غالب احمد الغول
7th February 2011, 09:00 PM
4 ــ غالب الغول والإبداع الفكري لعشيرة إبراهيم الغول
نتابع ما نشر في كتاب الإبداع الفكري إعداد
غالب احمد الغول
@@@@@@@@@@@
مهارة التذوق الأدبي
من قلم الدكتور عطية الغول
التذوّق مصدر من تذوق , وذاق الشيء يذوقه ذوقاً وذواقاً ومذاقاً , والذوق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعماً , والذوق لغةً معناه إدراك طعوم الأشياء, وقد يكون الذوق فيما يُكره ويحمد , قال تعالى (( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون )) سورة النحل 112 , فالذوق هنا يعني الابتلاء, وفي الحديث الشريف : (( كان الصحابة رضي الله عنهم إذا خرجوا من عند رسول الله لا يتفرقون إلا عند ذواق )) والذواق الوارد مثَل لما ينال الصحابة عند رسول الله من الخير , أي أنهم لم يكونوا يتفرقون إلا عن علم وأدب يتعلمونه , يقوم لأنفسهم وأرواحهم مقام الطعام والشراب لأجسامهم .
والذوق عرفاً : يعني التلطف والكياسة , والتصرف اللين المهذب الذي تستريح إليه النفس , وفي الاصطلاح يعني الذوق الحاسة الفنية التي يهتدى بها في تقويم العمل الأدبي وعرض عيوبه ومزاياه , وقد فسّر ابن خلدون هذه الحاسة فقال : ( إنها حصول ملكة البلاغة ,للسان ), كما نوه عنــــها في المقدمة ص 497 .
ورأى ابن خلدون أنها لفظ انتقل ( استعير ) من اللسان وهو محلّ إدراك الطعوم إلى تذوق النصوص , والتفطن لخواصها ومزاياها , وإدراك مواطن الجمال فيها , والمقصود باللسان ( آلة تذوق النصوص عند ابن خلدون )اللغة , لقوله تعالى : (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ) ابراهيم 4 .
ويبقى أن نقول :إن التذوق الأدبي نشاط إيجابي يقوم به المتلقي استجابة للتأثر بنواحي الجمال الفني في نصّ ما بعد فهمه وتفاعله معه عقلياً ووجدانياً على نحو يستطيع به تقديره والحكم عليه , ويمكن تحديد مهارات التذوق الأدبي فيما يلي : ـ
أ ـ تمثـّل القارىء للحركة النفسية في العمل الأدبي .
ب ـ إدراك مدى أهمية موقع الكلمة في القصيدة أو العمل الأدبي .
ج ـ إدراك الوحدة العضوية في العمل الأدبي , ولحظ ما بين
أفكاره من ترابط , واختيار العنوان الموحي بفكرة الأديب وإحساسه .
د ـ إدراك ما في الألفاظ والعبارات من إيحاءات , وما في الأفكار من عمق , ومدى قدرة العمل الأدبي على نقل التجربة , وتوضيح مدى التلاؤم بين الفكرة والصياغة .
ه ـ فهم مكونات الصورة الشعرية ومدى قدرتها على التعبير عن احاسيس الشاعر, أو نجاحها في تصوير الشخصية التي يتناول في قصيدته, وتحديد مدى ما بينها وبين الأفكار من تنافر وائتلاف .
وـ إدراك أثر الكلمة أو العبارة أو الصورة في استثارة الجوّ النفسي الذي يريد الأديب إثارته , ولحظ التلاؤم والانسجام بينه وبين جزيئات الصياغة مع الجوّ الذي يثيره العمل الأدبي .
ز ـ إدراك مدى نجاح الشاعر في تجسيد المعنويات وشحن المتلقي والارتقاء بوجدانه وأحاسيسه.
ح ـ الإحساس بالإيقاع الموسيقي لوزن الأبيات ولحظ ما فيه من اتساق أو تنافر , وأثر الإيقاع في وجدان القارىء وأحاسيسه .
ط ـ ترتيب القصيدة والأبيات تبعاً لجودتها, واختيار أصدق
الأبيات تعبيراً عن إحساس الشاعر , وأقربها إلى الواقع ,
وأوضحها في تمثيل الاتجاهات الفكرية والنفسية .
ك ـ الموازنة بين قصيدتين أو أكثر في موضوع واحد , للكشف عن نواحي الإبداع والقصور فيهما .
وهذه ألمهارات تلقي الأضواءعلى ما يمكن به قياس نظائرها في النص النثري , لأن الكثير منها مشترك , مع ملاحظة الفرق بين الشعر والنثر من حيث اعتماد الأول على الشعور ثم الفكر , والثاني على الفكر ثم الشعور , ومع ما يتعلق بالإيقاع والقافية وروح كل من الفنين وطابعه .
أما وسائل تنمية التذوق الأدبي فيمكن القول فيها :
هناك وسائل جمة تمكن المعلم من تنمية التذوق الأدبي عند طلبته منها : ـ
ــ يحسن بالمعلم أن يدرب طلبته( في المرحلة الثانوية ) قبل تعرضهم لإصدار الأحكام التذوقية على نص معين , أن يقرؤوا هذا النص غير مرة , لأن الإدراك الجمالي لما في النص لا يتم عادة بعد الفراغ من القراءة الأولى , فكثير من النصوص والأعمال الفنية تبهجنا عند أول اتصال بها , فإذا عرضناها على الحاسة الفنية في جو يناسب التعبير الصحيح عن الفكر والعاطفة لم نجد شيئاً ذا قيمة .
ــ أن يدرب المعلم طلبته على الحياد والموضوعية في الحكم
على النصوص , وذلك باعتماد أسس موضوعية تتلاءم ومستواهم .
ــ أن يحاول عند تناول أي نص عقد موازنة بينه وبين غيره , سواء للشاعر أم لمن يشترك معه في موضوعه , لكي يتزود بمعايير صادقة للحكم والنقد , وأن يتجنب القوالب اللفظية الغامضة التي لا تصلح لتمييز شيء معين من مثل : العاطفة القوية , أو السامية , والخيال الواسع , أو الخيال الضيق , أو المعنى الرفيع , أو اللفظ الجزل , والعبارة المتينة .
ــ أن يعني غاية العناية بالتمهيد عند تدريسه للنص الذي يختاره بإلقاء الضوء على جو النص وبواعثه , والملابسات النفسية والتاريخية التي أحاطت به , لأن ذلك يساعد الطالب على الاهتمام بالنص والانتباه إليه .
ــ ألا ينفرد بتناول النص بالتعليق والنقد , وإنما يشرك معه طلبته , يرشدهم إلى تسقّط مواطن الجمال , والقيم , تاركاً لهم الحرية التامة في التعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم , متناولاً بعد ذلك آراءهم بالنقد وأحكامهم بالتوجيه والتهذيب .
ــ ألا يسرف في سرد الحقائق التاريخية والجغرافية أو العلمية التي لا تمت بصلة قوية إلى النص , وألا يغرق في الكشف عن المحسنات البديعية , أو تشريح الاستعارات والتشبيهات تشريحاً آلياً بعيداً عن الروح الفنية والجمالية المرتبطة به .
ــ أن يتدرج بطلبته إلى فهم النص الذي يقتضي :ـ
أ ـ الإحاطة بملابساته التاريخية والنفسية ( مناسبته ) ليكون اتصاله بصاحب النص ومعرفة ما يلابس النص من حياته وحياة نتاجه وثيقاً , فيعين ذلك على وضعه في موضعه , وإقامة صلته بالحياة , وهي الصلة التي لا تبين قيمة النص بدونها .
ب ـ فهم معاني النص وجلاء غوامضه في اللفظ والتركيب , وتحديد معانيه الأساسية , وإقامة الصلة بينها وبين حياتها الموصولة بالحياة العامة أو بحياة صاحبه الذاتية . هذا ما أشار إليه أ د عبدالكريم الأشتر , نصوص مختارة .
وشرح غوامضه وتحليله إلى تذوّقه والحكم عليه .
والمعلم الناجح هو الذي يفجر طاقات طلبته , فيسمح لمختلف الآراء بالظهور متمهلاً عليها , متأنياً معها , مثابراً في توجيهها حتى تستوي بعد ذلك آراءً ناضجة وأحكاماً يعتدّ
بها , وتدل على سلامة التذوق, ومن ذلك الاقتصار في شرح النص على توجيه أسئلة تفتح مغاليق أفكاره, وتهيء للطلبة فرصاً متجددة للتدريب على التعبير الأدبي الجيد , ومنها تكليف الطلبة قراءة النص قراءة صامتة حتى يلمسوا بأنفسهم أفكاره ومشاعر قائله , وينعموا بلذة إعمال الفكر فيه , والجهد في سبيل الكشف عن المعنى وتذوق الجمال فيه , وعلى المعلمين أن يؤمنوا بأن للجمال الفني الأدبي معارض شتى , وآفاقاً أرحب من مجرد الوقوف عند الألوان البلاغية , وأن من واجب المعلمين أن يطوّفوا بتلاميذهم , وأن يوجهوهم إلى اجتلاء هذه الآفاق , لما فيها من ألوان أخّاذة باهرة من جمال التعبير وروعة النظم ,لا تنبعث من التشبيه أو الاستعارة أو الطباق أو غيرها , ولكن مبعثها تصرف الأديب في اختياره ألفاظه الموحية , أو إيثار التعبير بالنكرة في موطن, وبالمعرفة في موطن آخر , أو تقديم كلمة أو حذف أخرى .
, ومن هذه الألوان :
قالت حمدونة الأندلسية في وصف وادِِ بالأندلس :
وقانا لفحة الرمضاء وادِ سقاه مضاعف الغيث العميم
لو وقفنا أمام التعبير (( وقانا لفحة الرمضاء )) والتمسنا ما يوحي به إلى النفوس لكدنا نشعر بهذا الهواء الساخن يلفح وجوهنا , ويحملنا على أن نرفع إليها أيدينا لتقيها لفح هذا الهواء , ولو وضعنا بدل هذا التعبير تعبيراً آخر مثل ــ وقانا شدة الحرّ ــ لفتر هذا الإحساس وانطفأت وقدة المعنى .
ولو وقفنا أمام قول المتنبي في وصف شعب بوّان حين قال :
وأمواهٌ تصلّ بها حصاها صليل الحلْي في أيدي الغواني
نرى أن للمتنبي إحساساً لغوياً دقيقاً مرهفاً يحمله على المواءمة بين المعنى وصوت الكلمة المعبرة عنه , وذلك ان كلمة ـ صليل ـ تكاد تسمعنا المياه وهي تداعب الحصى , كما لو كانت حلياً في أيدي نساء مترفات جميلات .
ولو نظرنا إلى قوله تعالى : (( ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة )) سورة البقرة 96 . ثم سألنا أنفسنا , لِمَ عبّرت الآية بصيغة التنكير في كلمة حياة , ولم يكن التعبير بكلمة ـ الحياة ـ ؟
ذلك لأن المراد هنا بيان حرص هؤلاء الناس على أن يحيوا أي نوع من الحياة , فلا يعنيهم أن تكون تلك الحياة سعيدة أو شقية , عزيزة أو ذليلة , المهم حياة , لذلك جاء التـــــــــعبير بالتنكير , وفيه توبيخ عظيم , لأن الذين اشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ,
فحرصهم عليها لا يُستبعد لأنها جنتهم , فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقياً بأعظم التوبيخ ـ كما ذكر الزمخشري في كتابه الكشاف ج1 298 .
نتابع ما نشر في كتاب الإبداع الفكري إعداد
غالب احمد الغول
@@@@@@@@@@@
مهارة التذوق الأدبي
من قلم الدكتور عطية الغول
التذوّق مصدر من تذوق , وذاق الشيء يذوقه ذوقاً وذواقاً ومذاقاً , والذوق والمذاق يكونان مصدرين ويكونان طعماً , والذوق لغةً معناه إدراك طعوم الأشياء, وقد يكون الذوق فيما يُكره ويحمد , قال تعالى (( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون )) سورة النحل 112 , فالذوق هنا يعني الابتلاء, وفي الحديث الشريف : (( كان الصحابة رضي الله عنهم إذا خرجوا من عند رسول الله لا يتفرقون إلا عند ذواق )) والذواق الوارد مثَل لما ينال الصحابة عند رسول الله من الخير , أي أنهم لم يكونوا يتفرقون إلا عن علم وأدب يتعلمونه , يقوم لأنفسهم وأرواحهم مقام الطعام والشراب لأجسامهم .
والذوق عرفاً : يعني التلطف والكياسة , والتصرف اللين المهذب الذي تستريح إليه النفس , وفي الاصطلاح يعني الذوق الحاسة الفنية التي يهتدى بها في تقويم العمل الأدبي وعرض عيوبه ومزاياه , وقد فسّر ابن خلدون هذه الحاسة فقال : ( إنها حصول ملكة البلاغة ,للسان ), كما نوه عنــــها في المقدمة ص 497 .
ورأى ابن خلدون أنها لفظ انتقل ( استعير ) من اللسان وهو محلّ إدراك الطعوم إلى تذوق النصوص , والتفطن لخواصها ومزاياها , وإدراك مواطن الجمال فيها , والمقصود باللسان ( آلة تذوق النصوص عند ابن خلدون )اللغة , لقوله تعالى : (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ... ) ابراهيم 4 .
ويبقى أن نقول :إن التذوق الأدبي نشاط إيجابي يقوم به المتلقي استجابة للتأثر بنواحي الجمال الفني في نصّ ما بعد فهمه وتفاعله معه عقلياً ووجدانياً على نحو يستطيع به تقديره والحكم عليه , ويمكن تحديد مهارات التذوق الأدبي فيما يلي : ـ
أ ـ تمثـّل القارىء للحركة النفسية في العمل الأدبي .
ب ـ إدراك مدى أهمية موقع الكلمة في القصيدة أو العمل الأدبي .
ج ـ إدراك الوحدة العضوية في العمل الأدبي , ولحظ ما بين
أفكاره من ترابط , واختيار العنوان الموحي بفكرة الأديب وإحساسه .
د ـ إدراك ما في الألفاظ والعبارات من إيحاءات , وما في الأفكار من عمق , ومدى قدرة العمل الأدبي على نقل التجربة , وتوضيح مدى التلاؤم بين الفكرة والصياغة .
ه ـ فهم مكونات الصورة الشعرية ومدى قدرتها على التعبير عن احاسيس الشاعر, أو نجاحها في تصوير الشخصية التي يتناول في قصيدته, وتحديد مدى ما بينها وبين الأفكار من تنافر وائتلاف .
وـ إدراك أثر الكلمة أو العبارة أو الصورة في استثارة الجوّ النفسي الذي يريد الأديب إثارته , ولحظ التلاؤم والانسجام بينه وبين جزيئات الصياغة مع الجوّ الذي يثيره العمل الأدبي .
ز ـ إدراك مدى نجاح الشاعر في تجسيد المعنويات وشحن المتلقي والارتقاء بوجدانه وأحاسيسه.
ح ـ الإحساس بالإيقاع الموسيقي لوزن الأبيات ولحظ ما فيه من اتساق أو تنافر , وأثر الإيقاع في وجدان القارىء وأحاسيسه .
ط ـ ترتيب القصيدة والأبيات تبعاً لجودتها, واختيار أصدق
الأبيات تعبيراً عن إحساس الشاعر , وأقربها إلى الواقع ,
وأوضحها في تمثيل الاتجاهات الفكرية والنفسية .
ك ـ الموازنة بين قصيدتين أو أكثر في موضوع واحد , للكشف عن نواحي الإبداع والقصور فيهما .
وهذه ألمهارات تلقي الأضواءعلى ما يمكن به قياس نظائرها في النص النثري , لأن الكثير منها مشترك , مع ملاحظة الفرق بين الشعر والنثر من حيث اعتماد الأول على الشعور ثم الفكر , والثاني على الفكر ثم الشعور , ومع ما يتعلق بالإيقاع والقافية وروح كل من الفنين وطابعه .
أما وسائل تنمية التذوق الأدبي فيمكن القول فيها :
هناك وسائل جمة تمكن المعلم من تنمية التذوق الأدبي عند طلبته منها : ـ
ــ يحسن بالمعلم أن يدرب طلبته( في المرحلة الثانوية ) قبل تعرضهم لإصدار الأحكام التذوقية على نص معين , أن يقرؤوا هذا النص غير مرة , لأن الإدراك الجمالي لما في النص لا يتم عادة بعد الفراغ من القراءة الأولى , فكثير من النصوص والأعمال الفنية تبهجنا عند أول اتصال بها , فإذا عرضناها على الحاسة الفنية في جو يناسب التعبير الصحيح عن الفكر والعاطفة لم نجد شيئاً ذا قيمة .
ــ أن يدرب المعلم طلبته على الحياد والموضوعية في الحكم
على النصوص , وذلك باعتماد أسس موضوعية تتلاءم ومستواهم .
ــ أن يحاول عند تناول أي نص عقد موازنة بينه وبين غيره , سواء للشاعر أم لمن يشترك معه في موضوعه , لكي يتزود بمعايير صادقة للحكم والنقد , وأن يتجنب القوالب اللفظية الغامضة التي لا تصلح لتمييز شيء معين من مثل : العاطفة القوية , أو السامية , والخيال الواسع , أو الخيال الضيق , أو المعنى الرفيع , أو اللفظ الجزل , والعبارة المتينة .
ــ أن يعني غاية العناية بالتمهيد عند تدريسه للنص الذي يختاره بإلقاء الضوء على جو النص وبواعثه , والملابسات النفسية والتاريخية التي أحاطت به , لأن ذلك يساعد الطالب على الاهتمام بالنص والانتباه إليه .
ــ ألا ينفرد بتناول النص بالتعليق والنقد , وإنما يشرك معه طلبته , يرشدهم إلى تسقّط مواطن الجمال , والقيم , تاركاً لهم الحرية التامة في التعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم , متناولاً بعد ذلك آراءهم بالنقد وأحكامهم بالتوجيه والتهذيب .
ــ ألا يسرف في سرد الحقائق التاريخية والجغرافية أو العلمية التي لا تمت بصلة قوية إلى النص , وألا يغرق في الكشف عن المحسنات البديعية , أو تشريح الاستعارات والتشبيهات تشريحاً آلياً بعيداً عن الروح الفنية والجمالية المرتبطة به .
ــ أن يتدرج بطلبته إلى فهم النص الذي يقتضي :ـ
أ ـ الإحاطة بملابساته التاريخية والنفسية ( مناسبته ) ليكون اتصاله بصاحب النص ومعرفة ما يلابس النص من حياته وحياة نتاجه وثيقاً , فيعين ذلك على وضعه في موضعه , وإقامة صلته بالحياة , وهي الصلة التي لا تبين قيمة النص بدونها .
ب ـ فهم معاني النص وجلاء غوامضه في اللفظ والتركيب , وتحديد معانيه الأساسية , وإقامة الصلة بينها وبين حياتها الموصولة بالحياة العامة أو بحياة صاحبه الذاتية . هذا ما أشار إليه أ د عبدالكريم الأشتر , نصوص مختارة .
وشرح غوامضه وتحليله إلى تذوّقه والحكم عليه .
والمعلم الناجح هو الذي يفجر طاقات طلبته , فيسمح لمختلف الآراء بالظهور متمهلاً عليها , متأنياً معها , مثابراً في توجيهها حتى تستوي بعد ذلك آراءً ناضجة وأحكاماً يعتدّ
بها , وتدل على سلامة التذوق, ومن ذلك الاقتصار في شرح النص على توجيه أسئلة تفتح مغاليق أفكاره, وتهيء للطلبة فرصاً متجددة للتدريب على التعبير الأدبي الجيد , ومنها تكليف الطلبة قراءة النص قراءة صامتة حتى يلمسوا بأنفسهم أفكاره ومشاعر قائله , وينعموا بلذة إعمال الفكر فيه , والجهد في سبيل الكشف عن المعنى وتذوق الجمال فيه , وعلى المعلمين أن يؤمنوا بأن للجمال الفني الأدبي معارض شتى , وآفاقاً أرحب من مجرد الوقوف عند الألوان البلاغية , وأن من واجب المعلمين أن يطوّفوا بتلاميذهم , وأن يوجهوهم إلى اجتلاء هذه الآفاق , لما فيها من ألوان أخّاذة باهرة من جمال التعبير وروعة النظم ,لا تنبعث من التشبيه أو الاستعارة أو الطباق أو غيرها , ولكن مبعثها تصرف الأديب في اختياره ألفاظه الموحية , أو إيثار التعبير بالنكرة في موطن, وبالمعرفة في موطن آخر , أو تقديم كلمة أو حذف أخرى .
, ومن هذه الألوان :
قالت حمدونة الأندلسية في وصف وادِِ بالأندلس :
وقانا لفحة الرمضاء وادِ سقاه مضاعف الغيث العميم
لو وقفنا أمام التعبير (( وقانا لفحة الرمضاء )) والتمسنا ما يوحي به إلى النفوس لكدنا نشعر بهذا الهواء الساخن يلفح وجوهنا , ويحملنا على أن نرفع إليها أيدينا لتقيها لفح هذا الهواء , ولو وضعنا بدل هذا التعبير تعبيراً آخر مثل ــ وقانا شدة الحرّ ــ لفتر هذا الإحساس وانطفأت وقدة المعنى .
ولو وقفنا أمام قول المتنبي في وصف شعب بوّان حين قال :
وأمواهٌ تصلّ بها حصاها صليل الحلْي في أيدي الغواني
نرى أن للمتنبي إحساساً لغوياً دقيقاً مرهفاً يحمله على المواءمة بين المعنى وصوت الكلمة المعبرة عنه , وذلك ان كلمة ـ صليل ـ تكاد تسمعنا المياه وهي تداعب الحصى , كما لو كانت حلياً في أيدي نساء مترفات جميلات .
ولو نظرنا إلى قوله تعالى : (( ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة )) سورة البقرة 96 . ثم سألنا أنفسنا , لِمَ عبّرت الآية بصيغة التنكير في كلمة حياة , ولم يكن التعبير بكلمة ـ الحياة ـ ؟
ذلك لأن المراد هنا بيان حرص هؤلاء الناس على أن يحيوا أي نوع من الحياة , فلا يعنيهم أن تكون تلك الحياة سعيدة أو شقية , عزيزة أو ذليلة , المهم حياة , لذلك جاء التـــــــــعبير بالتنكير , وفيه توبيخ عظيم , لأن الذين اشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا ,
فحرصهم عليها لا يُستبعد لأنها جنتهم , فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقياً بأعظم التوبيخ ـ كما ذكر الزمخشري في كتابه الكشاف ج1 298 .