حسان الحجاجي
14th January 2011, 04:50 AM
شركاء الوطن والرهان الأمريكي الخاسر
عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التدخل في شؤون المنطقة باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان واحتلت الكثير من البلدان تحت هذا المسمى كما هو حال العراق، أفغانستان، وفي ذات السياق نفسه تأتي زيارة وزير الخارجية هيلاري كلينتون باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب فإنها بذلك تعزز مكانتها الشرق أوسطية وتريد اليمن موطئاً لها لما يحتله من أهمية بالغة باعتباره يقع على أهم ممر مائي وهو البوابة الجنوبية للأرض المليئة بالثروات البترولية، فهو إذاً يحتل الأهمية لدى السياسة الأمريكية والتعامل معه مبني على هذا الأساس.. لذلك فإن الخلافات التي وصلت إلى مستوى غير مقبول بين أحزاب المشترك والشعبي العام قد فتحت الباب للتدخل الخارجي فكان لأمريكا حضورها القوي والبارز حيث استطاعت هيلاري كلينتون ان تلتقي بالمعارضة ومنظمات المجتمع المدني والسلطة السياسية في البلاد واستقبلت بحفاوة غير مسبوقة ووضعت أمام بانوراما سياسية ما كانت هي لتصدق أنها ستقع على كل ذلك لولا التسابق المحموم بين أحزاب المشترك والشعبي العام على كسب ثقتها وانتظار ما الذي ستقوله للتنفيذ..
ومن الطبيعي أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي تنادي بالتغيير والديمقراطية وحقوق الإنسان ان تجد في خلافات التعددية السياسية ما يحقق لها الصورة التي لم تستطع رسمها في دول المنطقة، وان تعزز خطابها السياسي الذي أوشك ان يضمحل لأنه بدا أمام الآخرين خطاباً مليئاً بالإرهاب والتهديد والوعيد لم يستفد منه الآخرون شيئاً فلا ديمقراطية تمت ولا تم استئصال الإرهاب الذي عملت على تناميه، ولا تحققت أهمية احترام حقوق الإنسان.
إذاً فكل ما نادت به الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن سوى الصورة التي تحتمي بها للانطلاق إلى تحقيق سياستها البراجماتية.. وفي هذا السياق فإن اليمن لم يكن بمعزل عن هذه السياسة عدا أن الفعاليات السياسية من خلال القطيعة التي بينها والبحث عن حلول من الأجنبي قدمت ما هو مطلوب لأمريكا بسهولة ويسر، لنجد أن الخارجية الأمريكية تؤكد على قيم الديمقراطية وعلى وجود شباب متفتح يريد التغيير وان الوقوف إلى جانب وحدة اليمن مبني على مدى المتحقق من الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، بمعنى آخر أن اليمن إذا لم تستطع القضاء على الإرهاب "القاعدة" وما زالت تعيش في الاحتقانات فإن ثمة ضرورة للبحث عن طرق أخرى من أجل تجاوز كل ما يعمل على تنامي الإرهاب التي هي أحد أهم داعميه في دول المنطقة، والمبرر الأكثر قوة للتدخل في شؤون دول المنطقة وعسكرتها بما يحافظ على المصالح الأميركية ويسهم في موضعة المشروع الصهيوني.
والمؤسف حقاً أن هذا الوعي الذي تمتلكه الفعاليات السياسية عن الولايات المتحدة الأمريكية جرى تناسيه تماماً ولم يكن أمامهم جميعاً سوى التكتل كلٌ ضد الآخر بمنطق يكشف عن ثقافة مهزومة وعن ذات وطنية مفقودة لم يعد لها من هوية سوى ما يشكلها الآخر وفق رغباته ومصالحه.. من أجل ذلك تسعى أمريكا في اليمن إلى أن تنجز شيئاً ما هو قابل لأن يمتد بقوة إلى مصالحها، وفي ذات الوقت يؤكد أنها صانعة التغيير.. من هنا فإن وقوفها سيكون إلى جانب أحزاب المشترك.. وإلى أهمية التغيير في بنية النظام السياسي.. وإلى فتح مجالات أوسع للمشاركة السياسية بين كافة فئات المجتمع ما دام وذلك قابلاً لأن يصير واقعاً ويشكل مكسباً لأمريكا تثبت للعالم من خلاله أنها قد أنجزت شيئاً من التغيير واليمن خير مثال بغض النظر عن اعتمالات المستقبل التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة بفعل هذه السياسة الأمريكية الراغبة في إحداث تغيير يقوم على الانتخابات الرئاسية بالدرجة الأولى والتوافق بين الفعاليات السياسية في الانتخابات البرلمانية.. ومن حيث لا تدري الفعاليات السياسية قدمت خدمة لأمريكا ما كانت لتصل إليها لولا التباينات السياسية بين شركاء الوطن وتمترس كل منهم ضد الآخر والبحث عن استقواء بالأجنبي والانتماء إليه نكاية بالآخر، في حين أنه كان يمكن ان تكون الحالة اليمنية في مستوىً عالٍ من الأمن والاستقرار لو أن ثمة اعترفاً بالآخر وتنازلات حقيقية لمصلحة الوطن قدمها الفرقاء دونما مواربة أو ادعاء أو خطاب تحريضي تأزيمي يدفع بالوطن إلى حافة الهاوية وإلى مستوى يفسح المجال للتدخل الخارجي كما هو الحال بالنسبة لأمريكا التي بدت وزيرة خارجيتها وكأنها (اليسوع الجديد) المنقذ والمخلص للحالة اليمنية المأزومة، في حين أنها لم تكن تبحث إلا ما يعزز نفوذها، وقد وجدت في الفعاليات السياسية والمسألة الديمقراطية ما كانت تريده بيسر وسهولة ليجد النظام السياسي نفسه أمام الخسارة وجهاً لوجه فما كان يرغب أن تقوم به أمريكا لصالحه لم يحدث إن لم يكن على العكس من ذلك رغم التنازلات الكبيرة التي قدمها لأمريكا والتي وصلت إلى العربدة في الأرض اليمنية، وقصف "المعجلة" بالطائرات الأمريكية ليس ببعيد، كما ان فتح مجالات التدخل العسكري والسياسي...الخ كان واسعاً ومع ذلك فإن الانحياز إلى المشترك والتعددية السياسية هو الذي لا بد أن يكون مادام وذات القوى تراهن على أمريكا وتطلب رضاها وتعمل في إطار المصلحة الأمريكية فأولى إذاً للبيت الأبيض أن يضفي على مطامعه الطابع الديمقراطي بوقوفه إلى جانب التغيير وإلى إنجاز ديمقراطية التداول السلمي للسلطة، ويبدو أن ذلك قد بدت ملامحه لدى السلطة السياسية لتتحول إلى صاحبة السيادة الوطنية وإلى إدانة واستنكار لهذه الأحزاب ((التي اخترقت الدستور حينما التقت بالسيدة كلينتون وتعاملت مع الخارج وهو الغير مسموح به دستورياً))، أي ان استحضار الدستور هنا ينبثق فقط من المصلحة للنظام فإن كان يلبي الرغبة والطموح فلا بأس من اختراقه وإن كان غير ذلك فالرجوع إلى الوطني والمقدس والثوابت هو الأولى على ما عداه.
وهكذا نجد أن الفعاليات السياسية مجتمعة انبنت سياستها وتطلعاتها على المكايدة ومحاولة التفرد بالسلطة والاستقواء بالأجنبي وعلى إلغاء الآخر الذي كان ذات يوم شريكاً وطنياً وصانع انتصارات وبفعل غياب هذه الشراكة حدثت العديد من الأزمات المتوالية.. ووجد الوطن اليمني نفسه معرضاً للأخطار من حراك انفصالي في الجنوب وتمرد حوثي مسلح في الشمال وإرهاب قاعدة وفساد مالي وإداري.. الخ، وما كان كل ذلك ليحدث لو أن توافقاً واتفاقاً بين الفعاليات السياسية قد تم، ولما استطاعت أمريكا ان تبدو في ثياب الراهب هي صانعة الأمن والاستقرار والتعايش بين الفرقاء وتشتغل على ما يقدمها دولة راعية للديمقراطية وصانعة التغيير تنحاز للقوى الجديدة الشابة وليس لنظام مترهل يتداعى في أكثر من مكان ولم يستطع ان يقيم العلاقة التي يجب مع الآخر والذي تحميه وطنياً من أية قوى أجنبية نافذة.
وهو الخطأ الذي ارتكبه الجميع حينما أداروا الظهر للحوار الوطني واتجهوا صوب الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية علاقة ماضوية كان يظن السلطوي أنها تصنع مستقبلاً يغنيه عن الحوار مع المشترك، وهو ما لم يتحقق إذ أن البيت الأبيض في المستوى السياسي يتعامل برؤية براجماتية خالصة يغيب فيها العاطفي تماماً.. ويبدو النظر إلى المستقبل بمعزل عن العلاقة مع الماضي وتحديداً مع بلدان العالم الثالث التي يجب أن تكون في محصلتها تعبّر عن المصلحة الأمريكية.. وليس خلع شاه إيران "محمد رضا بهلوي" ببعيد فلقد تخلت عنه أمريكا رغم خدماته الكبيرة لها ورغم أنه كان الامتداد القوي لنفوذها، والذي سرعان ما تركته يعيش الهزيمة بمرارة، وهي تدعم الثورة الإيرانية اللاعلمانية بدلاً عن نظام كان في الأساس علمانياً وفي حاضنة السياسة الأمريكية، ومع كل هذا فإن المصلحة في التغيير الذي رأته ضرورة.. فإذا كان الحالُ كذلك بالنسبة لأقوى حليف كان مع أمريكا فكيف إذاً باليمن والتي تدفع به أمريكا إلى الفوضى الخلاقة عبر القاعدة حيناً والحراك حيناً آخر وحماية الأقليات (التمرد الحوثي في صعدة) الذي ترى فيه امتداداً شيعياً لطهران في مواجهة التيار السني العصي على التطويع والذي لم يكن في كل مساراته وتحولاته إلا مناهضاً للاستعمار بكل أشكاله ومقاوماً للمشروع الصهيوأمريكي، وعلى العكس من ذلك التيار الشيعي الاثني عشري الذي يشكل الحليف الأكثر التزاماً وصدقاً للأطماع الصهيوأمريكية.. والحوثية في اليمن أنموذج ينبغي الحفاظ عليه وتنميته باسم حقوق الأقليات إلى جانب التعهد برعاية التغيير في اليمن على مدى المستقبل المنظور والذي لم تكن السلطة تحسب له، وكانت ترى أنها بخدماتها لأمريكا قد استطاعت أن تشكل علاقة متينة تستقوي بها في الوقوف ضد الآخر وطنياً وهو ما لم يحدث باعتبار أن الآخر هذا "المشترك" هو أيضاً سعى إلى أن يكسب ودَّ الأجنبي وقدّم نفسه كقوة جديدة إلى مستوى الارتهان الذي يمنح أمريكا فرصة الإدعاء بالتغيير أولاً، ودون أي مساس بمصالحها. وهو ما دفع بـ (هيلاري كلينتون) وزيرة الخارجية الأمريكية أن تلقي التصريحات المقلقة للسلطة، والمعبّرة عن الحاجة إلى الجديد باعتبار أنها وجدت - حد قولها- في الشباب طموحاً ينشد التغيير والديمقراطية، من أجل ذلك ستقف إلى جانب هذا الطموح، وترى إلى ما يحدث في اليمن من صراع سياسي بأنه قابل لأن ينتج عنه متغير يقدم رسالة تريدها للعالم أنها مع التغيير، مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن اليمن أحد مفردات هذه الدول التي أنتجت تجربة أمريكية بامتياز.. وإذا كان قد ساء الحظ بالنسبة للبيت الأبيض في بغداد وأفغانستان مثلاً فإنه قد يحالفه في اليمن ما دام وثمّة تسابق على كسب الرهان الأمريكي وعلى الارتهان للخارج من كل أطراف التعددية السياسية..
وإذاً فإنَّ الجميع قد وقع في الخطأ الذي استفاد منه الأجنبي بفعل عدم القدرة على تجاوز الخلافات من أجل الوطن وإقامة شراكة بناء وتقدم تحقق الأمن والاستقرار الكفيل بشطب أي تدخلات خارجية..
ولعل هذا الخطأ هو الذي ستدفع ثمنه اليمن اليوم بإفقادها السيادة والاستقلال والقدرة على مكافحة التطرف والإرهاب الذي ينجز مهاماً لصالح الأجنبي ويفتح نوافذ عديدة لتدخلات خارجية لم تعد إملاءات سياسية فقط قدر ما هي اليوم أشبه بالاحتلال العسكري وعسكرة الأرض اليابسة والمياه، هذا مع اختلاق الكثير من المشاكل التي قد نراها في المستقبل بالنسبة للجزر اليمنية ولاضطراب علاقات الوطن بأشقائه بفعل وجود التمرد الحوثي في الشمال وتنامي نشاطاته، والذي يشكل قوة ضغط كبيرة على النظام في اليمن بما يمكن أن يقدمه من تحالفات مع الخارج في توتير العلاقة مع المملكة العربية السعودية، لتصبح الحالة اليمنية هنا قابلة للتشظي والتجزئة كخيار إضافي تشتغل عليه الولايات المتحدة الأمريكية ما لم يتحقق لها مشروعها مع التغيير الذي تريده انجازاً من خلال قوى جديدة بوْصلتها أمريكية خالصة ما دامت في المحصلة لا تعمل من خلال حوار وطني صادق يقدم الرؤية الصحيحة لمستقبلٍ الجميعُ فيه شركاء لا فرقاء.. وهو ما لم ولن يحدث سيما بعد أن تحقق النفوذ الأمريكي في اليمن برضى جميع الفعاليات السياسية، وهو ما لم يحدث في التاريخ اليمني المعاصر بإجماع كهذا، أن تكون أمريكا هي الخصم والحكم وهي التي يسند إليها حلحلة الوضع الراهن في اليمن كما تريد وكيف تريد وتلك أزمة مستقبل قادم..
عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التدخل في شؤون المنطقة باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان واحتلت الكثير من البلدان تحت هذا المسمى كما هو حال العراق، أفغانستان، وفي ذات السياق نفسه تأتي زيارة وزير الخارجية هيلاري كلينتون باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب فإنها بذلك تعزز مكانتها الشرق أوسطية وتريد اليمن موطئاً لها لما يحتله من أهمية بالغة باعتباره يقع على أهم ممر مائي وهو البوابة الجنوبية للأرض المليئة بالثروات البترولية، فهو إذاً يحتل الأهمية لدى السياسة الأمريكية والتعامل معه مبني على هذا الأساس.. لذلك فإن الخلافات التي وصلت إلى مستوى غير مقبول بين أحزاب المشترك والشعبي العام قد فتحت الباب للتدخل الخارجي فكان لأمريكا حضورها القوي والبارز حيث استطاعت هيلاري كلينتون ان تلتقي بالمعارضة ومنظمات المجتمع المدني والسلطة السياسية في البلاد واستقبلت بحفاوة غير مسبوقة ووضعت أمام بانوراما سياسية ما كانت هي لتصدق أنها ستقع على كل ذلك لولا التسابق المحموم بين أحزاب المشترك والشعبي العام على كسب ثقتها وانتظار ما الذي ستقوله للتنفيذ..
ومن الطبيعي أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي التي تنادي بالتغيير والديمقراطية وحقوق الإنسان ان تجد في خلافات التعددية السياسية ما يحقق لها الصورة التي لم تستطع رسمها في دول المنطقة، وان تعزز خطابها السياسي الذي أوشك ان يضمحل لأنه بدا أمام الآخرين خطاباً مليئاً بالإرهاب والتهديد والوعيد لم يستفد منه الآخرون شيئاً فلا ديمقراطية تمت ولا تم استئصال الإرهاب الذي عملت على تناميه، ولا تحققت أهمية احترام حقوق الإنسان.
إذاً فكل ما نادت به الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن سوى الصورة التي تحتمي بها للانطلاق إلى تحقيق سياستها البراجماتية.. وفي هذا السياق فإن اليمن لم يكن بمعزل عن هذه السياسة عدا أن الفعاليات السياسية من خلال القطيعة التي بينها والبحث عن حلول من الأجنبي قدمت ما هو مطلوب لأمريكا بسهولة ويسر، لنجد أن الخارجية الأمريكية تؤكد على قيم الديمقراطية وعلى وجود شباب متفتح يريد التغيير وان الوقوف إلى جانب وحدة اليمن مبني على مدى المتحقق من الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب، بمعنى آخر أن اليمن إذا لم تستطع القضاء على الإرهاب "القاعدة" وما زالت تعيش في الاحتقانات فإن ثمة ضرورة للبحث عن طرق أخرى من أجل تجاوز كل ما يعمل على تنامي الإرهاب التي هي أحد أهم داعميه في دول المنطقة، والمبرر الأكثر قوة للتدخل في شؤون دول المنطقة وعسكرتها بما يحافظ على المصالح الأميركية ويسهم في موضعة المشروع الصهيوني.
والمؤسف حقاً أن هذا الوعي الذي تمتلكه الفعاليات السياسية عن الولايات المتحدة الأمريكية جرى تناسيه تماماً ولم يكن أمامهم جميعاً سوى التكتل كلٌ ضد الآخر بمنطق يكشف عن ثقافة مهزومة وعن ذات وطنية مفقودة لم يعد لها من هوية سوى ما يشكلها الآخر وفق رغباته ومصالحه.. من أجل ذلك تسعى أمريكا في اليمن إلى أن تنجز شيئاً ما هو قابل لأن يمتد بقوة إلى مصالحها، وفي ذات الوقت يؤكد أنها صانعة التغيير.. من هنا فإن وقوفها سيكون إلى جانب أحزاب المشترك.. وإلى أهمية التغيير في بنية النظام السياسي.. وإلى فتح مجالات أوسع للمشاركة السياسية بين كافة فئات المجتمع ما دام وذلك قابلاً لأن يصير واقعاً ويشكل مكسباً لأمريكا تثبت للعالم من خلاله أنها قد أنجزت شيئاً من التغيير واليمن خير مثال بغض النظر عن اعتمالات المستقبل التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة بفعل هذه السياسة الأمريكية الراغبة في إحداث تغيير يقوم على الانتخابات الرئاسية بالدرجة الأولى والتوافق بين الفعاليات السياسية في الانتخابات البرلمانية.. ومن حيث لا تدري الفعاليات السياسية قدمت خدمة لأمريكا ما كانت لتصل إليها لولا التباينات السياسية بين شركاء الوطن وتمترس كل منهم ضد الآخر والبحث عن استقواء بالأجنبي والانتماء إليه نكاية بالآخر، في حين أنه كان يمكن ان تكون الحالة اليمنية في مستوىً عالٍ من الأمن والاستقرار لو أن ثمة اعترفاً بالآخر وتنازلات حقيقية لمصلحة الوطن قدمها الفرقاء دونما مواربة أو ادعاء أو خطاب تحريضي تأزيمي يدفع بالوطن إلى حافة الهاوية وإلى مستوى يفسح المجال للتدخل الخارجي كما هو الحال بالنسبة لأمريكا التي بدت وزيرة خارجيتها وكأنها (اليسوع الجديد) المنقذ والمخلص للحالة اليمنية المأزومة، في حين أنها لم تكن تبحث إلا ما يعزز نفوذها، وقد وجدت في الفعاليات السياسية والمسألة الديمقراطية ما كانت تريده بيسر وسهولة ليجد النظام السياسي نفسه أمام الخسارة وجهاً لوجه فما كان يرغب أن تقوم به أمريكا لصالحه لم يحدث إن لم يكن على العكس من ذلك رغم التنازلات الكبيرة التي قدمها لأمريكا والتي وصلت إلى العربدة في الأرض اليمنية، وقصف "المعجلة" بالطائرات الأمريكية ليس ببعيد، كما ان فتح مجالات التدخل العسكري والسياسي...الخ كان واسعاً ومع ذلك فإن الانحياز إلى المشترك والتعددية السياسية هو الذي لا بد أن يكون مادام وذات القوى تراهن على أمريكا وتطلب رضاها وتعمل في إطار المصلحة الأمريكية فأولى إذاً للبيت الأبيض أن يضفي على مطامعه الطابع الديمقراطي بوقوفه إلى جانب التغيير وإلى إنجاز ديمقراطية التداول السلمي للسلطة، ويبدو أن ذلك قد بدت ملامحه لدى السلطة السياسية لتتحول إلى صاحبة السيادة الوطنية وإلى إدانة واستنكار لهذه الأحزاب ((التي اخترقت الدستور حينما التقت بالسيدة كلينتون وتعاملت مع الخارج وهو الغير مسموح به دستورياً))، أي ان استحضار الدستور هنا ينبثق فقط من المصلحة للنظام فإن كان يلبي الرغبة والطموح فلا بأس من اختراقه وإن كان غير ذلك فالرجوع إلى الوطني والمقدس والثوابت هو الأولى على ما عداه.
وهكذا نجد أن الفعاليات السياسية مجتمعة انبنت سياستها وتطلعاتها على المكايدة ومحاولة التفرد بالسلطة والاستقواء بالأجنبي وعلى إلغاء الآخر الذي كان ذات يوم شريكاً وطنياً وصانع انتصارات وبفعل غياب هذه الشراكة حدثت العديد من الأزمات المتوالية.. ووجد الوطن اليمني نفسه معرضاً للأخطار من حراك انفصالي في الجنوب وتمرد حوثي مسلح في الشمال وإرهاب قاعدة وفساد مالي وإداري.. الخ، وما كان كل ذلك ليحدث لو أن توافقاً واتفاقاً بين الفعاليات السياسية قد تم، ولما استطاعت أمريكا ان تبدو في ثياب الراهب هي صانعة الأمن والاستقرار والتعايش بين الفرقاء وتشتغل على ما يقدمها دولة راعية للديمقراطية وصانعة التغيير تنحاز للقوى الجديدة الشابة وليس لنظام مترهل يتداعى في أكثر من مكان ولم يستطع ان يقيم العلاقة التي يجب مع الآخر والذي تحميه وطنياً من أية قوى أجنبية نافذة.
وهو الخطأ الذي ارتكبه الجميع حينما أداروا الظهر للحوار الوطني واتجهوا صوب الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية علاقة ماضوية كان يظن السلطوي أنها تصنع مستقبلاً يغنيه عن الحوار مع المشترك، وهو ما لم يتحقق إذ أن البيت الأبيض في المستوى السياسي يتعامل برؤية براجماتية خالصة يغيب فيها العاطفي تماماً.. ويبدو النظر إلى المستقبل بمعزل عن العلاقة مع الماضي وتحديداً مع بلدان العالم الثالث التي يجب أن تكون في محصلتها تعبّر عن المصلحة الأمريكية.. وليس خلع شاه إيران "محمد رضا بهلوي" ببعيد فلقد تخلت عنه أمريكا رغم خدماته الكبيرة لها ورغم أنه كان الامتداد القوي لنفوذها، والذي سرعان ما تركته يعيش الهزيمة بمرارة، وهي تدعم الثورة الإيرانية اللاعلمانية بدلاً عن نظام كان في الأساس علمانياً وفي حاضنة السياسة الأمريكية، ومع كل هذا فإن المصلحة في التغيير الذي رأته ضرورة.. فإذا كان الحالُ كذلك بالنسبة لأقوى حليف كان مع أمريكا فكيف إذاً باليمن والتي تدفع به أمريكا إلى الفوضى الخلاقة عبر القاعدة حيناً والحراك حيناً آخر وحماية الأقليات (التمرد الحوثي في صعدة) الذي ترى فيه امتداداً شيعياً لطهران في مواجهة التيار السني العصي على التطويع والذي لم يكن في كل مساراته وتحولاته إلا مناهضاً للاستعمار بكل أشكاله ومقاوماً للمشروع الصهيوأمريكي، وعلى العكس من ذلك التيار الشيعي الاثني عشري الذي يشكل الحليف الأكثر التزاماً وصدقاً للأطماع الصهيوأمريكية.. والحوثية في اليمن أنموذج ينبغي الحفاظ عليه وتنميته باسم حقوق الأقليات إلى جانب التعهد برعاية التغيير في اليمن على مدى المستقبل المنظور والذي لم تكن السلطة تحسب له، وكانت ترى أنها بخدماتها لأمريكا قد استطاعت أن تشكل علاقة متينة تستقوي بها في الوقوف ضد الآخر وطنياً وهو ما لم يحدث باعتبار أن الآخر هذا "المشترك" هو أيضاً سعى إلى أن يكسب ودَّ الأجنبي وقدّم نفسه كقوة جديدة إلى مستوى الارتهان الذي يمنح أمريكا فرصة الإدعاء بالتغيير أولاً، ودون أي مساس بمصالحها. وهو ما دفع بـ (هيلاري كلينتون) وزيرة الخارجية الأمريكية أن تلقي التصريحات المقلقة للسلطة، والمعبّرة عن الحاجة إلى الجديد باعتبار أنها وجدت - حد قولها- في الشباب طموحاً ينشد التغيير والديمقراطية، من أجل ذلك ستقف إلى جانب هذا الطموح، وترى إلى ما يحدث في اليمن من صراع سياسي بأنه قابل لأن ينتج عنه متغير يقدم رسالة تريدها للعالم أنها مع التغيير، مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن اليمن أحد مفردات هذه الدول التي أنتجت تجربة أمريكية بامتياز.. وإذا كان قد ساء الحظ بالنسبة للبيت الأبيض في بغداد وأفغانستان مثلاً فإنه قد يحالفه في اليمن ما دام وثمّة تسابق على كسب الرهان الأمريكي وعلى الارتهان للخارج من كل أطراف التعددية السياسية..
وإذاً فإنَّ الجميع قد وقع في الخطأ الذي استفاد منه الأجنبي بفعل عدم القدرة على تجاوز الخلافات من أجل الوطن وإقامة شراكة بناء وتقدم تحقق الأمن والاستقرار الكفيل بشطب أي تدخلات خارجية..
ولعل هذا الخطأ هو الذي ستدفع ثمنه اليمن اليوم بإفقادها السيادة والاستقلال والقدرة على مكافحة التطرف والإرهاب الذي ينجز مهاماً لصالح الأجنبي ويفتح نوافذ عديدة لتدخلات خارجية لم تعد إملاءات سياسية فقط قدر ما هي اليوم أشبه بالاحتلال العسكري وعسكرة الأرض اليابسة والمياه، هذا مع اختلاق الكثير من المشاكل التي قد نراها في المستقبل بالنسبة للجزر اليمنية ولاضطراب علاقات الوطن بأشقائه بفعل وجود التمرد الحوثي في الشمال وتنامي نشاطاته، والذي يشكل قوة ضغط كبيرة على النظام في اليمن بما يمكن أن يقدمه من تحالفات مع الخارج في توتير العلاقة مع المملكة العربية السعودية، لتصبح الحالة اليمنية هنا قابلة للتشظي والتجزئة كخيار إضافي تشتغل عليه الولايات المتحدة الأمريكية ما لم يتحقق لها مشروعها مع التغيير الذي تريده انجازاً من خلال قوى جديدة بوْصلتها أمريكية خالصة ما دامت في المحصلة لا تعمل من خلال حوار وطني صادق يقدم الرؤية الصحيحة لمستقبلٍ الجميعُ فيه شركاء لا فرقاء.. وهو ما لم ولن يحدث سيما بعد أن تحقق النفوذ الأمريكي في اليمن برضى جميع الفعاليات السياسية، وهو ما لم يحدث في التاريخ اليمني المعاصر بإجماع كهذا، أن تكون أمريكا هي الخصم والحكم وهي التي يسند إليها حلحلة الوضع الراهن في اليمن كما تريد وكيف تريد وتلك أزمة مستقبل قادم..