الرحال 1
10th December 2005, 01:04 PM
*** من المكتبه الأدبيه الاجنبيه (1) الطائر الرهـيب ****
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
في رواية «حكاية الطائر الرهيب» يجمع الكاتب الياباني الشهير
هاروكي موراكامي بين عناصر الثقافة الشعبية والسينمائية الحديثة والرواية البوليسية
ليتمكن في النهاية من تقديم عمل متكامل شديد العناية بالتفاصيل الداخلية والخارجية،
البسيطة والمعقدة لحياة المجتمع الياباني في نهايات القرن العشرين. وكما هو معروف
فإن موراكامي هو رائد الرواية السريالية، ما فوق الواقعية، التي تلقى ترحيبا حارا في
الأوساط الثقافية والأدبية اليابانية والغربية على حد سواء نظرا لاحتوائها على عناصر الثقافتين.
«حكاية الطائر الرهيب»
لموراكامي على الرغم من أنها تذكرك بأعماله الأخرى «ارقص ارقص ارقص!» سنة 1988
و«جنوب الحدود غربي الشمس» سنة 1992 وراوية «المترو» سنة 1997 إلا أنها تمثل
في حد ذاتها عملا متميزا نظرا لأنه يتطرق إلى موضوعات مهمة كالإنسلاخ والعزلة
والاغتراب والاضطراب والتفاهة وأشكال أخرى من المخاوف التي يعاني منها المجتمع
الحديث في ظل وجود اسطورة «الجنتلمان» المجبر على المساومة بالحميمية من
أجل المجهول. وكعادته فإن موراكامي يضعك أمام الراوي وفي هذه المرة يلتقي
القاريء «بتورو أوكاوا» محامي من طوكيو يتوقف عن العمل فجأة وتفقد زوجته قطتها
المدللة ثم تختفي المرأة في ظروف عامضة وهي تتوجه إلى العمل ولا يراها مرة ثانية
وكأنه شكل من أشكال المعاناة التي يمر بها الإنسان في حياته المعاصرة يروي
أوكاوا قصة الضياع هذه التي تسيطر على حياته ويضطر إلى مواجهتها فيدخل في
صراع طويل مع قوى خارجية متعددة بينما يكون هو في داخله مستسلما في الاساس.
وتبدأ احداث الرواية في منزل البطل اوكاوو المضرب عن العمل الذي يتسلى باعداد
طبق من المعكرونة الاسباجتي والثرثرة على الهاتف حتى تطلبه زوجته لتأمره بأن يبدأ
في البحث عن قطتها «نوبورو واتانابي» المسماة باسم اخيها وهو من رجال السياسة الكبار.
غير ان بحث اوكاوا عن القطة الضائعة سرعان ما يتحول الى مناسبة للالتقاء بأشخاص
اخرين يصبح لهم اثر كبير في حياته حتى تتسع دائرة معارفه وتتحول الى متاهة كبيرة
يصعب الخروج منها. واول الشخصيات التي يلتقيها اوكادو هي جارته الفتاة اللعوب «ماي»
التي تلقبه فيما بعد «بالطائر الرهيب» ثم يلتقي بعد ذلك بالاختين «مارتا وجريتا» الوسيطتين
الروحانيتين غريبتي الاطوار اللتين تستدرجانه بخداعهما وتسيطران على حياته حتى
لا يكاد يخلص منهما قليلاً ولو في أحلامه.
ويجسد المؤلف قمة تلك العلاقة الملغزة بالاخرين لدى اختفاء زوجة اوكادو مسلطاً الضوء
على جوانب الضعف وانعدام التواصل الحقيقي في العلاقات الانسانية. فزوجته تختفي فجأة
ليطارده شبح اخيها في كل مكان وهو يتوعده ويحمله مسئولية اختفائها رغم انه يعلم في
النهاية انها قد هجرته لتكمل حياتها مع رجل اخر احبته.
ولأن البطل كجنتلمان لا يملك خياراً غير حضاري فإنه يعود الى الانكفاء على ذاته والى
التفكير في مصيره على نحو شديد الغرابة يرسمه المؤلف بذكاء سريالي حين يضطره
الى النزول الى قاع بئر خالية من الماء ليمارس حالة من التأمل في عزلة تامة يخرج
بعدها وهو يحمل علامة زرقاء على وجهه فيما يوضحه الكاتب بأنه رمز لقوته المفقودة
التي يستعيدها مرة اخرى لكن احداً لا يتعرف الى هذا التطور الذي طرأ على حياته
سوى «كازاكو» التي تقارن بينها وبين ملامح القوة التي يحملها والدها.
ربما اعتقد الكثيرون ان هذا العمل الروائي يمتلئ بالموضوعات الثانوية والاستطرادات لكن
ما تضيفه هذه التقنية الهامة الى العمل الروائي نتيجة احتوائها على اشياء كتلك الاحداث
الغريبة والكوميديا السوداء يجعلنا ندرك هذه اللمسة من الواقعية الممزوجة بالفنتازيا
التي يتميز بها اسلوبه القصصي الذي يجسد بالفعل مأساة الانسان المعاصر. فأوكادا هو
بطل يرى ويسمع ويحس ويتفاعل على نحو اكثر سلبية وهو يجتذب اليه انواعاً غير عادية
من الشخصيات الانسانية لا يتعب حتى في البحث عنها اصلاً بل يجد انها تسعى الى
التعرف اليه ورغم ان هذه الشخصيات بما فيها البطل تحمل اسماء يابانية الا انك
تشاهدها في كل مكان من الكرة الارضية سواء في الشرق او الغرب.
وبوصفها رواية سريالية غير عادية فإن رواية «حكاية الطائر الرهيب» تجمع في شكلها
بين الرواية البوليسية والتاريخية والاعمال الساخرة الهجائية شديدة الانتقاد الموجهة
لا الى مجتمع انساني بعينه بل الى كل انسان وعلى كل مستويات الحياة الاجتماعية
فبطلها يظل طوال حياته باحثا عن شيء حقيقي في الوقت الذي يعيش فيه حياة اقل من حقيقية او واقعية.
ويرى العديد من النقاد ان «حكاية الطائر الرهيب» تمثل نقطة تحول في تاريخ الكتابة الروائية
لدى موراكامي وهو ما يجسد ايضاً نقطة التقاء مع تحولات تاريخية مهمة اخرى يأتي
في مقدمتها الحديث عن الحرب ورفع الحظر عن ممارسات كثيرة في حياة ابناء الشعب
الياباني، منها الاعتراف بالمسئولية تجاه تجاوزات الحرب العالمية الثانية وبالموقف تجاه الصين
وموراكامي بوصفه مواطناً يابانياً مازالت تذكرني اعماله الروائية بأن اليابانيين ليسوا
مجرد اناس ابرياء تعرضوا للكارثة النووية اثناء الحرب وانما هم ايضاً يتحملون المسئولية
عن جرائم بشعة ارتكبوها في انحاء عديدة من القارة كما يعزز الكاتب الوعي بالمشكلة
الصينية في مواقع عدة منها قصة قصيرة اشتملت عليها مجموعة قصصية نشرها
سنة 1980 بعنوان «قارب بطيء يتجه نحو الصين» والرسالة نفسها تحتوي عليها
اعمال قصصية وروائية اخرى مثل «مطاردة الخروف البري» سنة 1982 و «اللوبي»
وهو العمل الروائي الأول الذي ذاعت شهرته في الغرب.
ان الصور التي يقدمها موراكامي تبدو قوية، حية، ومؤثرة وقابلة لأن تترك لك مجالاً للتخيل في
الوقت الذي تمضي فيه الاحداث على النحو الذي نشاهده في الحياة المليئة بالاشخاص
الذين يجيئون ويذهبون طوال الوقت فيما تظل ذاكرتهم متقدة وقابلة للتفجر في اي وقت.
كما انها تذكر ايضاً بتلك الصور التي رسمها كبار الكتاب الغربيين والتي تتراوح بين الحقيقة
والحلم بين الذكريات والحقائق المادية التي نقرأ عنها في الصحف والقصص لو حتى
على صفحات الانترنت. أما الشيء الذي يجمع بين «حكاية الطائر الرهيب» وبين غيرها
من الاعمال الروائية اليابانية فهو انها رواية تشتمل على افكار بالغة التعقيد شديدة البساطة
في التعبير عنها مما يجعل منها رواية تشتمل على عناصر متعددة تزيد من شعور القارئ
بالمتعة بما في ذلك احتواؤها على عناصر الغموض والحيرة والشخصيات غير العادية والتاريخ
والرمزية ومعاني العدل والصداقة والحب والامل. وبالنسبة لأولئك الذين يوجهون اليه النقد
فإن الاعمال الروائية للكاتب الياباني هاروكي موراكامي على الرغم مما تشتمل عليه من
حبكات روائية غير واقعية الا ان ذلك في حد ذاته يعتبر الميزة الحقيقية لأعماله التي لا يمكن
للقارئ ان يتنبأ مسبقاً بنهاياتها وهو يسير مأخوذاً بلغتها الجميلة الشديدة الذكاء
وبالاشكال المتعددة للاساليب والتقنيات التي يلجأ المؤلف الى استخدامها بينما
يعزز مكانته ككاتب روائي متميز يستهدف نوعية جيدة من القراء من مختلف انحاء العالم
بامكانهم التواصل مع اعماله الادبية ذات الموضوعات المختلفة التي تتراوح بين قصص
البحث عن علاقة انسانية قوية وقصص الحب والقصص التاريخية.
وبينما يتحدث روائيون من امثال نتسومي سوسيكي «رواية كوكورو» سنة 1914
وجونتشيرو تانيزاكي رواية «تيد كوموشي» سنة 1928 عن اشياء كتخليص المجتمع الياباني
من هيمنة الثقافة الغربية وتأثير الغرب القوي على حضارتهم والانجذاب غير العادي لابناء المجتمع
الياباني نحو الحضارة الغربية الصرخة التي جسدتها عبارة «اطردوا البرابرة!» فإن
موضوعاً كهذا لا يبدو ذو اهمية بالنسبة لكاتب مثل موراكامي الذي لا يشعر القارئ
بأي اهتمام لديه بالصراع بين الثقافتين اليابانية القومية والغربية الداخلية على الرغم
من كونه الكاتب الأكثر رواجا في اليابان. وبينما كان يلجأ الكتاب اليابانيون في أوائل القرن العشرين
إلى استخدام تقنيات ابداعية تقليدية موروثة فإن موراكامي، وكما يبدو يرى ان ذلك غير ضروري
في هذا الوقت، وربما استطاع المرء أن يفسر بذلك ميله إلى الاقتباس من التقنيات الكتابية الغربية،
بل والموضوعات ذات الطابع الغربي البحت، ومثال على ذلك تسليطه الضوء على موضوعات
الإثارة والجنس والإجهاض والحرب والانسلاخ.
ومن جهة أخرى فربما اعتبر القارئ أن دفاعه عن موضوعاته الذي يتلخص في
ان اليابانيين واقعون في شرك الثقافة الغربية وعلى وجه التحديد الثقافة الأمريكية التي
يقبلونها كجزء مكمل للثقافة اليابانية، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة ما يقوله موراكامي
في النهاية ودون حتى ان يشعر به الآخرون وهو ان ثقافتنا اليابانية لا تزال قوية في جوهرها.
ورغم انك لا تستطيع على الاطلاق ان تعقد مقارنة بين هاروكي موراكامي وبين
تولستوي لا في روايته الشهيرة «أنا كارنينا» ولا في غيرها من أعماله إلا ان هناك مثالا
ربما قرب موراكامي إلى ذهن القارئ، يقول الراوي في القصة القصيرة التي تحمل
عنوان «نام» كالصندوق فإن عالم الرواية يحتوي عوالم أصغر منه، لكنها جميعها تشكل
عالماً واحداً قائما بذاته في كل رواية ينتظر بدوره من يقوم باكتشافه من القراء.
ان المقارنة كما سبق القول غير واردة أو غير قابلة لأن تقوم بين موراكامي
وبين تولستوي إلا ان مثال الصندوق الصيني يبدو كالصورة الأكثر قدرة على توضيح
البنية الأساسية لأعمال موراكامي الروائية وتمثل القصص القصيرة التي تشتمل عليها
مجموعة «الفيل يتلاشى» رؤية جيدة للشكل الأدبي وتنوعاته لدى موراكامي.
يفسح موراكامي المجال للراوي لكي يسترسل في سرد حكايته ويستمر معه
القارئ في تتبعه للرواية المتقنة التي يؤخذ بجمالها ثم تأتي وقفة مفاجئة في
الوسط فيشعر بأن ثمة ما يبدد تفكيره، وعلى نحو لم يتوقعه وتلك هي بالطبع قمة الدراما
السريالية التي يتميز بها أسلوبه الروائي الجريء الذي استطاع من خلاله ان يصل
بين تاريخ اليابان المعاصر وبين يابان ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية على كل
من الصعيدين الذاتي والجماعي وان لم يتوصل على الإطلاق إلى نتائج نهائية تبدو شافية
كالحلول في نظر البعض. انه لا يمكن على الاطلاق الفصل بين أعمال موراكامي الأدبية
وبين كونها مرآة حقيقية لرصد حياة المجتمع الياباني المعاصر التي تبدأ لديه في المراحل
من الستينيات إلى التسعينيات ثم تستمر إلى اليوم بالتزامن مع هذا التطور الاقتصادي
المهم الذي تشهده اليابان والذي يغريه ككاتب ان يسلط الأضواء على حياة الإنسان
العادي الذي يعمل ليكسب قوت يومه.
وإن كان يعبر عنه بشكل مختلف يتراءى خلاله العالم الذي يتحدث عنه وكأنه لا صلة بينه
وبين العالم الحقيقي عالم خاضع لمفهومه الروائي الفلسفي.إ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاه والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
في رواية «حكاية الطائر الرهيب» يجمع الكاتب الياباني الشهير
هاروكي موراكامي بين عناصر الثقافة الشعبية والسينمائية الحديثة والرواية البوليسية
ليتمكن في النهاية من تقديم عمل متكامل شديد العناية بالتفاصيل الداخلية والخارجية،
البسيطة والمعقدة لحياة المجتمع الياباني في نهايات القرن العشرين. وكما هو معروف
فإن موراكامي هو رائد الرواية السريالية، ما فوق الواقعية، التي تلقى ترحيبا حارا في
الأوساط الثقافية والأدبية اليابانية والغربية على حد سواء نظرا لاحتوائها على عناصر الثقافتين.
«حكاية الطائر الرهيب»
لموراكامي على الرغم من أنها تذكرك بأعماله الأخرى «ارقص ارقص ارقص!» سنة 1988
و«جنوب الحدود غربي الشمس» سنة 1992 وراوية «المترو» سنة 1997 إلا أنها تمثل
في حد ذاتها عملا متميزا نظرا لأنه يتطرق إلى موضوعات مهمة كالإنسلاخ والعزلة
والاغتراب والاضطراب والتفاهة وأشكال أخرى من المخاوف التي يعاني منها المجتمع
الحديث في ظل وجود اسطورة «الجنتلمان» المجبر على المساومة بالحميمية من
أجل المجهول. وكعادته فإن موراكامي يضعك أمام الراوي وفي هذه المرة يلتقي
القاريء «بتورو أوكاوا» محامي من طوكيو يتوقف عن العمل فجأة وتفقد زوجته قطتها
المدللة ثم تختفي المرأة في ظروف عامضة وهي تتوجه إلى العمل ولا يراها مرة ثانية
وكأنه شكل من أشكال المعاناة التي يمر بها الإنسان في حياته المعاصرة يروي
أوكاوا قصة الضياع هذه التي تسيطر على حياته ويضطر إلى مواجهتها فيدخل في
صراع طويل مع قوى خارجية متعددة بينما يكون هو في داخله مستسلما في الاساس.
وتبدأ احداث الرواية في منزل البطل اوكاوو المضرب عن العمل الذي يتسلى باعداد
طبق من المعكرونة الاسباجتي والثرثرة على الهاتف حتى تطلبه زوجته لتأمره بأن يبدأ
في البحث عن قطتها «نوبورو واتانابي» المسماة باسم اخيها وهو من رجال السياسة الكبار.
غير ان بحث اوكاوا عن القطة الضائعة سرعان ما يتحول الى مناسبة للالتقاء بأشخاص
اخرين يصبح لهم اثر كبير في حياته حتى تتسع دائرة معارفه وتتحول الى متاهة كبيرة
يصعب الخروج منها. واول الشخصيات التي يلتقيها اوكادو هي جارته الفتاة اللعوب «ماي»
التي تلقبه فيما بعد «بالطائر الرهيب» ثم يلتقي بعد ذلك بالاختين «مارتا وجريتا» الوسيطتين
الروحانيتين غريبتي الاطوار اللتين تستدرجانه بخداعهما وتسيطران على حياته حتى
لا يكاد يخلص منهما قليلاً ولو في أحلامه.
ويجسد المؤلف قمة تلك العلاقة الملغزة بالاخرين لدى اختفاء زوجة اوكادو مسلطاً الضوء
على جوانب الضعف وانعدام التواصل الحقيقي في العلاقات الانسانية. فزوجته تختفي فجأة
ليطارده شبح اخيها في كل مكان وهو يتوعده ويحمله مسئولية اختفائها رغم انه يعلم في
النهاية انها قد هجرته لتكمل حياتها مع رجل اخر احبته.
ولأن البطل كجنتلمان لا يملك خياراً غير حضاري فإنه يعود الى الانكفاء على ذاته والى
التفكير في مصيره على نحو شديد الغرابة يرسمه المؤلف بذكاء سريالي حين يضطره
الى النزول الى قاع بئر خالية من الماء ليمارس حالة من التأمل في عزلة تامة يخرج
بعدها وهو يحمل علامة زرقاء على وجهه فيما يوضحه الكاتب بأنه رمز لقوته المفقودة
التي يستعيدها مرة اخرى لكن احداً لا يتعرف الى هذا التطور الذي طرأ على حياته
سوى «كازاكو» التي تقارن بينها وبين ملامح القوة التي يحملها والدها.
ربما اعتقد الكثيرون ان هذا العمل الروائي يمتلئ بالموضوعات الثانوية والاستطرادات لكن
ما تضيفه هذه التقنية الهامة الى العمل الروائي نتيجة احتوائها على اشياء كتلك الاحداث
الغريبة والكوميديا السوداء يجعلنا ندرك هذه اللمسة من الواقعية الممزوجة بالفنتازيا
التي يتميز بها اسلوبه القصصي الذي يجسد بالفعل مأساة الانسان المعاصر. فأوكادا هو
بطل يرى ويسمع ويحس ويتفاعل على نحو اكثر سلبية وهو يجتذب اليه انواعاً غير عادية
من الشخصيات الانسانية لا يتعب حتى في البحث عنها اصلاً بل يجد انها تسعى الى
التعرف اليه ورغم ان هذه الشخصيات بما فيها البطل تحمل اسماء يابانية الا انك
تشاهدها في كل مكان من الكرة الارضية سواء في الشرق او الغرب.
وبوصفها رواية سريالية غير عادية فإن رواية «حكاية الطائر الرهيب» تجمع في شكلها
بين الرواية البوليسية والتاريخية والاعمال الساخرة الهجائية شديدة الانتقاد الموجهة
لا الى مجتمع انساني بعينه بل الى كل انسان وعلى كل مستويات الحياة الاجتماعية
فبطلها يظل طوال حياته باحثا عن شيء حقيقي في الوقت الذي يعيش فيه حياة اقل من حقيقية او واقعية.
ويرى العديد من النقاد ان «حكاية الطائر الرهيب» تمثل نقطة تحول في تاريخ الكتابة الروائية
لدى موراكامي وهو ما يجسد ايضاً نقطة التقاء مع تحولات تاريخية مهمة اخرى يأتي
في مقدمتها الحديث عن الحرب ورفع الحظر عن ممارسات كثيرة في حياة ابناء الشعب
الياباني، منها الاعتراف بالمسئولية تجاه تجاوزات الحرب العالمية الثانية وبالموقف تجاه الصين
وموراكامي بوصفه مواطناً يابانياً مازالت تذكرني اعماله الروائية بأن اليابانيين ليسوا
مجرد اناس ابرياء تعرضوا للكارثة النووية اثناء الحرب وانما هم ايضاً يتحملون المسئولية
عن جرائم بشعة ارتكبوها في انحاء عديدة من القارة كما يعزز الكاتب الوعي بالمشكلة
الصينية في مواقع عدة منها قصة قصيرة اشتملت عليها مجموعة قصصية نشرها
سنة 1980 بعنوان «قارب بطيء يتجه نحو الصين» والرسالة نفسها تحتوي عليها
اعمال قصصية وروائية اخرى مثل «مطاردة الخروف البري» سنة 1982 و «اللوبي»
وهو العمل الروائي الأول الذي ذاعت شهرته في الغرب.
ان الصور التي يقدمها موراكامي تبدو قوية، حية، ومؤثرة وقابلة لأن تترك لك مجالاً للتخيل في
الوقت الذي تمضي فيه الاحداث على النحو الذي نشاهده في الحياة المليئة بالاشخاص
الذين يجيئون ويذهبون طوال الوقت فيما تظل ذاكرتهم متقدة وقابلة للتفجر في اي وقت.
كما انها تذكر ايضاً بتلك الصور التي رسمها كبار الكتاب الغربيين والتي تتراوح بين الحقيقة
والحلم بين الذكريات والحقائق المادية التي نقرأ عنها في الصحف والقصص لو حتى
على صفحات الانترنت. أما الشيء الذي يجمع بين «حكاية الطائر الرهيب» وبين غيرها
من الاعمال الروائية اليابانية فهو انها رواية تشتمل على افكار بالغة التعقيد شديدة البساطة
في التعبير عنها مما يجعل منها رواية تشتمل على عناصر متعددة تزيد من شعور القارئ
بالمتعة بما في ذلك احتواؤها على عناصر الغموض والحيرة والشخصيات غير العادية والتاريخ
والرمزية ومعاني العدل والصداقة والحب والامل. وبالنسبة لأولئك الذين يوجهون اليه النقد
فإن الاعمال الروائية للكاتب الياباني هاروكي موراكامي على الرغم مما تشتمل عليه من
حبكات روائية غير واقعية الا ان ذلك في حد ذاته يعتبر الميزة الحقيقية لأعماله التي لا يمكن
للقارئ ان يتنبأ مسبقاً بنهاياتها وهو يسير مأخوذاً بلغتها الجميلة الشديدة الذكاء
وبالاشكال المتعددة للاساليب والتقنيات التي يلجأ المؤلف الى استخدامها بينما
يعزز مكانته ككاتب روائي متميز يستهدف نوعية جيدة من القراء من مختلف انحاء العالم
بامكانهم التواصل مع اعماله الادبية ذات الموضوعات المختلفة التي تتراوح بين قصص
البحث عن علاقة انسانية قوية وقصص الحب والقصص التاريخية.
وبينما يتحدث روائيون من امثال نتسومي سوسيكي «رواية كوكورو» سنة 1914
وجونتشيرو تانيزاكي رواية «تيد كوموشي» سنة 1928 عن اشياء كتخليص المجتمع الياباني
من هيمنة الثقافة الغربية وتأثير الغرب القوي على حضارتهم والانجذاب غير العادي لابناء المجتمع
الياباني نحو الحضارة الغربية الصرخة التي جسدتها عبارة «اطردوا البرابرة!» فإن
موضوعاً كهذا لا يبدو ذو اهمية بالنسبة لكاتب مثل موراكامي الذي لا يشعر القارئ
بأي اهتمام لديه بالصراع بين الثقافتين اليابانية القومية والغربية الداخلية على الرغم
من كونه الكاتب الأكثر رواجا في اليابان. وبينما كان يلجأ الكتاب اليابانيون في أوائل القرن العشرين
إلى استخدام تقنيات ابداعية تقليدية موروثة فإن موراكامي، وكما يبدو يرى ان ذلك غير ضروري
في هذا الوقت، وربما استطاع المرء أن يفسر بذلك ميله إلى الاقتباس من التقنيات الكتابية الغربية،
بل والموضوعات ذات الطابع الغربي البحت، ومثال على ذلك تسليطه الضوء على موضوعات
الإثارة والجنس والإجهاض والحرب والانسلاخ.
ومن جهة أخرى فربما اعتبر القارئ أن دفاعه عن موضوعاته الذي يتلخص في
ان اليابانيين واقعون في شرك الثقافة الغربية وعلى وجه التحديد الثقافة الأمريكية التي
يقبلونها كجزء مكمل للثقافة اليابانية، وعلى الرغم من ذلك فإن ثمة ما يقوله موراكامي
في النهاية ودون حتى ان يشعر به الآخرون وهو ان ثقافتنا اليابانية لا تزال قوية في جوهرها.
ورغم انك لا تستطيع على الاطلاق ان تعقد مقارنة بين هاروكي موراكامي وبين
تولستوي لا في روايته الشهيرة «أنا كارنينا» ولا في غيرها من أعماله إلا ان هناك مثالا
ربما قرب موراكامي إلى ذهن القارئ، يقول الراوي في القصة القصيرة التي تحمل
عنوان «نام» كالصندوق فإن عالم الرواية يحتوي عوالم أصغر منه، لكنها جميعها تشكل
عالماً واحداً قائما بذاته في كل رواية ينتظر بدوره من يقوم باكتشافه من القراء.
ان المقارنة كما سبق القول غير واردة أو غير قابلة لأن تقوم بين موراكامي
وبين تولستوي إلا ان مثال الصندوق الصيني يبدو كالصورة الأكثر قدرة على توضيح
البنية الأساسية لأعمال موراكامي الروائية وتمثل القصص القصيرة التي تشتمل عليها
مجموعة «الفيل يتلاشى» رؤية جيدة للشكل الأدبي وتنوعاته لدى موراكامي.
يفسح موراكامي المجال للراوي لكي يسترسل في سرد حكايته ويستمر معه
القارئ في تتبعه للرواية المتقنة التي يؤخذ بجمالها ثم تأتي وقفة مفاجئة في
الوسط فيشعر بأن ثمة ما يبدد تفكيره، وعلى نحو لم يتوقعه وتلك هي بالطبع قمة الدراما
السريالية التي يتميز بها أسلوبه الروائي الجريء الذي استطاع من خلاله ان يصل
بين تاريخ اليابان المعاصر وبين يابان ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية على كل
من الصعيدين الذاتي والجماعي وان لم يتوصل على الإطلاق إلى نتائج نهائية تبدو شافية
كالحلول في نظر البعض. انه لا يمكن على الاطلاق الفصل بين أعمال موراكامي الأدبية
وبين كونها مرآة حقيقية لرصد حياة المجتمع الياباني المعاصر التي تبدأ لديه في المراحل
من الستينيات إلى التسعينيات ثم تستمر إلى اليوم بالتزامن مع هذا التطور الاقتصادي
المهم الذي تشهده اليابان والذي يغريه ككاتب ان يسلط الأضواء على حياة الإنسان
العادي الذي يعمل ليكسب قوت يومه.
وإن كان يعبر عنه بشكل مختلف يتراءى خلاله العالم الذي يتحدث عنه وكأنه لا صلة بينه
وبين العالم الحقيقي عالم خاضع لمفهومه الروائي الفلسفي.إ