الرحال 1
12th December 2005, 04:25 PM
قصة الكتاب :
من كتب الجاحظ التي تمثل روحه الساخرة وأسلوبه المرح الفكه خير تمثيل، جمع فيه أخبار البخلاء والمبخلين والمقتصدين في عصره وما قبله من أهل البصرة وخراسان بنوع خاص، فصور حالاتهم كما رآها أو اتصل به خبرها، متندراً بأحاديثهم وحججهم، مستطرداً إلى المناظرات الكثيرة حول البخل والكرم والضيافة، وصدره برسالة سهل بن هارون التي تعتبر أبرز مراجع الكتاب، إضافة إلى مُلح الحزامي واحتجاج الكندي الفيلسوف، وكلام ابن غزوان، وخطبة الحارثي، وكل ما حضره من أعاجيبهم وأعاجيب غيرهم. طبع الكتاب مرات كثيرة، أولها طبعة ليدن سنة 1900 بعناية المستشرق (ج. فان فلوتن) ثم طبع بمصر سنة (1323هـ) فطبعة علي الجارم والعوامري سنة 1939 مطبعة دار الكتب المصرية، ثم طبع بتحقيق طه الحاجري في دار الكاتب المصري بالقاهرة سنة 1948 في 465 صفحة، صدره بمقدمة تحليلية طويلة عن الكتاب وأسلوبه ومزاياه ومآخذه، وزوده بعدد كبير من الفهارس. ولأحمد بن محمد امبيريك (صورة بخيل الجاحظ الفنية من خلال خصائص الأسلوب في كتاب البخلاء) منشورات عام 1985 ولهاني العمد (صورة البصرة في بخلاء الجاحظ) بغداد 1990م وللدكتورر جميل جبر: (الجاحظ في حياته وأدبه وفكره) استفدنا منه في هذا التعريف. وانظر في (ثمار القلوب) و(العقد الفريد) و(التذكرة الحمدونية) و(ربيع الأبرار) و(معجم الأدباء) نقلاً من هذا الكتاب، أوله: (ليس جهد البلاء). وفي العقد الفريد نقول منه أيضاً، منها: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه يوم الرأس. و(كان أبو عبد الرحمن الثوري يعجبه الرؤوس ويصفها، ويسميها العرس...إلخ. وفي (قطب السرور) نص منه بألفاظ مختلفة، أوله: (سمعت أبا الفاتك قاضي الفتيان..)
نموذج من الكتاب
وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد رجل من أهل خراسان. وكان من عقلائهم وفهمائهم. وكان يأكل وحده، فقلت له: لم تأكل لوحدك؟ قال: ليس علي في هذا الموضع مسألة. إنما المسألة على من أكل مع الجماعة؛ لأن ذلك هو التكلف. وأكلي وحدي هو الأصل. وأكلي مع غيري زيادة في الأصل.
وحدثني إبراهيم بن السندي، قال: كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان. وكان مصححاً، بعيداً من الفساد، ومن الرشا، ومن الحكم بالهوى. وكان حفياً جداً. وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله وتدنيقه في نفقاته، وكلن لا يأكل إلا ما لابد منه، ولا يشرب إلا ونشهد أن محمداً عبده ورسوله لابد منه.
غير أنه كان في غداة كل جمعة يحمل معه منديلاً فيه جردقتان، وقطع لحم سكباج مبرد، وقطع جبن، وزيتونات، وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان، وأربع بيضات، ليس منها بد. ومعه خلال.
ويمضي وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ. ويطلب موضعاً تحت شجرة، وسط خضرة، وعلى ماء جار. فإذا وجد ذلك جلس، وبسط بين يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن هذا مرة. فإن وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال: اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا رطباً، إن كان في زمان الرطب، أو عنباً، إن كان في زمان العنب. ويقول له: إياك إياك أن تحابيني، ولكن تجود لي، فإنك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور.
فإن أتاه به أكل كل سيء معه، وكل شيء أتى به. ثم تخلل وغسل يديه. ثم يمشي مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام إلى وقت الجمعة. ثم ينتبه فيغتسل، ويمضي إلى المسجد. هذا كان دأبه كل جمعة.
قال إبراهيم: فبينا هو يوماً من أيامه يأكل في بعض المواضع، إذ مر به رجل فسلم عليه، فرد السلام. ثم قال: هلم - عافاك الله! فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعاً، يريد أن يطفر الجدول، أو يعدي النهر، قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان! فوقف الرجل فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا؟ قال: أريد أن أتغدى. قال: ولم ذلك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟ قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟ قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام. الآيين فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، تبدأ أنت فتسلم. فأقول أنا حينئذ مجيباً لك: وعليكم السلام. فإن كنت لا آكل شيئاً أنا، وسكت أنتن ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا، فأقول: هلم، وتجيب أنت، فتقول: هنيئاً. فيكون كلام بكلام. فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يخرج علينا فضلاً كثيراً! قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه. فشهر بذلك في تلك الناحية، وقيل له: قد أعفيناك من السلام ومن تكلف الرد. قال: ما بي إلى ذلك حاجة. إنما هو أن أعفي أنا نفسي من هلم وقد استقام الأمر! ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير، عن وال كان بفارس، إما أن يكون جالداً أخا مهرويه أو غيره. قال: بينا هو يوماً في مجلس، وهو مشغول بحسابه وأمره، وقد احتجب جهده، إذ نجم شاعر من بين يديه، فأنشده شعراً مدحه فيه وقرظه ومجده. فلما فرغ قال: قد أحسنت. ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم. ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له. فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟ اجعلها عشرين ألف درهم. وكاد الشاعر يخرج من جلده! فلما رأى فرحه قد تضاعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول! أعطه يا فلان أربعين ألفاً. فكاد الفرح يقتله. فلما رجعت إليه نفسه قال له: أنت - جعلت فداك! - رجل كريم. وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحاً زدتني في الجائزة. وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر له! ثم دعا له وخرج.
من كتب الجاحظ التي تمثل روحه الساخرة وأسلوبه المرح الفكه خير تمثيل، جمع فيه أخبار البخلاء والمبخلين والمقتصدين في عصره وما قبله من أهل البصرة وخراسان بنوع خاص، فصور حالاتهم كما رآها أو اتصل به خبرها، متندراً بأحاديثهم وحججهم، مستطرداً إلى المناظرات الكثيرة حول البخل والكرم والضيافة، وصدره برسالة سهل بن هارون التي تعتبر أبرز مراجع الكتاب، إضافة إلى مُلح الحزامي واحتجاج الكندي الفيلسوف، وكلام ابن غزوان، وخطبة الحارثي، وكل ما حضره من أعاجيبهم وأعاجيب غيرهم. طبع الكتاب مرات كثيرة، أولها طبعة ليدن سنة 1900 بعناية المستشرق (ج. فان فلوتن) ثم طبع بمصر سنة (1323هـ) فطبعة علي الجارم والعوامري سنة 1939 مطبعة دار الكتب المصرية، ثم طبع بتحقيق طه الحاجري في دار الكاتب المصري بالقاهرة سنة 1948 في 465 صفحة، صدره بمقدمة تحليلية طويلة عن الكتاب وأسلوبه ومزاياه ومآخذه، وزوده بعدد كبير من الفهارس. ولأحمد بن محمد امبيريك (صورة بخيل الجاحظ الفنية من خلال خصائص الأسلوب في كتاب البخلاء) منشورات عام 1985 ولهاني العمد (صورة البصرة في بخلاء الجاحظ) بغداد 1990م وللدكتورر جميل جبر: (الجاحظ في حياته وأدبه وفكره) استفدنا منه في هذا التعريف. وانظر في (ثمار القلوب) و(العقد الفريد) و(التذكرة الحمدونية) و(ربيع الأبرار) و(معجم الأدباء) نقلاً من هذا الكتاب، أوله: (ليس جهد البلاء). وفي العقد الفريد نقول منه أيضاً، منها: كان أبو عثمان الثوري يجلس ابنه معه يوم الرأس. و(كان أبو عبد الرحمن الثوري يعجبه الرؤوس ويصفها، ويسميها العرس...إلخ. وفي (قطب السرور) نص منه بألفاظ مختلفة، أوله: (سمعت أبا الفاتك قاضي الفتيان..)
نموذج من الكتاب
وقال أبو نواس: كان معنا في السفينة ونحن نريد بغداد رجل من أهل خراسان. وكان من عقلائهم وفهمائهم. وكان يأكل وحده، فقلت له: لم تأكل لوحدك؟ قال: ليس علي في هذا الموضع مسألة. إنما المسألة على من أكل مع الجماعة؛ لأن ذلك هو التكلف. وأكلي وحدي هو الأصل. وأكلي مع غيري زيادة في الأصل.
وحدثني إبراهيم بن السندي، قال: كان على ربع الشاذروان شيخ لنا من أهل خراسان. وكان مصححاً، بعيداً من الفساد، ومن الرشا، ومن الحكم بالهوى. وكان حفياً جداً. وكذلك كان في إمساكه، وفي بخله وتدنيقه في نفقاته، وكلن لا يأكل إلا ما لابد منه، ولا يشرب إلا ونشهد أن محمداً عبده ورسوله لابد منه.
غير أنه كان في غداة كل جمعة يحمل معه منديلاً فيه جردقتان، وقطع لحم سكباج مبرد، وقطع جبن، وزيتونات، وصرة فيها ملح، وأخرى فيها أشنان، وأربع بيضات، ليس منها بد. ومعه خلال.
ويمضي وحده، حتى يدخل بعض بساتين الكرخ. ويطلب موضعاً تحت شجرة، وسط خضرة، وعلى ماء جار. فإذا وجد ذلك جلس، وبسط بين يديه المنديل، وأكل من هذا مرة، ومن هذا مرة. فإن وجد قيم ذلك البستان رمى إليه بدرهم، ثم قال: اشتر لي بهذا، أو أعطني بهذا رطباً، إن كان في زمان الرطب، أو عنباً، إن كان في زمان العنب. ويقول له: إياك إياك أن تحابيني، ولكن تجود لي، فإنك إن فعلت لم آكله، ولم أعد إليك. واحذر الغبن، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور.
فإن أتاه به أكل كل سيء معه، وكل شيء أتى به. ثم تخلل وغسل يديه. ثم يمشي مقدار مائة خطوة. ثم يضع جنبه، فينام إلى وقت الجمعة. ثم ينتبه فيغتسل، ويمضي إلى المسجد. هذا كان دأبه كل جمعة.
قال إبراهيم: فبينا هو يوماً من أيامه يأكل في بعض المواضع، إذ مر به رجل فسلم عليه، فرد السلام. ثم قال: هلم - عافاك الله! فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعاً، يريد أن يطفر الجدول، أو يعدي النهر، قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان! فوقف الرجل فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا؟ قال: أريد أن أتغدى. قال: ولم ذلك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟ قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟ قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام. الآيين فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، تبدأ أنت فتسلم. فأقول أنا حينئذ مجيباً لك: وعليكم السلام. فإن كنت لا آكل شيئاً أنا، وسكت أنتن ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا، فأقول: هلم، وتجيب أنت، فتقول: هنيئاً. فيكون كلام بكلام. فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يخرج علينا فضلاً كثيراً! قال: فورد على الرجل شيء لم يكن في حسابه. فشهر بذلك في تلك الناحية، وقيل له: قد أعفيناك من السلام ومن تكلف الرد. قال: ما بي إلى ذلك حاجة. إنما هو أن أعفي أنا نفسي من هلم وقد استقام الأمر! ومثل هذا الحديث ما حدثني به محمد بن يسير، عن وال كان بفارس، إما أن يكون جالداً أخا مهرويه أو غيره. قال: بينا هو يوماً في مجلس، وهو مشغول بحسابه وأمره، وقد احتجب جهده، إذ نجم شاعر من بين يديه، فأنشده شعراً مدحه فيه وقرظه ومجده. فلما فرغ قال: قد أحسنت. ثم أقبل على كاتبه فقال: أعطه عشرة آلاف درهم. ففرح الشاعر فرحاً قد يستطار له. فلما رأى حاله قال: وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟ اجعلها عشرين ألف درهم. وكاد الشاعر يخرج من جلده! فلما رأى فرحه قد تضاعف قال: وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول! أعطه يا فلان أربعين ألفاً. فكاد الفرح يقتله. فلما رجعت إليه نفسه قال له: أنت - جعلت فداك! - رجل كريم. وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددت فرحاً زدتني في الجائزة. وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر له! ثم دعا له وخرج.