو < يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك > قلت يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء فقال < ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه > ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة وأن يتشبث بحماه في إصرار وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله لاستبقاء الكنز الذي وهبه والعطاء الذي أولاه
سنة الله في أخذ الذين كفروا بذنوبهم
بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب ويقفون لهذا الدين ويلقن الرسول ص أن ينذرهم ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل ولكن هذا لا يمنحهم حقا خاصا إذا هم ضلوا وكفروا ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين انجاهم الله منهم كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر وهم كفار ليقول لهم إن سنة الله لا تتخلف وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش فالعلة هي الكفر وليس لأحد على الله دالة ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح
إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية ; ولكنهما لا يغنيان شيئا في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه لأنه لا إخلاف لميعاد الله وهم فيه وقود النار بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص الإنسان ومميزاته ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر وقود النار لا بل إن الأموال والأولاد ومعهما الجاه والسلطان لا تغني شيا في الدنيا كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب وهو مثل مضى في التاريخ مكرورا وقصة الله في هذا الكتاب تفصيلا وهو يمثل سنة الله في المكذبين بآياته يجريها حيث يشاء فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات الله وإذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد ص وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء ومن ثم يلقن الرسول ص أن ينذرهم هذا المصير في الدارين وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وقوله تعالى يرونهم مثليهم رأي العين يحتمل تفسيرين فإما أن يكون ضمير يرون راجعا إلى الكفار وضمير هم راجعا إلى المسلمين ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين مثليهم وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم وإما أن يكون العكس ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين مثليهم هم في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم ومع هذا ثبتوا وانتصروا والمهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم وكان الموقف كما ذكرنا في التمهيد للسورة يقتضي هذا وذاك وكان القرآن يعمل هنا وهناك وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله قائم في كل لحظة ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة ولو قل عددها قائم كذلك في كل لحظة وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ وسنة ماضية لم تتوقف وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ; وتثق في ذلك الوعد ; وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة ; وتصبر حتى يأذن الله ; ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله المدبر بحكمته المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
ولا بد من بصر ينظر وبصير تتدبر لتبرز العبرة وتعيها القلوب وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار
تربية القرآن للنفس البشرية
وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ; إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ; وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ; وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى إن الاستغراق في شهوات الدنيا ورغائب النفوس ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ; ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ; ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ; ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ; ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ; واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض ولما كانت هذه الرغائب والدوافع مع هذا طبيعية وفطرية ومكلفة من قبل الباريء جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ولكن إلى ضبطها وتنظيمها وتخفيف حدتها واندفاعها ; وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ; وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي هذه الرغائب والدافع ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام وهي خلاصة للرغائب الأرضية إما بذاتها وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة وفوقها رضوان من الله وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذي يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار زين للناس وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ; فهو محبب ومزين وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات وهو جزء من تكوينه الأصيل لا حاجة إلى إنكاره ولا إلى استنكاره في ذاته فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ; وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات الحد الباني للنفس وللحياة ; مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي
تهتف إليه النفحة العلوية وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول وينقيه من الشوائب ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة والاتجاه إلى الله وتقواه هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة زين للناس حب الشهوات فهي شهوات مستحبة مستلذة ; وليست مستقذرة ولا كريهة والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها ; إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها ووضعها في مكانها لا تتعداه ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غير استغراق ولا إغراق وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها ومحاولة تهذيبها ورفعها لا كبتها وقمعها والذين يتحدثون في هذه الأيام عن الكبت واضراره وعن العقد النفسية التي ينشئها الكبت والقمع يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو الكبت وليس هو الضبط وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين ضغط من شعوره الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا فهي خطيئة ودافع شيطاني وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية لا تتم إلا بها ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون العقد النفسية فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية بين نوازع الشهوة واللذة وأشواق الارتفاع والتسامي وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية وقد قرن اليهما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ونهم المال هو الذي ترسمه القناطير المقنطرة ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال والأموال أو والذهب والفضة ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة ذلك أن التكديس ذاته شهوة بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة الخيل المسومة والخيل كانت وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم زينة محببة مشتهاة ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة وفيها ذكاء وألفة ومودة وحتى الذين لا يركبونها فروسية يعجبهم مشهدها ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع الأنعام والحقول المخصبة والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفت
إليه شهوة الملك كان الحرث والأنعام شهوة وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ; ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ولا تطغى على ما سواه ذلك متاع الحياة الدنيا ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات متاع الحياة الدنيا لا الحياة الرفيعة ولا الآفاق البعيدة متاع هذه الأرض القريب فأما من أراد الذي هو خير خير من ذلك كله خير لأنه أرفع في ذاته وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ويؤمر الرسول ص أن يبشر به المتقين هو نعيم حسي في عمومه ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات وأن تنساق فيها كالبهيمة فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة ويرتفعون بالتطلع إليه وهم في هذه الأرض قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا وفيه زيادة فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها لا كالحرث المحدود الميقات وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين ففي الآخرة أزواج مطهرة وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة فأما الخيل المسومة والأنعام وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع هنالك رضوان من الله رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان والله بصير بالعباد بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة ثم وصف لهؤلاء العباد يصور حال المتقين مع ربهم الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين
والمنفقين والمستغفرين بالأسحار وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم فهو إعلان للإيمان وشفاعة به عند الله وطلب للغفران وتوق من النيران وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى وثبات على تكاليف الدعوة وأداء لتكاليف الحق وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر وقبول لحكمه ورضاء وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود وترفع عن الضعف ; فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ; وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ; وانفلات من ربقة الشح ; وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ; وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة ولفظة الأسحار بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ; وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون المنفقون المستغفرون بالأسحار لهم رضوان من الله وهم أهل لهذا الرضوان ظله الندي ومعناه الحاني وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة وفي رفق ورحمة وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها وفي مراعاة لضعفها وعجزها وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ودون ما كبت ولا إكراه ودون ما وقف لجريان الحياة فطرة الله ومنهج الله لهذه الفطرة والله بصير بالعباد
مقتضيات حقيقة التوحيد
وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد توحيد الألوهية والقوامة وتوحيد الكتاب والرسالة ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ من آيات الله وكتابه ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ; ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله فالآن وإلى نهاية هذا الدرس نجدنا أمام حقيقة أخرى هي مقتضى الحقيقة الأولى فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها يبدأ بشهادة الله سبحانه إنه لا إله إلا هو وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون
وما دام الله متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله ; واستسلام العبيد لإلههم وطاعتهم للقيوم عليهم واتباعهم لكتابه ولرسوله ص ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام فهو لا يقبل دينا سواه من أحد الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل ; ولا مجرد تصديق في القلب إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله وطاعتهم لما يحكم به واتباعهم لرسوله في منهجه وهكذا يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم إذ يدعون أنهم على دين الله ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون مما ينقض دعوى التدين من الأساس فلا دين يقبله الله إلا الإسلام ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله واتباع لمنهجه وتحكيم لكتابه في أمور الحياة ويكشف عن علة هذا الإعراض الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية القسط في الجزاء يوم الحساب ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات معتمدين على أنهم أهل كتاب وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وهو غرور خادع فما هم بأهل كتاب وما هم بمؤمنين أصلا وما هم على دين الله إطلاقا ; وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة الدين الإسلام والإسلام التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه فمن لم يفعل فليس له دين وليس مسلما ; وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر كل يحدده أو يعرفه كما يشاء لا بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله فليس من الله في شيء ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله ولو ادعوا أنهم على دين الله ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه ويضيف السياق إلى التحذير التبصير تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود فالله وحده هو السيد المتصرف مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما ; ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة مما اقتضى هذا التفسير والتحذير كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة القوى إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة
ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة إن الإسلام هو طاعة الله والرسول وإن الطريق إلى الله هو طريق الأتباع للرسول وليس مجرد الاعتقاد بالقلب ولا الشهادة باللسان قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين فإما طاعة واتباع يحبه الله وإما كفر يكرهه الله وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين فلنأخذ في التفصيل بعد هذا الإجمال
التوحيد والإسلام وكفر من اتبع غيره
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام حقيقة التوحيد توحيد الألوهية وتوحيد القوامة القوامة بالقسط وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم وشهادة الله سبحانه أنه لا إله إلا هو هي حسب كل من يؤمن بالله وقد يقال إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله وأن من يؤمن بالله ليس في حاجة إلى هذه الشهادة ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابنا وشريكا بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن الله سبحانه شهد أنه لا إله إلا هو فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم على أن الأمر كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم أعمق من هذا وأدق فإن شهادة الله سبحانه بأنه لا إله إلا هو مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها ; وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام لا اعتقادا وشعورا فحسب ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون إنهم يؤمنون بالله ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه ; وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله ولا تستقيم مع شهادة الله سبحانه بأنه لا إله إلا هو وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر الله وحدها والتلقي عن الله وحده والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال متى ثبت لهم أنها من عنده وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة تصديق وطاعة واتباع واستسلام وشهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله يصاحبها شهادتهم بأنه تعالى قائم بالقسط بوصفها حالة ملازمة للألوهية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة
الله لا إله إلا هو الحي القيوم فهي قوامة بالقسط وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط وهو العدل فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس وبينه في كتابه وإلا فلا قسط ولا عدل ولا استقامة ولا تناسق ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية والتأرجح بين هذا وذاك ; والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله وحكم في حياة الناس كتاب الله وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر لازمه جهل البشر وقصور البشر كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور ظلم الفرد للجماعة أو ظلم الجماعة للفرد أو ظلم طبقة لطبقة أو ظلم أمة لأمة أو ظلم جيل لجيل وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء وهو إله جميع العباد وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء لا إله إلا هو العزيز الحكيم يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها وصفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية فلا سلبية في التصور الإسلامي لله وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف الله لنفسه سبحانه وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادته وفعله فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة نتيجتها الطبيعية الوهية واحدة فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ألوهية واحدة وإذن فدينونة واحدة واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله ألوهية واحدة وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ; وفي تطويعهم لأمرها ; وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ; وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ; وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها ألوهية واحدة وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده عقيدة التوحيد الخالص الناصع ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا
إن الدين عند الله الإسلام الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى وليس مجرد راية وليس مجرد كلمة تقال باللسان ; ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ; ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام لا فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه إنما الإسلام الاستسلام الإسلام الطاعة والاتباع الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل والإسلام توحيد الألوهية والقوامة بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله سبحانه وذات المسيح عليه السلام كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله وتفرد الألوهية وبطبيعة البشرية وحقيقة العبودية ولكنهم إنما اختلفوا بغيا بينهم واعتداء وظلما ; حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية وهذا هو البغي أشنع البغي عن قصد وعن علم ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ; وهدد الكافرين بسرعة الحساب ; كي لا يكون الإمهال إلى أجل مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف ثم لقن نبيه ص فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا ليحسم الأمر معهم عن بينة ويدع أمرهم بعد ذلك لله ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وأن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع وإما مماحكة ومداورة وإذن فلا توحيد ولا إسلام ومن ثم يلقن الله تعالى رسوله ص كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته فإن حاجوك أي في التوحيد وفي الدين فقل أسلمت وجهي لله أنا ومن اتبعن والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا فليس هو مجرد التصديق إنما هو الأتباع كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزى
كذلك فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان إنما هو كذلك الاستسلام استسلام الطاعة والاتباع وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب هذا اعتقاد محمد ص ومنهج حياته والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فهم سواء هؤلاء وهؤلاء المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله ووحدة الألوهية ووحدة القوامة مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة فإن أسلموا فقد اهتدوا فالهدى يتمثل في صورة واحدة هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته وليس هنالك صورة أخرى ولا تصور آخر ولا وضع آخر ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء وإن تولوا فإنما عليك البلاغ فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية حيث لا إكراه على الاعتقاد والله بصير بالعباد يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه وأمرهم إليه على كل حال ولكنه لا يدعهم حتى يبين لهم مصيرهم الذي ينتظرهم وينتظر أمثالهم وفق سنة الله الماضية أبدا في المكذبين والبغاة إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين فهذا هو المصير المحتوم عذاب اليم لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة فهو متوقع هنا وهناك وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتا مسموما توطئة لهلاكها وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام وذكر الكفر بآيات الله مصحوبا بقتل النبيين بغير حق وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجها لليهود فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجها للنصارى كذلك فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من
أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع وكثير ما هم في كل زمان ويحسن أن نتذكر دائما ماذا يعني القرآن بوصف الذين يكفرون بآيات الله فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية وقصر العبودية عليها وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين فمن جعل لغير الله شيئا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته ولو قالها ألف مرة باللسان وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام
كفر أهل الكتاب وبعض مزاعمهم
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب موقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى وكل منهما نصيب من الكتاب باعتبار أن كتاب الله هو كل ما أنزل على رسله وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته فهو كتاب واحد في حقيقته أوتي اليهود نصيبا منه وأوتي النصارى نصيبا منه وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله ومصدقا لما بين يديه من الكتاب سؤال التعجيب من هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ثم هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم في خلافاتهم وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم فلا يستجيبون جميعا لهذه الدعوة إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب الله وشريعته الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب الله ; والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم لا كلهم عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة فكيف بمن يقولون إنهم مسلمون ثم يخرجون شريعة الله من حياتهم كلها ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون إنه مثل يضربه الله للمسلمين أيضا كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام ; ويحذروا أن يكونوا موضعا لتعجيب الله وتشهيره بهم فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدعوا الإسلام حين يعرض فريق منهم عن التحاكم إلى كتاب الله فكيف يكون الاستنكار إذا كان المسلمون هم الذين يعرضون هذا الاعراض إنه العجب الذي لا ينقضي والبلاء الذي لا يقدر والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة الله والعياذ بالله ثم يكشف عن علة هذا الموقف المستنكر المتناقض ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون هذا هو السبب في الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله ; والتناقض مع دعوى الإيمان ودعوى أنهم أهل كتاب إنه عدم الاعتقاد بجدية الحساب يوم القيامة وجدية القسط الإلهي الذي لا يحابي ولا يميل يتجلى
هذا في قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وإلا فلماذا لا تمسهم النار إلا أياما معدودات لماذا وهم ينحرفون أصلا عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب الله لماذا إذا كانوا يعتقدون حقا بعدل الله بل إذا كانوا يحسون أصلا بجدية لقاء الله إنهم لا يقولون إلا افتراء ثم يغرهم هذا الافتراء وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء الله والشعور بحقيقة هذا اللقاء مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من الله مع الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون وفيهم من يتبجحون ويتوقحون ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية بل العائلية ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيرا من المعاصي ثم يساقون إلى الجنة أليسوا مسلمين إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين وتملصهم من حقيقته التي يرضاها الله الإسلام الاستسلام والطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده في كل شأن من شؤون الحياة فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون كيف إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء الله وجدية عدل الله ; ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة وهو بعد تهديد قائم للجميع مشركين وملحدين وأهل كتاب ومدعي إسلام فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلام فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وجرى العدل الإلهي مجراه ووفيت كل نفس ما كسبت بلا ظلم ولا محاباة وهم لا يظلمون كما أنهم لا يحابون في حساب الله سؤال يلقى ويترك بلا جواب وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب
حقيقة الألوهية في الكون والإنسان
بعدئذ يلقن رسول الله ص وكل مؤمن أن يتجه إلى الله مقررا حقيقة الألوهية الواحدة وحقيقة القوامة الواحدة في حياة البشر وفي تدبير الكون فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك لله فيها ولا شبيه قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب
نداء خاشع في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس ; وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفا من شأن الكون الكبير الذي يصرفه الله ; وأن الدينونة لله وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس ; وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء إنها الحقيقة الناشئة من حقيقة الألوهية الواحدة إله واحد فهو المالك الواحد هو مالك الملك بلا شريك ثم هو من جانبه يملك من يشاء ما يشاء من ملكه يملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عندما يشاء فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط المملك الأصلي وتعليماته ; فإذا تصرف المستعير فيها تصرفا مخالفا لشرط المالك وقع هذا التصرف باطلا وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل وكذلك هو يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه وبلا مجير عليه وبلا راد لقضائه فهو صاحب الأمر كله بما أنه سبحانه هو الله وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من دون الله وفي قوامة الله هذه الخير كل الخير فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات ; وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على تحقيق هذا الخير في كل حال بيدك الخير إنك على كل شيء قدير وهذه القوامة على شؤون البشر وهذا التدبير لأمرهم بالخير ليس إلا طرفا من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ; وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ; وترزق من تشاء بغير حساب والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس هذه الحركة الخفية المتداخلة حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ; وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال متى القى القلب إليها انتباهه واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء شيئا فشيئا يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار وشيئا فشيئا يتنفس الصبح في غيابة الظلام شيئا فشيئا يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء وشيئا فشيئا يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة ; ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير
كذلك الحياة والموت يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة خلايا حية منه تموت وتذهب وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل وما ذهب منه ميتا يعود في دورة أخرى إلى الحياة وما نشأ فيه حيا يعود في دورة أخرى إلى الموت هذا في كيان الحي الواحد ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئا ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك حركة خفية عميقة لطيفة هائلة تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري ; وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدبر وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير ثم أنى يتخذ بعضهم بعضا عبيدا ويتخذ بعضهم بعضا أربابا ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال وترزق من تشاء بغير حساب إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى حقيقة الألوهية الواحدة حقيقة القوامة الواحدة وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم مالك الملك المعز المذل المحيي المميت المانح المانع المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال
حرمة موالاة الكفار
هذه اللمسة تؤكد الاستنكار الذي سبق في الفقرة الماضية لموقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ثم هم يتولون ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله المتضمن لمنهج الله للبشر بينما منهج الله يدبر أمر الكون كله وأمر البشر وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول والأمر كله بيد الله وهو ولي المؤمنين دون سواه لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله والقوة كلها لله والتدبير كله لله والرزق كله بيد الله فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو وإلى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة سواء كانت الموالاة بمودة القلب أو بنصره أو باستنصاره سواء لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء
هكذا ليس من الله في شيء لا في صلة ولا نسبة ولا دين ولا عقيدة ولا رابطة ولا ولاية فهو بعيد عن الله منقطع الصلة تماما في كل شيء تكون فيه الصلات ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية فما يجوز هذا الخداع على الله ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب وإشعارها أن عين الله عليها وأن علم الله يتابعها قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير وهو إمعان في التحذير والتهديد واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة فلا ملجأ منها ولا نصرة ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب ; الذي لا يند فيه عمل ولا نية ; والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري وتحاصره برصيده من الخير والسوء وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد ويود ولكن لات حين مودة لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمدا بعيدا أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمدا بعيدا بينما هو في مواجهته آخذ بخناقه ولات حين خلاص ولات حين فرار ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري فيكرر تحذير الله للناس من نفسه سبحانه ويحذركم الله نفسه ويذكرهم رحمته في هذا التحذير والفرصة متاحة قبل فوات الأوان والله رؤوف بالعباد ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير وهو دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد وتشي هذه الحملة الضخمة المنوعة الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات بما كان واقعا في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميع العلاقات بين أفراد من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود تحت دوافع القرابة أو التجارة على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العقيدة وحدها وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقا
كذلك يشي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق والتحرر من تلك القيود والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى من لا يحاربه في دينه ولو كان على غير دينه ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى الولاء ارتباط وتناصر وتواد وهذا لا يكون في قلب يؤمن بالله حقا إلا للمؤمنين الذين يرتبطون معه في الله ; ويخضعون معه لمنهجه في الحياة ; ويتحاكمون إلى كتابه في طاعة واتباع واستسلام
الفرق بين الإيمان والكفر حب الله وطاعة الرسول
وأخيرا يجيء ختام هذا الدرس قويا حازما حاسما في القضية التي يعالجها والتي تمثل أكبر الخطوط العريضة الأساسية في السورة يجيء ليقرر في كلمات قصيرة حقيقة الإيمان وحقيقة الدين ويفرق تفريق حاسما بين الإيمان والكفر في جلاء لا يحتمل الشبهات قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين إن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان إلا أن يصاحبه الأتباع لرسول الله والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة وإن الإيمان ليس كلمات تقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تقام ولكنه طاعة لله والرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول يقول الإمام ابن كثير في التفسير عن الآية الأولى هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ص أنه قال < من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد > ويقول عن الآية الثانية قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويقول الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد في هدى خير العباد ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ص بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها حقيقة الطاعة لشريعة الله والاتباع لرسول الله والتحاكم إلى كتاب الله وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها وتطوعهم لأمرها وتنفذ فيهم شرعها وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية لله وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعا كما أن الحاكمية لله وحده في تدبير أمر الكون كله وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة كما رأينا في صورة ناصعة كاملة شاملة لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلما إن الدين عند الله الإسلام وهذا وحده هو الإسلام كما شرعه الله لا كما تصوره المفتريات
قصة ولادة مريم وطفولتها
يبدأ هذا القصص ببيان من اصطفاهم الله من عباده واختارهم لحمل الرسالة الواحدة بالدين الواحد منذ بدء الخليقة ليكونوا طلائع الموكب الإيماني في شتى مراحله المتصلة على مدار الأجيال والقرون فيقرر أنهم ذرية بعضها من بعض وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب وإن كان نسب الجميع يلتقي في آدم ونوح فهي أولا رابطة الاصطفاء والاختيار الإلهي ; ونسب هذه العقيدة الموصول في ذلك الموكب الإيماني الكريم إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين ; وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحا بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهيم قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم إنما هي وراثة العقيدة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب وهو إسرائيل كما ذكر آل عمران ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم كما سيأتي في الدرس التالي فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى في هذا المقام أو ذكر يعقوب ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم ; وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند لله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وقصة النذر تكشف لنا عن قلب امرأة عمران أم مريم وما يعمره من إيمان ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذي تحمله في بطنها خالصا لربها محررا من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح فما يتحرر حقا إلا من يخلص لله كله ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولك شيء ولكل قيمة فلا تكون عبوديته إلا لله وحده فهذا هو التحرر إذن وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه أو في مجريات حياته أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران بأن يتقبل ربها منها نذرها وهو فلذة كبدها ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله والتوجه إليه كلية والتحرر من كل قيد والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ولكنها وضعتها أنثى ; ولم تضعها ذكرا فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا ; فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان ليخدموا الهيكل وينقطعوا للعبادة والتبتل ولكن ها هي ذي تجدها أنثى فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة وليس الذكر كالأنثى ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال وإني سميتها مريم وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه يحدثه بما في نفسه وبما بين يديه ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم حال الود والقرب والمباشرة والمناجاة البسيطة العبارة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد مناجاة من يحس أنه يحدث قريبا ودودا سميعا مجيبا وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها وتدعها لحمايته ورعايته وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم وهذه كذلك كلمة القلب الخالص ورغبة القلب الخالص فما تود لوليدتها أمرا خيرا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم وهذا التجرد الكامل في النذر وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح وكلمة الله وأن تلد عيسى عليه السلام على غير مثال من ولادة البشر وكفلها زكريا أي جعل كفالتها له وجعله أمينا عليها وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل ونشأت مباركة مجدودة يهيىء لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا حتى ليعجب كافلها وهو نبي من فيض الرزق فيسألها كيف ومن أين هذا كله فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله وتفويض الأمر إليه كله هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه والتواضع في الحديث عن هذا السر لا التنفج به والمباهاة كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى
قصة تبشير زكريا بيحيى
عندئذ تحركت في نفس زكريا الشيخ الذي لم يوهب ذرية تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية الرغبة في الذرية في الامتداد في الخلف الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ; واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار
وكذلك نجدنا أمام حادث غير عادي يحمل مظهرا من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية وعدم تقيدها بالمألوف للبشر الذي يحسبه البشر قانونا لا سبيل إلى إخلافه ; ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون فإذا لم يستطيعوا تكذيبه لأنه واقع صاغوا حوله الخرافات والأساطير فها هو ذا زكريا الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة فيتوجه إلى ربه يناجيه ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن ولا تتقيد بمألوف الناس ; لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ; ويملك الإجابة حين يشاء وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر اسمه معروف قبل مولده ; يحيى ; وصفته معروفة كذلك سيدا كريما وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات ويملك زمام نزعاته من الانفلات ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله ونبيا صالحا في موكب الصالحين لقد استجيبت الدعوة ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا ثم يحسبون أن مشيئة الله سبحانه مقيدة بهذا القانون وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا لا مطلقا ولا نهائيا فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله فلا يخبط في التيه بلا دليل وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه وهل زكريا إلا إنسان على كل حال واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر وجاءه الجواب جاءه في بساطة ويسر يرد الأمر إلى نصابه ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها ولا غرابة في كونها قال كذلك الله يفعل ما يشاء كذلك فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائما على هذا النحو ; ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة ولا يتدبرون الصنعة ولا يستحضرون الحقيقة
كذلك بهذا اليسر وبهذه الطلاقة يفعل الله ما يشاء فماذا في أن يهب لزكريا غلاما وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها ويتخذون منها قانونا فأما بالقياس إلى الله فلا مألوف ولا غريب كل شيء مرده إلى توجه المشيئة والمشيئة مطلقة من كل القيود ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى ولدهشة المفاجأة في نفسه راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها قال رب اجعل لي آية هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي ; فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس ; وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه قال آيتك إلا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ويسكت السياق هنا ونعرف أن هذا قد كان فعلا فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره لسانه هذا هو لسانه ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه أي قانون يحكم هذه الظاهرة إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر
كلام الملائكة مريم والدلالة على الوحي
وكأنما كانت هذه الخارقة تمهيدا في السياق لحادث عيسى الذي انبثقت منه كل الأساطير والشبهات وإن هو إلا حلقة من سلسلة في ظواهر المشيئة الطليقة فهنا يبدأ في قصة المسيح عليه السلام وإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والقنوت والعبادة وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين وأي اصطفاء وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة كما تلقاها أول هذه الخليقة آدم وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها إنه الاصطفاء للأمر المفرد في تاريخ البشرية وهو بلا جدال أمر عظيم ولكنها حتى ذلك الحين لم تكن تعلم ذلك الأمر العظيم والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى وذلك لما لابس مولد عيسى عليه السلام من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سرا لا يشرف قبحهم الله وهنا تظهر عظمة هذا الدين ; ويتبين مصدره عن يقين فها هو ذا محمد ص رسول الإسلام الذي يلقى من أهل الكتاب ومنهم النصارى ما يلقى من التكذيب والعنت والجدل والشبهات ها هو ذا يحدث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة وتفضيلها على نساء العالمين بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الآفاق وهو في معرض مناظرة مع القوم الذين يعتزون بمريم ويتخذون من تعظيمها مبررا لعدم إيمانهم بمحمد وبالدين الجديد أي صدق وآية عظمة وأية دلالة على مصدر هذا الدين وصدق صاحبه الأمين إنه يتلقى الحق من ربه ; عن مريم وعن عيسى عليه السلام ; فيعلن هذا الحق في هذا المجال ولو لم يكن رسولا من الله الحق ما أظهر هذا القول في هذا المجال بحال يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين طاعة وعبادة وخشوع وركوع وحياة موصولة بالله تمهيدا للأمر العظيم الخطير وعند هذا المقطع من القصة وقبل الكشف عن الحدث الكبير يشير السياق إلى شيء من حكمة مساق القصص إنه إثبات الوحي الذي ينبىء النبي ص بما لم يكن حاضره من أنباء الغيب في هذا الأمر ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون وهي إشارة إلى ما كان من تسابق سدنة الهيكل إلى كفالة مريم حين جاءت بها أمها وليدة إلى الهيكل وفاء لنذرها وعهدها مع ربها والنص يشير إلى حادث لم يذكره العهد القديم ولا العهد الجديد المتداولان ; ولكن لا بد أنه كان معروفا عند الأحبار والرهبان حادث إلقاء الأقلام أقلام سدنة الهيكل لمعرفة من تكون مريم من نصيبه والنص القرآني لا يفصل الحادث ربما اعتمادا على أنه كان معروفا لسامعيه أو لأنه لا يزيد شيئا في أصل الحقيقة التي يريد عرضها على الأجيال القادمة فلنا أن نفهم أنهم اتفقوا على طريقة خاصة بواسطة إلقاء الأقلام لمعرفة من هي من نصيبه على نحو ما نصنع في القرعة مثلا وقد ذكرت بعض الروايات أنهم ألقوا بأقلامهم في نهر الأردن فجرت مع التيار إلا قلم زكريا فثبت وكانت هذه هي العلامة بينهم فسلموا بمريم له وكل ذلك من الغيب الذي لم يكن الرسول ص حاضره ولم يبلغ إلى علمه فربما كان من أسرار الهيكل التي لا تفشى ولا تباح للإذاعة بها فاتخذها القرآن في مواجهة كبار أهل الكتاب وقتها دليلا على وحي من الله لرسوله الصادق ولم يرد أنهم ردوا هذه الحجة ولو كانت موضع جدال لجادلوه ; وهم قد جاءوا للجدال
خلق عيسى بن مريم ونبوته
والأن نجيء إلى مولد عيسى العجيبة الكبرى في عرف الناس والشأن العادي للمشيئة الطليقة إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ; ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ; وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ; وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوارة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
لقد تأهلت مريم إذن بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل واستقبال هذا الحدث وها هي ذي تتلقى لأول مرة التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة وهو الكلمة في الحقيقة فماذا وراء هذا التعبير إن هذه وأمثالها من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد ربما كانت من الذي عناه الله بقوله أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله إلخ ولكن الأمر أيسر من هذا إذا أردنا أن نفهم طبيعة هذه الحقيقة الفهم الذي يصل القلب بالله وصنعته وقدرته ومشيئته الطليقة لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت وهذه كتلك في صنع الله وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة من أين جاءت هذه الحياة وكيف جاءت إنها قطعا شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض شيء زائد وشيء مغاير وشيء ينشىء آثارا وظواهر لا توجد أبدا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق هذا السر من أين جاء إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نهذر كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم نحن لا نعلم وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها نحن البشر بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها أو لإنشائها بأيدينا من الموات نحن لا نعلم ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم وهو يقول لنا إنها نفخة من روحه وإن الأمر قد تم بكلمة منه كن فيكون ما هي هذه النفخة وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام ما هي وكيف هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه لأنه ليس من شأنه إنه لم يوهب القدرة على إدراكه إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئا في وظيفته التي خلقه الله لها وظيفة الخلافة في الأرض إنه لن يخلق حياة من موات فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة وماهية النفخة من روح الله وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية والله سبحانه يقول إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة حتى على الملائكة فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية وأن له اعتبارا خاصا في نظام الكون ليس لسائر الأحياء وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارىء لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان المهم هنا أن الله يخبرنا عن نشأة سر الحياة ; وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات وقد شاء الله بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا طريق التقاء ذكر وأنثى واجتماع بويضة وخلية تذكير فيتم الإخصاب ويتم الإنسال والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى وإن لم تكن مثلها تماما أنثى فقط تتلقى النفخة التي تنشىء الحياة ابتداء فتنشأ فيها الحياة أهذه النفخة هي الكلمة آلكلمة هي توجه الإرادة آلكلمة كن التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة والكلمة هي عيسى أو هي التي منها كينونته كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات وخلاصتها هي تلك أن الله شاء أن ينشىء حياة على غير مثال فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشىء الحياة بنفخة من روح الله ندرك آثارها ونجهل ماهيتها ويجب أن نجهلها لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف والأمر هكذا سهل الإدراك ووقوعه لا يثير الشبهات وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فتضمنت البشارة نوعه وتضمنت اسمه ونسبه وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده ويكلم الناس في المهد ولمحة من مستقبله وكهلا وسمته والموكب الذي ينتسب إليه ومن الصالحين فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر وجاءها الجواب يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول الفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل ومألوفهم المحدود قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب وتزول الحيرة ويطمئن القلب ; ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب وهكذا كان القرآن ينشىء التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء
ثم يتابع الملك البشارة لمريم عن هذا الخلق الذي اختارها الله لإنجابه على غير مثال ; وكيف ستمضي سيرته في بني إسرائيل وهنا تمتزج البشارة لمريم بمقبل تاريخ المسيح ويلتقيان في سياق واحد كأنما يقعان اللحظة على طريقة القرآن ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل والكتاب قد يكون المراد به الكتابة ; وقد يكون هو التوراة والإنجيل ويكون عطفهما على الكتاب هو عطف بيان والحكمة حالة في النفس يتأتي معها وضع الأمور في مواضعها وإدراك الصواب واتباعه وهي خير كثير والتوراة كانت كتاب عيسى كالإنجيل فهي أساس الدين الذي جاء به والإنجيل تكملة وإحياء لروح التوراة ولروح الدين التي طمست في قلوب بني إسرائيل وهذا ما يخطىء الكثيرون من المتحدثين عن المسيحية فيه فيغفلون التوراة وهي قاعدة دين المسيح عليه السلام وفيها الشريعة التي يقوم عليها نظام المجتمع ; ولم يعدل فيها الإنجيل إلا القليل أما الإنجيل فهو نفخة إحياء وتجديد لروح الدين وتهذيب لضمير الإنسان بوصله مباشرة بالله من وراء النصوص هذا الإحياء وهذا التهذيب اللذان جاء المسيح وجاهد لهما حتى مكروا به كما سيجيء ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى عليه السلام كانت لبني إسرائيل فهو أحد أنبيائهم ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم هي كتاب عيسى كذلك مضافا إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير والآية التي بشر الله أمه مريم أنها ستكون معه والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة وإحياء الموتى من الناس وإبراء المولود الأعمى وشفاء الأبرص والإخبار بالغيب بالنسبة له وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل وهو بعيد عن رؤيته بعينه وحرص النص على أن يذكر على لسان المسيح عليه السلام كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها إنما جاءهم بها من عند الله وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلا وتحديدا ; ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها أو رد العافية وهي فرع عن الحياة ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى ; ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم عليه السلام وإذا كان الله قادرا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسان الله سبحانه بمألوف الإنسان ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
وهذا الختام في دعوة عيسى عليه السلام لبني إسرائيل يتكشف عن حقائق أصيلة في طبيعة دين الله وفي مفهوم هذا الدين في دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام وهي حقائق ذات قيمة خاصة حين ترد على لسان عيسى عليه السلام بالذات وهو الذي ثار حول مولده وحقيقته ما ثار من الشبهات التي نشأت كلها من الانحراف عن حقيقة دين الله التي لا تتبدل بين رسول ورسول فهو إذ يقول ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة فالتوارة التي تنزلت على موسى عليه السلام وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان وملابسات حياة بني إسرائيل بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام ; وجاءت رسالته مصدقة لها مع تعديلات تتعلق بإحلال بعض ما حرم الله عليهم وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاص وانحرافات أدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالا لهم ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم ومن هذا يتبين أن طبيعة الدين أي دين أن يتضمن تنظيما لحياة الناس بالتشريع ; وألا يقتصر على الجانب التهذيبي الأخلاقي وحده ولا على المشاعر الوجدانية وحدها ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك فهذا لا يكون دينا فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر ; ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية عن الشعائر التعبدية عن القيم الخلقية عن الشرائع التنظيمية في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة ; ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله وهذا ما حدث للمسيحية فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية ; ولكونها جاءت موقوته لزمن حتى يجيء الدين الأخير ثم عاشت بعد زمنها من ناحية قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد ; فأنشأ هذا انفصالا بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيء في موعدها المقدور وعلى أية حال فقد انتهت المسيحية إلى أن تكون نحلة بغير شريعة وهنا عجزت عن أن تقود الحياة الاجتماعية للأمم التي عاشت عليها فقيادة الحياة الاجتماعية تقتضي تصورا اعتقاديا يفسر الوجود كله ويفسر حياة الإنسان ومكانه في الوجود ; وتقتضي نظاما تعبديا وقيما أخلاقية ثم تقتضي حتما تشريعات منظمة لحياة الجماعة مستمدة من ذلك التصور الاعتقادي ومن هذا النظام التعبدي ومن هذه القيم الأخلاقية وهذا القوام التركيبي للدين هو الذي يضمن قيام نظام اجتماعي له بواعثه المفهومة وله ضماناته المكينة فلما وقع ذلك الانفصال في الدين المسيحي عجزت المسيحية عن أن تكون نظاما شاملا للحياة البشرية واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها ومن بينهما النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الحياة وقامت الأنظمة الاجتماعية هناك على غير قاعدتها الطبيعية الوحيدة فقامت معلقة في الهواء أو قامت عرجاء ولم يكن هذا أمرا عاديا في الحياة البشرية ولا حادثا صغيرا في التاريخ البشري إنما كان كارثة كارثة ضخمة تنبع منها الشقوة والحيرة والانحلال والشذوذ والبلاء الذي تتخبط فيه الحضارة المادية اليوم سواء في البلاد التي لا تزال تعتنق المسيحية وهي خالية من النظام الاجتماعي لخلوها من التشريع أو التي نفضت عنها المسيحية وهي في الحقيقة لم تبعد كثيرا عن الذين يدعون أنهم مسيحيون فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح وكما هي طبيعة كل دين يستحق كلمة دين هي الشريعة المنظمة للحياة المنبثقة من التصور الاعتقادي في الله ومن القيم الأخلاقية المستندة إلى هذا التصور وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا تكون مسيحية ولا يكون دين على الإطلاق وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا يقوم نظام اجتماعي للحياة البشرية يلبي حاجات النفس البشرية ويلبي واقع الحياة البشرية ويرفع النفس البشرية والحياة البشرية كلها إلى الله وهذه الحقيقة هي أحد المفاهيم التي يتضمنها قول المسيح عليه السلام ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم إلخ وهو يستند في تبليغ هذه الحقيقة على الحقيقة الكبرى الأولى حقيقة التوحيد الذي لا شبهة فيه وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فهو يعلن حقيقة التصور الاعتقادي التي قام عليها دين الله كله المعجزات التي جاءهم بها لم يجىء بها من عند نفسه فما له قدرة عليها وهو بشر إنما جاءهم بها من عند الله ودعوته تقوم ابتداء على تقوى الله وطاعة رسوله ثم يؤكد ربوبية الله له ولهم على السواء فما هو برب وإنما هو عبد وأن يتوجهوا بالعبادة إلى الرب فلا عبودية إلا لله ويختم قوله بالحقيقة الشاملة فتوحيد الرب وعبادته وطاعة الرسول والنظام الذي جاء به هذا صراط مستقيم وما عداه عوج وانحراف وما هو قطعا بالدين [/size][/color][/align]
التعريف بسورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة هو روحها وباعثها وهو قوامها وكيانها وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها وهو دستورها ومنهجها وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة كما يستمد منه الدعاة وسائل العمل ومناهج الحركة وزاد الطريق ولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية ذات وجود حقيقي ; ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة ; ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض ; وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية ذات كينونة واقعية حية ; ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا نشأ عنه وجود ذو خصائص في حياة الإنسان بصفة عامة وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها ولكنه مع هذا يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها ; وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها ; وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ; ويتنزل القرآن
حينئذ ليواجه هذا كله ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة مع نفسها التي بين جنبيها ومع أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما وفيما وراءهما كذلك أجل يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; ونتمثلها في بشريتها الحقيقية وفي حياتها الواقعية وفي مشكلاتها الإنسانية ; ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة وهي تعثر وتنهض وتحيد وتستقيم وتضعف وتقاوم وتتألم وتحتمل وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة وفي صبر ومجاهدة تتجلى فيها كل خصائص الإنسان وكل ضعف الإنسان وكل طاقات الإنسان ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها تملك الاستجابة للقرآن والانتفاع بقيادته في ذات الطريق إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا وسنحس أنه معنا اليوم وغدا وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المقروء وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع ; كما أن كليهما كائن ليعمل والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه الشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها والقمر والأرض وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها وجدة هذا الدور في المحيط الكوني والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية وما يزال هو هو فالإنسان ما يزال هوهو كذلك ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان فيمن خاطبهم الله به خطاب لا يتغير لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ; ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا بما أنه خطاب الله الأخير ; وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا هذا نجم قديم رجعي يحسن أن يستبدل به نجم جديد تقدمي أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم رجعي يحسن أن يستبدل به كائن آخر تقدمي لعمارة هذه الأرض إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان وهذه السورة تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة إلى ما بعد غزوة أحد في السنة الثالثة وما أحاط بهذه الحياة من ملابسات شتى في خلال هذه الفترة الزمنية وفعل القرآن إلى جانب الأحداث في هذه الحياة وتفاعله معها في شتى الجوانب والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة ; وصورة الاشتباكات والملابسات التي أحاطت بهذه الحياة مع استبطان السرائر والضمائر وما يدب فيها من الخواطر وما يشتجر فيها من المشاعر حتي لكأن قارئها يعيش هذه الأحداث ويعايش الأمة التي كانت تخوضها وتتفاعل وإياها ولو أغمض الإنسان عينيه فلربما تراءت له كما تراءت لي شخوص الجماعة المسلمة رائحة غادية بسماتها الظاهرة على الوجوه ومشاعرها المستكنة في الضمائر ومن حولها أعداؤها يتربصون بها ويبيتون لها ويلقون بينها بالفرية والشبهة ويتحاقدون عليها ويجمعون لها ويلقونها في الميدان وينهزمون أمامها في أحد ثم يكرون عليها فيوقعون بها وكل ما يجري في المعركة من حركة وكل ما يصاحب حركاتها من انفعال باطن وسمة ظاهرة والقرآن يتنزل ليواجه الكيد والدس ويبطل الفرية والشبهة ويثبت القلوب والأقدام ويوجه الأرواح والأفكار ويعقب على الحادث ويبرز منه العبرة ويبني التصور ويزيل عنه الغبش ويحذر الجماعة المسلمة من العدو الغادر والكيد الماكر ويقود خطاها بين الأشواك والمصايد والأحابيل قيادة الخبير بالفطرة العليم بما تكن الصدور ومن وراء هذا كله تبقى التوجيهات والتلقينات التي احتوتها السورة خالصة طليقة من قيد الزمان والمكان وقيد الظروف والملابسات تواجه النفس البشرية وتواجه الجماعة المسلمة اليوم وغدا وتواجه الإنسانية كلها وكأنها تتنزل اللحظة لها وتخاطبها في شأنها الحاضر وتواجهها في واقعها الراهن ذلك أنها تتناول أمورا وأحداثا ومشاعر وجدانية وحالات نفسية كأنما كانت ملحوظة في سياق السورة بل هي ملحوظة قطعا في تقدير العليم الخبير بالنفوس والأشياء والأمور ومن ثم يتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة في أي مكان وفي أي زمان وهو دستور هذه الأمة في أي جيل ومن أي قبيل وهو حادي الطريق وهادي السبيل على توالي القرون ذلك أنه خطاب الله الأخير لهذا الإنسان في جميع العصور في هذه الفترة كانت الجماعة المسلمة في المدينة قد استقرت بعض الاستقرار في موطنها الجديد في مدينة الرسول ص ومضت خطوة وراء الموقف الذي صورناه من قبل في هذه الظلال في مطلع استعراض سورة البقرة كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش وكان هذا النصر بظروفه التي تم فيها والملابسات التي أحاطت به تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة ومن ثم اضطر رجل كعبد الله بن أبي بن سلول من عظماء الخزرج أن ينزل عن كبريائه وكراهته لهذا الدين ونبيه ص وأن يكبت حقده وحسده للرسول الكريم ; وأن ينضم منافقا للجماعة المسلمة وهو يقول هذا أمر قد توجه أي ظهرت له وجهة هو ماض فيها لا يرده عنها راد
بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة أو تمت وأفرخت فقد كان هناك قبل بدر من اضطروا لمنافقة أهلهم الذين دخلوا في الإسلام وأصبحت مجموعة من الرجال ومن ذوي المكانة فيهم مضطرة إلى التظاهر بالإسلام والانضمام إلى المجتمع المسلم بينما هي تضمر في أنفسها الحقد والعداء للإسلام والمسلمين ; وتتربص بهم الدوائر ; وتتلمس الثغرات في الصف ; وتترقب الأحداث التي تضعضع قوى المسلمين أو تزعزع الصف المسلم ليظهروا كوامن صدورهم أو ليضربوا ضربة الإجهاز إذا كان ذلك في مكنتهم وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد وقد هددهم الإسلام تهديدا قويا في مكانتهم بين الأميين من العرب في المدينة ; وسد عليهم الثغرة التي كانوا ينفذون منها للعب بين الأوس والخزرج بعدما أصبحوا بنعمة الله إخوانا وفي ظل الإسلام صفا واحدا مرصوصا وقد غص اليهود وشرقوا بانتصار المسلمين في بدر وارتفع غليان حقدهم على الجماعة المسلمة وانطلقوا بكل ما يمكلون من دس وكيد وتآمر يحاولون تفتيت الصف الإسلامي وإلقاء الحيرة في قلوب المسلمين ونشر الشبهات والشكوك في عقيدتهم وفي أنفسهم على السواء وفي هذه الفترة وقع حادث بني قينقاع فوضح العداء وسفر على الرغم مما كان بين اليهود والنبي ص من مواثيق أبرمها معهم عقب مقدمه إلى المدينة كذلك كان المشركون موتورين من هزيمتهم في بدر يحسبون ألف حساب لانتصار محمد ص ومعسكر المدينة وللخطر الذي يتمثل إذن على تجارتهم وعلى مكانتهم وعلى وجودهم كذلك ومن ثم يتهيأون لدفع هذا الخطر الماحق قبل أن يصبح القضاء عليه مستحيلا وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم كذلك كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة غير متناسق تماما فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد والجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يسوي النتوءات ويوضح حقيقة الدعوة وحقيقة الظروف الملابسة لها وحقيقة منهجها العملي وتكاليفه كان للمنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي مكانتهم في المجتمع وروابطهم العائلية والقبلية لم تنفصم بعد ; ولم ينضج في نفوس المسلمين الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي أسرتهم وهي قبيلتهم وهي وشيجتهم التي لا وشيجة معها ومن ثم كانت هناك خلخلة في الصف الإسلامي بسبب وجود مثل هذه العناصر مندمجة في الصف مؤثرة في مقاديره كما يتجلى ذلك في أحداث غزوة أحد عند استعراض النصوص الخاصة بها في السورة وكان لليهود مكانتهم كذلك في المدينة وارتباطاتهم الاقتصادية والتعهدية مع أهلها ولم يتبين عداؤهم سافرا ولم ينضج في نفوس المسلمين كذلك الشعور بأن عقيدتهم وحدها هي العهد وهي الوطن وهي أصل التعامل والتعاقد وأنه لا بقاء لصلة ولا وشيجة إذا هي تعارضت مع العقيدة ومن ثم كانت لليهود فرصة للتوجيه والتشكيك والبلبلة وكان هناك من يسمع لقولهم في الجماعة المسلمة ويتأثر به وكان هناك من يدفع عنهم ما يريد النبي ص أن ينزل بهم من إجراءات لدفع كيدهم عن الصف المسلم كما حدث في شفاعة عبد الله بن أبي في بني قينقاع وإغلاظه في هذا للرسول ص ومن ناحية أخرى كان المسلمون قد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل فقد خرج ذلك العدد القليل من المسلمين غير مزودين بعدة ولا عتاد إلا اليسير فلاقوا ذلك الجحفل الضخم من قريش في عدتهم وعتادهم ثم لم تلبث المعركة أن انجلت عن ذلك النصر المؤزر الباهر وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله ندرك اليوم طرفا من حكمته ولعله كان لتثبيت الدعوة الناشئة وتمكينها بل لإثبات وجودها الفعلي على محك المعركة لتأخذ بعد ذلك طريقها فأما المسلمون فلعلهم قد وقع في نفوسهم من هذا النصر أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره وأنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق أليسوا بالمسلمين أليس أعداؤهم بالكافرين وإذن فهو النصر لا محالة حيثما التقى المسلمون بالكافرين غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة والسذاجة فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس وتكوين الصفوف وإعداد العدة واتباع المنهج والتزام الطاعة والنظام واليقظة لخوالج النفس ولحركات الميدان وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في غزوة أحد على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء وحين نراجع غزوة أحد نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء على رأسهم حمزة رضي الله عنه وأرضاه وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة ويسقط في الحفرة ويغوص حلق المغفر في وجنته ص الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين ويسبق استعراض غزوة أحد وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب سواء منها ما هو ناشىء من انحرافاتهم هم في معتقداتهم وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة وتذكر عدة روايات أن الآيات من نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران اليمن الذي قدم المدينة في السنة التاسعة للهجرة ونحن نستبعد أن تكون السنة التاسعة هي زمن نزول هذه الآيات فواضح من طبيعتها وجوها أنها نزلت في الفترة الأولى من الهجرة حيث كانت الجماعة المسلمة بعد ناشئة وكان لدسائس اليهود وغيرهم أثر شديد في كيانها وفي سلوكها وسواء صحت رواية أن الآيات نزلت في وفد نجران أم لم تصح ; فإنه واضح من الموضوع الذي تعالجه أنها تواجه شبهات النصارى وبخاصة ما يتعلق منها بعيسى عليه السلام وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء به الإسلام وتصحح لهم ما أصاب عقائدهم من انحراف وخلط وتشويه وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بصدقها ولكن هذا الفصل يتضمن كذلك إشارات وتقريعات لليهود وتحذيرات للمسلمين من دسائس أهل الكتاب وما كان يجاورهم في المدينة من أهل الكتاب ممن يمثل مثل هذا الخطر إلا اليهود وعلى أية حال فإن هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بين العقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها ويتحفزون من حولها ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل وفي أولها زعزعة العقيدة وهي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها إنهم هم هم الملحدون المنكرون والصهيونية العالمية والصليبية العالمية ومن مراجعة نصوص السورة يتبين أن الوسائل هي الوسائل كذلك ; والأهداف هي الأهداف ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة ومرجع هذه الأمة اليوم وغدا كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى وأنه لا يعرض عن استنصاح هذا الناصح واستشارة هذا المرجع في المعركة الناشبة اليوم إلا مدخول يعرض عن سلاح النصر في المعركة ; ويخدع نفسه أو يخدع الأمة لخدمة أعدائها القدامى المحدثين في غفلة بلهاء أو في خبث لئيم ومن خلال المناقشات والجدل والاستعراض والتوجيه في هذا المقطع الأول يتبين موقف أهل الكتاب المنحرفين عن كتابهم من الجماعة المسلمة والعقيدة الجديدة ممثلا في أمثال هذه النصوص هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ أن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها
وهكذا نرى أن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب ; ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب إنما كانوا يحاربونها أولا في عقيدتها كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك ونثر الشبهات وتدبير المناورات كانوا يعمدون أولا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها ومنها قام وجودها فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تماما أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل ; ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها ; ولا تهزم إلا إذا هزمت روحها ; ولا يبلغ أعداؤها منها شيئا وهي ممسكة بعروة الإيمان مرتكنة إلى ركنه سائرة على نهجه حاملة لرايته ممثلة لحزبه منتسبة إليه معتزة بهذا النسب وحده ومن هنا يبدو أن أعدى أعداء هذه الأمة هو الذي يلهيها عن عقيدتها الإيمانية ويحيد بها عن منهج الله وطريقه ويخدعها عن حقيقة أعدائها وحقيقة أهدافهم البعيدة إن المعركة بين الأمة المسلمة وبين أعدائها هي قبل كل شيء معركة هذه العقيدة وحتى حين يريد أعداؤها أن يغلبوها على الأرض والمحصولات والاقتصاد والخامات فإنهم يحاولون أولا أن يغلبوها على العقيدة لأنهم يعلمون بالتجارب الطويلة أنهم لا يبلغون مما يريدون شيئا والأمة المسلمة مستمسكة بعقيدتها ملتزمة بمنهجها مدركة لكيد أعدائها ومن ثم يبذل هؤلاء الأعداء وعملاؤهم جهد الجبارين في خداع هذه الأمة عن حقيقة المعركة ليفوزوا منها بعد ذلك بكل ما يريدون من استعمار واستغلال وهم آمنون من عزمة العقيدة في الصدور وكلما ارتقت وسائل الكيد لهذه العقيدة والتشكيك فيها والتوهين من عراها استخدم أعداؤها هذه الوسائل المترقية الجديدة ولكن لنفس الغاية القديمة ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم فهذه هي الغاية الثابتة الدفينة لهذا كان القرآن يدفع هذا السلاح المسموم أولا كان يأخذ الجماعة المسلمة بالتثبيت على الحق الذي هي عليه ; وينفي الشبهات والشكوك التي يلقيها أهل الكتاب ; ويجلو الحقيقة الكبيرة التي يتضمنها هذا الدين ; ويقنع الجماعة المسلمة بحقيقتها وقيمتها في هذه الأرض ودورها ودور العقيدة التي تحملها في تاريخ البشرية وكان يأخذها بالتحذير من كيد الكائدين ويكشف لها نواياهم المستترة ووسائلهم القذرة وأهدافهم الخطرة وأحقادهم على الإسلام والمسلمين لاختصاصهم بهذا الفضل العظيم وكان يأخذها بتقرير حقيقة القوى وموازينها في هذا الوجود فيبين لها هزال أعدائها وهوانهم على الله وضلالهم وكفرهم بما أنزل الله إليهم من قبل وقتلهم الأنبياء كما يبين لها أن الله معها وهو مالك الملك المعز المذل وحده بلا شريك وأنه سيأخذ الكفار وهو تعبير هنا عن اليهود بالعذاب والنكال ; كما أخذ المشركين في بدر منذ عهد قريب وكانت هذه التوجيهات تتمثل في أمثال هذه النصوص الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شىء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط ومن هذه الحملة الطويلة التي اقتطفنا منها هذه الآيات وتنوع توجيهاتها وتلقيناتها تتبين عدة أمور أولها ضخامة الجهد الذي كان يبذله أهل الكتاب في المدينة وغيرها وعمق الكيد وتنوع أساليبه واستخدام جميع الوسائل لزعزعة العقيدة وخلخلة الصف المسلم من ورائها وثانيها ضخامة الآثار التي كان هذا الجهد يتركها في النفوس وفي حياة الجماعة المسلمة مما اقتضى هذا البيان الطويل المفصل المنوع المقاطع والأساليب وثالثها هو ما نلمحه اليوم من وراء القرون الطويلة من أن هؤلاء الأعداء هم الذين يلاحقون هذه الدعوة وأصحابها في الأرض كلها ; وهم الذين تواجههم هذه العقيدة وأهلها ومن ثم اقتضت إرادة الحكيم الخبير أن يقيم هذا المشعل الهادي الضخم البعيد المطارح لتراه الأجيال المسلمة قويا واضحا عميق التركيز على كشف الأعداء التقليديين لهذه الأمة ولهذا الدين أما القطاع الثاني في السورة فهو خاص بغزوة أحد وهو يشتمل كذلك على تقريرات في حقائق التصور الإسلامي والعقيدة الإيمانية وعلى توجيهات في بناء الجماعة المسلمة على أساس تلك الحقائق إلى جانب استعراض الأحداث والوقائع والخواطر والمشاعر استعراضا يتبين منه بجلاء حالة الجماعة المسلمة يومها وقطاعاتها المختلفة التي أشرنا إليها في أول هذا التمهيد وعلاقة هذا المقطع بالمقطع الأول في السورة ظاهرة فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته في مجال المعركة والحديد ساخن كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية وإنه ليصعب استيفاء الحديث هنا عن طبيعة هذا المقطع ومحتوياته وقيمته في بناء العقيدة وبناء الجماعة ولما كان هذا المقطع يقع بجملته في الجزء الرابع من الظلال فلنرجىء الحديث عنه إلى هذا الجزء إن شاء الله ونمضي إلى ختام السورة بعد فصل غزوة أحد فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون كتاب الله المنظور وإيحاءاته للقلوب المؤمنة ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه وخشوع القلب وتقواه ثم تجيء الاستجابة من الله سبحانه فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب وفيه إشارة وعلاقة بغزوة أحد وأحداثها وآثارها ثم يذكر أهل الكتاب الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا وتختم السورة بدعوة المسلمين بإيمانهم إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا
ولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها تتناثر نقطها في السورة كلها وتتجمع وتتركز في مجموعها حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد أول هذه الخطوط بيان معنى الدين ومعنى الإسلام فليس الدين كما يحدده الله سبحانه ويريده ويرضاه هو كل اعتقاد في الله إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه سبحانه صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو الإسلام وهو في هذه الحالة الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب وهو في صميمه كتاب واحد وهو في صميمه دين واحد الإسلام بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل كل في زمانه متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة ; والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ نضرب له بعض الأمثلة في هذا التعريف المجمل الله لا إله إلا هو الحي القيوم شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وغيرها كثير فأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق ونضرب له كذلك بعض الأمثلة في هذا التعريف بالسورة حتى نواجهه مفصلا عند استعراض النصوص بالتفصيل والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا وغيرها كثير والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله ولا يتبعون منهجه في الحياة وقد أشرنا إلى هذا الخط من قبل ولكنه يحتاج إلى إبراز هنا بقدر ما هو بارز وأساسي في سياق السورة وهذه نماذج من هذا الخط العريض لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا إلخ لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلخ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر إلخ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد وغيرها كثير وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة في تقرير التصور الإسلامي وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله الذي لا موقف لهم سواه
والنصوص في مواضعها من السياق أكثر حيوية وأعمق إيحاء لقد نزلت في معمعان المعركة معركة العقيدة ومعركة الميدان المعركة في داخل النفوس والمعركة في واقع الحياة ومن ثم تضمنت ذلك الرصيد الحي العجيب من الحركة والتأثير والإيحاء فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل
الله والرسول والقرآن والإيمان في التصور الإسلامي
ألم هذه الأحرف المقطعة ألف لأم ميم نختار في تفسيرها على سبيل الترجيح لا الجزم ما اخترنا في مثلها في أول سورة البقرة إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف ; وهي في متناول المخاطبين به من العرب ولكنه مع هذا هو ذلك الكتاب المعجز الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله إلخ وهذا الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور على سبيل الترجيح لا الجزم يتمشى معنا بيسر في إدراك مناسبات هذه الإشارة في شتى السور ففي سورة البقرة كانت الإشارة تتضمن التحدي الذي ورد في السورة بعد ذلك وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين إلخ فأما هنا في سورة آل عمران فتبدو مناسبة أخرى لهذه الإشارة هي أن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو وهو مؤلف من أحرف وكلمات شأنه في هذا شأن ما سبقه من الكتب السماوية التي يعترف بها أهل الكتاب المخاطبون في السورة فليس هناك غرابة في أن ينزل الله هذا الكتاب على رسوله بهذه الصورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل
من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي ص وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من الله كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمدا والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات الله وموقف أهل الزيغ والانحراف والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه وتضرعهم له ومعرفتهم بصفاته تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد سواء منها عقائد الملحدين والمشركين وعقائد أهل الكتاب المنحرفين يهودا أو نصارى على اختلاف مللهم ونحلهم جميعا كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديدا كاملا دقيقا الله لا إله إلا هو فلا شريك له في الألوهية الحي الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته القيوم الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود ; والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد ومفرق الطريق في الحياة والسلوك مفرق الطريق في التصور والاعتقاد بين تفرد الله سبحانه بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية سواء في ذلك تصورات المشركين وقتها في الجزيرة وتصورات اليهود والنصارى وبخاصة تصورات النصارى ولقد حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون عزير ابن الله كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم الكتاب المقدس يتضمن شيئا كهذا كما جاء في سفر التكوين الإصحاح السادس
فأما انحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم إن الله ثالث ثلاثة وقولهم إن الله هو المسيح بن مريم واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وقد جاء في كتاب الدعوة إلى الإسلام تأليف أرنولد شيء عن هذه التصورات ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك يربط بين الولايات وحاضرة الدولة أما هرقل فقد بذل جهودا لم تصادف نجاحا كاملا في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا من القضاء عليه ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ; وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية وبينهم وبين الحكومة المركزية وكان مجمع خلقيدونية قد اعلن في سنة ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين لا اختلاط بينهما ولا تغير ولا تجزؤ ولا انفصال ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ; وتجتمع في أقنوم واحد وجسد واحد لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين بل متجمعة في أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة وقالوا إنه مركب الأقانيم له كل الصفات الإلهية والبشرية ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة ففي الوقت الذي نجد فيه هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد فالمسيح الواحد الذي هو ابن الله يحقق الجانب الإنساني والجانب الإلهي بقوة إلهية إنسانية واحدة ومعنى هذا أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جدا ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام ذلك بأن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء كذلك يقول باحث مسيحي آخر هو كانون تايلور عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة أما انحرافات عقائد المشركين فقد حكى القرآن عنها عبادتهم للجن والملائكة والشمس والقمر والأصنام وكان أقل عقائدهم انحرافا عقيدة من يقولون عن هذه الآلهة ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى
فأمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة الله لا إله إلا هو الحي القيوم فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي لا إله إلا هو الحي الواحد الذي لا حي غيره القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود إن الذي يمتلىء شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله لا في شريعة أو نظام ولا في أدب أو خلق ولا في اقتصاد أو اجتماع ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شؤون الحياة وما بعد الحياة أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار ولا حدود لحرام أو حلال ولا لخطأ أو صواب في شرع أو نظام في أدب أو خلق وفي معاملة أو سلوك فكلها كلها إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي وإليها التوجه ولها الطاعة والعبودية والاستسلام ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق الله لا إله إلا هو الحي القيوم ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية لا لطبيعة الاعتقاد وحده فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة من تلقي الشريعة والتوحيد من الله في كل شأن من شؤون الحياة والتوجه كذلك إلى الله في كل نشاط وكل اتجاه وعقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق بإعلان الوحدانية المطلقة لذات الله وصفاته يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام وتتضمن هذه الآية في شطرها الأول جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد ص وصحة ما جاء به من عند الله فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل فالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم هو الذي
نزل هذا القرآن عليك كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده وهناك عبيد يتلقون وهم عبيد لله ولو كانوا أنبياء مرسلين وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق الذي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله فهذا الكتاب نزله عليك بالحق مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل وكلها تستهدف غاية واحدة هدى للناس وهذا الكتاب الجديد فرقان بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية التي رأينا نموذجا منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت و آرنولد في كتاب الدعوة إلى الإسلام وهي تقرر ضمنا أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله يضم جناحيه على الحق الذي تضم جوانحها عليه وقد نزله من يملك تنزيل الكتب فهو منزل من الجهة التي لها الحق في وضع منهاج الحياة للبشر وبناء تصوراتهم الاعتقادية وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد وهو فرقان واضح مبين هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد وفي صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء فلا خفاء عليه ولا إفلات منه إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء وإثبات هذه الصفة لله سبحانه في هذا المقام هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة فلن يفلت شيء من علم الله في الأرض ولا في السماء بهذا الشمول والإطلاق ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه ولا إخفاء الكيد عنه ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق ولا التهرب من العلم اللطيف العميق وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة تتعلق بالنشأة الإنسانية النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هكذا يصوركم يمنحكم الصورة التي يشاء ; ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة وهو وحده
الذي يتولى التصوير بمحض إرادته ومطلق مشيئته كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير الحكيم الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده فالله هو الذي صور عيسى كيف يشاء لا أن عيسى هو الرب أو هو الله أو هو الابن أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل ليصوغوا حولها الشبهات ; ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول ص ألست تقول عن المسيح إنه كلمة الله وروحه يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى عليه السلام وأنه ليس من البشر إنما هو روح الله على ما يفهمون هم من هذا التعبير بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور فنزلت فيهم هذه الآية تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة وترك النصوص التجريدية القاطعة على أن نص الآية اعم من هذه المناسبة ; فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه ص متضمنا حقائق التصور الإيماني ومنهاج الحياة الإسلامية ; ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة مدركة المقاصد وهي أصل هذا الكتاب وأما السمعيات والغيبيات ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر الحق ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود وهنا يختلف الناس حسب استقامة فطرتهم أو زيغها في استقبال هذه الآيات وتلك فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة ويجرون وراء المتشابه الذي يعول في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره والتسليم بأنه هو الذي يعلم الحق كله بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله وما يعلم تأويله إلا الله وأما الراسخون في العلم الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة آمنا به كل من عند ربنا يدفعهم إلى هذه الطمأنينة أنه من عند ربهم فهو إذن حق وصدق وما يقرره الله صادق بذاته وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك ; لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء وأن ما لم يدركوه لا وجود له ; أو يفرضون إدراكهم على الحقائق فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم صاغتها عقولهم المحدودة أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه وما يذكر إلا أولو الألباب وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منيب أن يثبتهم على الحق وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه والميعاد الذي لا خلف له ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم ; وهو الحال اللائق بالإيمان ; المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده ; والثقة بكلمته وعهده ; والمعرفة برحمته وفضله ; والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب ; والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده
قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال ووهبتهم هذا العطاء الذي لا يعدله عطاء وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ص كثيرا ما يدعو < يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك > قلت يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء فقال < ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه > ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة وأن يتشبث بحماه في إصرار وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله لاستبقاء الكنز الذي وهبه والعطاء الذي أولاه
سنة الله في أخذ الذين كفروا بذنوبهم
بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب ويقفون لهذا الدين ويلقن الرسول ص أن ينذرهم ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل ولكن هذا لا يمنحهم حقا خاصا إذا هم ضلوا وكفروا ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين انجاهم الله منهم كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر وهم كفار ليقول لهم إن سنة الله لا تتخلف وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش فالعلة هي الكفر وليس لأحد على الله دالة ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح
إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية ; ولكنهما لا يغنيان شيئا في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه لأنه لا إخلاف لميعاد الله وهم فيه وقود النار بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص الإنسان ومميزاته ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر وقود النار لا بل إن الأموال والأولاد ومعهما الجاه والسلطان لا تغني شيا في الدنيا كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب وهو مثل مضى في التاريخ مكرورا وقصة الله في هذا الكتاب تفصيلا وهو يمثل سنة الله في المكذبين بآياته يجريها حيث يشاء فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات الله وإذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد ص وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء ومن ثم يلقن الرسول ص أن ينذرهم هذا المصير في الدارين وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وقوله تعالى يرونهم مثليهم رأي العين يحتمل تفسيرين فإما أن يكون ضمير يرون راجعا إلى الكفار وضمير هم راجعا إلى المسلمين ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين مثليهم وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم وإما أن يكون العكس ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين مثليهم هم في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم ومع هذا ثبتوا وانتصروا والمهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم وكان الموقف كما ذكرنا في التمهيد للسورة يقتضي هذا وذاك وكان القرآن يعمل هنا وهناك وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله قائم في كل لحظة ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة ولو قل عددها قائم كذلك في كل لحظة وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ وسنة ماضية لم تتوقف وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ; وتثق في ذلك الوعد ; وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة ; وتصبر حتى يأذن الله ; ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله المدبر بحكمته المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار
ولا بد من بصر ينظر وبصير تتدبر لتبرز العبرة وتعيها القلوب وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار
تربية القرآن للنفس البشرية
وفي مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف ; إذا لم تضبط باليقظة الدائمة ; وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى ; وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى إن الاستغراق في شهوات الدنيا ورغائب النفوس ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار ; ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة ; ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى ; ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة ; ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض ; واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض ولما كانت هذه الرغائب والدوافع مع هذا طبيعية وفطرية ومكلفة من قبل الباريء جل وعلا أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها ولكن إلى ضبطها وتنظيمها وتخفيف حدتها واندفاعها ; وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه ; وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي هذه الرغائب والدافع ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر الوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة وفي آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام وهي خلاصة للرغائب الأرضية إما بذاتها وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة وفوقها رضوان من الله وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذي يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار زين للناس وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل ; فهو محبب ومزين وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات وهو جزء من تكوينه الأصيل لا حاجة إلى إنكاره ولا إلى استنكاره في ذاته فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده ; وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات الحد الباني للنفس وللحياة ; مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي
تهتف إليه النفحة العلوية وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول وينقيه من الشوائب ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة والاتجاه إلى الله وتقواه هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة زين للناس حب الشهوات فهي شهوات مستحبة مستلذة ; وليست مستقذرة ولا كريهة والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها ; إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها ووضعها في مكانها لا تتعداه ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غير استغراق ولا إغراق وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها ومحاولة تهذيبها ورفعها لا كبتها وقمعها والذين يتحدثون في هذه الأيام عن الكبت واضراره وعن العقد النفسية التي ينشئها الكبت والقمع يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو الكبت وليس هو الضبط وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين ضغط من شعوره الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا فهي خطيئة ودافع شيطاني وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية لا تتم إلا بها ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون العقد النفسية فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية بين نوازع الشهوة واللذة وأشواق الارتفاع والتسامي وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية وقد قرن اليهما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ونهم المال هو الذي ترسمه القناطير المقنطرة ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال والأموال أو والذهب والفضة ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة ذلك أن التكديس ذاته شهوة بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة الخيل المسومة والخيل كانت وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم زينة محببة مشتهاة ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة وفيها ذكاء وألفة ومودة وحتى الذين لا يركبونها فروسية يعجبهم مشهدها ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع الأنعام والحقول المخصبة والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفت
إليه شهوة الملك كان الحرث والأنعام شهوة وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن ; ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه ولا تطغى على ما سواه ذلك متاع الحياة الدنيا ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات متاع الحياة الدنيا لا الحياة الرفيعة ولا الآفاق البعيدة متاع هذه الأرض القريب فأما من أراد الذي هو خير خير من ذلك كله خير لأنه أرفع في ذاته وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات والإنكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا ويؤمر الرسول ص أن يبشر به المتقين هو نعيم حسي في عمومه ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات وأن تنساق فيها كالبهيمة فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة ويرتفعون بالتطلع إليه وهم في هذه الأرض قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا وفيه زيادة فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها لا كالحرث المحدود الميقات وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين ففي الآخرة أزواج مطهرة وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة فأما الخيل المسومة والأنعام وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع هنالك رضوان من الله رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة وبكل ما في ظله من حنان والله بصير بالعباد بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة ثم وصف لهؤلاء العباد يصور حال المتقين مع ربهم الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين
والمنفقين والمستغفرين بالأسحار وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم فهو إعلان للإيمان وشفاعة به عند الله وطلب للغفران وتوق من النيران وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى وثبات على تكاليف الدعوة وأداء لتكاليف الحق وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر وقبول لحكمه ورضاء وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود وترفع عن الضعف ; فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ; وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ; وانفلات من ربقة الشح ; وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ; وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة ولفظة الأسحار بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ; وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان هؤلاء الصابرون الصادقون القانتون المنفقون المستغفرون بالأسحار لهم رضوان من الله وهم أهل لهذا الرضوان ظله الندي ومعناه الحاني وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة وفي رفق ورحمة وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها وفي مراعاة لضعفها وعجزها وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ودون ما كبت ولا إكراه ودون ما وقف لجريان الحياة فطرة الله ومنهج الله لهذه الفطرة والله بصير بالعباد
مقتضيات حقيقة التوحيد
وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد توحيد الألوهية والقوامة وتوحيد الكتاب والرسالة ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ من آيات الله وكتابه ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ; ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله فالآن وإلى نهاية هذا الدرس نجدنا أمام حقيقة أخرى هي مقتضى الحقيقة الأولى فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها يبدأ بشهادة الله سبحانه إنه لا إله إلا هو وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون
وما دام الله متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله ; واستسلام العبيد لإلههم وطاعتهم للقيوم عليهم واتباعهم لكتابه ولرسوله ص ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام فهو لا يقبل دينا سواه من أحد الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل ; ولا مجرد تصديق في القلب إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله وطاعتهم لما يحكم به واتباعهم لرسوله في منهجه وهكذا يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم إذ يدعون أنهم على دين الله ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون مما ينقض دعوى التدين من الأساس فلا دين يقبله الله إلا الإسلام ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله واتباع لمنهجه وتحكيم لكتابه في أمور الحياة ويكشف عن علة هذا الإعراض الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية القسط في الجزاء يوم الحساب ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات معتمدين على أنهم أهل كتاب وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وهو غرور خادع فما هم بأهل كتاب وما هم بمؤمنين أصلا وما هم على دين الله إطلاقا ; وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة الدين الإسلام والإسلام التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه فمن لم يفعل فليس له دين وليس مسلما ; وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر كل يحدده أو يعرفه كما يشاء لا بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله فليس من الله في شيء ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله ولو ادعوا أنهم على دين الله ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه ويضيف السياق إلى التحذير التبصير تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود فالله وحده هو السيد المتصرف مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما ; ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة مما اقتضى هذا التفسير والتحذير كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة القوى إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة
ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة إن الإسلام هو طاعة الله والرسول وإن الطريق إلى الله هو طريق الأتباع للرسول وليس مجرد الاعتقاد بالقلب ولا الشهادة باللسان قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين فإما طاعة واتباع يحبه الله وإما كفر يكرهه الله وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين فلنأخذ في التفصيل بعد هذا الإجمال
التوحيد والإسلام وكفر من اتبع غيره
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام حقيقة التوحيد توحيد الألوهية وتوحيد القوامة القوامة بالقسط وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة الله لا إله إلا هو الحي القيوم وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم وشهادة الله سبحانه أنه لا إله إلا هو هي حسب كل من يؤمن بالله وقد يقال إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله وأن من يؤمن بالله ليس في حاجة إلى هذه الشهادة ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابنا وشريكا بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن الله سبحانه شهد أنه لا إله إلا هو فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم على أن الأمر كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم أعمق من هذا وأدق فإن شهادة الله سبحانه بأنه لا إله إلا هو مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها ; وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام لا اعتقادا وشعورا فحسب ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون إنهم يؤمنون بالله ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه ; وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله ولا تستقيم مع شهادة الله سبحانه بأنه لا إله إلا هو وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر الله وحدها والتلقي عن الله وحده والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال متى ثبت لهم أنها من عنده وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة تصديق وطاعة واتباع واستسلام وشهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله يصاحبها شهادتهم بأنه تعالى قائم بالقسط بوصفها حالة ملازمة للألوهية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة
الله لا إله إلا هو الحي القيوم فهي قوامة بالقسط وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط وهو العدل فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس وبينه في كتابه وإلا فلا قسط ولا عدل ولا استقامة ولا تناسق ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية والتأرجح بين هذا وذاك ; والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله وحكم في حياة الناس كتاب الله وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر لازمه جهل البشر وقصور البشر كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور ظلم الفرد للجماعة أو ظلم الجماعة للفرد أو ظلم طبقة لطبقة أو ظلم أمة لأمة أو ظلم جيل لجيل وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء وهو إله جميع العباد وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء لا إله إلا هو العزيز الحكيم يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها وصفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية فلا سلبية في التصور الإسلامي لله وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف الله لنفسه سبحانه وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادته وفعله فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة نتيجتها الطبيعية الوهية واحدة فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ألوهية واحدة وإذن فدينونة واحدة واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله ألوهية واحدة وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ; وفي تطويعهم لأمرها ; وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ; وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ; وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها ألوهية واحدة وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده عقيدة التوحيد الخالص الناصع ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا
إن الدين عند الله الإسلام الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى وليس مجرد راية وليس مجرد كلمة تقال باللسان ; ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ; ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام لا فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه إنما الإسلام الاستسلام الإسلام الطاعة والاتباع الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل والإسلام توحيد الألوهية والقوامة بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله سبحانه وذات المسيح عليه السلام كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله وتفرد الألوهية وبطبيعة البشرية وحقيقة العبودية ولكنهم إنما اختلفوا بغيا بينهم واعتداء وظلما ; حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما اليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية وهذا هو البغي أشنع البغي عن قصد وعن علم ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ; وهدد الكافرين بسرعة الحساب ; كي لا يكون الإمهال إلى أجل مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف ثم لقن نبيه ص فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا ليحسم الأمر معهم عن بينة ويدع أمرهم بعد ذلك لله ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وأن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع وإما مماحكة ومداورة وإذن فلا توحيد ولا إسلام ومن ثم يلقن الله تعالى رسوله ص كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته فإن حاجوك أي في التوحيد وفي الدين فقل أسلمت وجهي لله أنا ومن اتبعن والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا فليس هو مجرد التصديق إنما هو الأتباع كما أن التعبير بالإسلام الوجه ذو مغزى
كذلك فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان إنما هو كذلك الاستسلام استسلام الطاعة والاتباع وإسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب هذا اعتقاد محمد ص ومنهج حياته والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فهم سواء هؤلاء وهؤلاء المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله ووحدة الألوهية ووحدة القوامة مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة فإن أسلموا فقد اهتدوا فالهدى يتمثل في صورة واحدة هي صورة الإسلام بحقيقته تلك وطبيعته وليس هنالك صورة أخرى ولا تصور آخر ولا وضع آخر ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء وإن تولوا فإنما عليك البلاغ فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية حيث لا إكراه على الاعتقاد والله بصير بالعباد يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه وأمرهم إليه على كل حال ولكنه لا يدعهم حتى يبين لهم مصيرهم الذي ينتظرهم وينتظر أمثالهم وفق سنة الله الماضية أبدا في المكذبين والبغاة إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين فهذا هو المصير المحتوم عذاب اليم لا يحدده بالدنيا أو بالآخرة فهو متوقع هنا وهناك وبطلان لأعمالهم في الدنيا والآخرة في تعبير مصور فالحبوط هو انتفاخ الدابة التي ترعى نبتا مسموما توطئة لهلاكها وهكذا أعمال هؤلاء قد تنتفخ وتتضخم في الأعين ولكنه الانتفاخ المؤدي إلى البطلان والهلاك حيث لا ينصرهم ناصر ولا يدفع عنهم حام وذكر الكفر بآيات الله مصحوبا بقتل النبيين بغير حق وما يمكن أن يقتل نبي ثم يكون هناك حق وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس أي الذين يأمرون باتباع منهج الله القائم بالقسط المحقق وحده للقسط ذكر هذه الصفات يوحي بأن التهديد كان موجها لليهود فهذه سمتهم في تاريخهم يعرفون بها متى ذكرت ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجها للنصارى كذلك فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من
أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى وبشرية المسيح عليه السلام وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع وكثير ما هم في كل زمان ويحسن أن نتذكر دائما ماذا يعني القرآن بوصف الذين يكفرون بآيات الله فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية وقصر العبودية عليها وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين فمن جعل لغير الله شيئا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته ولو قالها ألف مرة باللسان وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام
كفر أهل الكتاب وبعض مزاعمهم
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب موقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى وكل منهما نصيب من الكتاب باعتبار أن كتاب الله هو كل ما أنزل على رسله وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته فهو كتاب واحد في حقيقته أوتي اليهود نصيبا منه وأوتي النصارى نصيبا منه وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله ومصدقا لما بين يديه من الكتاب سؤال التعجيب من هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ثم هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم في خلافاتهم وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم فلا يستجيبون جميعا لهذه الدعوة إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب الله وشريعته الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب الله ; والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون هكذا يعجب الله من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم لا كلهم عن الاحتكام إلى كتاب الله في أمور الاعتقاد وأمور الحياة فكيف بمن يقولون إنهم مسلمون ثم يخرجون شريعة الله من حياتهم كلها ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون إنه مثل يضربه الله للمسلمين أيضا كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام ; ويحذروا أن يكونوا موضعا لتعجيب الله وتشهيره بهم فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدعوا الإسلام حين يعرض فريق منهم عن التحاكم إلى كتاب الله فكيف يكون الاستنكار إذا كان المسلمون هم الذين يعرضون هذا الاعراض إنه العجب الذي لا ينقضي والبلاء الذي لا يقدر والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة الله والعياذ بالله ثم يكشف عن علة هذا الموقف المستنكر المتناقض ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون هذا هو السبب في الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله ; والتناقض مع دعوى الإيمان ودعوى أنهم أهل كتاب إنه عدم الاعتقاد بجدية الحساب يوم القيامة وجدية القسط الإلهي الذي لا يحابي ولا يميل يتجلى
هذا في قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وإلا فلماذا لا تمسهم النار إلا أياما معدودات لماذا وهم ينحرفون أصلا عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب الله لماذا إذا كانوا يعتقدون حقا بعدل الله بل إذا كانوا يحسون أصلا بجدية لقاء الله إنهم لا يقولون إلا افتراء ثم يغرهم هذا الافتراء وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء الله والشعور بحقيقة هذا اللقاء مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من الله مع الاعراض عن الاحتكام إلى كتاب الله وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون ثم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون وفيهم من يتبجحون ويتوقحون ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية بل العائلية ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن الله لن يعذبهم إلا تطهيرا من المعاصي ثم يساقون إلى الجنة أليسوا مسلمين إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين وتملصهم من حقيقته التي يرضاها الله الإسلام الاستسلام والطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده في كل شأن من شؤون الحياة فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون كيف إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء الله وجدية عدل الله ; ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة وهو بعد تهديد قائم للجميع مشركين وملحدين وأهل كتاب ومدعي إسلام فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلام فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وجرى العدل الإلهي مجراه ووفيت كل نفس ما كسبت بلا ظلم ولا محاباة وهم لا يظلمون كما أنهم لا يحابون في حساب الله سؤال يلقى ويترك بلا جواب وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب
حقيقة الألوهية في الكون والإنسان
بعدئذ يلقن رسول الله ص وكل مؤمن أن يتجه إلى الله مقررا حقيقة الألوهية الواحدة وحقيقة القوامة الواحدة في حياة البشر وفي تدبير الكون فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك لله فيها ولا شبيه قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب
نداء خاشع في تركيبه اللفظي إيقاع الدعاء وفي ظلاله المعنوية روح الابتهال وفي التفاتاته إلى كتاب الكون المفتوح استجاشة للمشاعر في رفق وإيناس وفي جمعه بين تدبير الله وتصريفه لأمور الناس ولأمور الكون إشارة إلى الحقيقة الكبيرة حقيقة الألوهية الواحدة القوامة على الكون والناس ; وحقيقة أن شأن الإنسان ليس إلا طرفا من شأن الكون الكبير الذي يصرفه الله ; وأن الدينونة لله وحده هي شأن الكون كله كما هي شأن الناس ; وأن الانحراف عن هذه القاعدة شذوذ وسفه وانحراف قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء إنها الحقيقة الناشئة من حقيقة الألوهية الواحدة إله واحد فهو المالك الواحد هو مالك الملك بلا شريك ثم هو من جانبه يملك من يشاء ما يشاء من ملكه يملكه إياه تمليك العارية يستردها صاحبها ممن يشاء عندما يشاء فليس لأحد ملكية أصيلة يتصرف فيها على هواه إنما هي ملكية معارة له خاضعة لشروط المملك الأصلي وتعليماته ; فإذا تصرف المستعير فيها تصرفا مخالفا لشرط المالك وقع هذا التصرف باطلا وتحتم على المؤمنين رده في الدنيا أما في الآخرة فهو محاسب على باطله ومخالفته لشرط المملك صاحب الملك الأصيل وكذلك هو يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا معقب على حكمه وبلا مجير عليه وبلا راد لقضائه فهو صاحب الأمر كله بما أنه سبحانه هو الله وما يجوز أن يتولى هذا الاختصاص أحد من دون الله وفي قوامة الله هذه الخير كل الخير فهو يتولاها سبحانه بالقسط والعدل يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء بالقسط والعدل ويعز من يشاء ويذل من يشاء بالقسط والعدل فهو الخير الحقيقي في جميع الحالات ; وهي المشيئة المطلقة والقدرة المطلقة على تحقيق هذا الخير في كل حال بيدك الخير إنك على كل شيء قدير وهذه القوامة على شؤون البشر وهذا التدبير لأمرهم بالخير ليس إلا طرفا من القوامة الكبرى على شؤون الكون والحياة على الإطلاق تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ; وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ; وترزق من تشاء بغير حساب والتعبير التصويري لهذه الحقيقة الكبيرة يملأ بها القلب والمشاعر والبصر والحواس هذه الحركة الخفية المتداخلة حركة إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل ; وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي الحركة التي تدل على يد الله بلا شبهة ولا جدال متى القى القلب إليها انتباهه واستمع فيها إلى صوت الفطرة الصادق العميق وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء شيئا فشيئا يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار وشيئا فشيئا يتنفس الصبح في غيابة الظلام شيئا فشيئا يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء وشيئا فشيئا يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة ; ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير
كذلك الحياة والموت يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة خلايا حية منه تموت وتذهب وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل وما ذهب منه ميتا يعود في دورة أخرى إلى الحياة وما نشأ فيه حيا يعود في دورة أخرى إلى الموت هذا في كيان الحي الواحد ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئا ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك حركة خفية عميقة لطيفة هائلة تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري ; وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدبر وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير ثم أنى يتخذ بعضهم بعضا عبيدا ويتخذ بعضهم بعضا أربابا ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال وترزق من تشاء بغير حساب إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى حقيقة الألوهية الواحدة حقيقة القوامة الواحدة وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم مالك الملك المعز المذل المحيي المميت المانح المانع المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال
حرمة موالاة الكفار
هذه اللمسة تؤكد الاستنكار الذي سبق في الفقرة الماضية لموقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ثم هم يتولون ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله المتضمن لمنهج الله للبشر بينما منهج الله يدبر أمر الكون كله وأمر البشر وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول والأمر كله بيد الله وهو ولي المؤمنين دون سواه لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله والقوة كلها لله والتدبير كله لله والرزق كله بيد الله فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو وإلى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة سواء كانت الموالاة بمودة القلب أو بنصره أو باستنصاره سواء لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء
هكذا ليس من الله في شيء لا في صلة ولا نسبة ولا دين ولا عقيدة ولا رابطة ولا ولاية فهو بعيد عن الله منقطع الصلة تماما في كل شيء تكون فيه الصلات ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية فما يجوز هذا الخداع على الله ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب وإشعارها أن عين الله عليها وأن علم الله يتابعها قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير وهو إمعان في التحذير والتهديد واستجاشة الخشية واتقاء التعرض للنقمة التي يساندها العلم والقدرة فلا ملجأ منها ولا نصرة ثم يتابع السياق التحذير ولمس القلوب خطوة أخرى كذلك باستحضار اليوم المرهوب ; الذي لا يند فيه عمل ولا نية ; والذي تواجه فيه كل نفس برصيدها كله يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وهي مواجهة تأخذ المسالك على القلب البشري وتحاصره برصيده من الخير والسوء وتصور له نفسه وهو يواجه هذا الرصيد ويود ولكن لات حين مودة لو أن بينه وبين السوء الذي عمله أمدا بعيدا أو أن بينه وبين هذا اليوم كله أمدا بعيدا بينما هو في مواجهته آخذ بخناقه ولات حين خلاص ولات حين فرار ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري فيكرر تحذير الله للناس من نفسه سبحانه ويحذركم الله نفسه ويذكرهم رحمته في هذا التحذير والفرصة متاحة قبل فوات الأوان والله رؤوف بالعباد ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير وهو دليل على إرادته الخير والرحمة بالعباد وتشي هذه الحملة الضخمة المنوعة الإيماءات والإيحاءات والأساليب والإشارات بما كان واقعا في حياة الجماعة المسلمة من خطورة تميع العلاقات بين أفراد من المعسكر المسلم وأقربائهم وأصدقائهم وعملائهم في مكة مع المشركين وفي المدينة مع اليهود تحت دوافع القرابة أو التجارة على حين يريد الإسلام أن يقيم أساس المجتمع المسلم الجديد على قاعدة العقيدة وحدها وعلى قاعدة المنهج المنبثق من هذه العقيدة الأمر الذي لا يسمح الإسلام فيه بالتميع والأرجحة إطلاقا
كذلك يشي بحاجة القلب البشري في كل حين إلى الجهد الناصب للتخلص من هذه الأوهاق والتحرر من تلك القيود والفرار إلى الله والارتباط بمنهجه دون سواه والإسلام لا يمنع أن يعامل المسلم بالحسنى من لا يحاربه في دينه ولو كان على غير دينه ولكن الولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى الولاء ارتباط وتناصر وتواد وهذا لا يكون في قلب يؤمن بالله حقا إلا للمؤمنين الذين يرتبطون معه في الله ; ويخضعون معه لمنهجه في الحياة ; ويتحاكمون إلى كتابه في طاعة واتباع واستسلام
الفرق بين الإيمان والكفر حب الله وطاعة الرسول
وأخيرا يجيء ختام هذا الدرس قويا حازما حاسما في القضية التي يعالجها والتي تمثل أكبر الخطوط العريضة الأساسية في السورة يجيء ليقرر في كلمات قصيرة حقيقة الإيمان وحقيقة الدين ويفرق تفريق حاسما بين الإيمان والكفر في جلاء لا يحتمل الشبهات قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين إن حب الله ليس دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان إلا أن يصاحبه الأتباع لرسول الله والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة وإن الإيمان ليس كلمات تقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تقام ولكنه طاعة لله والرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول يقول الإمام ابن كثير في التفسير عن الآية الأولى هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ص أنه قال < من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد > ويقول عن الآية الثانية قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا أي تخالفوا عن أمره فإن الله لا يحب الكافرين فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويقول الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية في كتابه زاد المعاد في هدى خير العباد ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ص بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس مجرد المعرفة فقط ولا المعرفة والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا إن هذا الدين له حقيقة مميزة لا يوجد إلا بوجودها حقيقة الطاعة لشريعة الله والاتباع لرسول الله والتحاكم إلى كتاب الله وهي الحقيقة المنبثقة من عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام توحيد الألوهية التي لها وحدها الحق في أن تعبد الناس لها وتطوعهم لأمرها وتنفذ فيهم شرعها وتضع لهم القيم والموازين التي يتحاكمون إليها ويرتضون حكمها ومن ثم توحيد القوامة التي تجعل الحاكمية لله وحده في حياة البشر وارتباطاتها جميعا كما أن الحاكمية لله وحده في تدبير أمر الكون كله وما الإنسان إلا قطاع من هذا الكون الكبير وهذا الدرس الأول من السورة يقرر هذه الحقيقة كما رأينا في صورة ناصعة كاملة شاملة لا مهرب من مواجهتها والتسليم بها لمن شاء أن يكون مسلما إن الدين عند الله الإسلام وهذا وحده هو الإسلام كما شرعه الله لا كما تصوره المفتريات
قصة ولادة مريم وطفولتها
يبدأ هذا القصص ببيان من اصطفاهم الله من عباده واختارهم لحمل الرسالة الواحدة بالدين الواحد منذ بدء الخليقة ليكونوا طلائع الموكب الإيماني في شتى مراحله المتصلة على مدار الأجيال والقرون فيقرر أنهم ذرية بعضها من بعض وليس من الضروري أن تكون ذرية النسب وإن كان نسب الجميع يلتقي في آدم ونوح فهي أولا رابطة الاصطفاء والاختيار الإلهي ; ونسب هذه العقيدة الموصول في ذلك الموكب الإيماني الكريم إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ولقد ذكر السياق آدم ونوحا فردين ; وذكر آل إبراهيم وآل عمران أسرتين إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحا بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهيم قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم إنما هي وراثة العقيدة وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وبعض الروايات تذكر أن عمران من آل إبراهيم فذكر آل عمران إذن تخصيص لهذا الفرع لمناسبة خاصة هي عرض قصة مريم وقصة عيسى عليه السلام كذلك نلاحظ أن السياق لم يذكر من آل إبراهيم لا موسى ولا يعقوب وهو إسرائيل كما ذكر آل عمران ذلك أن السياق هنا يستطرد إلى الجدل حول عيسى بن مريم وحول إبراهيم كما سيأتي في الدرس التالي فلم تكن هناك مناسبة لذكر موسى في هذا المقام أو ذكر يعقوب ومن هذا الإعلان التمهيدي ينتقل السياق مباشرة إلى آل عمران ومولد مريم إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم ; وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند لله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وقصة النذر تكشف لنا عن قلب امرأة عمران أم مريم وما يعمره من إيمان ومن توجه إلى ربها بأعز ما تملك وهو الجنين الذي تحمله في بطنها خالصا لربها محررا من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه والتعبير عن الخلوص المطلق بأنه تحرر تعبير موح فما يتحرر حقا إلا من يخلص لله كله ويفر إلى الله بجملته وينجو من العبودية لكل أحد ولك شيء ولكل قيمة فلا تكون عبوديته إلا لله وحده فهذا هو التحرر إذن وما عداه عبودية وإن تراءت في صورة الحرية ومن هنا يبدو التوحيد هو الصورة المثلى للتحرر فما يتحرر إنسان وهو يدين لأحد غير الله بشيء ما في ذات نفسه أو في مجريات حياته أو في الأوضاع والقيم والقوانين والشرائع التي تصرف هذه الحياة لا تحرر وفي قلب الإنسان تعلق أو تطلع أو عبودية لغير الله وفي حياته شريعة أو قيم أو موازين مستمدة من غير الله وحين جاء الإسلام بالتوحيد جاء بالصورة الوحيدة للتحرر في عالم الإنسان وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران بأن يتقبل ربها منها نذرها وهو فلذة كبدها ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله والتوجه إليه كلية والتحرر من كل قيد والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ولكنها وضعتها أنثى ; ولم تضعها ذكرا فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم لقد كانت تنتظر ولدا ذكرا ; فالنذر للمعابد لم يكن معروفا إلا للصبيان ليخدموا الهيكل وينقطعوا للعبادة والتبتل ولكن ها هي ذي تجدها أنثى فتتوجه إلى ربها في نغمة أسيفة رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت وكأنها تعتذر إن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة وليس الذكر كالأنثى ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال وإني سميتها مريم وهذا الحديث على هذا النحو فيه شكل المناجاة القريبة مناجاة من يشعر أنه منفرد بربه يحدثه بما في نفسه وبما بين يديه ويقدم له ما يملك تقديما مباشرا لطيفا وهي الحال التي يكون فيها هؤلاء العباد المختارون مع ربهم حال الود والقرب والمباشرة والمناجاة البسيطة العبارة التي لا تكلف فيها ولا تعقيد مناجاة من يحس أنه يحدث قريبا ودودا سميعا مجيبا وإني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها وتدعها لحمايته ورعايته وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم وهذه كذلك كلمة القلب الخالص ورغبة القلب الخالص فما تود لوليدتها أمرا خيرا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم وهذا التجرد الكامل في النذر وإعدادا لها أن تستقبل نفخة الروح وكلمة الله وأن تلد عيسى عليه السلام على غير مثال من ولادة البشر وكفلها زكريا أي جعل كفالتها له وجعله أمينا عليها وكان زكريا رئيس الهيكل اليهودي من ذرية هارون الذين صارت إليهم سدانة الهيكل ونشأت مباركة مجدودة يهيىء لها الله من رزقه فيضا من فيوضاته كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ولا نخوض نحن في صفة هذا الرزق كما خاضت الروايات الكثيرة فيكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل ما يسمى رزقا حتى ليعجب كافلها وهو نبي من فيض الرزق فيسألها كيف ومن أين هذا كله فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله وتفويض الأمر إليه كله هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه واحتفاظه بالسر الذي بينه وبينه والتواضع في الحديث عن هذا السر لا التنفج به والمباهاة كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى
قصة تبشير زكريا بيحيى
عندئذ تحركت في نفس زكريا الشيخ الذي لم يوهب ذرية تحركت تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية الرغبة في الذرية في الامتداد في الخلف الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ; واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار
وكذلك نجدنا أمام حادث غير عادي يحمل مظهرا من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية وعدم تقيدها بالمألوف للبشر الذي يحسبه البشر قانونا لا سبيل إلى إخلافه ; ومن ثم يشكون في كل حادث لا يجيء في حدود هذا القانون فإذا لم يستطيعوا تكذيبه لأنه واقع صاغوا حوله الخرافات والأساطير فها هو ذا زكريا الشيخ الكبير وزوجه العاقر التي لم تلد في صباها ها هو ذا تجيش في قلبه الرغبة الفطرية العميقة في الخلف وهو يرى بين يديه مريم البنية الصالحة المرزوقة فيتوجه إلى ربه يناجيه ويطلب منه أن يهب له من لدنه ذرية طيبة هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فما الذي كان من هذا الدعاء الخاشع الحار المنيب كانت الاستجابة التي لا تتقيد بسن ولا تتقيد بمألوف الناس ; لأنها تنطلق من المشيئة المطلقة التي تفعل ما تريد فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لقد استجيبت الدعوة المنطلقة من القلب الطاهر الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ; ويملك الإجابة حين يشاء وبشرت الملائكة زكريا بمولود ذكر اسمه معروف قبل مولده ; يحيى ; وصفته معروفة كذلك سيدا كريما وحصورا يحصر نفسه عن الشهوات ويملك زمام نزعاته من الانفلات ومؤمنا مصدقا بكلمة تأتيه من الله ونبيا صالحا في موكب الصالحين لقد استجيبت الدعوة ولم يحل دونها مألوف البشر الذي يحسبونه قانونا ثم يحسبون أن مشيئة الله سبحانه مقيدة بهذا القانون وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانونا لا يخرج عن أن يكون أمرا نسبيا لا مطلقا ولا نهائيا فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه أن يصل إلى قانون نهائي ولا أن يدرك حقيقة مطلقة فما أجدر الإنسان أن يتأدب في جناب الله وما أجدره أن يلتزم حدود طبيعته وحدود مجاله فلا يخبط في التيه بلا دليل وهو يتحدث عن الممكن والمستحيل وهو يضع لمشيئة الله المطلقة إطارا من تجاربه هو ومن مقرراته هو ومن علمه القليل ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا نفسه وهل زكريا إلا إنسان على كل حال واشتاق أن يعرف من ربه كيف تقع هذه الخارقة بالقياس إلى مألوف البشر قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر وجاءه الجواب جاءه في بساطة ويسر يرد الأمر إلى نصابه ويرده إلى حقيقته التي لا عسر في فهمها ولا غرابة في كونها قال كذلك الله يفعل ما يشاء كذلك فالأمر مألوف مكرور معاد حين يرد إلى مشيئة الله وفعله الذي يتم دائما على هذا النحو ; ولكن الناس لا يتفكرون في الطريقة ولا يتدبرون الصنعة ولا يستحضرون الحقيقة
كذلك بهذا اليسر وبهذه الطلاقة يفعل الله ما يشاء فماذا في أن يهب لزكريا غلاما وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر إنما هذه مألوفات البشر التي يقررون قواعدهم عليها ويتخذون منها قانونا فأما بالقياس إلى الله فلا مألوف ولا غريب كل شيء مرده إلى توجه المشيئة والمشيئة مطلقة من كل القيود ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى ولدهشة المفاجأة في نفسه راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها قال رب اجعل لي آية هنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي ; فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو اتجه إلى الناس ; وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه قال آيتك إلا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ويسكت السياق هنا ونعرف أن هذا قد كان فعلا فإذا زكريا يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره لسانه هذا هو لسانه ولكنه يحتبس عن كلام الناس وينطلق لمناجاة ربه أي قانون يحكم هذه الظاهرة إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر
كلام الملائكة مريم والدلالة على الوحي
وكأنما كانت هذه الخارقة تمهيدا في السياق لحادث عيسى الذي انبثقت منه كل الأساطير والشبهات وإن هو إلا حلقة من سلسلة في ظواهر المشيئة الطليقة فهنا يبدأ في قصة المسيح عليه السلام وإعداد مريم لتلقي النفخة العلوية بالطهارة والقنوت والعبادة وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين وأي اصطفاء وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة كما تلقاها أول هذه الخليقة آدم وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها إنه الاصطفاء للأمر المفرد في تاريخ البشرية وهو بلا جدال أمر عظيم ولكنها حتى ذلك الحين لم تكن تعلم ذلك الأمر العظيم والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى وذلك لما لابس مولد عيسى عليه السلام من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سرا لا يشرف قبحهم الله وهنا تظهر عظمة هذا الدين ; ويتبين مصدره عن يقين فها هو ذا محمد ص رسول الإسلام الذي يلقى من أهل الكتاب ومنهم النصارى ما يلقى من التكذيب والعنت والجدل والشبهات ها هو ذا يحدث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة وتفضيلها على نساء العالمين بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الآفاق وهو في معرض مناظرة مع القوم الذين يعتزون بمريم ويتخذون من تعظيمها مبررا لعدم إيمانهم بمحمد وبالدين الجديد أي صدق وآية عظمة وأية دلالة على مصدر هذا الدين وصدق صاحبه الأمين إنه يتلقى الحق من ربه ; عن مريم وعن عيسى عليه السلام ; فيعلن هذا الحق في هذا المجال ولو لم يكن رسولا من الله الحق ما أظهر هذا القول في هذا المجال بحال يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين طاعة وعبادة وخشوع وركوع وحياة موصولة بالله تمهيدا للأمر العظيم الخطير وعند هذا المقطع من القصة وقبل الكشف عن الحدث الكبير يشير السياق إلى شيء من حكمة مساق القصص إنه إثبات الوحي الذي ينبىء النبي ص بما لم يكن حاضره من أنباء الغيب في هذا الأمر ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون وهي إشارة إلى ما كان من تسابق سدنة الهيكل إلى كفالة مريم حين جاءت بها أمها وليدة إلى الهيكل وفاء لنذرها وعهدها مع ربها والنص يشير إلى حادث لم يذكره العهد القديم ولا العهد الجديد المتداولان ; ولكن لا بد أنه كان معروفا عند الأحبار والرهبان حادث إلقاء الأقلام أقلام سدنة الهيكل لمعرفة من تكون مريم من نصيبه والنص القرآني لا يفصل الحادث ربما اعتمادا على أنه كان معروفا لسامعيه أو لأنه لا يزيد شيئا في أصل الحقيقة التي يريد عرضها على الأجيال القادمة فلنا أن نفهم أنهم اتفقوا على طريقة خاصة بواسطة إلقاء الأقلام لمعرفة من هي من نصيبه على نحو ما نصنع في القرعة مثلا وقد ذكرت بعض الروايات أنهم ألقوا بأقلامهم في نهر الأردن فجرت مع التيار إلا قلم زكريا فثبت وكانت هذه هي العلامة بينهم فسلموا بمريم له وكل ذلك من الغيب الذي لم يكن الرسول ص حاضره ولم يبلغ إلى علمه فربما كان من أسرار الهيكل التي لا تفشى ولا تباح للإذاعة بها فاتخذها القرآن في مواجهة كبار أهل الكتاب وقتها دليلا على وحي من الله لرسوله الصادق ولم يرد أنهم ردوا هذه الحجة ولو كانت موضع جدال لجادلوه ; وهم قد جاءوا للجدال
خلق عيسى بن مريم ونبوته
والأن نجيء إلى مولد عيسى العجيبة الكبرى في عرف الناس والشأن العادي للمشيئة الطليقة إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ; ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ; وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ; وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوارة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
لقد تأهلت مريم إذن بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل واستقبال هذا الحدث وها هي ذي تتلقى لأول مرة التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة وهو الكلمة في الحقيقة فماذا وراء هذا التعبير إن هذه وأمثالها من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد ربما كانت من الذي عناه الله بقوله أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله إلخ ولكن الأمر أيسر من هذا إذا أردنا أن نفهم طبيعة هذه الحقيقة الفهم الذي يصل القلب بالله وصنعته وقدرته ومشيئته الطليقة لقد شاء الله أن يبدأ الحياة البشرية بخلق آدم من تراب وسواء كان قد جبله مباشرة من التراب أو جبل السلالة الأولى التي انتهت إليه من تراب فإن هذا لا يقدم ولا يؤخر في طبيعة السر الذي لا يعلمه إلا الله سر الحياة التي لابست أول مخلوق حي أو لابست آدم إن كان خلقه مباشرة من التراب الميت وهذه كتلك في صنع الله وليست واحدة منهما بأولى من الأخرى في الوجود والكينونة من أين جاءت هذه الحياة وكيف جاءت إنها قطعا شيء آخر غير التراب وغير سائر المواد الميتة في هذه الأرض شيء زائد وشيء مغاير وشيء ينشىء آثارا وظواهر لا توجد أبدا في التراب ولا في مادة ميتة على الإطلاق هذا السر من أين جاء إنه لا يكفي أننا لا نعلم لكي ننكر أو نهذر كما يفعل الماديون في لجاجة صغيرة لا يحترمها عاقل فضلا عن عالم نحن لا نعلم وقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلناها نحن البشر بوسائلنا المادية لمعرفة مصدرها أو لإنشائها بأيدينا من الموات نحن لا نعلم ولكن الله الذي وهب الحياة يعلم وهو يقول لنا إنها نفخة من روحه وإن الأمر قد تم بكلمة منه كن فيكون ما هي هذه النفخة وكيف تنفخ في الموات فينشأ فيه هذا السر اللطيف الخافي على الأفهام ما هي وكيف هذا هو الذي لم يخلق العقل البشري لإدراكه لأنه ليس من شأنه إنه لم يوهب القدرة على إدراكه إن معرفة ماهية الحياة وطريق النفخة لا يجديه شيئا في وظيفته التي خلقه الله لها وظيفة الخلافة في الأرض إنه لن يخلق حياة من موات فما قيمة أن يعرف طبيعة الحياة وماهية النفخة من روح الله وكيفية اتصالها بآدم أو بأول سلم الحياة الذي سارت فيه السلالة الحية والله سبحانه يقول إن النفخة من روحه في آدم هي التي جعلت له هذا الامتياز والكرامة حتى على الملائكة فلا بد إذن أن تكون شيئا آخر غير مجرد الحياة الموهوبة للدود والميكروب وهذا ما يقودنا إلى اعتبار الإنسان جنسا نشأ نشأة ذاتية وأن له اعتبارا خاصا في نظام الكون ليس لسائر الأحياء وعلى أية حال فهذا ليس موضوعنا هنا إنما هي لمحة في سياق العرض للتحرز من شبهة قد تقوم في نفس القارىء لما عرضناه جدلا حول نشأة الإنسان المهم هنا أن الله يخبرنا عن نشأة سر الحياة ; وإن لم ندرك طبيعة هذا السر وكيفية نفخه في الموات وقد شاء الله بعد نشأة آدم نشأة ذاتية مباشرة أن يجعل لإعادة النشأة الإنسانية طريقا معينا طريق التقاء ذكر وأنثى واجتماع بويضة وخلية تذكير فيتم الإخصاب ويتم الإنسال والبويضة حية غير ميتة والخلية حية كذلك متحركة ومضى مألوف الناس على هذه القاعدة حتى شاء الله أن يخرق هذه القاعدة المختارة في فرد من بني الإنسان فينشئه نشأة قريبة وشبيهة بالنشأة الأولى وإن لم تكن مثلها تماما أنثى فقط تتلقى النفخة التي تنشىء الحياة ابتداء فتنشأ فيها الحياة أهذه النفخة هي الكلمة آلكلمة هي توجه الإرادة آلكلمة كن التي قد تكون حقيقة وقد تكون كناية عن توجه الإرادة والكلمة هي عيسى أو هي التي منها كينونته كل هذه بحوث لا طائل وراءها إلا الشبهات وخلاصتها هي تلك أن الله شاء أن ينشىء حياة على غير مثال فأنشأها وفق إرادته الطليقة التي تنشىء الحياة بنفخة من روح الله ندرك آثارها ونجهل ماهيتها ويجب أن نجهلها لأنها لا تزيد مقدرتنا على الاضطلاع بوظيفة الخلافة في الأرض ما دام إنشاء الحياة ليس داخلا في تكليف الاستخلاف والأمر هكذا سهل الإدراك ووقوعه لا يثير الشبهات وهكذا بشرت الملائكة مريم بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم فتضمنت البشارة نوعه وتضمنت اسمه ونسبه وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده ويكلم الناس في المهد ولمحة من مستقبله وكهلا وسمته والموكب الذي ينتسب إليه ومن الصالحين فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر وجاءها الجواب يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول الفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل ومألوفهم المحدود قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب وتزول الحيرة ويطمئن القلب ; ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب وهكذا كان القرآن ينشىء التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء
ثم يتابع الملك البشارة لمريم عن هذا الخلق الذي اختارها الله لإنجابه على غير مثال ; وكيف ستمضي سيرته في بني إسرائيل وهنا تمتزج البشارة لمريم بمقبل تاريخ المسيح ويلتقيان في سياق واحد كأنما يقعان اللحظة على طريقة القرآن ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل والكتاب قد يكون المراد به الكتابة ; وقد يكون هو التوراة والإنجيل ويكون عطفهما على الكتاب هو عطف بيان والحكمة حالة في النفس يتأتي معها وضع الأمور في مواضعها وإدراك الصواب واتباعه وهي خير كثير والتوراة كانت كتاب عيسى كالإنجيل فهي أساس الدين الذي جاء به والإنجيل تكملة وإحياء لروح التوراة ولروح الدين التي طمست في قلوب بني إسرائيل وهذا ما يخطىء الكثيرون من المتحدثين عن المسيحية فيه فيغفلون التوراة وهي قاعدة دين المسيح عليه السلام وفيها الشريعة التي يقوم عليها نظام المجتمع ; ولم يعدل فيها الإنجيل إلا القليل أما الإنجيل فهو نفخة إحياء وتجديد لروح الدين وتهذيب لضمير الإنسان بوصله مباشرة بالله من وراء النصوص هذا الإحياء وهذا التهذيب اللذان جاء المسيح وجاهد لهما حتى مكروا به كما سيجيء ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى عليه السلام كانت لبني إسرائيل فهو أحد أنبيائهم ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم هي كتاب عيسى كذلك مضافا إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير والآية التي بشر الله أمه مريم أنها ستكون معه والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة وإحياء الموتى من الناس وإبراء المولود الأعمى وشفاء الأبرص والإخبار بالغيب بالنسبة له وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل وهو بعيد عن رؤيته بعينه وحرص النص على أن يذكر على لسان المسيح عليه السلام كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها إنما جاءهم بها من عند الله وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلا وتحديدا ; ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها أو رد العافية وهي فرع عن الحياة ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى ; ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم عليه السلام وإذا كان الله قادرا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسان الله سبحانه بمألوف الإنسان ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
وهذا الختام في دعوة عيسى عليه السلام لبني إسرائيل يتكشف عن حقائق أصيلة في طبيعة دين الله وفي مفهوم هذا الدين في دعوة الرسل جميعا عليهم الصلاة والسلام وهي حقائق ذات قيمة خاصة حين ترد على لسان عيسى عليه السلام بالذات وهو الذي ثار حول مولده وحقيقته ما ثار من الشبهات التي نشأت كلها من الانحراف عن حقيقة دين الله التي لا تتبدل بين رسول ورسول فهو إذ يقول ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم يكشف عن طبيعة المسيحية الحقة فالتوارة التي تنزلت على موسى عليه السلام وهي تتضمن التشريع المنظم لحياة الجماعة وفق حاجة ذلك الزمان وملابسات حياة بني إسرائيل بما أنها ديانة خاصة لمجموعة من البشر في فترة من الزمان هذه التوراة معتمدة في رسالة المسيح عليه السلام ; وجاءت رسالته مصدقة لها مع تعديلات تتعلق بإحلال بعض ما حرم الله عليهم وكان تحريمه في صورة عقوبات حلت بهم على معاص وانحرافات أدبهم الله عليها بتحريم بعض ما كان حلالا لهم ثم شاءت إرادته أن يرحمهم بالمسيح عليه السلام فيحل لهم بعض الذي حرم عليهم ومن هذا يتبين أن طبيعة الدين أي دين أن يتضمن تنظيما لحياة الناس بالتشريع ; وألا يقتصر على الجانب التهذيبي الأخلاقي وحده ولا على المشاعر الوجدانية وحدها ولا على العبادات والشعائر وحدها كذلك فهذا لا يكون دينا فما الدين إلا منهج الحياة الذي أراده الله للبشر ; ونظام الحياة الذي يربط حياة الناس بمنهج الله ولا يمكن أن ينفك عنصر العقيدة الإيمانية عن الشعائر التعبدية عن القيم الخلقية عن الشرائع التنظيمية في أي دين يريد أن يصرف حياة الناس وفق المنهج الإلهي وأي انفصال لهذه المقومات يبطل عمل الدين في النفوس وفي الحياة ; ويخالف مفهوم الدين وطبيعته كما أراده الله وهذا ما حدث للمسيحية فإنها لعدة ملابسات تاريخية من ناحية ; ولكونها جاءت موقوته لزمن حتى يجيء الدين الأخير ثم عاشت بعد زمنها من ناحية قد انفصل فيها الجانب التشريعي التنظيمي عن الجانب الروحاني التعبدي الأخلاقي فقد حدث أن قامت العداوة المستحكمة بين اليهود والمسيح عليه السلام وأنصاره ومن اتبع دينه فيما بعد ; فأنشأ هذا انفصالا بين التوراة المتضمنة للشريعة والإنجيل المتضمن للإحياء الروحي والتهذيب الأخلاقي كما أن تلك الشريعة كانت شريعة موقوتة لزمن خاص ولجماعة من الناس خاصة وكان في تقدير الله أن الشريعة الدائمة الشاملة للبشرية كلها ستجيء في موعدها المقدور وعلى أية حال فقد انتهت المسيحية إلى أن تكون نحلة بغير شريعة وهنا عجزت عن أن تقود الحياة الاجتماعية للأمم التي عاشت عليها فقيادة الحياة الاجتماعية تقتضي تصورا اعتقاديا يفسر الوجود كله ويفسر حياة الإنسان ومكانه في الوجود ; وتقتضي نظاما تعبديا وقيما أخلاقية ثم تقتضي حتما تشريعات منظمة لحياة الجماعة مستمدة من ذلك التصور الاعتقادي ومن هذا النظام التعبدي ومن هذه القيم الأخلاقية وهذا القوام التركيبي للدين هو الذي يضمن قيام نظام اجتماعي له بواعثه المفهومة وله ضماناته المكينة فلما وقع ذلك الانفصال في الدين المسيحي عجزت المسيحية عن أن تكون نظاما شاملا للحياة البشرية واضطر أهلها إلى الفصل بين القيم الروحية والقيم العملية في حياتهم كلها ومن بينهما النظام الاجتماعي الذي تقوم عليه هذه الحياة وقامت الأنظمة الاجتماعية هناك على غير قاعدتها الطبيعية الوحيدة فقامت معلقة في الهواء أو قامت عرجاء ولم يكن هذا أمرا عاديا في الحياة البشرية ولا حادثا صغيرا في التاريخ البشري إنما كان كارثة كارثة ضخمة تنبع منها الشقوة والحيرة والانحلال والشذوذ والبلاء الذي تتخبط فيه الحضارة المادية اليوم سواء في البلاد التي لا تزال تعتنق المسيحية وهي خالية من النظام الاجتماعي لخلوها من التشريع أو التي نفضت عنها المسيحية وهي في الحقيقة لم تبعد كثيرا عن الذين يدعون أنهم مسيحيون فالمسيحية كما جاء بها السيد المسيح وكما هي طبيعة كل دين يستحق كلمة دين هي الشريعة المنظمة للحياة المنبثقة من التصور الاعتقادي في الله ومن القيم الأخلاقية المستندة إلى هذا التصور وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا تكون مسيحية ولا يكون دين على الإطلاق وبدون هذا القوام الشامل المتكامل لا يقوم نظام اجتماعي للحياة البشرية يلبي حاجات النفس البشرية ويلبي واقع الحياة البشرية ويرفع النفس البشرية والحياة البشرية كلها إلى الله وهذه الحقيقة هي أحد المفاهيم التي يتضمنها قول المسيح عليه السلام ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم إلخ وهو يستند في تبليغ هذه الحقيقة على الحقيقة الكبرى الأولى حقيقة التوحيد الذي لا شبهة فيه وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فهو يعلن حقيقة التصور الاعتقادي التي قام عليها دين الله كله المعجزات التي جاءهم بها لم يجىء بها من عند نفسه فما له قدرة عليها وهو بشر إنما جاءهم بها من عند الله ودعوته تقوم ابتداء على تقوى الله وطاعة رسوله ثم يؤكد ربوبية الله له ولهم على السواء فما هو برب وإنما هو عبد وأن يتوجهوا بالعبادة إلى الرب فلا عبودية إلا لله ويختم قوله بالحقيقة الشاملة فتوحيد الرب وعبادته وطاعة الرسول والنظام الذي جاء به هذا صراط مستقيم وما عداه عوج وانحراف وما هو قطعا بالدين [/size][/color][/align]